إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [17]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [17]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تواترت الأدلة على أن الجن يأكلون ويشربون كالإنس ببلع ومضغ، والقول بأنهم لا يأكلون قول ساقط، مخالف للأدلة العقلية والشرعية معاً. والشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، والراجح أن التسمية على الطعام سنة عينية، وينبغي التسمية وسط الطعام لمن نسي أن يسمي في أوله، وللتسمية أثرها على شيطان المسلم كما أن لها تأثيراً على شيطان الكافر.

    1.   

    إثبات أن الجن يأكلون ويشربون كالإنس

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. ورضي الله عن الصحابة الطيبين, وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً, وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين!

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك! سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك!

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    لا زلنا نتدارس الباب الرابع عشر من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    وعنوان هذا الباب باب: ما جاء في كراهية ما يستنجى به. وقد أورد الإمام الترمذي في هذا الباب حديثاً بسنده إلى سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن ).

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن أبي هريرة وسلمان وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    وقد تقدم معنا أن هذا الحديث -باختصار- يدل على أمرين:

    على أن الجن إخوان لنا، وأن طعامهم يختلف عن طعامنا. وقلت: لا بد من التعرف على هذه الأمة التي تقابل أمة الإنس.

    وقد تقدم معنا أننا سنتدارس أحوالهم ضمن ثلاثة مباحث:

    أولها: فيما يتعلق بخلقهم ووجودهم. وقد انتهينا من هذا.

    وثانيها: فيما يتعلق بتكليفهم وجزائهم. وقد انتهينا من هذا.

    ثم شرعنا في المبحث الثالث: في صلتنا بهم وأوجه الاتفاق والافتراق بين الإنس والجن, وقلت: هذا المبحث سنتدارسه ضمن ثلاثة أمور أيضاً:

    الأمر الأول: في أوجه الاتفاق بيننا وبينهم, وذكرت لهذا أربعة أمثلة, أولها: فيما يتعلق بخلقهم وموتهم، فيشابهوننا ونشابههم في ذلك، فنحن وهم مخلوقون, وكلنا إلى الموت صائرون. نسأل الله حسن الخاتمة.

    والمثال الثاني: فيما يتعلق بالتكليف، فهم مكلفون, ونحن كذلك.

    والمثال الثالث: في انقسامهم نحو ما كلفوا به إلى مؤمن وكافر, وطائع وعاص، وهذا موجود فينا.

    والمثال الرابع: في جزائهم في الآخرة كجزائنا تماماً.

    ثم انتقلت إلى - الأمر الثاني- إلى أوجه الافتراق والاختلاف بيننا وبينهم، وقلت: سأقتصر أيضاً على أربعة أمور:

    أولها: فيما يتعلق بأصل خلقهم, فإنه يختلف عن أصل خلقنا.

    وثانيها: في رؤيتهم لنا وعدم رؤيتنا لهم.

    وثالثها: في تشكلهم. وهذا وما قبله قد تقدم الكلام عليه.

    ورابع الأمور التي يخالفوننا فيها: طعامهم كما تقدم معنا.

    وشرعنا في مدارسة هذا في الموعظة الماضية، وسأكمله في هذه الموعظة إن شاء الله.

    والأمر الثالث كما قلت فيما مضى سنتدارس فيه صلتنا بهم وصلتهم بنا.

    أيضاً: سنتدارس أربعة أمور كما تقدم معنا: الاستعانة بهم, حصول المناكحة بينهم وبين الإنس، تلبسهم بالإنس، رابعها التحصن منهم.

    إذاً: نحن الآن في الأمر الرابع من المبحث الثاني من هذا المبحث، ألا وهو طعام الجن. تقدم معنا أن هذه القضية سنبحث فيها أيضاً ضمن أمرين:

    أولها: في إثبات أن الجن يأكلون ويشربون كما نأكل ونشرب عن طريق المضغ والبلع, كما هو فينا تماماً.

    وثانيها: في بيان نوع وماهية طعامهم.

    أما القضية الأولى فتدارسناها، وقد قررت بالأحاديث الكثيرة أن الجن يأكلون كما نأكل، وأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل من جملة طعامهم أنه زودهم بأن كل عظم يعود أوفر ما كان عليه من اللحم. وقلت: إن سمي الله على ذلك العظم وعلى تلك الذبيحة عند الأكل فيكون غذاء لمؤمني الجن، وإن لم يسم عليه رب العالمين فيكون غذاءً للعصاة من الجن، كما جمعنا بين الرواية الثابتة في صحيح مسلم وسنن الترمذي فيما مضى.

    ثم قررت هذا، وقلت: إن الذي يظهر والعلم عند الله من النصوص الشرعية أن كل طعامٍ خبيث يأكله عتاة الجن .. المردة منهم .. الكفار والشياطين، فيأكلون الخبائث, كما أن عتاة الإنس يأكلون هذه الأشياء من الميتة وما لم يذكَ، وما لم يذكر اسم الله عليه، ويشربون المسكر.

    وقلت: إن الشيطان دنيء, وصورة أكله قبيحة, فيأكل بشماله, ويلتقط ما يقع من القصعة، ويلعق القصعة إذا لم تلعقها. فهم يأكلون قطعاً وجزماً, ولا خلاف في هذا كما تقدم معنا.

    سقوط القول بأن الجن لا يأكلون

    وما يحكيه بعض المتأخرين ممن لا يحققون الأمور من أن هذه المسألة خلافية، وأن لأئمتنا في أكل الجن أقوال، منهم من قال: يأكلون، ومنهم من قال: لا يأكلون، هذا كلام باطل، وإذا أراد الإنسان أن يذكر الأقوال فلا بد من أن يحقق الكلام.

    نعم قيلت أقوال هزيلة ضعيفة, لا تشهد لها نصوص, وهي مردودة على قائليها. والمعتمد والحق الذي لا يقبل غيره أنهم يأكلون كما نأكل، كما هو ظاهر الأحاديث الكثيرة الصحيحة المتواترة عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه, ومن ذلك ما جاء في بذل المجهود في شرح سنن أبي داود للشيخ خليل بن أحمد السهارنفوري من علماء الهند، وعلق على الكتاب أيضاً الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي , يقول عند مبحث أصل الجن استنباطاً من بعض الأحاديث التي ذكرها، وهي حديث الوحشية وسيأتينا في الجزء السادس عشر صفحة 97 , يقول: استدل بذلك من قال إنَّ الجن يأكلون, ثم قال: والمسألة خلافية. هذا كلام باطل، وكلام مرذول, لا خلاف في ذلك، ولا يعذر المخالف, ولو قال إنسان: إن الجن لا يأكلون يضلل؛ لأنه خلاف ما نطقت به الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه. وتقدم معنا أن الإمام النووي والسيوطي ومن تبعهما قالوا: إن هذا القول ساقط, يصادم الأحاديث الصحيحة الصريحة بأنهم يأكلون.

    ثم قال: ومال بعضهم إلى أنهم أصناف, بعضهم يأكل وبعضهم لا يأكل.

    وكل هذا بناء على أثر وهب بن منبه , والأثر لا قيمة له على الإطلاق، فهو منقول عن أخبار أهل الكتاب، ولو لم يرد في ديننا ما يقرر هذا وما يرده لتوقفنا فيه, فلا نصدق ولا نكذب، كيف وقد ورد في ديننا ما يرده ويثبت خلافه، أفنقدم أثر وهب على كلام نبينا عليه الصلاة والسلام؟ هذا لا يمكن أن يقال، هذا كلام كله لا تحقيق فيه. وهذا هو شأن وديدن المتأخرين، جمع بدون تحقيق من هاهنا وهاهنا, ثم يقول: مؤلفه أنا، وليته حقق القضية.

    لكن انظر إلى كلام المتقدمين, وقارن بين ما في بذل المجهود كما في المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج , لشيخ الإسلام النووي.

