إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [24]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [24]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الاستعانة المستحبة بالجن تكون فيما هو من المستحبات كبناء المساجد، أو أمرهم بإحضار بعض الكتب وغيرها، وقد تجب الاستعانة بهم أحياناً، كمن يستعين بهم في دفع أذى عن مسلم أورد صائل عنه. ومن الاستعانة بالجن ما هو محرم كمن يستعين بهم في أذية المسلمين أو التفريق بينهم، ويدخل في ذلك صرف العبادة لهم؛ لأن الأصل أنهم لا يخدمون الإنس إلا مقابل خدمة الإنس لهم بالعبادة وإحضار القرابين.

    1.   

    الاستعانة المستحبة بالجن

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. أما بعد:

    فقد كنا أجملنا القول في أنواع الاستعانة بالجن، ثم فصلنا الكلام في النوع الأول من الاستعانة بهم، وهي الاستعانة المباحة بالجن.

    واليوم سنتحدث إن شاء الله عن بقية الأنواع، وسنبدأ الحديث عن

    النوع الثاني من أنواع الاستعانة: وهي تدخل في دائرة الاستحباب، بأن تستعين بهم فيما هو من المستحبات، كما هو الحال في الجني مع الجن، وفي الإنسي مع الإنس، فيجوز أن تستعين بإنسي على طاعة مستحبة، ويستعين جني بجني على أمر مستحب، ويستعين جني بإنسي على أمر مستحب، ويستعين إنسي بجني على أمر مستحب.

    وصور ذلك كثيرة منها:

    استعمال نبي الله سليمان لبعضهم في بناء المساجد، ولو قدر لإنسان أن له صلة بالجن, وأراد -مثلاً- أن يبني مسجداً، أو أن يقوم بطاعة ويريد أعواناً له، ويكلفه ذلك، فقال للجن: الذين يتصلون به ساعدوني في هذا الأمر فبنوا معه وساعدوه، ووفروا عليه أجرة العمال فأي حرج في ذلك؟

    وهكذا إذا أردت أن تستعين بهم في الدلالة على أمر محمود يعلمونه وأنت تجهله، كما لو استعنت بهم في معرفة كتاب أين يوجد، أو في معرفة مخطوطة مثلاً، وعندك جني يأتي إليك فقلت له: ابحث عن كتاب -وليكن مثلاً كتاب- اللباب عن كشف قول الترمذي وفي الباب، وهذا الكتاب مخطوط وموجود، وأنت عندك اطلاع على الخفايا التي في الزوايا فأين هذا الكتاب فقال: يوجد في مكان كذا فاذهب إلى هناك، هذا لا حرج فيه على الإطلاق.

    وهكذا إذا كان لمدارسة واجتماع على طاعة كقراءة قرآن، وهذا حصل لكثير من الإنس مع الجن, وللجن مع الإنس ولا حرج.

    ومن صور ذلك ما رواه الشبلي في آكام المرجان في صفحة تسع وتسعين، والقصة ينقلها الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء التاسع عشر صفحة خمسين وأربعمائة في ترجمة أبي الوفاء ابن عقيل، وهو علي بن عقيل شيخ الحنابلة، توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة للهجرة، وكنت ذكرت أن كتابه الفنون من أكبر كتب الأئمة المؤلفة يبلغ خمسمائة مجلد.

    قال عنه الذهبي : لم يكن له في زمانه نظير على بدعته، وعلى كل حال بدعته تاب منها؛ لأنه دخل في الاعتزال فترة، واستتابه الحنابلة, وكتبوا عليه محضراً فرجع، ومن تاب تاب الله عليه، ورحمة الله واسعة.

    القصة كما قلت في السير وفي آكام المرجان، خلاصتها أنه حكى ابن عقيل في الفنون رؤيا عيان شاهدها وعلم بها قال: كان عندنا بالظفرية -منطقة في بغداد- دار كلما سكنها ناس أصبحوا موتى، وجاء مرةً رجل مقرئ من حفاظ القرآن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في فضل سورة البقرة, والحديث في صحيح مسلم : (فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة) يعني: السحرة لا تستطيع أن تنفذ وتؤذي من يحفظها بإذن الله جل وعلا.

    قال: فجاء مرةً رجل مقرئ فاكتراها وارتقى بناها بها -والظاهر وارتقى بناه بها، فالعبارة فيها خطأ- يعني إما بدأنا ننظر أحواله، أو لعله يرتقى بها، أي: سكن فيها، أو المعنى: راقبناه ماذا سيكون حاله فيها؟ وأصبح سالماً فتعجب الجيران، فأقام مدةً ثم انتقل إلى غيرها.

    فسئل فقال: لما بت بها في أول ليلة صليت بها العشاء وقرأت شيئاً من القرآن, وإذا شاب صعد من البئر فسلم عليَّ, قال: فبهت، فقال: لا بأس عليك، علمني شيئاً من القرآن.

    يقول: فشرعت أعلمه ثم قلت: هذه الدار كيف حديثها؟ يعني: لا يسكن فيها أحد إلا مات.

    قال: نحن جنٌ مسلمون، نقرأ القرآن، ونسكن في هذه الدار، وهذه الدار لا يسكنها ممن قبلك إلا الكفار، فيجتمعون على الخمر، فإذا اجتمعوا خنقناهم.

    فقلت: أنا في الليل أخافك فلا تأت ليلاً، أي: لا تأتني بعد العشاء من البئر، وائتني في النهار لكي نقرأ القرآن، قال: نعم، قال: فكان يصعد من البئر بالنهار, وألفته، أي: ألفه وتعرف عليه وأحبه، فبينما هما يقرآن، إذا بمعزم في الدرب، وأصحاب العزائم في الطريق يعزمون ويصيح قائلهم: المرقي من الدبيب، ومن العين، ومن الجن.

    فقال الجني: أي شيء هذا؟ قلت: معزم، قال: اطلبه، فقمت وأدخلته، فإذا أنا بالجني قد صار ثعباناً في السقف والرجل يعزم، فعزم الرجل، يعني: ذاك اختبأ وتوارى وصار ثعباناً وارتفع إلى السقف والرجل يعزم، فما زال الثعبان يتدلى حتى سقط في وسط المنديل، فسله هذا الذي يعزم، وقام ليأخذه ويضعه في زنبيله فمنعته، فقال: أتمنعني من صيدي؟ فأعطيته ديناراً، قلت: خذ ديناراً واترك هذا الجني الذي صار ثعباناً وسقط، فانتفض الثعبان، وخرج الجني إلى صورته التي كان عليها, وقد ضعف ونحل واصفر وذاب، فقلت: ما لك؟ قال: قتلني بهذه الأسامي التي كان يعزم بها، وما أظن أني أفلح، فاجعل ذلك متى سمعت في البئر صراخاً، فانهزم، قال: فسمعت في الليل النعي والعويل فانهزمت.

    قال ابن عقيل : وامتنع أحد أن يسكن تلك الدار بعدها، وما يجري في هذا الكون عجيب غريب، والله أعلم.

    وهذا المعزم يعزم بأشياء بحيث تؤثر في الجن بقدرة الله وتقديره, والله على كل شيء قدير، لكنه قال له: الآن أنا قتلت فإذا مت فهؤلاء أصحابي سيثارون، وأنت إذا كنت في البيت فإنهم سيؤذونك، فما لك إلا أن تذهب، فمتى ما سمعت الصراخ بالبئر فاترك هذا البيت ا هـ.

    وأخبرني مرةً بعض الإخوة قال: يوجد دار عندنا فيها هذه القصة، وكان كل من يسكنها يخرج منها، وأحياناً يأتيه الجن وكذا، قلت: خذوني إليها -نسأل الله الستر والعافية- فإما أن يعقد الإنسان معهم صلة شرعية، وإما أن يردهم خاسئين، نسأل الله اللطف وحسن الخاتمة.

    1.   

    الاستعانة الواجبة بالجن

    الصورة الثالثة: قد تتعين الاستعانة بهم لمن يتصل بهم إذا كان في أمر واجب يحصل بمساعدتهم، أو أمر واجب إذا ساعدونا فيه قمنا به، كما لو استعنت بهم في دفع صائل عليك، أو على غيرك، يريد أن يعتدي على عرضك، أو على بدنك وأنت على صلة بواحد من الجن, فطلبت منه أن يكف هذا العاصي سواء كان من الإنس أو الجن، فدفع الضر واجب، ودفع الصائل متعين.

    إن كان فيما هو مشروع في الإسلام، فلا تتبعه بأمر محرم، ولا تعبده، ولا تستغث به، ولا تذبح له، ولو قدر أنه جني صالح ويتصل بك، وهناك إنسان يؤذى من قبل الجن فتقول: يا عبد الله! ادفع عتاة الجن عن هذا الإنسي الذي يؤذونه، فتستعين به في أمر أنت يجب عليك أن تفعله إذا أمكنك وهو دفع الضر عن نفسك وعن غيرك ممن يؤذي المسلمين، فهذا لا حرج فيه.

    وقال ابن تيمية : كما تجب مساعدة الإنسان للإنسان عند تعينها عليه كذلك تجب مساعدة الجان للإنسان إذا تعينت عليهم.

    وتقدم معنا أن الجن المؤمنين كانوا يساعدون الإنس المؤمنين في بعض ما يقرأ عليهم من كتب العلم، وتقدم معنا حديث ضمن مباحث النبوة ورد في مسند أحمد وأبي يعلى ، والبزار ، ورواه البيهقي في دلائل النبوة، وإسناده صحيح من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه خرج صحابي من خيبر وتبعه رجلان فتبعهما ثالث وهو يقول: ارجعا.. ارجعا، فما زال بهما حتى أعادهما، ثم تبعه وقال: هذان شيطانان جنيان مفسدان عاتيان، أرادا أن يفزعاك وأن يؤذياك فرددتهما، فإذا وصلت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأقرئه منا السلام، وأخبره أننا في جمع الزكاة ولو كان يصلح أن نرسلها إليه لأرسلناها إليه.

    فعند ذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الوحدة وقال: (ولو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار راكب بليل وحده أبداً.).

    فإذاً هنا جني دفع جنيين عن هذا المسلم الصحابي الصالح في ظلام الليل عندما مشى بمفرده، ونصرة المظلوم من أفضل الأعمال والقربات عند رب العالمين، وهي واجب كفائي أو عيني على المسلمين، على حسب قدرتك، وعلى حسب حالك وعلمك، فإذا علمت وحدك بالأمر تعين عليك ووجب أن تنصره، وإذا علمت أنت وغيرك وجب على الجميع نصرة هذا المظلوم، وإذا لم ينصروه فقد عصوا الله.

    ولو قدر -افتراضاً- أنك في فلاة وأدركت إنساناً يستغيث وهو بحاجة إلى النجدة، أو المساعدة، أو بحاجة إلى ماء، أو بحاجة إلى أن توصله إلى الطريق، أو...، فلا يجوز أن تتركه وتقول: ما لي وله، فلو مات فعليك إثمٌ من ذلك؛ لأنه تعين عليك مساعدته، ولا يوجد أحد بلغه حاله إلا أنت, وإذا وقع ظلم على وجه الأرض على مظلوم، والأمة علمت بذلك فيجب عليها أن تنصره ولو قام واحد من الأمة بالنصرة, ورد الظلم فقد حصل المطلوب، وإلا أثم الجميع.

    فكم في رقابنا من آثام في هذه الأيام نحو إخواننا الذين يؤذون في مشارق الأرض ومغاربها، وكل من في وسعه أن ينصر ولم ينصر فهو عاص لله ظالم لنفسه متجاوز لحدود ربه.

    فهذا لا بد من وعيه، وعليه إذا كان لك صلة بجني من المؤمنين الصالحين, وحصل أذى من الجن على بعض عباد الله الطيبين، وطلبت منه المساعدة لدفع ذلك الضر, فهذا مما يجب ولا حرج في ذلك.

    1.   

    الاستعانة المحرمة بالجن

    الاستعانة الثانية: مذمومة شنيعة محرمة في الشريعة، وهي أن تطلب من الجن ما لا يحل في شريعة الله جل وعلا، والجن لا تجيب الطالب في الغالب إلا إذا استجاب لهم فيما لا يحل؛ لأنه كما قال الله سبحانه: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9]، كما تستمتع بهم يستمتعون بك وبدينك، فلا يعطونك شيئاً إلا بعد أن ينالوا من دينك أضعاف أضعافها.

    فالغالب أنهم لا يستجيبون عندما تطلب منهم محرماً إلا إذا فعلت أنت المحرم أولاً، فكل من الفريقين يستمتع بصاحبه فيما حرم الله عليهم، وهذا أشار إليه ربنا جل وعلا في سورة الأنعام: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:128] ، وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ [الأنعام:128].

    أما استمتاع الإنس بالجن فلأنهم طلبوا منهم قضاء حوائجهم فيما لا يحل، في المحرمات، أو الكبائر، أو البدع، أو الشرك والكفر، واستمتاع الجن بهم أنهم طلبوا منهم أن يعبدونهم، أو أن يعبدوا غيرهم ممن تعجبهم عبادتهم له أو قبور يستغيثون بها، أو أحجار، أو أشجار، وكل هذا مما يرضيهم.

    ومنها قولهم: إذا عبدت هذه الشجرة نقضي لك حاجتك، فنحملك في الهواء، أو نحضر لك المحرم الذي طلبته، أو نؤذي لك فلاناً الذي تريد أن نؤذيه، وإذا وضعت المصحف في النجاسة -والقرآن كريم مكرم طاهر مبارك، نسأل الله أن يصونه من كل أذى- أو سترته بعذرة نقضي لك حاجتك، أو نربط فلاناً عن زوجته، أو نمنعه من الاتصال بها، هذا كله يقع من شياطين الإنس مع شياطين الجن، فهؤلاء يستمتعون وهؤلاء يستمتعون، ولذلك قال الله: وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:128] .

    يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الثالث عشر صفحة ثمانين: قلت: الاستمتاع بالشيء أن يتمتع به فينال به ما يطلبه ويريده ويهواه، ثم ذكر أنواع هذا الاستمتاع:

    قال: فيخدم هؤلاء لهؤلاء في أغراضهم، وهؤلاء لهؤلاء في أغراضهم، فالجن تطيع الإنس، بعد طاعة الإنس للجن, وكل واحد حصَّل من الآخر مراده، فالجن تأتيه بما يريده من مال، أو من قتل، أو...، والإنس تطيع الجن فتارةً تسجد للجن، أو تسجد لمن يأمرهم الجن بالسجود له.

    وقد كان الإنس ولا يزال عتاتهم يستعملون ويستعيذون بالجن: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6] كما أخبر الله جل وعلا عن ذلك في كتابه.

    إذاً الاستعانة بالجن فيما لا يحل لا تحل، ولا تحصل الاستعانة بهم في الغالب في هذا الأمر إلا إذا فعلت ما لا يحل، فعصيت عندما استغثت بهم وعبدتهم من دون الله، وعصيت عندما طلبت منهم أن يقضوا لك حاجةً محرمةً في شريعة الله.

    فطلب الإنسي إذاً من الجني ما لا يحل لا يكون إلا بفعل ما لا يحل في الغالب، وهو في المكروه مكروه، وهو في الحرام حرام، وهو في الأمر الذي هو محرم ويأخذ شكله الصلاح والولاية ويكون صاحبه مغرور فهو بدعة، وهو في الشرك والكفر شرك وكفر على حسب ما يجري من الإنسان.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية في مجموع الفتاوى في الجزء التاسع عشر صفحة اثنتين وستين، ونقل هذا الكلام عن الشبلي في آكام المرجان في صفحة ثمان وثلاثين ومائة.

    إتيان الكهنة والعرافين وسؤالهم

    قال: وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم فهذا إن كان على وجه التصديق لهم في كل ما يخبرون به والتعظيم للمسئول فهو حرام.

    كما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث معاوية بن الحكم قال: (قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أموراً كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، قال: فلا تأتي الكهان)، وتكملة الحديث قال معاوية بن الحكم رضي الله عنه: (كنا نتطير، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم).

    وهذا الحديث كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى هو في صحيح مسلم ، انظروه في شرح النووي لصحيح مسلم في الجزء الرابع عشر صفحة ثلاثٍ وعشرين ومائتين، وانظروا كلام النووي في بيان معنى الكهانة في المكان المشار إليه.

    قال ابن تيمية : وفي صحيح مسلم أيضاً عن عبيد الله ، عن نافع ، عن صفية ، عن بعض أزواج النبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً).

    والحديث في صحيح مسلم كما قال ابن تيمية ، وهو في مسند أحمد في الجزء الرابع صفحة ثمان وستين، وفي الجزء الخامس صفحة ثمانين وثلاثمائة، وفي بعض روايات الحديث: (لم تقبل له صلاة أربعين ليلة).

    وقد ورد معنى هذا الحديث من غير هذا الطريق عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، ورد من رواية أبي هريرة ، ومن رواية الحسن رضي الله عنهم أجمعين في مسند أحمد في الجزء الثاني صفحة تسع وعشرين وأربعمائة.

    ولفظ الحديث: عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد).

    وورد في كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم صفحة اثنتين وعشرين في النوع السادس عند عنوان معرفة الأسانيد التي لا يذكر سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم موقوفاً على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد).

    وأئمتنا يقولون: هذا من الموقوف الذي له حكم الرفع، وقد روي كما رأيتم مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام من رواية أبي هريرة ، والحسن رضي الله عنهم أجمعين.

    قال ابن تيمية : وأما إن كان السائل يسأل الجني ليمتحن حاله, ويختبر باطن أمره, وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز، كما ثبت في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ابن صياد وقال: ما يأتيك؟ فقال: يأتيني صادق وكاذب) تقدم معنا الحديث، وقال له نبينا عليه الصلاة والسلام: (فإني قد خبأت لك خبيئة أو خبئاً، قال: الدخ، قال: اخسأ فلن تعدو قدرك، وإنما أنت من إخوان الكهان).

    قال ابن تيمية : وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه ويخبرون به عن الجن كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار والفجار ويعرف ما عندهم فيعتبر به، وكما يسمع المسلم خبر الفاسق, ويتبين ويتثبت فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة كما قال الله جل وعلا: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] .

    وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن أهل الكتاب كانوا يقرءون التوراة ويفسرونها بالعربية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه. وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم، وإلهانا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون )، فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه ولم يصدقوه ولم يكذبوه.

    وهذا الحديث الذي ذكره ابن تيمية وعزاه إلى صحيح البخاري موجود في صحيح البخاري في كتاب التفسير، وفي كتاب الاعتصام، وفي كتاب التوحيد.

    المكان الأول في الجزء الثاني، صفحة سبعين ومائة مع شرح الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وكذلك رواه البغوي في شرح السنة في الجزء الأول، صفحة ثمان وستين ومائتين.

    والحديث روي من رواية أبي نملة الصحابي الأنصاري وهو عمار بن معاذ الخزرجي شهد أحداً والخندق والمشاهد كلها مع نبينا عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    ورواية أبي نملة رضي الله عنه ثابتة في مسند الإمام أحمد ، وسنن أبي داود ، وصحيح ابن حبان ، وشرح السنة للإمام البغوي ، والحديث روي أيضاً من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين في مسند الإمام أحمد .

    قال ابن تيمية : وقد روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه أبطأ عليه خبر عمر رضي الله عنهم أجمعين، وكان هناك امرأة لها قرين من الجن فسأله عنه فأخبره أنه ترك عمر يسم إبل الصدقة، أي: يعلمها.

    وفي خبر آخر: أن عمر أرسل جيشاً فقدم شخص إلى المدينة فأخبر أنهم انتصروا على عدوهم، وشاع الخبر، وسأل عمر عن ذلك فذكر له، وقال: هذا أبو الهيثم بريد المسلمين من الجن، وسيأتي بريد الإنس بعد ذلك، فجاء بعد ذلك بعدة أيام.

    الأثر الأول الذي رواه الإمام ابن تيمية عن أبي موسى الأشعري ذكره الإمام الشبلي أيضاً في آكام المرجان في صفحة ثمان وثلاثين ومائة، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا ، وإلى عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

    والأثر الثاني تقدم معنا ذكره، وقلت: إنه أيضاً في مجموع الفتاوى في الجزء الثالث عشر، صفحة تسع وثمانين، والعلم عند رب العالمين.

    استعمال الجن في المحرمات وشبهة سيطرة سليمان عليه السلام على الجن

    من يستعملون الجن في الأمور المحرمة بأمور محرمة, يزعمون أن نبي الله سليمان كان يستعملهم بواسطة أمور محرمة يقوم بها نحوهم، فكان يعظمهم ويعبدهم من دون الله.

    وواقع الأمر بعد وفاة نبي الله سليمان جاءت الجن ودفنت كتباً من السحر والشرك والكفر تحت كرسيه الذي كان يجلس عليه، فلما استخرج انقسم الناس إلى قسمين: قسم قالوا: إن نبي الله سليمان كان يستعمل الجن بهذا الكفر، فهو كان يستمتع بهم وهم يستمتعون به، فكفروا نبي الله سليمان بذلك, وهو النبي الكريم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    وقسم قالوا: بما أنه كان يستعملهم بهذا الأمر، فنحن نستعملهم به، ففريق استدل على جواز استعمالهم بهذا الكفر بما يؤثر من كتب سحر وطلاسم وضلال وجدت تحت كرسي نبي الله سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    ففريق برر فعله في استغاثته بالجن وعبادته للجن بما نقل في تلك الصحف، وفريق كما قلت قال: هذا لا يجوز، وحكم على نبي الله سليمان بالضلال والكفر.

    والفريقان ضالان، فهذا لا علم لنبي الله سليمان به، وهو كما قلت من عمل الشياطين والجان، وما كان هذا النبي المبارك يستعملهم بهذا الكفر، إنما قسرهم الله وقهرهم وسخرهم له.

    وعليه لا يجوز أن نستعملهم بذلك، ولا يجوز أن ننسب هذا الأمر إلى نبي الله سليمان.

    وهذا يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء التاسع عشر، صفحة اثنتين وأربعين، وجميع السحرة الآن الذين يزاولون السحر والاستعانة بالجن بواسطة الكفر تراهم يكتبون ويرسمون أول شيء نبي الله سليمان ثم لاهوت ثم كذا وهكذا، لكن المقصود أن نبي الله سليمان وأسماءه كذا منقولة في الأصل عندهم، ويقولون: هو الذي كان يستعمل هذا الكفر في استعمال الجن, ضل سعيهم, وخاب عملهم، وهو نبي كريم مبارك على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً لا يجوز أن نستعمل الجن في محرم، وفي الغالب إذا استعملناهم في محرم سيكون بمحرم منا أيضاً نحوهم، ولذلك لا يجوز أن نستعملهم في محرم، ولا أن نفعل معهم محرماً، ولا تطيعنا الجن إذا أردنا أن نستعملهم في معصية إلا بعد أن نعصي نحن الله جل وعلا معهم، وأن يحققوا مرادهم منا.

    1.   

    الذبح للجن

    ولذلك كثير من الناس يذبحون للجن, وتأتي أسئلة متعددة أحياناً أن بعض الناس ذهب إلى بعض المشعوذين فقال له: شفاؤك أن تذبح شاةً، وأن تلقي قطعاً منها وأوصالاً في بئر كذا وبئر كذا، ويسأل هل يجوز؟ يقول: أنا ما فعلت معصيةً، أنا ذبحت شاةً، وألقيت الأقدام، والجلد، والرأس في مكان كذا.

    هذا حرام قطعاً، وهذه عبادة للجن، والجن طلبت من ذلك الساحر هذا الأمر, وهذا نفذ لهم هذا الأمر، فهو يتقرب إليهم بهذا الأمر، وهذا لا يجوز.

    وأحياناً يذبح الإنسان الذبيحة عندما يبني بيتاً، أو يشتري سيارةً، أو ما شاكل ذلك، يقول: من أجل ألا يتسلط الجن عليه في بيته، وألا يدخلوا، وأن يحفظ من شرهم.

    وهذه صارت كأنها أهلت للجن سواء قربت إليهم، أو هو بزعمه يريد أن يتحكم بهم, فهذا لا يجوز، ولذلك ورد النهي عن الذبح للجن، كما في الحديث الذي روي مرسلاً في سنن البيهقي الكبرى في الجزء التاسع، صفحة أربع عشرة وثلاثمائة، من رواية الزهري عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلواته وسلامه: (أنه نهى عن أكل ذبائح الجن) .

    والأثر أورده الشبلي في آكام المرجان في صفحة ثمان وسبعين، وهو في لقط المرجان صفحة ثمان وأربعين ومائة، وفي مجموع الفتاوى في الجزء التاسع عشر صفحة اثنتين وخمسمائة، ورواه أبو عبيد في غريب الحديث من طريق الزهري يرفع الحديث إلى النبي على نبينا وآله وصحبه صلواته وسلامه: (أنه نهى عن ذبائح الجن).

    قال البيهقي في السنن الكبرى: وأما ذبائح الجن فهي أن تشتري الدار، وأن تستخرج العين وما أشبه ذلك، تشتري الدار ومن أجل أن تخرج العين منها، وألا يأتي الجن إليها، فتذبح لها ذبيحةً للطيرة, فتتطير وتقول: إذا لم أذبح سأصاب بعين، وهذا يفعله كثير من الكهان يغمس يده بالدم ويطبعها ويختم بها على البيت وهذا يوجد بكثرة، وكله من عمل الضالين، ونهانا عنه نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام.

    يقول هنا: قال أبو عبيد : معناه أنهم يتطيرون إلى هذا الفعل مخافة أنهم إن لم يذبحوا فيطعموا سيصيبهم فيها شيء من الجن، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم هذا ونهى عنه.

    قال ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية في مجموع الفتاوى في الجزء التاسع عشر، صفحة اثنتين وخمسين: ومما يتقرب به إلى الجن الذبائح، فإن من الناس من يذبح للجن، وهو من الشرك الذي حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وروي (أنه نهى عن ذبائح الجن)، وتقدم معنا تخريج الحديث.

    أورد الشبلي ونقله عنه السيوطي في لقط المرجان ونقلها الفاكهي في العقد الثمين في أخبار البلد الأمين عن ابن القيم عليه رحمة الله قصةً حكاها له من وقعت له, وهو باشرها, وكان إمام الحنابلة في مكة المكرمة في القرن الثاني للهجرة، وابن القيم كان عنده بجواره وصاحبه ويعرفه بالخير ويحدثه عن هذه القصة، وهي في الجزء الرابع، صفحة عشرين وثلاثمائة.

    خلاصة القصة: يقول الشبلي وهو من أصحاب ابن قيم الجوزية، وجالسه واجتمعه وروى عنه وصاحبه، وابن القيم توفي سنة واحدة وخمسين وسبعمائة، والشبلي توفي سنة تسع وستين وسبعمائة، يعني بينهما في الوفاة ثمان عشرة سنة، وهما في بلدة واحدة.

    كان الشبلي قاضياً في بلاد الشام، وقلت لكم: إنه يروي في هذا الكتاب عن ابن تيمية ، وأما ابن القيم فهو صاحبه.

    يقول الشبلي : نقلت عن خط العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الحنبلي وهو الإمام ابن قيم الجوزية عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    قال: وقد وقعت هذه الواقعة بعينها في مكة سنة إجراء العين بها, فأخبرني إمام الحنابلة بمكة وهو الذي أجراها على يده, وتولى مباشرتها بنفسه نجم الدين ، في نسخة: نجو، وهذه الطبعة في منتهى التحريف، والصواب: نجم الدين خليفة بن محمود الكيلاني .

    وهذا مترجم كما قلت في العقد الثمين وفي ترجمته أورد الفاكهي هذا الخبر، قال: ونحن نحفر البئر في مكة وصلنا إلى مكان، خرج أحد الحفارين من تحت الحفر مصروعاً لا يتكلم فمكث كذلك طويلاً فسمعناه يقول: يا مسلمين! لا يحل لكم أن تظلمونا.

    فقلت له: أنا الشيخ الحنبلي الذي كان يؤم في المسجد الحرام، بأي شيء ظلمناكم؟ قال: نحن سكان هذه الأرض، ولا والله ما فيهم مسلم غيري، وقد تركتهم ورائي مسلسلين، وإلا كنتم لقيتم منهم شراً.

    قال: وقد أرسلوني إليكم يقولون: لا ندعكم تمرون بهذا الماء في أرضنا حتى تردوا لنا حقنا، قلت: وما حقكم؟ قال: تأخذون ثوراً فتزينوه بأعظم زينة, وتلبسونه, وتزفونه من داخل مكة حتى تنتهوا به إلى هنا, إلى مكان البئر التي تحته، فاذبحوه ثم اطرحوا دمه وأطرافه ورأسه في بئر عبد الصمد -وهي معروفة عندهم- وتصرفوا بعد ذلك على حسب شأنكم بباقيه، وإلا فلا ندع الماء يجري في هذه الأرض أبداً.

    قلت له: نعم أفعل ذلك، هذا الشيخ الحنبلي غفر الله له يقول: فإذا بالرجل قد أفاق وهو المصروع الذي كان يحفر مع الإنس, وعندما سمعوا كلام الجني الذي يخاطبهم من البئر، فحكيت ذلك لأهل مكة فاشتروا ثوراً وزينوه وخرجنا به نزفه حتى انتهينا به إلى موضع الحفر فذبحناه وألقينا رأسه وأطرافه ودمه في البئر التي سماها.

    قال: ولما كنا قد وصلنا إلى ذلك الموضع كان الماء يغور فلا ندري أين يذهب، وكان هذا قبل أن نذبح، قال: وكنا لا نرى له عيناً ولا أثراً، فما هو إلا أن طرحنا ذلك في البئر، فكأني بمن أخذ بيدي وأوقفني على مكان, وقال: احفروا ها هنا، فحفرنا وإذا بالماء يموج في ذلك الموضع, وأتى إلى مكة.

    السيوطي أوقف النقل عند هذا الحد وهكذا الفاكهي ، وهذه الطبعة التي فيها كما قلت تحريف كثير زادتنا فائدة, وهي تعليق ابن القيم على هذه القصة ولا بد منه.

    قال العلامة شمس الدين بعد هذه القصة: وهذا نظير عادتهم قبل الإسلام من تزيين جارية حسناء وإلباسها أحسن ثيابها، وإلقائها في النيل حتى يجري، ثم قطع الله تلك السنة الجاهلية على يد من أخاف الجن وقمعها وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهكذا هذه العين وأمثالها, لو حفرها رجل عمري يفرق منه الشيطان لجرت على رغمهم ولم يذبح لهم عصفوراً فما فوقه، ولكن لكل زمان رجال.

    1.   

    قصة التقرب بفتاة ترمى للنيل كل عام في أيام عمر

    وقصة نيل مصر ثابتة رواها الإمام ابن عبد الحكم في كتاب الفتوح في فتوح مصر، وانظروها في فقه المحاضرة في أخبار تاريخ مصر والقاهرة في الجزء الثاني، صفحة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، للسيوطي .

    وفيه أن عمرو بن العاص لما دخل إلى بلاد مصر وأخبروه أن النيل لا يجري إلا إذا أتوا بجارية بكر بين أبويها، وأخذوها من أبويها بعد أن يعطوهما ما شاءا من الثمن، فيزينوها بأجمل الزينة، ثم يزفونها إلى النيل, حتى إذا وصلوا في النيل في وقت محدد ألقوها فيه، فإذا لم يلقوا هذه الجارية في النيل لتغرق لا يجري النيل ويقف. وحتماً الجن يتصرفوا في مثل هذا، كأن تحول منابعه والله أعطاهم من القدرة ما ليس في وسعنا.

    وتقدم معنا قول الجني فيما حكاه الله: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل:39], وهنا هذه العيون يصرفونها لجهة أخرى، لكن إذا وجد رجل عمري أقوى منه يقول على رغم أنفك سيجري؛ لأن النيل لا يجري بقدرتك إنما يجري بحول الله، بل نحن أقوى وليس أنت، بل من يعتصم بالله أقوى.

    لكن إذا لم يوجد أمامه عمري محمدي على نبينا وآله وصحبه صلواته وسلامه ماذا يحصل؟ طلبوا منهم ثوراً زينوه، حتى شيخ الحنابلة زينه وزفه معهم، ثم ذبحوه وألقوه في البئر.

    قال: لكل زمان رجال، وقد ذهب الرجال.

    أعود إلى قصة أهل مصر مع النيل، فقالوا لـعمرو بن العاص : لا بد من أن نفعل هذا وإلا فإن النيل سيقف.

    فقال لهم عمرو : لا يمكن، الإسلام يهدم الجاهلية، ويهدم ما كان قبله، فلم يفعل, فوقف النيل حتى كاد الناس أن ينزحوا وأن يهاجروا, فكتب إلى عمر رضي الله عنه أن الأمر كذا وكذا، فماذا ترى؟

    فكتب له عمر بطاقة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد:

    إن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كنت تجري بإذن الواحد القهار, والله هو الذي يجريك, فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك. انتهى كلامه، والمعنى: وقفت ولا تريد أن تجري، نحن الآن نخبرك إن كنت تجري من قبلك فلا نريد ماءك، ولسنا بحاجة لا إليك ولا إلى الجن ولا إلى غيرهم، وإذا كنت تجري من قبل الله فنسأل الله أن يجزيك. فهذه البطاقة لها شأن والله على كل شيء قدير.

    قال: فلما وضعت البطاقة في نيل مصر فاض الماء ستة عشر ذراعاً، حتى خاف الناس من الغرق.

    ولذلك يقول ابن القيم : هذه القصة في مكة في القرن الثامن لو واجهها رجل عمري لما ذبح لهم عصفوراً، وهناك الجن أرادوا أن يعبدهم الإنس في تقديم هذه الجارية من أجل أنهم يقولون: أطعنا الإنس ويقدمون لنا جارية يعبدوننا بها، وكان الإنس يفعلون هذا, والجن تتحكم بهم، والجن في الأصل مخلوق خسيس خبيث عنصره كما قلت دون عنصر الإنس, وإن كان منهم صالحاً فهو التقي، لكن التقي عنصر دون عنصر الإنس وفيه مهانة وشقاء.

    فإذا امتهن العنصر الذي هو أشرف منه -وهو الآدمي- يزداد غروراً وعتواً، ويفرح غاية الفرح عندما يعبد الإنس الجن، يقول: الآن الإنس الذين هم أشرف منا عبدونا، وهنا في هذه القصة عندما حفروا إلى بقعة فيها الينابيع، غوروا الماء بحيث أن هذه الينابيع تنزل إلى أسفل، ولا يصعد الماء بحيث يؤخذ بالدلو.

    فقالوا للناس: هؤلاء الجن حاضرين وجاهزين، ولا يمكن أن يخرج قطرة ماء, ولا أن يمر في أرضهم إلا إذا ذبحتم ثوراً وتصرفتم كذا، فاستجابوا وفعلوا، لماذا؟ لأنهم ليس فيهم رجل يفرق الجن منه ويخاف الجن منه.

    وهذه ينقلها كما قلت ابن القيم ويعلق عليها بهذا التعليق مع أن الفاكهي في أخبار العقد الثمين لم يذكر تعليق ابن القيم وهو ضروري.

    وهكذا السيوطي في لقط المرجان، لكن الشبلي ذكره كما قلت في صفحة ثمانين في كتاب آكام المرجان, وهذا التعليق لا بد منه.

    هذا فيما يتعلق بموضوع الاستعانة بالجن.

    خلاصة الكلام: الاستعانة بهم تكون جائزة, وتكون ممنوعة، وسيأتينا شيء من تفصيل بعض هذا المبحث عند الأمر الثالث, ألا وهو تلبسهم بالإنس، وحكم بعد ذلك الاستعانة في إخراجهم من الإنس إذا تلبسوا به ودخلوا فيه إن شاء الله.

    أما الأمر الثاني ألا وهو: حصول المناكحة بيننا وبينهم إن شاء الله أتكلم على هذا في المبحث القادم وكذلك إمكانية ذلك ووقوعه، وحكمه في شريعة الله المطهرة لو وقع.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين, وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين.