إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [21]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [21]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الجن الذين سخرهم الله لسليمان على ثلاثة أنحاء، منهم من يشتغل بالعمارة والبناء، ومنهم من يغوص لاستخراج الدرر من قاع البحار، ومنهم مصفد ومقيد، والاستعانة بالجن مباحة فيما هو مباح، ومستحبة فيما هو مستحب، وواجبة فيما هو واجب، ومكروهة فيما هو مكروه، ومحرمة فيما هو محرم، بل قد تصل إلى البدعة والكفر كالاستعانة بالإنس، والمحبة لله وفي الله محبة إيمانية، كما أن المحبة من دون الله أو مع الله محبة شركية، وقصة عمر عندما نادى سارية وهو في أرض الجهاد في فارس بأن يحذر العدو من جهة الجبل هي كرامة خارقة للعادة أيد الله بها عمر، خلافاً لقول ابن تيمية بأن جناً أو ملكاً حمل صوت عمر أو قلده، والله أعلم.

    1.   

    من أنواع الجن المسخرين لنبي الله سليمان

    معنى صفد وأصفد والفرق بينهما

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ونعوذ بك من علم لا ينفع، وبعد:

    فقد كنا نتكلم عن تسخير الله الشياطين لسليمان عليه الصلاة والسلام، وأن منهم البناء، والغواص في أعماق البحار لاستخراج الدرر، ومنهم من هو في الأصفاد والأغلال.

    وبالنسبة للصفد قال أئمتنا: إنه يطلق على أمرين: يطلق على القيد الضيق، الذي تقيد به الأيدي، ويوضع في الأعناق.

    ويطلق على العطاء، يقال: صفده بمعنى قيده، وأصفده بمعنى أعطاه، فهو عكس وعد وأوعد, فوعد بمعنى وعده خيراً وفضلاً, وأوعده بالشر.

    وهنا صفد، هذا في جانب الشر, وأصفد في جانب الخير؛ لأن أصل اللفظ: صفد بمعنى التضييق، فإذا أردت أن تزيل التضييق تحتاج إلى زيادة في لفظك, فتقول أصفد.

    والوعد في الأصل للكرم، فإذا أردت أن تخبر بخلافه تزيد فتقول: أوعد، فوعد وأوعد مثل: صفد وأصفد، أصفده أي: أعطاه، وصفد بمعنى قيّد.. وعد خيراً وأوعد شراً.

    وقد يستعمل كل لفظ مكان الآخر، فيقال: وعد في الشر والضر، وأوعد في الخير والنفع, والله جل وعلا يقول في كتابه: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ [البقرة:268], يعدكم من وعد وليس من أوعد، فـالشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا [البقرة:268]. فإيعاد الشيطان لا يصدر منه في صورة إيعاد وإنما يصدر في صورة غرور، لأنه هو الخبيث الغرور.

    1.   

    من أخبار موسى بن نصير مع بعض العفاريت المصفدة

    وقد صفد نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام كثيراً من الجن، واكتشف بعضهم وهم مصفدون وموضوعون في قمقم.

    والقمقم هو: وعاء من حديد أو نحاس، أسفله واسع وأعلاه ضيق، يقال له: قمقم، وهذا إذا حبس الإنسان فيه لا يستطيع أن يخرج؛ لأن الفتحة ضيقة جداً، فجعل له مكان واسع ليسكن فيه، ولكن لا يستطيع أن يخرج من الغل أبداً، وضعهم في قماقم ثم ألقاهم في بعض جزر البحر.

    وقد اكتشف بعض المسلمين هذا، فـموسى بن نصير في فتوحه لبلاد الأندلس، وجد بعض هذه القماقم ففتح واحداً منها فخرج له عفريت، قال: يا نبي الله سليمان ! لن أعود إلى الخبث الذي كان يظهر مني، فنظر فلم ير أحداً ففر.

    هذه القصة أوردها الشبلي في آكام المرجان في صفحة تسعين، وأوردها الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الرابع، صفحة سبع وتسعين وأربعمائة، في ترجمة موسى بن نصير .

    وأوردها ابن كثير في البداية والنهاية، في الجزء التاسع، صفحة اثنتين وسبعين ومائة, في حوادث سنة سبع وتسعين للهجرة، والقصة عزاها الشبلي إلى كتابه العزاء.

    وخلاصتها أن عمر بن عبد العزيز سأل موسى بن نصير ، وكان أميراً على بلاد المغرب، وكان يبعث الجيوش حتى بلغ أو سمع في مكان غروب الشمس عن أعجب شيء رآه في البحر.

    فقال له موسى بن نصير : انتهيت إلى جزيرة من جزائر البحر، فإذا نحن ببيت مبني، وإذا قد وضع فيها سبع عشرة جرة خضراء، مختومة بخاتم نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام.

    لقد غنموا في تلك الفتوحات مائدة نبي الله سليمان التي أخذها الجان إلى ذلك المكان، فأتي بها إلى الشام، وكانت من ذهب وفضة وأحجار كريمة، وما سمع في الإسلام بمثل تلك الغنائم العظيمة، يعني ما حصل المسلمون في الفتوحات الإسلامية من أولها إلى آخرها كالمغانم التي حصلها موسى بن نصير مع مولاه طارق بن زياد عليهم جميعاً رحمة الله.

    يقول: وجدنا سبع عشرة جرة خضراء مختومة بخاتم نبي الله سليمان، قال: فأمرت بأربع منها فأخرجت، وأمرت بواحدة منها فنقبت، فإذا شيطان يقول: والذي أكرمك بالنبوة لا أعود بعده أفسد في الأرض، ثم نظر، فقال: والله ما أرى بها سليمان وملكه، فانساخ في الأرض فذهب، فأمرت بالبواقي فردت إلى مكانها، وما نقضناها وما أخرجنا العفاريت منها.

    ثم أورد أيضاً قصة أخرى عنه يقول: بينما هم يسيرون في البحر، وأطلق المراكب على وجوهها تسير، قال: فسمع شيئاً يقلع المراكب، فإذا بجرار خضر مختمة.

    يقول: فأخذ قلة منها ثم رجع فنظرنا فإذا هي مختمة، فقال لبعض أصحابه: اقدحوها من أسفلها قال: فلما أخذ المقداح صاح صائح: لا والله يا نبي الله لا أعود، قال: فقال موسى : هذا من الشياطين الذين سجنهم سليمان بن داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فلما نفذ المقداح في القلة فإذا شخص على رجل المركب، فلما نظر إليهم قال: أنتم هنا، والله لولا نعمتكم علي لقتلتكم، يعني: يصيبهم بضر.

    من أخبار موسى بن نصير وطارق بن زياد

    قال الشبلي : ولي موسى بن نصير ، وغزا البحر لـمعاوية ، وافتتح الأندلس، وجرت له عجائب، وقيل: لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا ومغانم موسى بن نصير لكثرتها, والله أعلم.

    وعين بعد ذلك من قبل الوليد بن عبد الملك , ومات في عهد سليمان بن عبد الملك ، وكان في حال مرض أخيه الوليد قد غضب على موسى بن نصير ، وأقسم أنه إن تمكن منه ليصلبنه.

    فلما جاء موسى بن نصير إلى بلاد الشام والخليفة سليمان بن عبد الملك -وكان قد تمادى في بلاد الأندلس في الفتوح- فقال له: لم تماديت في الفتوح، وقد أمرتك بالعودة إلى الشام؟ فقال: وجدت الطريق أمامي مفتوحاً، والنقل بإذن الله متيسر، فأوقفه في الشمس، وكان الحر شديداً، وهو سمين فأغمي عليه ثم تركه، وكان رجلاً صالحاً، لولا هفوة منه حيث عاقب مولاه طارق بن زياد ، فعوقب بالجزاء من جنس العمل، ويقال: إنه حج مع سليمان بعد ذلك، وتوفي سنة سبع وتسعين، وقيل: تسع وتسعين, والعلم عند رب العالمين.

    حكي عنه أنه لما استسقى في بلاد الأندلس بعد جدب حصل ، ما دعا للخليفة، فقيل له: ألا دعوت له؟ قال: هذا مكان لا يذكر فيه إلا الله، ولا نلجأ إلا إلى رب العالمين سبحانه وتعالى، وكان في ذلك الزمن.

    حال الخليفة ومكانه معروفاً عند الرعية.