    دلالة العقل على أن الجن يأكلون

    يقول الإمام النووي في شرحه على مسلم في الجزء الثالث عشر صفحة 190: الصواب الذي عليه جماهير العلماء من السلف والخلف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين أن هذا الحديث وما يشبهه في أكل الشيطان - وأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه وسيأتينا إن شاء الله، وهي محمولة على ظواهرها، وأن الشيطان يأكل حقيقة؛ إذ العقل لا يحيله، والشرع لا ينكره، بل أثبته, فوجب قبوله واعتقاده. وكل ما لم يحيله العقل وورد به السمع وجب الإيمان به إذا كان الإنسان عاقلاً، فإذا كان مجنوناً فهذه قضية ثانية.

    أمر لا يحيله العقل، فالعقل يقول: يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون، فهو في دائرة الإمكان وفي دائرة الجواز, وورد السمع به وجب تصديقه والإيمان به.

    وقلت: إنكار ما هو جائز ممكن مما ورد به الشرع سفاهة في العقل قبل أن يكون فسقاً في الشرع؛ لأنك لم تحترم عقلك، فعقلك لا ينكر ولا يعارض، وورد به السمع الذي لا ينطق عن الهوى، فكيف ترده؟

    وقد تقدم معنا أنه لا يمكن أن يتعارض عقل صريح مع نقل صحيح. فقارن بين كلام المتقدمين والمتأخرين! ذلك يقول: المسألة خلافية، والإمام النووي عليه رحمة الله يقول: هذا هو الصواب الذي قرره السلف والخلف من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، وهذا لا ينكره العقل وورد به السمع وأثبته، فوجب الإيمان به.

    والعجيب أن بعض سفهاء هذا الزمان من حدثاء الأسنان في هذه البلاد لم يبلغ من العمر عشرين سنة يقول: إن الصحابة رضوان الله عليهم أفضل منا، ولكن نحن أعلم منهم. يقول: هم في الفضل أفضل منا، ونحن أعلم لأنه توسعت عندنا العلوم، والكتب انتشرت.

    نعم قل كلام الصحابة؛ لأنه إنما يتكلم الواحد منهم بكلمة تحتاج إلى أن نشرحها في مجلد, لأنهم يتكلمون بكلام جزل فصل, محكم يدل على أمور مقررة عندهم. ونحن غارقون في الجمود والفوضى.

    أحضر لي بعض الناس خطبة جمعة لبعض الخطباء، سمعتها من أولها إلى آخرها، فلم يكن فيها عن نبينا حديث واحد. فقلت: كلام ساذج لا يسمن ولا يغني من جوع، لذلك ترى المجلد مما نكتبه لا يسمن ولا يغني من جوع، فقط كلام لا معنى له. هذا هو حالنا في هذه الأيام. وهذا كأنه خدع بهذا الكلام, فقال: الصحابة أفضل منا, لكن نحن أعلم منهم. لما نسينا الله نسينا أنفسنا، فلم يعرف الواحد منا قدر نفسه، وحالنا كما قال القائل:

    وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا

    للإمام ابن رجب الحنبلي - وكلام هذا العبد الصالح والله دواء للقلوب- له رسالة صغيرة في حدود أربعين صفحة إلى خمسين بعنوان فضل علم السلف على علم الخلف. يقول: نعم كثر كلام المتأخرين, لكن بلا فائدة، وقل كلام المتقدمين, وكله حكم, لذلك كلام الله جل وعلا في مجلد واحد, وهو القرآن، والدين من أوله إلى آخره مرتبط بهذا الكلام، وهذا هو الكلام المحكم الجزل الفصل الذي لا حشو فيه ولو أردت أن تحذف منه حرفاً واحداً لتغير واختل معنى الآية. وكلامنا كثير من غير فائدة.

    دلالة الشرع على أن الجن يأكلون وذكر الآثار في ذلك

    الجن يأكلون حقيقة. وآخر ما وقفت عليه حديث حذيفة ، وقلت: إنه حديث ثابت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ، ورواه أبو داود والنسائي في السنن الكبرى وفي كتاب عمل اليوم والليلة أيضاً صفحة 258، ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة، ورواه الحاكم في المستدرك في الجزء الرابع صفحة 108، وصححه وأقره عليه الذهبي , وقلت: إنه في صحيح مسلم ، فلا داعي لإيراده في المستدرك. ولفظ الحديث عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام قال: ( كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده ). هذا هو أدب الصحابة مع سيدهم وسيدنا حبيب الله, على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه. إذا اجتمعوا في طعام لا يمد واحد يده حتى يمد النبي عليه الصلاة والسلام يده, وهم له تبع.

    قال: ( وإنا حضرنا معه مرة طعاماً فجاءت جارية كأنها تُدفع ), كأن شيئاً يدفعها بقوة, وهذا من قِبل الشيطان؛ من أجل أن تمد يدها دون تسمية؛ ليستحل الشيطان ذلك الطعام. ( كأنها تدفع )، وفي رواية في صحيح مسلم : ( كأنها تُطرد ) كأن شيئاً يطردها ويزجرها ويدفعها بقوة. ( فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ), وأمسكها, ولم يجعلها تمد يدها إلى هذا الطعام..

    قال حذيفة : ( ثم جاء أعرابي كأنما يُدفع ), وفي رواية: ( كأنما يُطرد ). وإنما جاء الشيطان بهذه الجارية لأنها لا تعرف آداب الطعام، وهكذا الأعرابي الذي هو حديث عهد بلقاء النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وإلا فلو قدر أن صحابياً مد يده لقال: بسم الله.

    ( فذهب ليضع يده في الطعام فأخذ نبينا عليه الصلاة والسلام بيده، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه ). وليس المراد من الاستحلال أنه يصبح حلالاً له، إنما يستحله بمعنى: يستطيع ويتمكن من أكله, كأنه صار حلالاً له، وكأنه شيء يملكه ( وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها, فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به, فأخذت بيده. والذي نفس محمد بيده إن يده ), أي: يد الشيطان ( في يدي مع يدها ) مع الجارية. وفي رواية: ( ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اسم الله وأكل ). وفي رواية في حديث أبي داود قدم فيها الأعرابي على الجارية وقال: ( إن يده في يدي مع أيديهما )، يخبرنا عن ذلك من لا ينطق عن الهوى.

    فهو يرى ما لا نرى: ( ثم سمى نبينا عليه الصلاة والسلام وأكل من الطعام, فأكل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ).

    فالحديث نص صريح بأن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه.

    هذه الرواية الأولى.

    الرواية الثانية: ما جاء في مسند الإمام أحمد , والحديث في مجمع الزوائد في الجزء الخامس صفحة 23، قال الإمام الهيثمي في حكمه على إسناد هذا الحديث: في إسناده حبيب بن أوس وراشد بن جندل , كلاهما ليس له إلا راو واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح, خلا ابن لهيعة , وحديثه حسن. وما ذكره لا يعتبر مضعفاً لإسناد الحديث أبداً. أما راشد بن جندل فهو راشد بن جندل اليافعي المصري , ثقة، أخرج له الإمام الترمذي في شمائله، ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة في الكتب الستة، فقول الإمام الهيثمي : كلاهما ليس له إلا راو واحد -فيما يظهر- غير مسلم، فالذي يظهر أن له أكثر من راو، ولذلك وثق؛ لأنه لو لم يكن له إلا راو واحد لكان في حديثه جهالة. وهذا حكم الحافظ عليه في التقريب: ثقة. وذكر في تهذيب التهذيب في الجزء الثالث صفحة 25 أنه وثقه ابن حبان وابن معين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين. هذا فيما يتعلق بـراشد بن جندل .

    وأما حبيب بن أوس الثقفي المصري أيضاً فهو مقبول، وأخرج له الإمام الترمذي أيضاً في الشمائل، وقد روى عنه راشد بن جندل مولاه, ووثقه ابن حبان ، فالجهالة مرتفعة عنه إن شاء الله.

    ولفظ الحديث من رواية أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقرب طعاماً، فلم أر طعاماً كان أكثر بركة منه أول ما أكلناه، ولا أقل بركة في آخره ). الطعام في البداية نأكل منه ولا يظهر عليه أثر النقصان، بركته كثيرة، ثم في نهاية الطعام كلما مددنا أيدينا إلى الطعام رأيناه كأنه ينقص، وكأنه يرفع شيء منه من غير الحاضرين، قلنا: ( كيف هذا يا رسول الله )! عليه الصلاة والسلام طعام مبارك في أوله, وفي الآخر رفعت البركة منه، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لأنا ذكرنا اسم الله فيما أكلنا، ثم قعد بعد من أكل ولم يسم فأكل معه الشيطان ). نحن لما جلسنا في البداية سمينا الله، فحصَّنَّا هذا الطعام, فما امتدت إليه يد الشيطان، ثم أتى الشيطان بإنسان آخر, فجلس ولم يسم، فلما أكل استحل الشيطان هذا الطعام, فرفعت البركة منه. سيأتينا من كلام الشيخ أبي الخير بن الجزري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أن التسمية سنة عينية, وليست كفائية. والقول بأن التسمية سنة هو قول الجمهور، وذهب بعض أئمتنا وحكي هذا عن الإمام الشافعي نقله الإمام عبد الرحيم العراقي في شرح سنن الترمذي أن التسمية واجبة على سبيل العينية, لا على سبيل الكفاية.

    وعليه فكل واحد ينبغي أن يسمي، فإذا لم يسم عصى الله, واستحل الشيطان هذا الطعام بواحد فقط لم يسم.

    والأطفال يسمي عنهم والدهم، ويعلمهم ذلك، لكن لو قدر أنه لا يعي، وأنه لا زال دون سن التمييز مثلاً سنتين أو نحوها, يمد يده وعندما يأكل تقول أنت: بسم الله، فأنت نائبه. كما تنوب عنه في نية الإحرام نب عنه في التسمية على الطعام، فلا تترك هذا الأمر يحصل من غير تسمية.

    إذاً: هذا حديث ثانٍ، وهو أيضاً حديث صحيح.

    حديث ثالث يقرر هذا المعنى رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير وفي معجمه الأوسط بسند رجاله ثقات كما في المجمع في المكان المشار إليه آنفاً، ورواه ابن حبان في صحيحه كما في موارد الضمآن في صفحة 326، ورواه ابن السني في كتاب عمل اليوم والليلة، ولفظ الحديث من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نسي أن يذكر اسم الله في أول طعامه فليقل حين يذكر: بسم الله في أوله وآخره؛ فإنه يستقبل طعاماً جديداً، ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه ).

    ورجال الحديث ثقات أئمة أثبات, كما قال الإمام الهيثمي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    وقوله: ( فإنه يستقبل طعاماً جديداً ) ظاهر الحديث والعلم عند الله أن الطعام يحصن من تسميته فيما بعد، وأن غفلته عن التسمية في البداية لا تمنع من طرد الشيطان في وسط الطعام إذا تذكر البسملة وأتى بها، فإذا نسي في البداية فاستحل الشيطان الطعام، فهذا الاستحلال لا يكون إلى آخره إذا تدارك الإنسان الأمر فأتى بالتسمية في وسط الطعام.

    وهذا فيما يظهر أقوى ما يمكن أن يوجه به هذا الحديث.

    ويمكن أن يوجه توجيهاً آخر: وهو أنه يستقبل طعاماً جديداً، أي: كأنه يأكل من البداية، وأن ما أخذه الشيطان يعود إلى هذا الطعام بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها، فيبارك في هذا الطعام، والشيطان كما سيأتي معنا يتقيأ عندما يسمي الناسي أثناء الطعام، ولا يلزم من تقيئه أن يقع ذلك الطعام في القصعة، ولو قدر أنه وقع فهذا من أمور الغيب, يحصل له كيفية أخرى, فلا يتنجس الطعام, ولا يحتاج إلى رميه، ولا إلى غسل القصعة, كما أورد بعض المتأخرين هذه الاعتراضات. هذه كلها أمور غيبية, فلا داعي للبحث في هذه القضية.

    إنما هو سيتقيأ بحيث يستخرج منه ما أكله ويعود، ويحيله الله إلى طعام جديد, والله على كل شيء قدير، كما يحيل لهم العظام التي نلقيها عارية إلى مكسوة بأوفر ما كان عليها من اللحم، فإن سمي عليها أكلها مؤمنو الجن، وإلا أكل هذا اللحم عصاة الجن كما تقدم معنا. ولا مانع إذا تقيأ الشيطان أن يستحيل ذلك الطعام الذي تقيأه، فالله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون، أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259].

    فإذا ورد الأمر عمن لا ينطق عن الهوى عليه صلوات الله وسلامه فأقِرّه وأمِرّه, ولا تبحث في الكيفيات. وهل سيقع ما يتقيؤه في القصعة؟ إن قدر أنه وقع فإنه ينقلب ويستحيل كما كان, والله على كل شيء قدير، وإن قدر أنه استقاء بغير ذلك فإن الله يبارك في الطعام بحيث تعود إليه البركة التي كانت من بدايته. وعليه فإنه يستقبل طعاماً جديداً، ثم إنه يحصن الطعام بتسميته، أو كأن الطعام من البداية حصن ببركة البسملة التي كانت في وسطه. والأمران معتبران، والثاني فيه زيادة فضيلة لهذه التسمية, وأنها تعيد البركة التي فاتته إذا لم تسم نسياناً وذهولاً ثم تداركتها في وسط الطعام.

    ثم قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه ), أي الشيطان يمنعه من الأكل بعد التسمية.

    والحديث نص صريح بأنه يأكل، وعندما تسمي تمنع الخبيث ما كان يصيب منه. والمسألة ليست خلافية كما قال من قال، كل مسألة خلافية؟ هذا كلام باطل، لا بد من تحقيق القول في أمور الشرع، ولا بد من بيان ما تحتمله الأدلة وقال به إمام معتبر، ومن القول الذي لا تحتمله الأدلة ولم ينقل عن إمام معتبر، القول بأن الجن لا يأكلون أو أن أكلهم تسمم، كل هذا قول ساقط لا قيمة له. والعلم عند الله جل وعلا. بل لهم أكل ومضغ وبلع كما يحصل فينا بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها.

    1.   

    التسمية عند المأكل والمبيت وأثر ذلك على الشيطان

    من نسي التسمية فليقل بسم الله أوله وآخره

    وهذا المعنى من أن الإنسان ينبغي له أن يذكر البسملة في وسط طعامه إذا غفل عنها في أوله ثابت في أحاديث كثيرة، وهي تقرر مبحثنا, ألا وهو أكل الجان مع الإنسان من الطعام إذا لم يسم الرحمن، ثبت هذا في مسند الإمام أحمد ، والحديث في السنن الأربعة إلا سنن النسائي ، ورواه الإمام النسائي في عمل اليوم والليلة في صفحة 261، وهو في سنن الدارمي ومستدرك الحاكم والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، ورواه الإمام الطحاوي في مشكل الآثار، ورواه ابن حبان في صحيحه وابن أبي شيبة في مصنفه، وإسناد الحديث صحيح, من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: بسم الله, فإن نسي في الأول فليقل في الآخر: بسم الله في أوله وآخره ). والحديث صحيح. قال الإمام الترمذي : هذا حديث حسن صحيح، وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي ، وصححه ابن حبان وعدد من أئمتنا الجهابذة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    وثبت هذا المعنى أيضاً في مسند أبي يعلى بسند رجاله ثقات كما في مجمع الزوائد في الجزء الخامس أيضاً في صفحة 22 من رواية أبي يعلى عن امرأة صحابية لم تسم -والجهل بعين الصحابي لا يضر بعد ثبوت كونه صحابياً- عن امرأة رضي الله عنها وأرضاها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بوطبة. والوطبة هي: الحيس الذي يجمع فيه التمر والأقط والسمن، وأقط, وهو: اللبن المجفف, وسمن. قدم للنبي عليه الصلاة والسلام قصعة من لبن مجفف وتمر وسمن مخلوط ببعضه يقال له: وطبة. قال: فأخذها أعرابي بثلاث لقم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أما إنه لو قال: بسم الله لوسعكم ). لأكلنا جميعاً من هذه الوطبة، وقال: ( إذا نسي أحدكم اسم الله على طعامه فليقل إذا ذكر: باسم الله أوله وآخره ). رواه أبو يعلى , ورجاله ثقات.

    الشيطان يتقيأ إذا ذكر على الطعام بسم الله

    والأحاديث كثيرة, وفي بعضها: ( أن الشيطان يتقيأ ما أكله ). كما ثبت هذا في حديث أمية بن مخشي رضي الله عنه وأرضاه. ولم يسند أمية إلا هذا الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام كما نص على ذلك الدارقطني وابن عبد البر في كتاب الاتعاظ.

    والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، ورواه الحاكم في مستدركه وصححه وأقره عليه الذهبي ، ورواه النسائي في السنن الكبرى وفي كتاب عمل اليوم والليلة صفحة 262، ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة أيضاً، وهو في طبقات ابن سعد في الجزء الثالث صفحة 13، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار والطبراني في معجمه الكبير والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، والحديث في درجة الحسن إن شاء الله. ولفظ الحديث عن أمية بن مخشي , قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً ورجل يأكل، فلم يسم حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة ). رجل يأكل بمفرده، والنبي عليه الصلاة والسلام جالس ينظر إليه، فلم يسم ذلك الرجل حتى بقي لقمة، ( فلما دفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره, فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله آخراً استقاء ما في بطنه ). ( فلما ذكر اسم الله آخراً ), يعني: في آخر طعامه, ( استقاء الشيطان ما في بطنه ).

    أولاً: سكوت نبينا عليه الصلاة والسلام عن نصح هذا الإنسان بالتسمية سببه أنه لم يعلم أنه لم يسم عندما شرع في الأكل. فكان يأكل والنبي عليه الصلاة والسلام ينظر إليه, وهو بجواره، ثم عندما سمى هذا الإنسان في آخر طعامه كشف الله لنبيه عليه الصلاة والسلام عن حقيقة الأمر، كيف استقاء الشيطان ما أكله, ولو علم النبي عليه الصلاة والسلام من أول الأمر أن الصحابي لم يسم لذكره بالتسمية. وهذا معلوم. وقد نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام النووي في الأذكار في صفحة 333, قال: سكوت النبي عليه الصلاة والسلام عن أمره بالتسمية كان لعدم علمه بأن هذا الصحابي لم يسم، فلما قال: بسم الله أوله وآخره في آخر طعامه واستقاء الشيطان كشف الله للنبي عليه الصلاة والسلام عن حقيقة الأمر؛ ليبين هذا لأمته.

    ما تحصل به التسمية وبيان حكمها على التعيين

    ثم قال الإمام النووي في الأذكار، وذكر هذا أيضاً في شرح صحيح مسلم في الجزء الثالث عشر صفحة 189 قال: ينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، فإن سمى واحد منهم حصل أصل السنة, نص عليه الإمام الشافعي .

    والذي يظهر والعلم عند الله أن السنة تحصل من تسمية واحد، لكن كما تقدم معنا من الرواية أن الطعام لا يحصن إذا لم يسم عليه الجميع، وأن التسمية لا بد أن يقول بها كل من أكل، فالذي يظهر والعلم عند الله وجوب التسمية؛ لأنه لا حيلة ولا وسيلة في طرد الشيطان عن الطعام إلا بالتسمية, وطرده والتحصن منه واجب، وإلا يشاركك في طعامك.

    ولذلك قال الإمام ابن الجزري في النشر صفحة 259 عند مبحث الاستعاذة أشار إلى أن الاستعاذة كما أنه ينبغي أن يأتي بها كل قارئ وليست سنة على الكفاية، فحكم التسمية على الطعام كحكم الاستعاذة على القراءة تماماً.

    يقول في مواضع أخرى من كتبه: كما اخترناه في التسمية على الأكل، وأن هذا ليس من باب سنن الكفايات. وقرر هذا في كتبه الأخرى.

    والإمام العراقي نقل عن الإمام الشافعي القول بوجوب التسمية في أول الطعام. والعلم عند ذي الجلال والإكرام.

    وحديث أمية بن مخشي لا ينزل عن درجة الحسن، وله شواهد كثيرة. نعم قال الإمام ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في تخريج أحاديث الأذكار: إسناده غريب. ففيه المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي , روى هذا الحديث عن عمه أمية بن مخشي ، قيل: هو عمه، وقيل: جده. وجده صحابي بالاتفاق، والمثنى بن عبد الرحمن حكم عليه الحافظ في التقريب فقال: مستور, وهو من رجال أبي داود والنسائي في عمل اليوم والليلة.

    وقال الذهبي في الكاشف في الجزء الثالث صفحة 105 في ترجمة المثنى : إنه مجهول، ثم نقل هذا عن الإمام ابن المديني قال: مجهول لم يرو عنه إلا جابر بن صبح ، فهو في حكم الجهالة، وسيأتينا هل هذا مسلم به أم لا؟

    أما جابر بن صبح الراسبي فحديثه مخرج في السنن الأربعة إلا سنن ابن ماجه , وهو صدوق، وهو الراوي عن المثنى بن عبد الرحمن عن عمه أو جده أمية بن مخشي .

    وقد ذكر ابن حبان المثنى بن عبد الرحمن في الثقات، ثم قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في الجزء العاشر صفحة 37: روى سيف عنه -عن المثنى - عن ميمون عن عبد الله بن عباس رواية أخرى، قال: فيحتمل أن يكون هذا هو المثنى الذي روى عن عمه أمية بن مخشي الذي قيل: لم يرو عنه إلا جابر بن صبح ، وعليه روى عنه سيف بن عمر التميمي وروى عنه جابر بن صبح .

    قال الحافظ ابن حجر : وأما سيف بن عمر التميمي فهو ضعيف الحديث، عمدة في التاريخ. وأفحش فيه ابن حبان القول فقال: اتهم بالزندقة، وهو من رجال الإمام الترمذي , ضعيف, وهو صاحب كتاب الردة وصاحب كتاب الفتوح، وعلق بعض من يشتغلون بالحديث في هذه الأيام على ترجمة سيف بن عمر التميمي , فيقول: قال الذهبي : تركوه واتهم بالزندقة.

    وأنا أرى أن هذا ليس من الإنصاف، وأعراض المسلمين حفرة وقع على شفيرها المؤرخون والمحدثون، فينبغي أن نتقي الله في كلامنا، فإذا كان ابن حبان يقول: اشتهر بالزندقة وأئمتنا يردون هذا الكلام فلا يجوز أن نأتي في هذا العصر ونعتبره شيئاً مسلماً.

    قال الذهبي في ترجمته في الكاشف: سيف بن عمر التميمي صاحب التواليف, يعني: التآليف الكثيرة، ضعفه ابن معين وغيره. وقال في الميزان في ترجمته: هو كـالواقدي شيخ ابن سعد ، محمد بن عمر الواقدي الإمام المشهور في المغازي والطبقات ضعيف في الحديث، لكن في المغازي يؤخذ منه؛ لأنه مهر في هذا العلم، ولم يخرج للواقدي إلا ابن ماجه ، ولم يخرج لـسيف بن عمر إلا الترمذي .

    أفحش ابن حبان القول فيه، ... كلام قيل فيه ورد، فلا يجوز الآن أن نعتمده.

    والإمام الهيثمي في المجمع عندما يأتي ذكر الواقدي يقول: ضعيف, انظروا مثلاً الجزء الأول صفحة 205 في مجمع الزوائد.

    وكما قلت جاء من يشتغل بعد ذلك بعلم الحديث في هذه الأيام، واعتمد هذا الكلام في سيف بن عمر التميمي؛ فإذا قيل في هذا العبد متهم بالزندقة، فلا يصلح أن يقال هذا من غير تحرٍ، ونحن سنسأل أمام الله عما نقول, مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

    وأنت إذا وجدت للأئمة كلاماً تنازعوا فيه ويمكن أن يكون حمله على الحسن مقبولاً فخذه واترك ذاك، وإذا حكيت ذلك فاذكره على أنه من جملة ما قيل، ثم أنصف، فإذا قرأت المطولات ومر معك كلام ابن حبان فاطرحه جانباً ففيه مبالغة زائدة، أما أن نأتي فلا نذكر إلا كلام ابن حبان في هذا ولا نقول هو من رجال الترمذي ، ونترك كلام الحافظ ابن حجر ، ونترك كلام الذهبي في عدد من كتبه، فهذا ليس من الإنصاف، سنسأل أمام الله عن هذا الكلام.

    ولذلك إخوتي الكرام! طالب العلم والعالم ينبغي أن يبحث عن الحق الذي يتقرب به إلى الله، لا يجوز أن يبحث عن شيء ليؤيد به هواه، لا تك ممن يقبل الحق إذا وافق هواه، ويرده إذا خالف هواه، فإنك تعاقب في الحالتين, تعاقب؛ لأنك ما قبلت الحق لأنه حق, إنما قبلته من أجل هواك.

    بعض السفهاء في هذه الأيام في بلدة مجاورة جلس في مجلس من المجالس وحكم على بعض طلبة العلم المساكين بأنه كافر مشرك مرتد. بل عمدة المشركين, وفي نفس المجلس قالوا له: ما تقول في من لبس الصليب؟ قال: لبس الصليب يمكن أن يكون من باب الأعراف الدولية, فنلتمس عذراً لذلك. فقال له بعض الحاضرين: أما تتق الله؟ تقول في الذي يجوز التبرك بالصالحين كافر مشرك مرتد، والصليب لبسه من باب الأعراف الدولية, وهو مباح؟ فكيف سنوفق بين القولين؟

    يا عبد الله! لا يكن حالك إما الشدة في جميع الأحوال، وإما التساهل في جميع الأحوال، فهذا تكويه بنار، وذاك ترفع عنه كل عار، فليس هذا من الإنصاف والعدل الذي أمر الله به.

    هنا تكفر من يقول بجواز التبرك مع أنه لا مجال للتكفير، وغاية ما يقال أنه مبتدع، وتقول هناك: أنت على هدى, فأنت في سبيل تكفيرك تلتمس الأعذار، وفي مجال ما تحتمله الأدلة أخذت الأمر من أضيقه، تحت ستار الدعوة إلى الكتاب والسنة، نسأل الله أن يجعل هوانا تبعاً لشرع نبينا عليه الصلاة والسلام إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين بفضله ورحمته.

    كل منا يخطئ ويصيب، والواجب عند معرفة الخطأ أن نصحح أوضاعنا، وأن نتوب إلى ربنا، فإذا تجاهل كل منا خطأ صاحبه واشتغلنا بأخطاء غيرنا فما تحاببنا في الله، وحالنا افتضحوا فاصطلحوا, واسكت عني أسكت عنك فقط. لا يجوز هذا أبداً.

    إذاً: سيف بن عمر التميمي روى عن المثنى بن عبد الرحمن عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين. وجابر بن صبح الراسبي روى أيضاً عن المثنى بن عبد الرحمن . فوجد له راوٍ آخر كما قلت.

    على كل حال، أما المثنى بن عبد الرحمن فقلت: إن ابن حبان ذكره في الثقات، ولم يعلم فيه جرح, غاية ما قيل: انفرد عنه جابر بن صبح ، هل روى عنه سيف بن عمر التميمي أو لا؟ الحافظ ابن حجر يقول: يحتمل أنه هو الذي روى عنه سيف بن عمر التميمي ، فـالمثنى بن عبد الرحمن من التابعين, يروي عن عمه أو جده الصحابي، ويغتفر دائماً في طبقة التابعين ما لا يغتفر في الطبقات التي بعدهم. فمن وثقه ابن حبان من التابعين ممن لم يعلم فيهم جرح يتساهل في أمره، لا سيما إذا دل على هذه الرواية روايات الأخرى وتقدم معنا أحاديث متعددة ثابتة صحيحة تقرر هذا المعنى.

    وعليه فيما يظهر والعلم عند الله أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن بهذه الشواهد، إن لم يكن حسناً بنفسه.

    ولذلك سكت أبو داود في سننه عن هذا الحديث، وقلت مراراً: ما سكت عنه أبو داود فهو حسن أو صحيح، يصلح للاحتجاج, ولا يعتبر من الأحاديث المتروكة التي لا يجوز أن يستشهد بها ولا أن يعمل بها.

    التسمية عند دخول المنزل وتقديم الطعام تحرم الشيطان المبيت وأكلة العشاء

    إخوتي الكرام! الشيطان خبيث، فإذا لم يذكر اسم الله على الطعام أكل منه، ولذلك إذا دخل الإنسان بيته عند المساء فليحصن بيته في تلك الليلة بالتسمية، ثم إذا وضع الطعام فليحصن طعامه في تلك الليلة من الشيطان، فلا يبيت الشيطان في بيته وداره, ولا يأكل من طعامه، وإذا غفل عن الأمرين أكل من طعامه, ونام معه على سريره، وإذا اتصل بعد ذلك بأهله ولم يسم أيضاً شاركه, وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء:64]. يعني: بلاء متتابع، وإذا حصن نفسه من البداية فلا سلطان للشيطان عليه، وإذا دخل ولم يسم يبيت الشيطان عنده، وإذا أكل وسمى فلا يدرك الشيطان العشاء، لكن يدرك المبيت. وهذا ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة. وعندما تستعرض الروايات الواردة في جزئية معينة يتبين لك منها الصواب، ومن أحصى الأحاديث الواردة في كون الشيطان يأكل لا يشك في أنها متواترة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد ذكرنا فيما تقدم ما يزيد عن عشرة أحاديث في أكل الشيطان، وأنه أكل حقيقي, وأنه يستحل الطعام الحسي الذي نأكله إذا لم نسم الله عليه.

    وهذا حديث أيضاً في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ، وهو في سنن أبي داود وابن ماجه من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا دخل الرجل منزله فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإن ذكر الله عند دخوله ولم يذكره عند عشائه يقول الشيطان: أدركتم العشاء )، ( ولا مبيت لكم، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء ). فلذلك إذا دخلت بيتك بعد صلاة المغرب أو بعد صلاة العشاء فسم الله، وسلم على أهلك، وإذا وضع الطعام فسم الله، فتحصن نفسك إن شاء الله وتحصن دارك، ولا يقربك الشيطان بإذن ذي الجلال والإكرام.

    وهذا الحديث رواه الإمام البيهقي أيضاً في السنن الكبرى في الجزء السابع صفحة 176، وهو في صحيح مسلم , فهو صحيح.

    وروي معناه في معجم الطبراني لكن بإسناد شديد الضعف، كما في المجمع في الجزء الثامن صفحة 38، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث صفحة 124، وصدره بلفظ: وروي. وأهمل الكلام عليه في آخره للإشارة إلى تضعيفه كما هو شرط الحافظ المنذري في ترغيبه, عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    والحديث في إسناده عبد الغفور , وهو أبو الصباح ، لم يخرج له أحد من أهل الكتب الستة، وحكم عليه الهيثمي في المجمع بأنه متروك، وقال الإمام الذهبي في المغني في الضعفاء في الجزء الثاني صفحة 401: قال ابن معين : ليس بشيء، وقال ابن حبان : ممن يضع الحديث -وهذه في الحقيقة شديدة- وقال الحافظ ابن حجر في كتاب الميزان في الجزء الرابع صفحة 44: قال البخاري : تركوه, وهذا هو المعتمد. ولذلك قلت لكم: إن إسناده شديد الضعف، لكن نذكر معناه فقط لأنه ثابت في صحيح مسلم .

    ولفظ الحديث عن سلمان رضي الله عنه وأرضاه عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( من سره ألا يجد الشيطان عنده طعاماً ولا مقيلاً ولا مبيتاً ). إذا كنت تحب ألا يحصل الشيطان عندك أكلاً ولا نوماً في المساء، ولا في القائلة عند الظهر: ( فليسلم إذا دخل بيته على أهله، وليسم على طعامه ). بذلك تحصّن بيتك وطعامك، فلا يأكل معك ولا يبيت عندك.

    الحديث كما قلت من طريق سلمان رضي الله عنه وأرضاه، وفي إسناده أبو الصباح عبد الغفور , وهو متروك، لكن هذا الحديث ثابت في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين.

    ولذلك الشيطان الذي يصحبك، وكل واحد له قرين من الجن عاتي، ليس من مؤمني الجن، ولم يؤمن من قرناء الإنس إلا قرين النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه خصوصية له.

    هذا القرين الموكل بك، إذا كنت تغفل عن التسمية يكون أسمن منك، وإذا كنت تسمّي فلا يحصل طعاماً أبداً؛ لأنه موكل بك, لا يمكن أن يفارقك، فهو هزيل شاحب ضعيف. وقد أشار إلى هذا نبينا عليه الصلاة والسلام, والحديث صحيح، وكل هذه الآثار تقرر ما تقدم معنا من أكل الشيطان أكلاً حقيقياً عن طريق المضغ والبلع كما هو فينا.

    أثر التسمية على شيطان المسلم وشيطان الكافر

    في معجم الطبراني الكبير من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وهو في المجمع في الجزء الخامس صفحة 22, والحديث موقوف عليه, لكن له حكم الرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فمثله لا يقال من قبل الرأي.

    وما أتى عن صاحب بحيث لا يقال رأياً حكمه الرفع على

    ما قال في المحصول نحو من أتى فالحاكم الرفع لهذا أثبتا

    مثل حديث: ( من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد ) وأثر عبد الله بن مسعود ، روي أيضاً مرفوعاً، فالرواية الموقوفة على عبد الله بن مسعود لها حكم الرفع؛ لأن هذا حكم شرعي، لا يمكن أن يقوله الصحابي عن طريق الرأي والهوى والابتداع في دين المولى، وهكذا إذا تكلم في أسباب النزول.

    والحديث رجاله رجال الصحيح، لكنه موقوف على عبد الله بن مسعود , وله حكم الرفع، قال: إن شيطان المؤمن لقي شيطان الكافر, التقى قرين المسلم وقرين الكافر. قال عبد الله بن مسعود : فرأى شيطان الكافر شيطان المؤمن شاحباً أغبر مذلولاً. شاحب: نحيف ضعيف، لونه متغير هزيل. والإنسان إذا ضعف يتغير لونه. فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة تغير لونه إلى سمرة وأدمة من شدة جوعه وابتعاده عن السمن ومن بابٍ أولى عن اللحم، وعندما كانت بطنه تقرقر كان يقول لها: قرقري أو لا تقرقري, فلن تذوقي السمن قبل أن تذوقه أمة محمد على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه. حتى تغير لونه يعني: كأنه شيء يحرق، والإنسان إذا أكل فإن الدماء تسري في عروقه وذراته ويتفتح جسمه مثل الشجرة إذا سقيتها، فإذا منعت عنها الماء ذبلت واصفرت.

    فشيطان الكافر رأى شيطان المؤمن شاحباً أغبر كلون التراب متغيراً كأنه محروق، مهزولاً، فقال له شيطان الكافر: ويحك ما لك؟ فقال شيطان المؤمن: لا والله ما آكل معه، إذا طعم ذكر اسم الله، وإذا شرب ذكر اسم الله، وإذا دخل بيته ذكر اسم الله, بهذا قتلني، لا طعام ولا شراب، ثم لا أبيت بجواره على هذا الفراش لأتمتع، وهذه كلها منعت منها.

    فيقول الآخر وهو شيطان الكافر: لكني آكل من طعامه، وأشرب من شرابه، وأنام على فراشه. ولذلك فهو سمين عظيم.

    إخوتي الكرام! المؤمن ينضي شيطانه - أي: يتعبه- كما ينضي أحدكم بعيره في الصحراء. بل المؤمن ينضي شيطانه أكثر من إنضاء المسافر لبعيره. وهذا الحديث مروي عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، رواه الإمام أحمد في المسند في الجزء الثاني صفحة 380، ورواه الحكيم الترمذي وابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان، ورجال إسناده ثقات أثبات كما في المجمع في الجزء الأول صفحة 116 وما فيه إلا ابن لهيعة ، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن .

    و عبد الله بن لهيعة خرج حديثه مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة إلا الإمام النسائي ، وهو من أئمة المسلمين الصالحين، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، والشيخ أحمد شاكر يصحح الحديث الذي يأتي من طريقه مطلقاً، سواءً كان من رواية العبادلة عنه أو لا.

    قال ابن الأثير في النهاية في الجزء الخامس صفحة 72: ينضي أي: يجعله نضوا, أي: مهزولاً ضعيفاً، يقال: أنضيت الدابة إذا أهزلتها، وأذهبت لحمها عن طريق السفر عليها، وينضي بالضاد المعجمة.

    و ابن مفلح الحنبلي في كتابه صيانة الإنسان من وساوس الشيطان صفحة (52) ضبطه بالصاد، وما وقفت على هذا لأحد من أئمتنا، كلهم نصوا على أنه بالضاد، وشرحوه كما ذكرت لكم. ثم فسره ابن مفلح فقال: يمكن أن معناه: يأخذ بناصيته ويتحكم به كما يريد، فيجعله تابعاً له, والمعنى صحيح, لكن الرواية تحتاج التحقق منها.

    و المناوي في فيض القدير في الجزء الثاني صفحة 185 أتى بكلام غريب, أنا أعجب منه غاية العجب، قال: في إسناده سعيد بن شرحبيل , عده الإمام الذهبي في المغني في الضعفاء من المجاهيل، ولا وجود لهذا الرجل في سند الحديث، وقد رجعت إلى المسند أتأمله مراراً.

    والحديث: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وفيهم ابن لهيعة الذي حوله كلام خاص. هذا قاله الهيثمي , وقاله العراقي في تخريج أحاديث الإحياء أيضاً في الجزء الثالث صفحة 29.

    أما الروايات الأخرى رواية الحكيم الترمذي ورواية ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان فما وقفت عليها، إنما عزي الحديث إليها في جمع الجوامع للإمام السيوطي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    1.   

    النهي عن مشابهة الشيطان في الأكل بالشمال

    ومما يدل على أن الشيطان يأكل كما نأكل عن طريق المضغ والبلع ما تقدم معنا من تشكل الشيطان بصورة إنسان، كما جاء إلى أبي هريرة وإلى أبي أيوب وإلى زيد بن ثابت وإلى غيرهم فيها تشكل الشيطان وأنه كان يأتي ويسرق من التمر ويأكل، فقبض عليه أبو هريرة وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وهذا كله يقرر أن الشيطان يأكل أكلاً حقيقياً؛ ولذلك يأكل ويسرق من طعامنا.

    نختم الكلام على هذه الجزئية وهي أنه يأكل, ثم ننتقل إلى أنه يأكل بكيفية قبيحة, وهي أنه يأكل بالشمال، وما أكثر شياطين الإنس الذين يأكلون بالشمال في هذه الأيام! وكأنه صار من علامة التمدن والرقي الأكل بالشمال، وقد حضرت مرة مناقشة رسالة دكتوراه في حديث خير خلق الله عليه الصلاة والسلام، المناقشون الثلاثة يشربون بالشمال، ولو رجموا بالحجارة لكان قليلاً في حقهم، كيف يناقشون رسالة في حديث النبي عليه الصلاة والسلام ثم يأكلون ويشربون بالشمال؟!

    وأما بعضهم فحساس زيادة يقول: عن إذنكم ويُخرِج سيجارة وراء سيجارة، وهو يناقش رسالة العالمية على حد تعبيرهم في حديث خير البرية على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    قال: من علامة الرقي الآن أن يأكل الإنسان بالشمال؛ قال مرة بعض من يدرسون الحديث في كلية الشريعة، وهو من أهل الحدث والزيغ والضلال: الأكل باليد انحطاط ورجعية، وكله قرف، فإن الإنسان لو رآك تأكل بيدك لاستقاء ما في بطنه، كيف تأكل بيدك؟ لا زلت منحطاً تأكل باليد مثل أهل البادية؟ لا تأكل إلا بالملعقة أو بالشوكة أو نحوها.

    وأنا لا أقول: إن الأكل بالملعقة حرام، لكن والله إن الأكل باليد أفضل، وهذه اليد لا تدخل في جوف أحد، وأما تلك الملعقة فما أكثر من أكل بها، ثم هذا هو الذي كان عليه نبينا عليه صلوات الله وسلامه. فما قال لهم المدرس: هذه سنة, وهو يدرس الحديث بل علق بكلام يستحي الإنسان منه. إلى الله المشتكى.

    حقيقة أنا أعجب غاية العجب لهذا البلاء الذي نعيش فيه، تراه يدرس حديث النبي عليه الصلاة والسلام وليس في وجهه شعرة توحد الله، وينتف لحيته كل يوم، ويأتينا بهذه القاذورات والضلالات, إلى الله نشكو أحوالنا وانحطاطنا.

    وهذه القصة نذكر بعدها موضوع الأكل بالشمال، القصة أوردها الإمام الشبلي في آكام المرجان في صفحة 32 عن بعض القضاة الصالحين عن إمام من أئمتنا المهتدين، في الباب الثالث عشر في باب ما يمنع الجن من تناول الطعام والشراب، ذكر حديث حذيفة الذي تقدم معنا: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمسك بيد الجارية وبيد الأعرابي، وأحاديث أخرى زدت عليها أضعافها، يقول: قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه مكائد الشيطان: حدثنا محمد بن إدريس وهو الإمام الشافعي قال: حدثنا عيسى بن أبي فاطمة الرازي قال: حدثنا معاوية بن نفيل العجلي قال: كنت عند عنبسة بن سعيد قاضي الري. قال الحافظ عنه في التقريب: ثقة، وقد خرج له البخاري في صحيحه تعليقاً, وهو من رجال الترمذي والنسائي . يقول معاوية بن نفيل العجلي : كنت عند هذا القاضي الصالح عنبسة بن سعيد فدخل عليه ثعلبة بن سهيل الطهوي بضم الطاء المهملة وفتح الهاء، سكن الري وكان طبيباً, يعني: يعالج ويزاول مهنة الطب, وهو صدوق ثقة عدل إمام رضا من رجال الترمذي وسنن ابن ماجه .

    قال: فدخل عليه هذا الطبيب فسأله عن بعض الغرائب التي تجري معه؛ لأنه يزاول مهنة الطب وما يتعلق بها، فقال له عنبسة : ما أعجب ما رأيت؟ قال: كنت أضع شراباً لي أشربه في السحر لأتقوى به، فإذا جاء السحر جئت فلم أجد منه شيئاً، فوضعت شراباً وقرأت عليه سورة يس، فلما كان السحر جئته فرأيته على حاله, وإذا الشيطان أعمى يدور حول البيت.

    قال الإمام الشبلي : ورواها أبو عبد الرحمن محمد بن المنذر الهروي في كتابه العجائب، فقال: حدثنا أبو زرعة الرازي قال: حدثنا عيسى بن أبي فاطمة , فذكره.

    وهذا مما يدل على أن الشيطان يأكل، وأن ذكر الله يحصن الإنسان من هذا الشيطان.

    الشيطان خسيس خبيث دنيء, يأكل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه.

    ويأكل بالشمال, وعنده دناءة وحقارة وامتهان, فإذا سقطت لقمة أكلها فيجب أن لا نتركها للشيطان كما سيأتينا، وإذا بقي في القصعة طعام زائد لعقه الشيطان, ولذلك ينبغي أن نلعق هذه القصعة، ويتقرب بعض الناس إلى الشيطان برمي هذا في الزبالة وفي المجاري في الحمامات.

    ولو أن الإنسان دعى في هذه الأيام إلى لعق القصعة لربما ضحكوا عليه. وسيأتينا كيف كان سلفنا يفعلون هذا امتثالاً لهدي نبينا عليه الصلاة والسلام، وإذا لعقت هذه القصعة فإنها تستغفر لك، والله على كل شيء قدير.

    ولذلك كل بيمينك، والعق الأصابع قبل أن تغسل اليد، وإذا انتهيت من القصعة فالعقها.

    قال لي بعض الناس: أنه إذا أكل في مطعم بأجرة لازم يترك شيئاً، قلت: لم؟ قال: يعيبون علي إذا أكلت الطعام كله.

    فاستمع لتوجيه نبينا عليه الصلاة والسلام، ودعك بعد ذلك من عادات الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين الذين لعنهم رب العالمين إلا من كان منهم من المهتدين.

    حديث ابن عمر في النهي عن الأكل بالشمال

    الشيطان يأكل بشماله كما قرر ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، والحديث صحيح في مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك ، ورواه الإمام مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي في السنن، ورواه الإمام البخاري في الأدب المفرد، وهو في سنن الدارمي والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، ورواه ابن حبان في صحيحه. وهو في الإحسان الجزء السابع صفحة 328 في تفسير صحيح ابن حبان ، ولا ذكر له في موارد الضمآن؛ لأنه في أحد الصحيحين.

    ولفظ الحديث من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يأكلن أحد منكم بشماله، ولا يشربن بها؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها ).

    وكان نافع وهو الراوي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين يزيد فيها: ولا يأخذ بها ولا يعطي بها, وما زاده نافع مروي في روايات الأحاديث الأخرى.

    إذاً: كل ما فيه تكريم فافعله باليمين, من أكل وشرب وأخذ وإعطاء, وهكذا فيما يتعلق بالرجل اليمين كالدخول إلى المسجد والدخول إلى مكان مبارك والخروج منه يكون بالشمال، والخروج من الحمام باليمين، فالتيمن في كل ما هو مكرم محترم.

    وفي رواية في حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ).

    هذه رواية ابن عمر.

    حديث جابر في النهي عن الأكل بالشمال

    ورواية ثانية صحيحة ثابتة من رواية جابر بن عبد الله وهي مروية في المسند أيضاً وموطأ الإمام مالك وصحيح مسلم ، ورواها ابن ماجه في السنن والإمام ابن عساكر في تاريخ دمشق، وهي في صحيح ابن حبان . وقد وهم الإمام الهيثمي في موارد الضمآن, فأوردها في الموارد في صفحة 327, وهي في صحيح مسلم .

    ولفظ الحديث من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله، أو يمشي في نعل واحد ). ولذلك إما أن تنتعل في الرجلين, وإما أن تمشي حافياً بهما، أما أن تنتعل برجل وتمشي حافياً برجل أخرى فهذا مذموم، لأن فيه إجحاف في حق إحدى الرجلين، ولا يوجد تسوية، كذلك الصورة مزرية ممتهنة، ومشيتك لن تكون متزنة؛ واحدة مرتفعة, وواحدة منخفضة. فلو مشيت حافياً تذللاً لله فهذا تواضع، ولو مشيت منتعلاً فحكمك حكم الراكب, فكما أنه ينبغي أن تسوي بين أولادك، فلماذا لا تسوي بين أعضائك؟

    فقوله: ( أن يمشي في نعل واحدة ). لا يستبعد أن تكون هذه المشية القبيحة مشية الشيطان أيضاً.

    ( أو يشتمل الصماء، أو أن يحتبي في ثوب واحد كاشفاً عن فرجه ). أما اشتمال الصماء ففسّر بأمرين، فسره الفقهاء بأمر, وهو الصحيح الثابت، وفسره أهل اللغة بأمر وقوفاً مع ظاهر اللفظ، وهذا بعيد عن مراد النبي عليه الصلاة والسلام.

    أما علماؤنا الفقهاء فقالوا: المراد من اشتمال الصماء أن يلتحف الإنسان بالثوب الواحد وليس عليه غيره. التحف بالثوب، ثم رد طرفه الأسفل على كتفه الأعلى. هذا منهي عنه؛ لأنها كيفية لا تستر العورة، وعندما تتحرك وتسجد وتركع تظهر العورة، ولذلك, أورد أئمتنا أحاديث النهي عن اشتمال الصماء ضمن باب ما يستر العورة، كما فعل الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة, باب ما يستر من العورة، ثم روى حديث أبي سعيد الخدري : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن اشتمال الصماء ).

    وأما علماء اللغة فقالوا: المراد من اشتمال الصماء أن يصلي الإنسان بثوب ليس له فتحة، ويداه في الداخل، مأخوذ من الصمم, أي عدم وجود فتحة فيلبسه بحيث يكون كأنه مربوط, لا يستطيع أن يستعمل يديه فهذا منهي عنه؛ لأنه قد ينوبه شيء, فيريد أن يدفعه عنه من حية أو عقرب، فلا يتمكن؛ لأن يداه داخل الثوب.

    لكن قال أئمتنا علماء الشريعة المطهرة: مثل هذا الثوب لا يتعلق غرض الشارع بالنهي عنه؛ لأنه مما فطر الله عباده على عدم لبسه، فلم يفعل هذا لا مؤمن ولا كافر حتى يأتي النهي من نبينا عليه الصلاة والسلام عن لبسه.

    أما اشتمال الصماء بالثوب المشدود الذي يستر العورة فلا بأس، ولذلك قال أبو عبيد: الفقهاء أعلم بتأويل الحديث من علماء اللغة؛ لأنهم يعرفون مراد الشارع من كلامه، وأما أولئك فيقفون مع ظاهر اللفظ.

    ولذلك نقل عن الإمام أحمد كلام فيه شيء من الحدة في حق الفراء عليهم جميعاً رحمة الله، وهو صاحب كتاب معاني القرآن، قال: كنت أحسبه رجلاً صالحاً حتى رأيت كتابه معاني القرآن. حسناً ماذا فيه؟ ليس فيه شيء، إلا أنه فسر أحياناً بعض الآيات حسبما تقتضيه اللغة, دون النظرٍ إلى مراد الشارع، فمثلاً في قول الله جل وعلا فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9], يقول: وإن لم تنفع. علماء التفسير يقولون: هذا مردود، لم يأمر الله بذكرى لا تنفع، فـأبو لهب بعد أن أنزل الله فيه ما أنزل لا داعي لأن تذكره، وتضيع الوقت معه، وإنما إذا كنت تتوقع من الموعظة منفعة فذكر، لكن ليس معنى هذا أنك لا تذكر من لا تتوقع منه هداية؛ لأن النفع حاصل, وهو إقامة الحجة عليه، لكن لو قدر أن إنساناً بلغته الحجة وأزلت عذره وقطعت شبهه واستبان له الحق ثم عاند فلست مكلفاً بتذكيره مرة أخرى, لكن إذا كان عندك سلطة توقفه عند حده فبها ونعمت, وإلا فما على الرسول إلا البلاغ، فذكرى لا تنفع لا يأمر الله بها؛ لأنها من باب العبث، وليس النافع أن يهتدي فقط, فإقامة الحجة نافعة؛ من أجل أن تقطع عذره.

    وكذلك قال في قول الله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل:81], يقول علماء اللغة: أي: والبرد. فيقول علماء الشريعة: هذا فضول, وعدم علم بمراد الشارع، وإلا فالسرابيل التي تقي البرد تقدمت الإشارة إليها في أول سورة النحل: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ [النحل:5]. هذه من أصول النعم، وأما ما يدفع عنا الحر فمن ملابس القطن والكتان ونحوها وهذا من متممات النعم. والله في سورة النحل ذكر أصول النعم ومتمماتها، ولذلك يقال لها: سورة النعم وسورة النحل، أنت متى ما دخلت في ظل وكنت تحت سقف لا يمكن أن تموت من الحرارة مهما اشتدت، لكن البرد في بعض البلاد التي تتساقط فيها الثلوج إذا لم يكن عندك ما يدفئك من ملابس صوفية تموت حقيقة وتتجمد.

    فإذاً لا يجوز أن نقول: تقيكم الحر والبرد كما قال أهل اللغة؛ لعدم معرفتهم بمراد الشارع، ولو أحاطوا خبراً بسورة النحل لما قالوا هذا الكلام. فهذا تفسير لغوي تحتمله الآية على حسب اللغة، لكن هو مردود عند علماء الشريعة.

    وهنا اشتمال الصماء معناه عند الفقهاء كما ذكرت، ومعناه عند اللغويين كما بينت.

    وأما الاحتباء فهو: أن يجلس الإنسان على إليتيه على الأرض وينصب ساقيه, سواء أمسكهما أو لا, المقصود: أن جلس على إليتيه وينصب الساقين، وعليه ثوب واحد, يعني: لا يلبس سراويل، فهذه الجلسة منهي عنها؛ لأنه إذا جلس فستبدو عورته، فإذا أردت أن تحتبي فليكن عليك سراويل ساترة، فإذا كانت عليك سراويل ساترة فلا حرج في الاحتباء إن شاء الله.

    الشاهد إخوتي الكرام!: أن الشيطان يأكل بشماله، وكما قلت: هذه رواية ثانية من حديث جابر بن عبد الله .

    حديث أنس في النهي عن الأكل بالشمال

    ورواية ثالثة من رواية أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين، رواها الإمام أحمد في المسند والطبراني في معجمه الأوسط كما في مجمع الزوائد في الجزء الخامس صفحة 25, ولفظ حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله ). انتهى. وفي إسناد الحديث عبيد الله أو عبد الله بن دهقان . وفي المجمع كتبت دقهان, وهذا خطأ، والصواب بتقديم الهاء دهقان قال الإمام الهيثمي: روى عنه روح بن هشام بن حسان , ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله رجال الصحيح.

    وهذا العبد الصالح عبيد الله أو عبد الله بن دهقان لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة، فأين سنجد ترجمته؟

    إذا كان الحديث في المسانيد الأربعة -مسند الإمام أبي حنيفة والشافعي والموطأ ومسند الإمام أحمد- إذا كان الحديث في أحد هذه الكتب الأربعة, وليست ترجمة بعض رواته في الكتب الستة فستجدونه في كتاب تعجيل المنفعة, ولذلك فكتاب تعجيل المنفعة مع تقريب التهذيب ترجمة لعشرة كتب من كتب الحديث, الكتب الستة ومعها هذه المسانيد الأربعة.

    قال الحافظ في التعجيل صفحة 220: عبيد الله أو عبد الله بن دهقان روى عن أنس ، يعني: من التابعين رضي الله عنهم أجمعين، وعنه هشام بن حسان . أما هشام بن حسان فهو من أئمة التابعين الكبار الكرام، ثقة ثبت, وهو أثبت الناس في شيخ الإسلام محمد بن سيرين عليهم رحمات رب العالمين. وهشام بن حسان توفي سنة 147، وحديثه في الكتب الستة.

    وأما عبيد الله أو عبد الله بن دهقان فروى عنه هشام بن حسان فقط، وهو الراوي عن أنس رضي الله عنهم أجمعين, وعليه فهو في حيز الجهالة، ولذلك قال: مجهول، وقد ترجمه البخاري في التاريخ الكبير في الجزء الخامس صفحة 380، وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل في الجزء الخامس صفحة 47، ولم يذكروا فيه جرحاً. وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عنه هشام بن حسان , وهشام بن عروة . وهشام بن عروة ثقة فقيه توفي سنة 146، وحديثه في الكتب الستة, حاله كحال هشام بن حسان . قال الحافظ ابن حجر : فإن كانت رواية هشام بن عروة محفوظة عن عبيد الله بن دهقان أو عبد الله بن دهقان فليس بمجهول.

    وأقول أنا زيادة على كلام الحافظ عليهم جميعاً رحمة الله: وعلى التسليم بأنها ليست بمحفوظة فهو من التابعين، ولم يعلم فيه جرح, كما ترجمه بذلك البخاري أمير المؤمنين في الحديث، وأبو حاتم فيما نقله عنه ابنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل, فهو تابعي، روى عنه راوٍ ولم يعلم فيه جرح، فأمره محمول على العدالة. والعلم عند الله جل وعلا.

    ومعنى هذا الحديث ثابت, ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل بشماله، ويشرب بشماله ), وقد تقدم معنا من رواية عبد الله بن عمر ، وتقدم معنا من رواية جابر بن عبد الله . وأننا نهينا عن ذلك لأن الشيطان يفعله.

    وفي كتاب بلوغ الأماني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا للشيخ البنا ، علق عليه, قال: لم أقف على هذا الحديث لغير الإمام أحمد ، يعني: ما رواه إلا الإمام أحمد . وكما قلت لكم: فقد رواه معه الطبراني في معجمه الأوسط، وهذا موجود في المجمع، ثم قال بعد أن ذكر أن ابن حبان وثق عبد الله أو عبيد الله بن دهقان قال: فالحديث صحيح؛ فإن جميع رجاله ثقات. وكما قلت: عبد الله أو عبيد الله بن دهقان -الراوي عن أنس - إذا روى عنه هشام بن عروة مع هشام بن حسان انتفت عنه الجهالة، وإلا فهو تابعي, لا يعلم فيه جرح، وقد وثقه ابن حبان .

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الآخرة حسنة, وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين.