إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [31]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [31]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ثبت بالشرع تسلط الجن على الإنس وأذيتهم لهم، ومن ذلك ما وقع مع النبي صلى الله عليه وسلم من علاجه لبعض من صرعهم الجن، تارة بقراءة آيات من القرآن عليه، وتارة بضرب المصروع بطرف ثوبه وأمره الجني بالخروج، وقد عالج الصحابة بالرقية مثل نبيهم عليه الصلاة والسلام، كما حصل لحارثة بن الصلت حين رقي مصروعاً في حي من أحياء العرب، وكما حصل لابن مسعود حين رقى مصروعاً بأواخر سورة المؤمنون.

    1.   

    بقية الروايات في علاج النبي صلى الله عليه وسلم للصرع

    رواية أبي بن كعب في رقية المصروع

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل لنا أمورنا، واقض حوائجنا، اللهم لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، وحلمك بعد علمك، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

    فكنا نتكلم عن كلمة الإمام الذهبي عن حديث جابر أنه: منكر، وقلنا في ذلك نظر إلا إن قصد بالمنكر تفرد الراوي أبي جناب بالرواية، وذكرنا أن العلماء يطلقون المنكر تارة ويريدون به شدة الضعف وفحشه، وتارةً يطلقون النكارة على التفرد بالرواية، ولذلك يقولون: منكر صحيح، ومنكر حسن، ومنكر ضعيف، يعني تفرد به راو وهو صحيح، وهو حسن، وهو ضعيف، فإذا كان قصد الذهبي بأنه انفرد بهذه الرواية في هذا الإسناد فصحيح، نعم ضعفه الدارقطني إلا أن الحديث معناه صحيح وذكره جماعة، وما تقدم معنا من الأحاديث يدل عليه تماماً شبراً بشبر وذراعاً بذراع.

    والحديث نص على تحسينه السيوطي في الإتقان في الجزء الرابع صفحة تسع وخمسين ومائة، قال السيوطي : رواه عبد الله في زوائد المسند بسند حسن، والراوي الذي تكلم على الحديث بسببه هو يحيى بن أبي حية ، قال الحافظ في التقريب: ضعفوه لكثرة تدليسه، وتوفي سنة خمسين ومائة للهجرة أو قبلها، وحديثه في السنن الأربعة إلا النسائي ، يكنى: أبا جناب الكلبي ، وقال الذهبي في الكاشف: قال النسائي وغيره: ليس بالقوي، توفي سنة سبع وأربعين ومائة، وقال في المغني في الضعفاء: قال أبو زرعة : إنه صدوق يدلس ، وقال النسائي والدارقطني : ضعيف، وقال يحيى القطان : لا أستحل أن أروي عنه.

    ولفظ الحديث من رواية أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه أعرابي فقال: يا نبي الله! إن لي أخاً وبه وجع، قال: وما وجعه؟ قال: به لمم )، وهو: الصرع الذي يصيب الإنسان من قبل الجن، ( قال: فائتني به، قال: فوضعه بين يديه فعوذه النبي صلى الله عليه وسلم بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أول سورة البقرة، وهاتين الآيتين وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [البقرة:163-164]، وآية الكرسي اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] إلى آخر الآية الكريمة، وثلاث آيات من آخر سورة البقرة تبتدئ بقول الله: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:284] ).

    وتقدم معنا حديث صحيح ثابت عن أبي مسعود الأنصاري أن الآيتين من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه تبدأان من قول الله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [البقرة:285].

    وهذا الحديث عن أبي : ( وثلاث آيات من آخر سورة البقرة، وآية من آل عمران شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] ، وآية من الأعراف إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] )، وقد ورد في عمل اليوم والليلة لـابن السني بسند ضعيف أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقراءة هذه الآية عند مجيء الطلق للمرأة في حال الوضع ليسهل عليها وضعها بإذن ربها جل وعلا.

    وتمام حديث أبي : ( وآخر آية المؤمنين فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:116]، والذي يظهر أن المراد من هذه الآية إلى آخر السورة، وليس هذه الآية فقط، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:116-118] يعني ثلاث آيات، تبدأ من هذه الآية، وآية من سورة الجن وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا [الجن:3]، وعشر آيات من أول سورة الصافات، وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا [الصافات:1-2] ، وثلاث آيات من آخر سورة الحشر وهي أسماء الله الحسنى هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [الحشر:22] إلى آخره، و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، والمعوذتين، عوذه النبي عليه الصلاة والسلام بهذه السور والآيات، فقام الرجل كأنه لم يشتك قط) رواه عبد الله بن أحمد وفيه أبو جناب وفيه ضعف، لكثرة التدليس، وقد وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح كما تقدم معنا عن الهيثمي في المجمع، وقلت: نص السيوطي على تحسينه لشواهده، وبهذا يجمع بين كلام أئمتنا، وعليه فهذه الرواية ممكن أن تكون أيضاً مقبولةً ثابتةً يحتج بها.

    رواية أبي ليلى الأنصاري في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي يشكو ما يصيب أخاه

    الرواية الخامسة التي تتعلق بمعالجة نبينا عليه الصلاة والسلام للمصروعين رواية أبي ليلى الأنصاري رواها عنه ولده عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وأبو ليلى صحابي جليل شهد أحداً وما بعدها، وعاش إلى خلافة سيدنا علي رضي الله عنهما، وشهد مع علي جميع مشاهده التي وقعت بينه وبين من خالفه رضي الله عنهم أجمعين، انظر ترجمته في أسد الغابة في الجزء السادس صفحة ست وستين ومائتين، واسمه بلال ، وقيل بليل بالتصغير، وقيل: اسمه داود ، وقيل: يسار ، وقيل: قيس ، فهذه خمسة أقوال في تعيين اسمه، وروايته في سنن ابن ماجه في حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه في الجزء الثاني صفحة خمس وسبعين ومائة بعد الألف، وروايته رواها أيضاً أبو يعلى ، ورواها ابن السني في عمل اليوم والليلة صفحة ست وثلاثين ومائتين.

    ورواية أبي يعلى رواها عبد الرحمن عن رجل عن أبيه، وأما رواية ابن ماجه فرواها عبد الرحمن عن أبيه مباشرةً، ولذلك قال الهيثمي في المجمع في الجزء الخامس صفحة خمس عشرة ومائة: فيه من لم يسم، يعني هذا الرجل المبهم، وأبو جناب في الإسناد، وعبد الرحمن سمع من أبيه؛ لأن عبد الرحمن تابعي وعليه تارةً روى عنه بواسطة، وتارةً رواها عنه مباشرةً، كما في تهذيب التهذيب في الجزء السادس صفحة ستين ومائتين، وكذا في السير نص على أنه سمع من أبيه في الجزء الرابع صفحة اثنتين وستين ومائتين.

    وعبد الرحمن بن أبي ليلى إمام ثقة، حديثه مخرج في الكتب الستة، توفي سنة ثلاث وثمانين، قيل: انطلقت به دابته في النهر فغرق ومات، وقيل: قتل في موقعة الجنادل التي حصلت بين القراء الذين خرجوا على إمام السفهاء الحجاج بن يوسف الثقفي بقيادة ابن الأشعث ، وقيل لها موقعة الجنادل لكثرة من قتل فيها، فوقعت جنادلهم وكانت سنة اثنتين أو ثلاثاً وثمانين للهجرة، واختلف في إدراكه عمر وروايته عنه، وأدرك عثمان وعلياً رضي الله عنهما، وكان يقول: أدركت عشرين ومائةً من الأنصار من أصحاب النبي المختار عليه صلوات الله وسلامه، كان الرجل منهم إذا سئل عن شيء ود لو أن أخاه كفاه، أي: الجواب وهو لا يجيب.

    وقال عبد الله بن الحارث في بيان منزلة ومكانة عبد الرحمن بن أبي ليلى : ما ظننت أن النساء ولدن مثله، ولفظ الحديث من سنن ابن ماجه :

    حدثنا أبو جناب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى دون أن يكون بينهما واسطة، قال: (كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه أعرابي فقال: إن لي أخاً وجعاً، قال: ما وجع أخيك؟ قال: به لمم يا رسول الله -كما تقدم معنا في رواية أبي بن كعب - قال: اذهب فائتني به، قال: فذهب فجاءه به فأجلسه بين يديه فسمعته يعوذه بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أول البقرة، وآيتين من وسطها وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:163] وآية الكرسي وثلاث آيات من خاتمتها وآية من آل عمران أحسبه قال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران:18]، وآية من الأعراف إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الأعراف:54]، وآية من المؤمنين وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ [المؤمنون:117] إلى آخرها).

    وهنا في سنن ابن ماجه (وآية من المؤمنين وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117] ) وما ذكر الآية التي قبلها، كما ذكرها في الحديث السابق وهي قوله: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:116]، وهي ثلاث آيات متتابعات، ويقصد بآية من المؤمنين هذه الآية الأخيرة وما بعدها، ( وآية من الجن وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا [الجن:3]، وعشر آيات من أول الصافات )، وفي المجمع: وعشر آيات من أول الصف، وهذا غلط في الطباعة، لا في الرواية ( وثلاث من آخر الحشر، وقل هو الله أحد، والمعوذتين، فقام الأعرابي قد برئ ليس به بأس)، كما تقدم معنا في رواية أبي بن كعب رواه الحاكم في المستدرك من حديث أبي جناب وقال: هذا الحديث محفوظ صحيح، لكن ليس من رواية أبي ليلى بل من رواية أبي بن كعب فلا بد من تمييز هذه الرواية عن تلك، وهذه الرواية يشهد لها ما قبلها وما تقدمها من روايات فتعتضد بها إن شاء الله.

    رواية أم أبان عن جدها في قصة المصروع الذي ضربه النبي بطرف ثوبه فشفي

    الرواية السادسة، رواية أم أبان وهي هند بنت الوازع عن أبيها الوازع روت عن جدها أيضاً زارع ، فهي هند بنت الوازع بن زارع ، وحديثها في المسند ومعجم الطبراني الكبير كما في المجمع في الجزء التاسع صفحة اثنتين، ورواه أبو داود الطيالسي والبغوي كما في الإصابة للحافظ ابن حجر في الجزء الثالث صفحة أربع وعشرين وأربعمائة.

    قال الهيثمي في المجمع: هند بنت الوازع لم أعرفها، وهي أم أبان ، ولم يرو عنها غير مطر بن عبد الرحمن العبدي الأعنق ، وهي روت عن أبيها الوازع ، وروايتها عن أبيها في مسند أحمد ، وأبوها الوازع صحابي، كما نص على ذلك ابن حجر في ترجمته في الإصابة في الجزء الثالث صفحة سبع وعشرين وستمائة فقال: ذكره في الصحابة الإمام أحمد وابن قانع وآخرون، وروت أيضاً عن جدها وهو زارع ، في معجم الطبراني الكبير ومسند أبي داود الطيالسي ، وهو زارع بن عامر ويقال: ابن عمرو العبدي ، وهو من عبد قيس من بلاد البحرين كنيته أبو الوازع ، وهو من الصحابة.

    قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة زارع في الجزء الأول صفحة اثنتين وأربعين وخمسمائة: روت عنه ابنة ابنه وهي أم أبان بنت الوازع ، وذكر أبو الفتح الأزدي أنها تفردت بروايته، وقال الحافظ في تعجيل المنفعة صفحة ستين وخمسمائة، هند بنت الوازع كنيتها أم أبان روت عن أبيها وجدها، مترجم لها في التهذيب في الكنى، يعني الجزء الثاني عشر من تهذيب التهذيب في كنى النساء.

    وقال في تهذيب التهذيب في الجزء الثاني عشر صفحة ثمان وخمسين وأربعمائة: أخرج حديثها الإمام أحمد في مسنده وأبو داود الطيالسي ، ثم رمز لها في التهذيب (بخت )وأنها من رجال السنن الأربعة، بخت البخاري في الأدب المفرد والسنن الأربعة وهذا غلط في طبع التهذيب، فإنه لم يرو لها من أهل السنن الأربعة إلا أبو داود ، لذلك في التقريب في جميع الطبعات وفي الكاشف وفي غير ذلك ممن ترجمها قال: لم يخرج لها أحدٌ من أهل الكتب الستة إلا أبو داود في السنن، ثم قال عنها في التقريب: مقبولة، أي: تقبل روايتها إذا توبعت، وهكذا إذا اعتضدت، (بخ د) هذا في التقريب، والراوي عنها كما تقدم معنا هو مطر بن عبد الرحمن العبدي الأعنق وهو صدوق، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود في السنن، وأم أبان جدة مطر ، فـمطر يروي عن جدته، وهي تروي عن أبيها وجدها.

    وعلى كل حال هي مقبولة، بعض طلبة العلم في هذه الأيام لما ترجم لها وتعرض لهذا الحديث في كتاب وقاية الإنسان من الجن والشيطان صفحة أربعة وخمسين ذكر عجباً، قال: أم أبان روى لها البخاري في صحيحه، وقد جاوزت القنطرة، والذي يبدو لي -والعلم عند ربي- أنه اشتبه عليه (بخ) فظن أنه البخاري، والبخاري في الأدب في المفرد ما اشترط ألا يخرج إلا صحيحاً، وعندنا صحيح مسلم ينقسم إلى قسمين: المقدمة والصحيح، ما قبل كتاب الإيمان مقدمة وما التزم مسلم فيها الصحة، ولذلك إذا عزوت فقلت: رواه مسلم في المقدمة، فهذا ليس له شرط الصحيح فقد يكون صحيحاً وقد لا يكون، وهكذا البخاري في الأدب المفرد أو في تاريخه، فقوله: روى لها البخاري في صحيحه وقد جاوزت القنطرة هذا وهم قطعاً وجزماً، وهو مردود، إنما روى لها البخاري في الأدب المفرد، وأهل السنن لم يرو لها منهم إلا أبو داود والعلم عند الله جل وعلا.

    على كل حال فهي تروي هنا عن والدها الوازع ، وقلت: روته أحياناً عن جدها زارع ، فعن الوازع قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والأشج ) يعني: جاء أيضاً معه الأشج وهو رئيس قومه واسمه: المنذر بن عاصم ، أو عامر بن المنذر ومعهم رجل مصاب، (جاءوا في وفد إلى النبي عليه الصلاة والسلام الوازع والأشج ومعهم رجل مصاب، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا النبي عليه الصلاة والسلام وثبوا عن رواحلهم فقبلوا يده، ثم نزل الأشج وعقل رواحلهم وأخرج عيبته)، العيبة: هي الصندوق الخاص الذي يضع الإنسان فيه أمتعته النفيسة والأشياء الخاصة به، كأنها صندوق خزانة، (ففتحها ثم أتى النبي عليه الصلاة والسلام فسلم) يعني: أخرج عيبته ففتحها ولبس أحسن الملابس وتطيب وأخرج الأشياء النظيفة وذهب بعد ذلك ليقابل النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا أشج إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة)، الحلم هو وفور العقل، والأناة: هي التأني والتؤدة في الأمور، (قال: يا رسول الله أنا أتخلقهما أو جبلني الله عليهما؟) يعني: أنا أتكلف هاتين الخصلتين أو جبلا في وركزا، وجعلهما الله فيّ (قال: بل جبلك الله عليهما، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله، فقال الوازع : يا رسول الله إن معي خالاً مصاباً فادع الله له، فقال: ائتني به، قال: فصنعت به مثل ما صنع الأشج فألبسته ثوبين فأتيته -يعني بهذا المصاب- فأخذ -أي النبي عليه الصلاة والسلام- طائفةً من ردائه فرفعها حتى رأيت بياض إبطه، ثم ضرب بظهره وقال: اخرج عدو الله، فولى وهو ينظر نظر رجل صحيح)، يعني: هذا المصاب عاد كما كان وليس فيه آفة، رواه أحمد. وفيه هند بنت الوازع ولم أعرفها، وبقية رجاله ثقات.

    ثم قال: (وعن أم أبان بنت الوازع عن أبيها أن جدها الوازع -وهذا غلط، بل جدها اسمه: الزارع- انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق معه بابن له مجنون أو بابن أخت له قالت: قال جدي: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قلت: يا رسول الله إن معي ابناً لي، أو ابن أخت لي مجنون آتيك به فتدعو الله جل وعلا له، قال: ائتني به، فانطلقت إليه وهو في الركاب فأطلقت عنه وألقيت عنه ثياب السفر وألبسته ثوبين حسنين وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أدنه مني واجعل ظهره مما يليني، ثم أخذ نبينا عليه الصلاة والسلام بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله وجعل يضرب ظهره حتى رأيت بياض إبطيه، ويقول: اخرج عدو الله، اخرج عدو الله، فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس نظره الأول، ثم أقعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه فدعا له فمسح وجهه، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضل عليه) رواه الطبراني وأم أبان لم يرو عنها غير مطر ، ومطر كما تقدم معنا ثقة صدوق، وحكم عليها بأنها مقبولة، وهو الكلام فيها، وفي الموضع السابق يقول: لم أعرفها.

    والأمر كما قال الحافظ : أنه لم يرو عنها إلا مطر ، وهي تابعية بنت صحابي، وتقدم معنا مراراً أن التابعي إذا لم يعلم فيه جرح -وإن روى عنه راو واحد- فأمره محمول على القبول، وقلت: يعتبر هذا في التابعين ولا يعتبر في غيرهم، ولو روى راويان صارت محل اتفاق على جواز الاستدلال به، وهي من رجال أبي داود ، واحتج بها البخاري في الأدب المفرد، وما في الإسناد آفة إلا هذا، وكما قال الحافظ ابن حجر هي مقبولة، وتقدم لهذا الحديث شواهد من حديث يعلى ومن حديث جابر وغيرهما رضي الله عنهم، فهو حديث لا ينزل عن درجة الحسن بشواهده والعلم عند الله جل وعلا.

    رواية ابن عباس في قصة المصروع الذي مسح النبي على صدره فتقيأ مثل الجرو الأسود

    الرواية السابعة: رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وتحتها عدة روايات.

    الرواية الأولى رواية ابن عباس رضي الله عنهما في المسند (1/239) ومعجم الطبراني الكبير، وعند الدارمي في سننه في المقدمة في الجزء الأول صفحة إحدى عشرة، وعند أبي نعيم في دلائل النبوة صفحة سبع وستين ومائة، وفيها فرقد السبخي تكلم فيه، وقد وثقه ابن معين والعجلي وضعفه غيرهما، كما قال الهيثمي في المجمع في أول حديث في الجزء التاسع صفحة اثنتين، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق عابد، لكنه لين الحديث كثير الخطأ، وحديثه حسن إن وجد لروايته ما يشهد له وما يتابعه وما يقويه فزال احتمال خطئه، هو يخطئ لكن إذا وافقت روايته رواية غيره فحديثه حسن، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة للهجرة، خرج حديثه الترمذي وابن ماجه القزويني .

    والرواية ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء السادس صفحة تسع وخمسين ومائة، ثم قال: وفيها فرقد السبخي .

    ولفظه عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن امرأةً جاءت بولدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن به لمماً -أي جنوناً وصرعاً من قبل الجن- وإنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا له، ففعَّ -يعني: سعل وتقيأ شيئاً من بطنه وفي لفظ فتعَّ بعين مثقلة، كأنك تقول: سعل سعلةً لكن خرج معها تقيء من بطنه- فخرج من فيه مثل الجرو الأسود -كأنه كلب صغير أسود- فشفي).

    وفي رواية (فتع أي فسعل) وهذه الرواية لا تنزل إن شاء الله عن درجة الحسن لما تقدم لها من شواهد أيضاً.

    الراوية الثانية لـعبد الله بن عباس رضي الله عنهما تدخل في هذا الباب كنت قرأتها من كتاب زاد المعاد وقلت: هي في الصحيحين كما قال ابن القيم ، وهي في المسند أيضاً، ورواها البخاري في الأدب المفرد، ورواها أبو داود الطيالسي في مسنده، وعبد الرزاق في مصنفه، وابن عبد البر في الاستيعاب، وابن منده في المعرفة، ورواها الخطيب في تاريخه، والطبراني في معجمه الكبير، والبزار في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، وهي صحيحة من رواية عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما عندما قال له: (ألا أريك امرأةً من أهل الجنة هذه المرأة السوداء) وهي أم زفر شعيرة أو شقيرة أو سعيرة كما تقدم معنا.

    قال الحافظ في الفتح في الجزء العاشر صفحة خمس عشرة ومائة: يؤخذ من الطرق التي أوردتها في هذه الرواية عند الشرح أن الذي كان بـأم زفر كان من صرع الجن لا من صرع الخلق، أي: ليست من الأخلاق بل من القوى الخفية وهي الجنية.

    قال ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة أم زفر في الكنى من النساء الصحابيات، في الجزء السابع صفحة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة: هي التي كان بها مس من الجن، ثم قال: وقد ورد في رواية أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: (إن صبرت لا حساب عليك في الآخرة)، والرواية المتقدمة (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت لك)، وهنا يقول: (إن شئت صبرت ولا حساب عليك في الآخرة، فقالت: بل أصبر، ثم قالت لإخوتها: دعوني كما أنا فتركوها) لأنها كانت تصرع في المسجد فجاء إخوتها فشكوا أمرها إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (إن شاءت صبرت ولا حساب عليها، وإن شئتم دعوت لها، فعرضوا الأمر عليها فقالت: أصبر، دعوني واتركوني)، وهذه الرواية ثابتة من رواية أبي هريرة وليس من رواية ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وإسنادها صحيح إن شاء الله، وهي الرواية الثامنة التي سأذكرها.

    وقد تقدمت معنا روايات عن عثمان بن أبي العاص ويعلى بن مرة ، وجابر بن عبد الله ، وأبي بن كعب ، وأبي ليلى الأنصاري ، والوازع والزارع، رواية واحدة من طريق ابنتهما أم أبان ، والرواية السابعة رواية عبد الله بن عباس .

    رواية أبي هريرة في قصة المرأة التي كانت تصرع فخيرها النبي بين دعائه لها وبين صبرها على مرضها

    والثامنة رواية أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد في المسند، والبزار في مسنده، وابن حبان في صحيحه، وحديثها لا ينزل عن درجة الحسن، وقد استشهد به الحافظ في الفتح -فهو على شرط الحسن- في الجزء العاشر صفحة خمس عشرة ومائة.

    وقال الهيثمي في المجمع في كتاب الطب: باب فيمن صبر على اللمم في الجزء الخامس صفحة مائة وست عشرة، قال: رجالها رجال الصحيح خلا محمد بن عمرو وهو ثقة وفيه ضعف.

    وكلام الهيثمي في محمد بن عمرو عزيز، وهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني ، صدوق له أوهام، حديثه مخرج في الكتب الستة، من رجال البخاري ومسلم ، وتوفي سنة خمس وأربعين ومائة، قوله: ثقة وفيه ضعف يعني: لعلهم يعتبرونه ثقة وضعفه بعضهم، لكن المعتمد أن حديثه لا ينزل عن درجة الحسن والعلم عند الله جل وعلا.

    وقد مثل أئمتنا للحديث الحسن لذاته بأنه إذا كان من رواية محمد بن عمرو بن علقمة الليثي فهو تام العدالة خفيف الضبط فإذا وجد له شاهد أو متابع يرتقي إلى درجة الصحة لغيره، كذا أئمتنا يقررون في كتب المصطلح، وفي الألفية يقول:

    إذا تابعوا محمد بن عمرو عليه فارتقى الصحيح يجري

    يعني: وجد له متابع يرتقي إلى درجة الصحيح مثل حديث السواك (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، في إسناده محمد بن عمرو لكن يقولون: وجد له شواهد فهو حسن لذاته صحيح لغيره.

    على كل حال قول الهيثمي : وهو ثقة وفيه ضعف لا يؤثر، فجميع رجاله رجال الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها لمم فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يشفيني، قال: إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك)، وفي رواية عبد الله بن عباس (ولك الجنة)، وهنا (فاصبري ولا حساب عليك، قالت: بل أصبر ولا حساب علي)، وهذا لأن مصيبة الدنيا وإن جلت لا وزن لها ولا اعتبار، فيكفي أنها منقضية، وكل ما سينقضي كأنه لم يقع، ولذلك هذه الدنيا:

    أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع

    رواية أسامة بن زيد في قصة الطفل الذي كان يصرع منذ ولادته وعلاج النبي له

    الرواية التاسعة: رواية أسامة بن زيد رضي الله عنه الحب بن الحب، رواها البيهقي في دلائل النبوة في الجزء السادس صفحة أربع وعشرين، وأبو نعيم في الدلائل أيضاً صفحة أربعين ومائة، وعزاها الشبلي في كتاب آكام المرجان صفحة أربع عشرة ومائة إلى ابن عساكر عليهم جميعاً رحمة الله.

    قال ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء السابع صفحة واحدة وأربعين ومائة: وهي من حديث معاوية بن يحيى الصدفي ، وهو ضعيف، يكنى أبا روح الدمشقي ، قال الحافظ في ترجمته في التقريب: ضعيف من رجال الترمذي وابن ماجه ، وما حدث بالشام أحسن مما حدث بالري، يعني أنه انتقل إلى بلاد الري وهو شامي، فحديثه في الشام أحسن من حديثه في بلاد الري عندما انتقل إليها، ثم رمز إلى أنه من رجال الترمذي وابن ماجه (ت ق)، وحديثه طويل، وابن كثير اختصره فقال: روى حديثاً طويلاً نحو سياق حديث يعلى بن مرة وجابر بن عبد الله كما تقدم معنا، وفيه قصة الصبي الذي كان يصرع ومجيء أمه بشاة مشوية، وقول النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (ناولني الذراع).

    ولفظ الحديث عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحجة التي حجها) أي: حجة الوداع، (حتى إذا كنا ببطن الروحاء نظر رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى امرأة تؤمه -تقصده وتريده- فحبس راحلته، فلما دنت منه قالت: يا رسول الله! هذا ابني والذي بعثك بالحق ما أفاق من يوم ولدته إلى يومه هذا، مصروع باستمرار كأنه مخنوق، قال: فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها فوضعه فيما بين صدره وواسطة الرحل ثم تفل في فيه وقال: اخرج يا عدو الله، فإني رسول الله، ثم ناولها إياه وقال: خذيه فلا بأس عليه، قال أسامة : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجته انصرف حتى إذا نزل بطن الروحاء أتته تلك المرأة بشاة قد شوتها فقالت: يا رسول الله أنا أم الصبي الذي أتيتك به في بطن الروحاء عندما كنت ذاهباً إلى الحج، قال: وكيف هو؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما رابني منه شيء بعد)، ما جاء شيء فيه ريبة ومشكلة فهو في أحسن صحة وعافية، (فقال لي: يا أسيم ) وهو تصغير أسامة ، وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا دعاه دائماً يرخمه مداعبةً له وكان صغيراً، توفي نبينا عليه الصلاة والسلام وعمر أسامة سبع عشرة سنة، في بداية سن الشباب.

    ما قلت حبيبي من التحقير بل يعذب اسم الشيء بالتصغير

    (يا أسيم ! خذ منها الشاة المشوية ثم قال: يا أسيم ناولني ذراعها)، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب الذراع فناولته، وكان أحب الشاة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام مقدمها، المقدمة منها، والمؤخرة ما يرغب فيها كثيراً عليه ثم قال: (يا أسيم ناولني ذراعاً فناولته)، والنبي عليه الصلاة والسلام ما كان يأكل الذراع بكاملها وإنما يأخذ وينهش منه ما تيسر ثم يعطيه من حوله إلا في حجة الوداع، ثم قال: (ناولني الذراع الثاني) يأكل منه ويعطيه من أجل البركة (فناولته، ثم قال: يا أسيم ناولني ذراعاً) يعني ثالثاً (قلت: يا رسول الله إنما هما ذراعان وقد ناولتك، قال: والذي نفسي بيده لو سكت لا زلت تناولني ذراعاً ما قلت لك: ناولني ذراعاً)، أي: لو طلبت منك ألف ذراع لأعطيتني، فلم تقول لا يوجد غير ذراعين؟

    وهذا الحديث ثابت مستفيض، جرى مع عدد من الصحابة الكرام، وليتهم استجابوا ليحصل ما لم يتوقعوه.

    ثبت هذا في المسند في معجم الطبراني الأوسط بسند حسن من رواية أبي يعلى ، كما في المجمع في الجزء الثاني صفحة إحدى عشرة وثلاثمائة في كتاب علامات النبوة، باب قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ناولني الذراع) بوب عليه باباً خاصاً وأورد فيه ثلاثة أحاديث عن ثلاثة من الصحابة الكرام، أولهم أبو رافع ، وفيه (أنه صنع للنبي عليه الصلاة والسلام شاةً مصلية -وهو من مواليه وخدامه- فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ناولني ذراعاً فناوله، ثم قال ناولني ذراعاً فناوله، ثم قال في الثالثة: ناولني ذراعاً فقال له: يا رسول الله! إنما هنا ذراعان للشاة قد ناولتك، فقال له: لو سكت لناولتني منها ذراعاً فإنك ما دعوت به)، ما دمت أدعو وأقول: هات ذراعاً هات ذراعاً فإنك تناولني.

    ورواه أحمد أيضاً في مسنده والطبراني في معجمه الكبير بسند حسن، قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح، وما فيه إلا شهر بن حوشب ، وقد وثقه غير واحد، وشهر تقدم معنا أنه صدوق كثير الإرسال، وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد، ومسلم في صحيحه، وأهل السنن الأربعة، وقلت: توفي سنة اثنتي عشرة ومائة، روى هذا الحديث عن سلمى وهي امرأة ضربها أبو رافع؛ وذلك عندما كان يصلي وأحدث فقالت له: أعد صلاتك، فضربها فشكته إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: ( لم ضربتها يا أبا رافع؟ فقال له: إنها تعترض علي، فقال: لم تؤذيه أنت يا سلمى ؟ قالت: يا رسول الله إنه كان يصلي فأحدث فأمرته أن يتوضأ، قال: ما أمرتك إلا بخير)، تقدم معنا في مباحث النبوة.

    والرواية الثالثة رواها الإمام أحمد في المسند عن رجل من بني غفار قال: حدثني فلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ناولني ذراعاً)، ورجال الإسناد ثقات لكن فيهم هذا الرجل الغفاري لم يسم، ومثلها في سنن الدارمي في الجزء الأول صفحة اثنتين وعشرين في المقدمة ما أكرم الله به نبيه عليه الصلاة والسلام في بركة الطعام، ثم قال: (يا أسيم انظر هل ترى من خمر لمخرج رسول الله عليه الصلاة والسلام) يراد بالخمر مكان مستور فيه انخفاض وحضرة يذهب إليها النبي عليه الصلاة والسلام يستتر بها، (هل ترى من خمر لمخرج رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فقلت: يا رسول الله قد دحس الناس الوادي -يعني ملئوه في حجة الوداع- فما فيه موضع، فقال: انظر هل ترى من نخل أو حجارة؟ فقلت: يا رسول الله قد رأيت نخلات متقاربات ورجماً من حجارة) يعني: مجموعة قليلة من الحجارة لو رجم بها إنسان لانتهت، (فقال: انطلق إلى النخلات فقل لهم: إن رسول الله عليه الصلاة والسلام يأمركن أن تدانين -تجتمعن- لمخرج رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقل للحجارة مثل ذلك، قال: فأتيتهن فقلت ذلك لهن، فوالذي بعثه بالحق نبياً لقد جعلت أنظر إلى النخلات يخددن -أي يشققن- الأرض خداً حتى اجتمعن، وأنظر إلى الحجارة يتقافزن حتى صرن رجماً خلف النخلات، فأتيته فقلت ذاك له، فقال: خذ الأداوة وانطلق، فلما قضى حاجته وانصرف قال: يا أسيم عد إلى النخلات والحجارة فقل لهن: إن رسول الله يأمركن أن ترجعن إلى مواضعكن).

    قال البيهقي : قد مضت شواهد هذا الحديث في هذا الباب، وفيه كما تقدم معنا معاوية بن يحيى الصدفي ، قلت: ولما روينا في حديث يعلى بن مرة في أمر البعير الذي شكا إلى النبي عليه الصلاة والسلام حاله بإسناد صحيح، وكأنه غير البعير الذي أراد نحره، والله أعلم، وأيضاً لحديث يعلى شواهد كثيرة، والعلم عند الله جل وعلا، فهذه رواية تاسعة.

    رواية أم جندب في الصبي المصروع الذي شرب من الماء الذي غسل النبي يديه فيه ومضمض فيه

    الرواية العاشرة رواها أبو نعيم في دلائل النبوة في صفحة سبع وستين ومائة من رواية سليمان بن عمرو بن الأحوص الجشمي عن أمه أم جندب وهي أزدية صحابية رضي الله عنها، وجميع رجال الإسناد ثقات، وما فيهم إلا سليمان بن عمرو بن الأحوص وهو مقبول كما حكم عليه الحافظ ابن حجر في التقريب، وهو من رجال السنن الأربعة، وكما تقدم معنا في التابعي أنه مقبول، ولفظ حديثه بمعنى الأحاديث المتقدمة، عن أمه أم جندب قالت: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم تبعته امرأة من خثعم ومعها صبي لها به بلاء -وهو المس والجنون- فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صبيي هذا وبقية أهلي به بلاء لا يتكلم)، كأنها تريد أن تقول: إن صبيي هذا به بلاء، وبقية أهلي أيضاً يصيبهم أيضاً بلاء بواسطة ما في هذا الصبي من بلاء، (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتوني بشيء من الماء، فأتي بماء فغسل يديه ثم مضمض فاه، ثم أعطاها فقال: اسقيه منه، وصبي عليه منه، فاستشفي الله له، قالت: فلقيت المرأة فقلت لها: لو وهبت لي منه، أي: أعطيني من هذا الماء لأشربه ولتشرب أسرتي، فقالت: إنما هو لهذا المبتلى، قالت: فلقيت المرأة من الحول فسألتها عن الغلام فقالت: برأ وعقل عقلاً ليس كعقول الناس).

    هذه روايات عشر كما قلت، والروايات في ذلك كثيرة ما أردت الاستقصاء، وأنتقل إلى شيء آخر من هذه الروايات في البداية والنهاية في الجزء السادس صفحة واحدة وأربعين ومائة، نقلا عن تاريخ ابن عساكر أنه ذكر مثل هذه الحوادث عن غيلان الثقفي ، الذي أسلم وعنده عشر نسوة فاختار أربعاً وفارق سائرهن.

    يقول ابن كثير في البداية والنهاية: روى ابن عساكر في ترجمة غيلان أنه قال رضي الله عنه: (خرجنا مع النبي عليه الصلاة والسلام فرأينا عجباً) قال ابن كثير : فذكر قصة الشجرتين أيضاً كما تقدم، واستتار النبي عليه الصلاة والسلام بهما عند الخلاء، وقصة الصبي الذي كان يصرع، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: (باسم الله، أنا رسول الله، اخرج عدو الله، فعوفي الصبي)، قال ابن كثير : ثم ذكر غيلان قصة البعير النادّ، أو قصة البعيرين النادين وسجودهما للنبي عليه الصلاة والسلام بنحو ما تقدم في البعير الواحد، قال: فلعل هذه قصة أخرى تكررت، والعلم عند الله جل وعلا.

    وكما قلت هذه الروايات ما بين صحيح وحسن وضعيف منجبر، وهي عشر روايات لا تنزل واحدة منها عن درجة القبول، إما لمتنها أو لشواهدها، وعشر روايات تفيد التواتر قطعاً وجزماً، ولذلك من وقف على هذه الروايات علم أن هذه الحوادث وقعت في زمن نبينا خير البريات عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، وقد عالجها نبينا صلى الله عليه وسلم بنفسه.

    1.   

    بعض الآثار الثابتة عن الصحابة في معالجتهم للصرع

    وكانت تقع حوادث وتعالج من قبل الصحابة والنبي عليه الصلاة والسلام يقرهم، سأذكر حادثتين باختصار ثم أنتقل إلى وخز الجن بعد ذلك إن شاء الله.

    الحادثة الأولى إسنادها صحيح ثابت وقعت في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام، وعولجت من قبل بعض الصحابة الكرام لمصروع وشفي بإذن الله جل وعلا، وأقر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك الصحابي على ما أخذه من جعل، والحادثة في المسند وسنن أبي داود ، ورواها ابن حبان في صحيحه، وهي في موارد الظمآن صفحة ست وسبعين ومائتين، ورواها النسائي في السنن الكبرى، وفي الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان في الجزء السابع أيضاً صفحة ست وثلاثين وستمائة، والرواية في مستدرك الحاكم في الجزء الأول صفحة ستين وخمسمائة، وقال: إسناده صحيح وأقره الذهبي ، وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الأذكار كما في شرح الأذكار في الجزء الرابع صفحة أربع وأربعين: إسناد الحديث حسن.

    وقال شيخ الإسلام النووي في الأذكار صفحة عشر ومائة: رويت بإسناد صحيح.

    ولفظ الحديث: عن خارجة بن الصلت التميمي ، عن عمه علاقة بن صحار ، وقيل: اسمه عبد الله بن عتيرة ، قال أئمتنا: له حديث الرقية، وهو حديث مخرج في سنن أبي داود والنسائي في الكبرى قال: (أقبلنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتينا على حي من العرب، فقالوا: إنا قد أنبئنا أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير، وأنكم آمنتم به، وهو صاحب خيرات، فهل عندكم من دواء أو رقية؟ فإن عندنا معتوهاً في القيود، المعتوه: المجنون المصروع المقيد، قال: فقلنا: نعم، قال: فجاءوا بمعتوه في القيود، فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوةً وعشية كلما ختمتها أجمع بزاقي ثم أتفل، قال: فكأنما نشط من عقال، أي كأنه كان معقولاً وفك عنه عقاله، فأعطوني جعلاً، فقلت: لا آكله حتى أسأل النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: كل فلعمري ما أكلت برقية باطل لقد أكلت برقية حق)، والحديث صححه الحاكم وأقره الذهبي والحافظ ابن حجر والنووي وجم غفير من أئمتنا.

    وفي رواية عن خارجة بن الصلت عن عمه (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، ثم أقبل راجعاً من عنده فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله: إنا حدثنا أن صاحبكم هذا قد جاءكم بخير، يعني: بخير الدنيا والآخرة، فهل عندك شيء تداويه؟ أي ماذا حصلت من هذا النبي عليه الصلاة والسلام يمكن به أن تداوي لنا هذا المعتوه، قال: فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ فأعطوني مائة شاة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: هل إلا هذا؟ ) يعني: هل قلت شيئاً غير الفاتحة رقيته بغيرها، وفي رواية (هل قلت غير هذا؟ قلت: لا)، ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب، وهي الشافية وسورة الشفاء، قال: (خذها، فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق)، وأخرجه أبو داود وغيره.

    هذه رواية أولى صحيحة، حصلت لبعض الصحابة عالج بها بعض المصروعين المعتوهين الذين أصيبوا بالصرع من قبل الجن، وفقدوا عقولهم وتمييزهم، وشفي ذلك المصروع بإذن الله عندما رقي بكلام الله من قبل علاقة بن صحار التميمي ، وفرح النبي عليه الصلاة والسلام لهذا وأقر فعله، ووافق على أخذه الجعل.

    الحديث الثاني حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما رقى رجلاً بآخر سورة المؤمنين، أذكره في أول الموعظة الآتية ثم أذكر حوادث الخطف، ومن اختطف من الصحابة، ومن اختطف قبل بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، وأخبرنا عنه نبينا عليه الصلاة والسلام وهو خرافة، أصدق حديث حديث خرافة ؛ لكنه حين كان يحدث عن الجن يستغرب الناس ويقولون حديث خرافة ، هذا من بني عذرة كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أنه اختطف في الجاهلية، وبقي عند الجن زمناً كما سيأتينا، فلما حدث قومه بعد ذلك بما رآه من الجن وبما سمعوه كانوا يقولون: حديث خرافة ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.