    وكان طارق بن زياد قد فتح قرطبة، فأراد موسى بن نصير أن تكون الفتوحات باسمه ويكون هو قائدها، فأمر طارقاً أن يتوقف؛ فتوقف طارق ، فلما جاء موسى وكان طارق راكباً على الخيل, وهو أمام جيوشه -انظر للطاعة في عباد الله المسلمين الموحدين- فلما رأى قائده والمسئول عنه وهو موسى بن نصير جاء يقبل فنزل وتردد, وجاء ليسلم على موسى بن نصير ، ذكر المؤرخون: أنه وبخه وهم بقتله، لكن لم يقتله بل عزله، وولى ولده مكانه، ونعوذ بالله من الحظوظ البشرية.

    وقد حصل من هذين العبدين الصالحين موسى بن نصير ، وطارق بن زياد ما يثيبهما عليها رب العباد، وهما في بلاد المغرب.

    وبالمقابل قتيبة بن مسلم الباهلي في بلاد المشرق، فما علم قائد في الدولة الإسلامية وقع على يديه من الفتوح كما علم في عهد هذين: موسى بن نصير ، مع قائد جيشه طارق في المغرب، إن بسالة طارق بن زياد وشجاعته جعلت الناس يريدون أن يصلوا إلى القسطنطينية شرقاً من بلاد الأندلس.

    وفي لقائهم مع قائد النصارى لذريق في معركة فاصلة اجتمع طارق في الجزيرة مع أصحابه وقام فيهم خطيباً, فقال: والله لا ينفع في هذا الموطن إلا الصدق والصبر، ثم قال له: أنا أول من يثب على هذا الطاغية رئيس الأفرنجة, فإذا قتلته فقد استولينا عليهم، الله الله في دين محمد عليه الصلاة والسلام، وإذا قتلت فلا تتخاذلوا، بل شدوا عليهم، والمسلم منصور بإذن الله.

    فلما تقدم وجاء لذريق قائد النصارى وهو في الأبهة، ويحاط موكبه من قبل الجيش، فشد عليه طارق ومن معه فأخذوا منه، وضربه طارق بسيفه فقتله، فكبر المسلمون وحصل النصر، ثم يرسل ثارات متتابعة، وكان يريد كما قلت أن يواصل فتح أوروبا حتى يصل إلى القسطنطينية شرقاً.

    طارق الذي عنده هذه الشجاعة، وفتح هذه الدنيا ثم بعد ذلك يُعزل، إن موسى بن نصير في الحقيقة ما أعطى طارقاً حقه، فسلط الله على موسى بن نصير أيضاً من فعل به كذلك، ونسأل الله أن يرحمهم جميعا، وهذا هو حال البشر أنهم يخطئون، والله يغفر لنا ولهم بفضله ورحمته.

    إن أخبار طارق وسيده موسى بن نصير أخبار يجب على المسلمين أن يقرءوها ليروا كيف كان يتمتع أئمتنا وسلفنا بروح الجهاد الإسلامية فلا تنفك عنهم، فلذلك ارتفعوا.

    طارق بن زياد عندما توجه مرة للفتح قال: إنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام، ومعه المهاجرون والأنصار عن ميمنته وميسرته، فقال: ماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال: تقدم إليهم، فيقول: استبشر بالنصر, فأول قرية دخلها أصاب فيها عجوزاً، وكان طارق رضي الله عنه من الرجال الطوال، فقالت هذه المرأة له: إن في الأخبار عن الحكماء سابقاً أنه يأتي إلى هذه البلاد رجل بصفتك يفتح هذه البلاد النصرانية ويقضي عليها، وكنا نتحدث أن على كتفه شامة حولها شعرات، فهل هذا على كتفك أنت؟ فكشف لها طارق عن كتفه الأيسر وفيه هذه الشامة، فقالت: زال ملك النصارى، ثم تقدم، وما يتقدم إلى مكان إلا فتح الله له.

    واقع الأمة والجهاد

    الأمة الإسلامية وما خسرت الجهاد في يوم من الأيام إلا في هذه الأيام، وشتان بين أن تخسر الجهاد وبين أن تخسر المعركة، ورائحة الجهاد ليست عندنا، لذلك ظهر من يتباكى على الصلح الذي حصل بين الخونة وبين إسرائيل، فنقول لهم: ماذا عن الصلح مع دول الكفر من أمريكا وبريطانيا وفرنسا ألعن من الصلح مع اليهود؟ أين الجهود لإزالة الكفر وإيصال الإسلام في شتى البلاد التي خيم عليها الفساد؟ لو وجد من ينادي بذلك فإن الناس يستنكرونك, لكن لو قلت: نقاتل اليهود، فيكون كلامك مقبولاً.

    لذلك عندما يقول بعض الإخوة: نواجه اليهود، نقول له: إنما هم يهود ونصارى، واحد لونه أخضر وواحد أصفر، فهم سواء الواقع أننا نتقرب إليهم ببعضنا، وعلى حساب بعضنا، فكلهم نجاسة مغلظة يجب إزالتها.

    خسرنا الجهاد بوصفة جهاداً، ثم بعد ذلك شغل المسلمون بتفاهات في هذه الأيام باسم الجهاد، بينما الجهاد زال من هذه الأمة منذ زوال الدولة الإسلامية العثمانية التي تعد آخر دولة إسلامية على وجه الأرض، والتي أزيلت من قبل أعداء الله سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة بعد الألف، من ذاك الوقت إلى الآن خسرت الأمة الجهاد، فلا يوجد جهاد في سبيل الله بالوصف الشرعي، بإحدى ثلاث: إما الإسلام، وإما الجزية، وإما الحرب, ليس دفاعاً عن النفس كما يقول المنهزمون، فالكلاب تدافع عن نفسها، والحمير تدافع عن نفسها، وكل مخلوق يدافع عن نفسه، إنما نحن أرسلنا الله لنخرج الناس من الظلمات إلى النور.

    فلو قدر أن الكفار ما تعرضوا لنا لا بليل ولا بنهار فهل نتركهم؟ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193].

    هذه بلاد الله وهؤلاء عباد الله، فإما أن يستقيموا على شرعه، وإلا فالله يحكم بينا وبينهم بالحديد الذي أنزله الله وفيه بأس شديد ومنافع للناس، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد:25]، نقاتلهم ليكونوا إخواناً لنا، نقاتلهم ليدخلوا الجنة، نقاتلهم لنزيل الكفر والفساد من الأرض.

    ولذلك لا يوجد قتال إلا وغايته خسيسة غير القتال في سبيل الله، فلا تقاتل لمغنم، ولا لنفسك، فبمجرد أن يقول الكافر: لا إله إلا الله, محمد رسول الله ورفعت السيف على رقبته لو قتلته فأنت في النار، بل الواجب عليك أن تطرح السيف وتعانقه وتقول: الحمد لله الذي هداك للإسلام.

    نحن وأنتم عباد لله، وهذه شريعة الله فلابد من تحكيمها في أرضه بين عباده إن الجهاد بهذا الوصف جائز.

    وقلت مراراً: عندنا في الدولة الإسلامية الذي ينصر الدعوة هو الجيش، فـموسى بن نصير وطارق بن زياد وقتيبة بن مسلم هؤلاء من هم؟

    قادة جيوش الخلافة الإسلامية، ليسوا أناس هنا وهناك ينشرون الدعوة، ولو أن الأمة من أولها إلى آخرها خرجت صباح مساء تنشر الدعوة لبقيت الأحوال كما هي بل تكون أردأ، إذاً: لابد من جيش يحمي هذا الإسلام، ولذلك : وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40].

    إن الجيوش هي التي تنشر الإسلام، ولا أقول لا يوجد دعاة، ولا يوجد هداة بل كلها من العلماء، ومن العباد، ومن الزهاد كما كان في حال سلفنا، هذا هو الحال، والناس يبلغون دعوة الله، ونناقشهم ونزيل شبههم, فإذا صاروا على المحجة البيضاء وركبوا رءوسهم يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين.

    وأما الجيوش في زماننا فإنها تربى كما تربى البهائم في الحظائر، وليس المقصود منها إلا المحافظة على حدود الوطن، والمحافظة على نظام الحكم وعروش الحكام فقط، أما جيش يكون الغاية منه إعلاء كلمة الله، فهذا لا يوجد في الأرض بلا استثناء.

    ولذلك مصيبتنا لا يعدلها مصيبة، فقد خسرنا ديننا عندما خسرنا الجهاد، خسرنا الدين من أوله لآخره، وأما فيما مضى فقد كانوا يخسرون في معركة، فإن خسروا وقتلوا فهم شهداء، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وإن انتصروا فالحمد لله, وهم في الحالتين يواصلون القتال.

    ولذلك قال الله: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ [آل عمران:172] فجراحهم تنزف دماً، وخرجوا بعد ذلك إلى حمراء الأسد: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران:172] ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] إلى آخر الآيات، مع أنهم خسروا من حيث الظاهر في موقعة أحد، وطلب منهم أن يخرجوا فخرجوا، وما تأخروا رضي الله عنهم فمؤمن يقتل فينا لا حرج، إنما المصيبة عندما نتخاذل كحالنا في هذه الأيام، ثم من يدعي منا الآن أنه صاحب جهاد، وأحواله كلها خيانة، ونسأل الله أن يحسن ختامنا بفضله ورحمته, وأن يحيي فينا شعيرة الجهاد.

    1.   

    أقسام الاستعانة بالجن

    هذا ما قصه الله علينا في القرآن من أخبار نبيه سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، من أنه كان يسخر ويستعمل الجان، فهل يحصل لنا ذلك؟ وهل يجوز لنا أن نستعين بالجن، وأن نستعملهم ونسخرهم في قضاء حاجاتنا؟

    والجواب: أن استعانة الإنس بالجن، واستعانة الجن بالإنس، كاستعانة الإنس بالإنس، وكاستعانة الجن بالجن تماماً، فإنسي يستعين بجني، وجني يستعين بإنسي، وإنسي يستعين بإنسي، وجني يستعين بجني، هذه الأحكام كلها متساوية.

    فالاستعانة إذاً تنقسم إلى قسمين: جائزة مشروعة، وقد تكون مباحة، أو مستحبة، أو واجبة.

    والاستعانة الثانية: استعانة منهي عنها ممنوعة وقد تكون مكروهة، أو محرمة، وقد تكون كبيرة، أو بدعة، وقد تصل إلى الشرك والكفر.

    فهذه أنواع سبعة من الاستعانة بالجن، قررها أئمتنا، والبحث في ذلك دقيق, وقد يحصل التباس فيها عند بعض الناس فيحتاج الأمر إلى علم وبينة.

    يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء السادس عشر صفحة واحدة وثمانين: وفي الجملة استنفاع الإنس بالجن، والجن بالإنس يشبه استنفاع الإنس بالأنس، قال الله تعالى: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].

    فإذا انتفعت به، وسخرته فيما هو طاعة فلا حرج، وأما فيما هو معصية فإنه يعاديك يوم القيامة وتعاديه كما هو الحال بينك وبين الإنس، الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].

    الآية الثانية من سورة البقرة: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة:165] .

    إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [البقرة:166] . معنى الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165] . أي: يحبون أندادهم، وإخوانهم، وخلانهم، وأصحابهم كما يحبون الله، فيسوون بين محبة الله ومحبة غيره، وهذه هي المحبة الشركية، محبة من دون الله، ومحبة مع الله، محبة شركية.

    ومحبة لله وفي الله محبة إيمانية، فميز بين المحبتين: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165] ؛ لأنهم يفردون الله بالمحبة، ولا يحبون أحداً مع الله, ومن باب أولى لا يحبون أحداً من دون الله: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة:165] إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [البقرة:166]. وهي المودات التي كانت بينهم في الدنيا، وده وأحبه مع الله, يريدون لله لكن تقطعت هذه الصلات أمام رب الأرض والسموات في الآخرة.

    وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [البقرة:166] ما بقي أحد ينفع أحداً، ففي الدنيا قد ينفع الجني الإنسي، عندما يستعين به على معصية وعلى بلايا، وقد ينفع الإنسي الإنسي، والجني الجني.

    لكن هناك في الآخرة: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [البقرة:166] ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167] .

    قال مجاهد : وتقطعت بهم الأسباب: هي المودات التي كانت لغير الله.

    وقال الخليل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت:25].

    وقال: وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ [العنكبوت:25] . يعني من أجل أن يحصل مودة بينكم وبين هؤلاء الضالين، تجتمعون على عبادة الأصنام من دون رب العالمين.

    ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت:25]، وقال تعالى في سورة الفرقان: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43]، وقال سبحانه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23] .

    قال ابن تيمية : فالمشرك يعبد ما يهواه، واتباع الهوى هو استمتاع لصاحبه بما يهواه، وقد وقع في الإنس والجن فهذا كله موجود.

    وقال في صفحة سبع وثمانين: واستخدام الإنس للجن مثل استخدام الإنس للإنس، فمنهم من يستخدمهم في المحرمات من الفواحش، والظلم، والشرك، والقول على الله بلا علم، وقد يظنون ذلك من باب كرامات الصالحين وإنما هو من أفعال الشياطين، فهذا استعمال محرم.

    ومنهم من يستخدمهم في أمور مباحة: إما في إحضار ماله، أو دلالة على مكان فيه مال ليس له مالك معصوم، يقول: دلني على كنز، أين هذا الكنز من الأرض؟ قم باستخراجه.

    ومثلاً: النحل التي تذهب إلى الجبال وتضع العسل وليس له مالك، دلني عليه من أجل أن أذهب وأجني العسل.

    هذا كله مباح وهو كاستعانة الإنس بعضهم ببعض.

    قال ابن تيمية في الجزء الثالث عشر: والنوع الثالث: أن يستعملهم في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما يستعمل الإنس في مثل ذلك، فيأمرهم بما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينهاهم عما نهاهم الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما يأمر الإنس وينهاهم.

    يعني: يأمر الإنس وينهاهم بطاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، وكذلك يأمر الجن وينهاهم كما هو في شريعة الله جل وعلا، وهذه حال نبينا صلى الله عليه وسلم، وحال من اتبعه واقتدى به من أمته وهم أفضل الخلق، فإنهم يأمرون الإنس والجن بما أمرهم الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينهون الإنس والجن عما نهاهم الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، إذ كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الثقلين الإنس والجن، وقد قال الله له: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108].

    وقوله أنا: إما أن يكون توكيداً من الضمير في قوله: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا [يوسف:108]، ضمير الفاعل أدعو قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا [يوسف:108]، أي: أنا أدعو إلى الله على بصيرة ومن اتبعني معطوف عليه، ومن اتبعني يدعو -أيضاً- إلى الله على بصيرة.

    وإما أن يكون أنا مبتدأً مؤخراً، والخبر مقدم وهو على بصيرة، قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] . أنا على بصيرة فقدم الخبر، عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108].

    والمعنى: أنا أدعو إلى الله سبحانه وتعالى ثم اعلموا أنني على بصيرة، ويقين، وهدى، وبينة، ولست على ضلالة، بل كلنا على هداية، ومن عادانا فهو على ضلالة.

    قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

    تأويل ابن تيمية لقول عمر: يا سارية! الجبل، الجبل

    قال ابن تيمية: وعمر رضي الله عنه لما نادى: يا سارية الجبل! الجبل، قال: إن لله جنوداً يبلغون الصوت، وجنود الله هم من الملائكة وصالحي الجن، فجنود الله بلغوا صوت عمر إلى سارية ، ونادوه بمثل صوت عمر.

    هذا تعليل ابن تيمية وسنعلق عليه بما تيسر إن شاء الله، وإلا نفس صوت عمر لا يصل إلى هذه المسافة البعيدة، وهذا الرجل يدعو آخر وهو بعيد عنه فيقول: يا فلان! فيعان على ذلك, فيقول الواسطة الذي هو ملك أو مؤمن من الجن بينهما: يا فلان، وقد يقول من هو بعيد عنه: يا فلان! احبس الناس، تعال إلينا! وهو لا يسمع صوته، فيناديه الواسطة بمثل ذلك يا فلان! احبس الماء، أرسل الماء، إما بمثل صوت الأول إن كان لا يقبل إلا صوته، وإلا فلا يضر بأي صوت كان إذا عرف أن صاحبه قد ناداه.

    وهذه الحكاية كان عمر رضي الله عنه مرة قد أرسل جيشه فجاء شخص وأخبر أهل المدينة بانتصار الجيش، وشاع الخبر فقال عمر : من أين لكم هذا؟ قالوا: شخص صفته كيت وكيت أخبرنا، قال عمر : ذاك أبو الهيثم بريد الجن، وسيجيء بريد الإنس بعد ذلك بأيام, فجاء وأخبرهم بالنصر.

    وهذه القصة أوردها ابن تيمية في الجزء التاسع عشر صفحة ثلاث وستين، وهي في آكام المرجان صفحة ثمان وثلاثين ومائة، وأبين من خرجها فيما يأتي إن شاء الله.

    قال ابن تيمية : وقد يأمر الملك بعض الناس بأمر ويستكتمه إياه، فيخرج فيرى الناس يتحدثون به، وقد فشا للرعية, قال: فإن الجن تسمعه وتخبر به الناس، والذين يستخدمون الجن في المباحات يشبه استخدام نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام.

    لكن سليمان أعطي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وسخر له الإنس والجن، وهذا لم يحصل لغيره، والنبي صلى الله عليه وسلم لما تفلت عليه العفريت ليقطع صلاته، قال عليه الصلاة والسلام: (فأخذته فذعته حتى كان لعابه على يدي، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، ثم ذكرت دعوة أخي سليمان فأرسلته)، قوله: (فذعته) يعني: خنقته، فلم يستخدم رسول الله الجن أصلاً، لكن دعاهم إلى الإيمان بالله، وقرأ عليهم القرآن، وبلغهم الرسالة، وبايعهم كما فعل مع الإنس.

    والذي أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم ممن أوتيه نبي الله سليمان؛ فإن استعمال الجن والإنس لعبادة الله وحده، وسعادتهم في الدنيا والآخرة لا لغرض يرجع إليه إلا ابتغاء وجه الله وطلب مرضاته، هو منزلة عالية، ومقام لا يدرك.

    واختار أن يكون عبداً رسولا على أن يكون نبياً ملكاً على نبينا صلوات الله وسلامه، فداود ، وسليمان، ويوسف أنبياء وملوك، وإبراهيم، وعيسى، وموسى، ومحمد رسل عبيد على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فهذا أفضل كفضل السابقين المقربين على الأبرار أصحاب النعيم.

    وحديث تفلت الشيطان ليقطع صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت في الصحيحين، ورواه النسائي أيضاً، وعبد بن حميد في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، ورواه الحاكم، والترمذي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه.

    وقد تكررت مثل هذه الحادثة مع النبي عليه الصلاة والسلام، ففي صحيح مسلم، وسنن النسائي ، من رواية أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فسمعناه يقول: (أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثاً, وبسط يده كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم: قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، فقال عليه الصلاة والسلام: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر)، ولا زال معه شعلة النار, ويريد أن يحرق بها وجه نبينا المختار عليه الصلاة والسلام، قال: ( ثم أردت أن آخذه) يعني: ليقبض عليه ويمنعه بالقوة بعد هذه الاستعاذة، (والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة).

    والحديث بوب عليه النووي : باب جواز لعن الشيطان في أسمائه، وبوب عليه النسائي : باب لعن إبليس والتعوذ منه في الصلاة.

    هذا فيما يتعلق بهذين الحديثين.

    الرد على ابن تيمية في تأويله قصة عمر مع سارية

    وأما قصة عمر رضي الله عنه الله فهي قصة ثابتة كما سيأتي، وفي الحقيقة تكلف ابن تيمية في تأويلها ما أراه مقبولاً؛ لأنه من باب الكرامة، وهو من خوارق العادات، ولا يعلل إلا بقولنا: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20].

    أما إنه ملك أرسل صوت عمر إلى سارية بن زنيم ، أو بعض المؤمنين من الجن الصالحين، فهذا في الحقيقة يحتاج إلى دليل، والله على كل شيء قدير، وما يجوز لنبي معجزة جاز لولي كرامة، فمن أين هذا التعليل؟

    ولذلك علق الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري على المقاصد الحسنة تعليقاً خشناً، فقال: إن هذا الأثر صححه ابن تيمية ، وأورده أيضاً في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وهذه الرسالة موجودة بين مجموع الفتاوى في الجزء الحادي عشر صفحة ثمان وسبعين ومائة، لكن حمل ذلك على أنه من فعل الجن، وهذا تخريف بالغ.

    وفي الحقيقة أن القول من الغماري غير مقبول، وهذه الكلمة خشنة، فالإمام ابن تيمية هو الذي عودنا هذا المسلك أن أمور الغيب لا ينبغي أن نخوض فيها، فـعمر رضي الله عنه يخطب على المنبر، وسارية في بلاد الفرس في بلاد نهاوند، وهو في سفح الجبل والأعداء سيصعدون بعد ذلك أعلاه، فألهمه الله بعد أن كشف له عن حقيقة الموقعة أن ينادي وهو يخطب الجمعة:يا سارية ! الجبل الجبل، فسمع سارية صوت عمر ورقى الجبل وكتب الله لهم النصر.

    والقول بأن الذي بلغ صوت عمر ملك أو أحد مؤمني الجن فيه تكلف، ولا داعي لتعليل خارق العادة بهذا الأمر، والعلم عند الله.

    والقصة ثابتة صحيحة رواها عدد من أئمتنا منهم: البيهقي في دلائل النبوة في الجزء السادس صفحة سبعين وثلاثمائة.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا، ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لمن جاوره من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين, وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.