إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [15]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [15]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يختلف العلماء في حكم حيات البيوت على خمسة أقوال، يفرقون فيه بين البيوت والصحاري ونحوها وبيوت المدينة وغيرها، وبالنظر إلى الأدلة والجمع بينها يترجح أن جميع الحيات تقتل إلا حيات البيوت مطلقاً في المدينة أو في غيرها فلا تقتل إلا بعد إنذار، باستثناء نوعين من الحيات وهما ذو الطفيتين والأبتر، والإنذار يكون ثلاث مرات والأفضل ثلاثة أيام، وقد حصل قتل من الجن لمن أهمل هذا الإنذار كالفتى الأنصاري وسعد بن عبادة وغيرهما.

    1.   

    حكم قتل حيات البيوت

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    كنا قد ذكرنا مبحث الجن، وقد قدر الله جل وعلا أن ندخل في هذا المبحث، وأن نعلق فيه، وما كنت أظن أن الأمر سيأخذ هذا المقدار، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فالذي دعانا إلى مدارسة هذا المبحث حديث مر معنا في سنن الإمام الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو من رواية سيدنا عبد الله بن مسعود ، عن نبينا المحمود عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظم؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن ).

    قلت: ومبحث الجن سنتدارسه ضمن ثلاثة أمور:

    أولها: في خلقهم ووجودهم.

    وثاني الأمور: في تكليفهم وجزائهم.

    وثالث الأمور: في أوجه الاتفاق والافتراق بيننا وبينهم.

    وفي الأمر الثالث من هذه الأمور الثلاثة: في أوجه الاتفاق والافتراق بين الإنس والجن، قلت: إننا أيضاً سنتدارسه ضمن ثلاثة مباحث:

    أولها: في أوجه الاتفاق بيننا وبينهم، وذكرت أربعة أمور يتفق فيها الإنس والجن؛ أولها: الخلق والموت، وثانيها: التكليف، وثالثها: انقسام الصنفين إلى مؤمنين وكافرين، طائعين وعاصين، ورابعها: جزاء الصنفين إما الجنة وإما النار.

    ثم انتقلنا إلى المبحث الثاني من هذه المباحث الثلاثة، وهو: أوجه الافتراق بين الإنس والجن، وقلت: سنذكر أربعة أمور: أولها: عنصر خلق الجن يختلف عن عنصر خلق الإنس كما تقدم معنا.

    ثانيها: رؤيتهم لنا دون رؤيتنا لهم.

    ثالثها: قدرتهم على التشكل في صور مختلفة وليس هذا في وسعنا.

    رابعها: طعامهم يختلف عن طعامنا.

    والمبحث الثالث كما قلت: يدور حول صلتنا بهم، وصلتهم بنا، وقلت أيضاً: سنتدارس أربعة أمور: الأول: حكم استعانة الإنس بالجن، والثاني: مناكحة الإنس للجن، والجن للإنس، والثالث: تلبس الجن بالإنس، ورابع الأمور: تحصن الإنس من الجن.

    وكنا في المبحث الثاني من هذه المباحث الثلاثة، وفي الأمر الثالث من المبحث الثاني وهو: تشكل الجن في صورٍ مختلفة، تقدم معنا ما يدل على تشكلهم في صورة الإنس، وأوردت في ذلك عدة أحاديث صحيحة ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك قلت: إنهم يتشكلون أيضاً في صور الحيات، وفي صور الحيوانات، فقلت: سأخص صورةً من تشكلهم في صور الحيوانات بالذكر؛ لأنه يتعلق بها أمر عملي بالنسبة لنا، ألا وهو تشكل الجن في صور الحيات.

    وبعد أن أوردت هذا الأمر ذكرنا جزئية في البحث، وهي: حكم قتل حيات البيوت، وقلت: لأئمتنا في ذلك خمسة أقوال، أذكرها وأبين الراجح المعتمد الذي يشهد له الدليل منها، ثم نتابع خطوات البحث بإذن الله جل وعلا.

    أقوال العلماء في قتل حيات البيوت

    القول الأول: بعض العلماء الكرام من أئمة الإسلام قال بقتل الحيات جميعاً، في جميع الأمكنة، سواء كانت في البيوت، أو في الصحارى، أينما وجدت حيةً تقتلها، كيفما كان نوعها، وفي أي مكان كانت.

    وقلت: إن هؤلاء لم يستثنوا جنساً ونوعاً من الحيات، كما لم يخصوا مكاناً من الأمكنة بحكم خاص، وأخذوا بالعمومات الواردة في الأحاديث المتقدمة من رواية عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، بأن نقتل الحيات كلهن، وما ينبغي أن نسالمهن بعد أن حاربناهن.

    القول الثاني: نقل عن أئمة الإسلام أن جميع الحيات تقتل، في كل مكان إلا سواكن البيوت، سواء كانت هذه البيوت في المدينة المنورة، أو كانت في غيرها، وهذا القول يختلف عن القول الذي بعده فهنا يقول: حيات البيوت لا تقتل أبداً لا بعد التحريج، ولا قبل التحريج، إنما نضايقها من أجل أن تخرج من البيوت.

    وهؤلاء كما سيأتينا أخذوا بأحاديث صحيحة كحديث (أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل حيات البيوت)، فأخذوا بعموم النهي في هذه الحالة، فقالوا: لا تقتل حيات البيوت مطلقاً، وعمموا البيوت، سواءً كانت من المدينة المنورة أو في غيرها، فمن وجد حيةً يضايقها، فيحملها في متاع ويطرحها خارج البيت، أما أن يقتلها فعلى هذا القول حيات البيوت لا تقتل؛ لأن الجان كما تقدم معنا يتصور بصور الحيات، فربما كانت من الجان، فإذا قتلتها قد تتأذى وقد تقتل جاناً مؤمناً إذا كانت من مؤمني الجن، وعليه فحيات البيوت لا تقتل مطلقاً.

    القول الثالث: تقتل الحيات جميعاً إلا حيات البيوت، سواكن البيوت، فلا تقتل إلا بعد إنذار، فإذا أنذرت ولم تخرج أو لم تهرب، فتقتل بعد ذلك.

    والإنذار يكون ثلاثاً، ثم اختلف أئمتنا الذين قالوا بهذا القول: هل المراد ثلاثة أيام، أو ثلاث مرات؟ فالإمام مالك عليه وعلى أئمتنا رحمة الله ذهب إلى أن حيات البيوت لا تقتل إلا بعد أن تنذرها، وأن تحرج عليها ثلاثة أيامٍ متتالية، وكلما ظهرت لك تقول لها: أنشدك، أو نسألك بالعهد الذي عليك لنبي الله نوح، وبالعهد الذي أخذه عليك نبي الله سليمان ألا تؤذينا، وألا تظهري لنا، وألا تروعينا، وقال الإمام مالك عليه رحمة الله: يكفي أن تقول لها: أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تظهري لنا، وألا تؤذينا في منازلنا.

    إذاً: ثلاثة أيام وأنت تكرر عليها هذا الكلام، فإن ظهرت بعد ذلك فلا مانع من قتلها، فإذا كانت من الجان حكمها كحكم الصائل المروع من بني الإنسان، فإذا كان لا يندفع إلا بالقتل تقتله، وإذا كانت من الحيات الحقيقية فليس عليك مضرة في قتلها.

    القول الرابع: جميع الحيات تقتل، إلا سواكن البيوت في المدينة المنورة فقط، ففرق بين بيوت المدينة والبيوت الأخرى، فبيوت المدينة إذا وجدت فيها حية فلا تقتلها إلا بعد إنذار، وأما غيرها من البيوت فتقتل بدون إنذار، وهذا القول كالقول الثالث، لا بد من إنذارها، لكنه خص هذا في نوعٍ خاص من البيوت والبقاع، وهي المدينة.

    والقول الخامس يظهر لي والعلم عند الله كما سيأتينا أنه أظهر الأقوال وأقواها، وسأسرد الأحاديث التي تدل عليه بإذن الله جل وعلا، وفي تلك الأحاديث كما سيأتينا من تعلق ببعضها على قولٍ من الأقوال المتقدمة.

    القول الخامس: جميع الحيات تقتل إلا حيات البيوت مطلقاً، في المدينة أو في غيرها، فلا تقتل إلا بعد إنذار، باستثناء نوعين من الحيات، وهما ذو الطفيتين، والأبتر.

    وذو الطفيتين: حية كما تقدم معنا في ظهرها خطان أسودان، هذه خبيثة تأخذ البصر، وتسبب العمى، وتسقط الحبل، كما تقدم معنا، فالجنين يسقط: إذا رأته الحامل الحبلى، والبصر يذهب إذا نظر الإنسان إلى هذه الحية، وتموجت أمامه بتموجات خفيفة رشيقة.

    والأبتر: حية صغيرة لا تزيد على الشبر خبيثة أيضاً، فهذه تقتل.

    فإن قيل: قد يتصور الجني بشكل هاتين الحيتين، نقول: نعم، لكنه بتصوره بصورة مفجعة، صار حاله كما لو جاء الإنسي إلى إنسي ويريد أن يقتله، ومعه مسدس، أو سيف، وأفزعه، فذاك ضربه مباشرةً وتخلص منه، فأدى الضرب إلى قتله، فليس على القاتل هنا إثم، ولا دية، ولا قصاص، إنما لو قدر أن الإنسي دخل إلى بيتك وليس معه ما يخيفك، فليس بيده سلاح، فلا يجوز مباشرًة أن تمد عليه السلاح وأن تقتله، إنما تدفعه بالأيسر فالأيسر.

    فذو الطفيتين والأبتر حاله كحال الإنسي الذي يقفز عليك في بيتك، ويتسلط عليك، وينزل إلى بيتك، ومعه سلاح، ومعه سيف، وقصدك مباشرًة، فلا بد من التخلص منه، فلو كان ذو الطفيتين عندما ظهر بهذه الصورة التي لا يحل له أن يظهر فيها وأن يروعنا، فقتلناه فليس على القاتل إثم ولا غيره، وإن كان من الحيوانات الحقيقية فلا حرج علينا في قتله.

    وهذا القول -كما قلت- أقوى الأقوال كما ستسمعون الأدلة التي تدل على ذلك.

    إذاً: القول الخامس: جميع الحيات تقتل أينما كانت إلا حيات البيوت مطلقاً، في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، أو في غيرها فلا تقتل إلا بعد إنذار، والأحوط أن تنذرها ثلاثة أيام، وإن ترخصت فأنذرتها ثلاث مرات يجزئ، والقولان معتبران: ثلاثة أيام، ثلاثة مرات، إلا نوعين من الحيات فيقتلان من غير إنذار وتحريج: ذو الطفيتين، والأبتر.

    وإليكم الأحاديث التي تقرر هذا وتدل عليه:

    حديث ابن عمر في النهي عن قتل حيات البيوت غير ذي الطفيتين والأبتر

    الحديث الأول: في المسند، والموطأ، والكتب الستة، إلا سنن النسائي ، وهو في أعلى درجات الصحة، والحديث من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر فقال: ( اقتلوا الحيات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يطمسان البصر، ويسقطان الحبل ) .

    قال عبد الله وهو ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين: فبينا أنا أطارد حيةً أقتلها ناداني أبو لبابة - وهو من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين - فقال: يا عبد الله ! لا تقتلها، والحية كان يطاردها عبد الله في بيته، فنهاه عن قتلها أبو لبابة ، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحيات، فقال: ( إنه قد نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت وهن العوامر )، وتقدم معنا أن الجن إذا سكنوا مع الإنس يقال لهم: عامر.

    فالجن أحياناً يكونون في البيوت، ويتشكلون في هذه الصورة، في صورة الحيات، وهؤلاء من العوامر، فلا تقتلها.

    وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اقتلوا الحيات، ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يستسقطان الحبل ويلتمسان البصر )، أي: يأخذان البصر، فكان ابن عمر رضي الله عنهما يقتل كل حية وجدها، فأبصره أبو لبابة ، أو زيد بن الخطاب وهو يطارد حية، فقال له إما أبو لبابة ، أو زيد : إنه قد نهي عن ذوات البيوت.

    وهذه الروايات في الصحيحين، وفي رواية لـمسلم ، قال ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بقتل الكلاب، وكان هذا في أول الأمر، ثم نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قتل الكلاب، وأخبر أنها أمة من الأمم، فكان يقول: ( اقتلوا الحيات والكلاب، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يلتمسان البصر، ويستسقطان الحبالى )، قال الزهري : ونرى ذلك من سميهما، يعني: من شدة وجود السم في الأبتر وذي الطفيتين، عندما يتموجان ويتحركان وفيهما: سم، وضر عظيم، يسقط الحبل، ويذهب البصر.

    قال سالم : قال عبد الله بن عمر : فلبثت لا أترك حيةً أراها إلا قتلتها، فبينا أنا أطارد حيةً يوماً من ذوات البيوت، مر بي زيد بن الخطاب ، أو أبو لبابة وأنا أطاردها، فقال: مهلاً يا عبد الله ! فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلهن، فقال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذوات البيوت ).

    فذاك عام، وهذا خاص، فأخرج هذه الصورة، واقتل ما عداها.

    وفي رواية قال: حتى رآني أبو لبابة ، وزيد بن الخطاب ، فقالا -هنا اثنان-: ( إنه قد نهى عن ذوات البيوت )، وفي رواية: قال نافع : إن أبا لبابة كلم ابن عمر ليفتح له باباً في داره يستقرب به إلى المسجد، فوجد الغلمة -الأجراء - جلد جان، والحية تنسلخ من قشرها وثيابها، فوجدوا جلد جان، أي: جلد حية، فقال عبد الله : التمسوه فاقتلوه، أي: ابحثوا عن هذا الثعبان فاقتلوه، فقال أبو لبابة : لا تقتلوه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نهى عن قتل الجنان التي في البيوت )، وهي -كما قلت- حيات وثعابين، لكن قد يكون من الجن من ظهر في تلك الصورة.

    وفي رواية أخرى قال: كان ابن عمر يقتل الحيات كلهن حتى حدثنا أبو لبابة البدري : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل جنان البيوت ) فأمسك، وفي أخرى: أنه سمع أبا لبابة يخبر ابن عمر ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الجنان )، وفي رواية أخرى: عن نافع ، عن ابن عمر ، عن أبي لبابة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: ( نهى عن قتل الجنان التي في البيوت )، وفي رواية أخرى: عن نافع ، أن أبا لبابة الأنصاري وكان مسكنه بقباء وانتقل إلى المدينة فبينما عبد الله بن عمر جالساً معه يفتح خوخةً له -وهي: بابٌ صغير كما قلت- ليستقرب منه الذهاب إلى المسجد، إذا هم بحية من عوامر البيوت، التي تكون في البيوت فتسكنها، فأرادوا قتلها، فقال أبو لبابة : إنه قد نهي عنهن يريد عوامر البيوت، وأمر بقتل الأبتر، وذي الطفيتين، وقيل: هما اللذان يلتمعان البصر، ويطرحان أولاد النساء.

    وفي رواية أخرى: كان عبد الله بن عمر يوماً عند هدمٍ له، يهدم شيئاً، وهو كما تقدم معنا باب خوخة، فعندما فتحها صار هناك هدم، فرأى وبيص جان، يعني: لمعان، وحركة، وأثر جان، فقال: اتبعوا هذا الجان فاقتلوه، فقال أبو لبابة الأنصاري : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت، إلا الأبتر وذا الطفيتين، فإنهما اللذان يخطفان البصر، ويتبعان ما في بطون النساء ).

    قال نافع : إن ابن عمر وجد بعدما حدثه أبو لبابة حيةً في داره -وهذا في رواية الترمذي وغيره- فأمر بها فأخرجت إلى البقيع، قال نافع : ثم رأيتها بعد في بيته، أي: عادت إلى بيته مرةً ثانية، فلم يقتلها عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين بعد أن بلغه أبو لبابة ، وزيد بن الخطاب النهي.

    فلهذا قال أصحاب القول الأول: جميع حيات البيوت لا تقتل، وليتهم إذ أخذوا بظاهر الحديث كما هنا دون الجمع بينه وبين الأحاديث، قالوا: إلا ذا الطفيتين وإلا الأبتر.

    ففي القول الأول أطلقوا وقالوا: حيات البيوت، تقتل مطلقاً وتقدم معنا عمدتهم.

    والقول الثاني: حيات البيوت لا تقتل مطلقاً على حسب حديث أبي لبابة ، لكن كما رأيتم في بعض طرقه: إلا الأبتر وذا الطفيتين، مع أنه سيأتينا حتى حيات البيوت وغيرها، يحرج عليها، وتنذر ثم تقتل، فلا بد من الجمع بين الروايات.

    وفي روايةٍ لـأبي داود عن أبي لبابة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا أن يكون ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يخطفان البصر، ويطرحان ما في بطون النساء )، وأخرج الإمام مالك هذه الرواية التي لـأبي داود إلى قوله: البيوت، يعني: ( نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت ).

    والحديث في الصحيحين وغيرهما، وهذا كما قلت من رواية عبد الله بن عمر واشترك معه أبو لبابة ، واشترك معه زيد بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين.

    حديث عائشة في النهي عن قتل الحيات التي في البيوت إلا الأبتر وذي الطفيتين

    الرواية الثانية: ثبتت عن أمنا عائشة رضي الله عنها في مسند الإمام أحمد ، والصحيحين، ورواها الإمام مالك في موطئه، وأبو داود الطيالسي في مسنده، ولفظ الحديث عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأبتر - حية كما قلنا بطول الشبر - وقال: إنه يصيب البصر، ويذهب الحبل )، وفي رواية: ( اقتلوا ذا الطفيتين فإنه يلتمس البصر ويصيب الحبل )، وفي رواية أخرى: ( اقتلوا الأبتر، وذا الطفيتين )، والروايات كلها في صحيح البخاري ، ومسلم .

    وفي رواية الموطأ عن أمنا عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت، إلا ذا الطفيتين، والأبتر، فإنهما يخطفان البصر، ويطرحان ما في بطون النساء ).

    فالروايات المتقدمة فيها أن حيات البيوت تترك إلا نوعين منها: ذا الطفيتين، والأبتر، وسيأتينا بقية الروايات التي توضح القول الخامس الذي قلت: إنه أرجح الأقوال وأظهرها، وهو: أنها تقتل بعد إنذار وتحريج إن شاء الله.

    حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن قتل الحيات التي في البيوت

    الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري ، رواه الإمام أحمد في المسند، ومسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، والإمام الترمذي في سننه، وأبو داود الطيالسي في مسنده، والإمام مالك في موطئه، والحديث، قال عنه مرةً بعض المهوسين من المعاصرين: هذا الحديث خرافة، وهو في صحيح مسلم .

    عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة : أنه دخل على أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين في بيته، قال: فوجدته يصلي -ولعله استأذن فأذن له حتماً فدخل، فلما دخل إلى حجرة أبي سعيد الخدري وجده يصلي- قال: فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكاً في عراجين في ناحية البيت -والعراجين: هي ساق العذق، والمراد منها الأخشاب التي تكون في السقف، وكانت سُقف البيوت سابقاً من خشب، وفي المدينة من أخشاب النخل- قال: فالتفت فإذا حية موجودة يظهر منها شيء بين العراجين وبين الخشب، قال: فوثبت لأقتلها، وأبو سعيد يصلي، فأشار إلي أن اجلس وهو في صلاته، فجلست.

    فلما انصرف أشار إلى بيتٍ في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، فقال: كان فيه فتىً منا حديث عهد بعرس، تزوج جديداً -فانظر ماذا حصل له في موقعة الأحزاب، وهي موقعة الخندق- قال: فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار، ونبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه يأذن له أن يتفقد أهله، فهو حديث عهدٍ بعرس، ليؤانسهم ثم يعود بعد ذلك إلى الحراسة والمرابطة. قال: فاستأذنه يوماً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خذ عليك سلاحك، لا تذهب من غير سلاح، فإني أخشى عليك قريظة )، هؤلاء اليهود الملاعين الذين بدرت منهم بوادر نقض العهد، فيحتمل أن تذهب بمفردك ويقتلوك، خذ السلاح معك، وكما قلت لكم: الأمة بغير سلاح تفقد عزها، ولذلك أذلت الأمم الآن بأسرها، وصار حمل السلاح هذا مؤدياً إلى العقوبة والجناية، وإذا وجد مع إنسان سلاح أعانه الله، كم سيمكث في السجن؟ العلم عند الله!

    قال: ( خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة )، فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة، يعني: بين الباب الداخلي، والباب الخارجي، خارجة من حجرتها وكأنها تريد أن تذهب إلى باب الشارع، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فلعله قال: ما الذي أخرجها؟ زوجها خرج إلى المرابطة وهي تغتنم هذا فتخرج وتتطلع للرجال، وتتعرض لهم، انظر لهذه الشهامة، وهذه المروءة عند الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وأما الآن فقد ترك الحبل على الغارب! وليس البلاء ممن يفعل هذا فحسب، بل البلاء ممن يحله ويرى أن المرأة إذا جلست في البيت فهي سجينة، ينبغي عليها -على تعبيرهم- أن تسيح كما يسيح البط.

    قال: وأصابته غيرة فقالت له: اكفف عليك رمحك، عَلِمَت ما في قلبه وأنه صاحب غيرة، وشهامة، ومروءة، وعفة، وحرص على عرضه، ثم قالت: وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، ملتفة مكورة على فراش زوجه، فالمرأة خافت وخرجت إلى صحن البيت بين البابين، بين الباب الخارجي وباب حجرتها، فأهوى إلى الحية بالرمح فانتظمها به، فقتلها ثم خرج إلى صحن الدار، وركز الرمح والحية -كما قلت- منتظمة به، والرمح في وسطها.

    قال: فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتاً الحية أم الفتى؟! أيهما مات قبل صاحبه هذه الحية التي انتظمها برمحه، أو هو قبلها؟ العلم عند الله، قال: فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع الله أن يحييه لنا، والله على كل شيء قدير، ولو دعا نبينا عليه الصلاة والسلام ربه بأن يحييه لأحياه الله وهو على كل شيء قدير، لكن نبينا عليه الصلاة والسلام لا يتصرف إلا بإذن من ربنا، فإذا كان هناك إذن ومشيئة لله بإحيائه ألهم الله نبيه عليه الصلاة والسلام وأوحى إليه بأن يدعو وإلا فقد قضي الأمر وانتهى.

    فقال عليه الصلاة والسلام: ( استغفروا لصاحبكم )، فلا مجال لأن أدع الله له بأن يحييه، الأجل انتهى، ثم قال: ( إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوهم ثلاثة أيام )، وهذا شاهد لقول الإمام مالك ، وهو الذي رجحه الإمام القرطبي عليه رحمة الله في تفسيره في الجزء (1/317) وقال: الحديث ظاهر الدلالة على أن المراد ثلاثة أيام، وليس المراد ثلاث مرات.

    إذاً: ( فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان )، وإن كان من الجن، أو من العفاريت، والعتاة، والكافرين، فقتله إن شاء الله لا مضرة علينا فيه، والله يكفينا شره، وأما إذا كان من المؤمنين، فإذا حرجت عليه ثلاث مرات سيتوارى ويختفي.

    وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منه شيئاً فحرجوا عليها ثلاثاً، فإذا ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر )، وقال لهم: ( اذهبوا فادفنوا صاحبكم )، وفي رواية لـأبي داود : أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه قال: ( الهوام من الجن )، يعني: تتشكل الجن في صورة الهوام والحيات وغيرها، ( فمن رأى في بيته شيئاً منها، فليحرج عليها ثلاث مرار )، هنا: ثلاث مرار، وهناك: ثلاثة أيام، وكما قلت: الأحوط ثلاثة أيام، ولو ترخص وأخذ بالتحريج عليها ثلاث مرات يجزئه إن شاء الله، فإن عاد فليقتله فإنه شيطان.

    وفي رواية للترمذي قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن لبيوتكم عماراً، فحرجوا عليهن ثلاثاً، فإن بدا لكم بعد ذلك منهن شيء فاقتلوه ).

    1.   

    مباحث متعلقة بقتل الهوام من الجن

    القصاص في قتل الإنسي للجني

    ما حصل من قتل هذا الصحابي رضي الله عنه وأرضاه الذي هو حديث عهد بعرس، لا يفهم منه أنه قتل قصاصاً، وأن الجن لهم حق أن يقتلوا الإنسي لأنه قتل واحداً منهم، ولذلك قال الإمام القرطبي في تفسيره في الجزء (1/317): لا يفهم من هذا أن الجان الذي قتله الصحابي وانتظمه برمحه كان مسلماً، وأن الجن قتلوا الصحابي بهذا الجان الذي قتله قصاصاً، إنما معنى الأثر: أن كفار الجن، أو فسقتهم، قتلوا الفتى بصاحبهم عدواً وانتقاماً، لا أن هذا من باب القصاص، فلا مقاصة في ذلك، كما أنه لا تجب الدية كما سيأتينا في قول الإمام الذهبي لأنه يقول: لا أعلم أحداً من العلماء أوجب الدية في قتل الجني إذا قتلناه إذا ظهر لنا بصورة ثعبان أو غيره.

    وإن كان نقل عن أمنا عائشة كما سيأتينا والأثر ثابت، أنها أعتقت رقبة، وتصدقت باثني عشر ألف درهم، وهي الدية، من باب أنها أخذت بالأحوط والأحسن والأكمل، أما أن هذا يجب، فلا يجب، وليس هذا من باب القصاص.

    أولاً: لا قصاص في الأمر.

    ثانياً: لأنه لم يقتله وهو يعلم أنه مؤمن لو قدر أنه من مؤمني الجن.

    ثالثاً: أنه قتل حيةً في بيته فكيف يعلم أنه من الجن؟

    رابعاً: لو كانت هناك أحكام شرعية بيننا وبين الجن، فسيترتب عليها في هذه المسألة الدية، لا أنه يجب أن يقتل هذا الإنسي بهذا الجني قصاصاً.

    إذاً كما قلت: قُتل عدواً وظلماً من الجن، إما الكفار قتلوه، وإما فسقة الجن أخذتهم حمية الجاهلية فقتلوا هذا الصحابي؛ لأنه قتل هذا الجني الذي ظهر في صورة ثعبان.

    فهذا الحديث الذي روي من رواية أبي سعيد الخدري ، وروي أيضاً من رواية سهل بن سعد ، في معجم الطبراني الكبير، وروي أيضاً من رواية ابن عمر في معجم الطبراني الأوسط والصغير، ورجال الروايتين: رواية سهل وابن عمر ، رجال الصحيح كما قال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء (4/48)، وفي رواية سهل بن سعد بعد سرد القصة المتقدمة قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إنه قد نزل بالمدينة جنٌ مسلمون، أو بهذه البيوت عوامر، فإن رأيتم منها شيئاً فتعوذوا منه، فإن عاد فاقتلوه )، وفي رواية ابن عمر : ( إن في هذه البيوت عوامر من الجن )، فنهى عليه الصلاة والسلام عن قتلهن.

    فإذاً: هو ثابت من رواية أبي سعيد ، وسهل ، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    إنذار الحية والتحريج عليها

    كما قلت هذه الآثار تدل على أن حيات البيوت، أو سواكن البيوت لا تقتل إلا ذا الطفيتين والأبتر، أما ما عداها فلا بد من أن نحرج عليه كما جاء معنا في رواية أبي سعيد أننا ننذره ونؤذنه ثلاثة أيام، أو ثلاث مرات، فإن بدا لنا بعد ذلك قتلناه ولا حرج علينا، وهذا ما قرره أئمتنا، كما ذكر ذلك الإمام الشبلي في آكام المرجان صفحة (65)، وقال هذا أيضاً شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عليهم جميعاً رحمة الله، وعبارته قال: قتل الجن بغير حقٍ لا يجوز كما لا يجوز قتل الإنسي.

    قال الإمام ابن تيمية : والظلم محرم في كل حال، فلا يحل لأحدٍ أن يقتل إنسياً أو جنياً بغير حق، ولا يحل لأحدٍ أن يظلم جنياً أو إنسياً بغير حق، ثم قال: والجن يتصورون في صورٍ شتى، والله قد أقدرهم على ذلك، وهذا مما أبيح لهم، فإذا كانت حيات البيوت، قد تكون من الجن فينبغي أن تؤذن ثلاثاً؛ لأن تكونها بهذه الصورة، مما أقدرت عليه، فإذا ظهرت في صورة حية فنحن نؤذنها ثلاثاً، فإن ظهرت بعد ذلك قتلناها، يقول: فإن كانت حيةً حقيقية فلا حرج علينا في قتلها، وإن كانت من الجن فيجوز قتلها؛ لأنها أصرت على العدوان بظهورها بصورة تفزع الإنس بها.

    قال: والعادي وهو الصائل يجوز دفعه بما يدفع ضرره ولو كان قتلاً، سواء كان من الجن أو من الإنس، فإذاً لا بد من أن نؤذنها.

    وكيفية إيذانها والتحريج عليها بينه لنا نبينا عليه الصلاة والسلام كما روى ذلك الإمام الترمذي وأبو داود في السنن، والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير، وحسنه الإمام الترمذي من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه وأرضاه، عن أبيه، ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن جنان البيوت، أي: حيات البيوت، فقال: إذا رأيتم منهن شيئاً في مساكنكم، فقولوا: ننشدك العهد الذي أخذ عليكم نوح، وننشدك العهد الذي أخذ عليكم سليمان بن داود ألا تؤذوا، ولا تتراءوا لنا، فإن عدن فاقتلوهن ).

    ونقل الإمام القرطبي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا عن الإمام مالك : أنه يكفي ويجزئ في الإنذار أن تقول لحيات البيوت وجنانها: أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تظهري لنا، وألا تؤذينا، فإن ظهرت بعد ثلاث مرات، أو ثلاثة أيام، جاز لك أن تقتلها والعلم عند الله جل وعلا.

    قتل الجن لسعد بن عبادة

    وقد وقع قتل الجن للإنس في غير الحادثة المتقدمة مع هذا الفتى الأنصاري، فقد قتل الجن أيضاً إنسياً وهو سعد بن عبادة عندما آذاهم ببوله، بال في جحر، فبعد ذلك شعر بأنه يسري في بدنه شيء كأنه الدبيب، ثم اخضر جلده ومات رضي الله عنه وأرضاه، الأثر وارد بذلك في طبقات الإمام ابن سعد في الجزء (3/617) وفي الجزء (7/390)، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب في معرفة الأصحاب، في الجزء (2/40)، وساقه بإسناده أيضاً ابن الأثير في أسد الغابة في الجزء (2/358)، والقصة ذكرها القرطبي في تفسيره في المكان المشار إليه قريباً، ورواها أبو الشيخ في كتاب العظمة.

    وكنت ذكرت كتاب العظمة وقلت: ليس عندي خبر عنه، هل هو مطبوع أو لا؟ فأتحفني بعض الإخوة به وهو كتاب العظمة لـأبي الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن حيان توفي سنة 369 للهجرة، ترجمه الذهبي في السير في الجزء (16/276)، وهو من العلماء الربانيين الصالحين، كان أئمتنا يقولون: ما دخلنا عليه إلا وجدناه يصلي، أي: يذكر الله، وألف كتاباً ما عندي خبر عنه من كتبه وأثنى عليه أئمتنا وهو كتاب ثواب الأعمال في خمس مجلدات، وهو أحسن ما كتب في ثواب الأعمال وفضائل الخصال، وعرضه على الإمام الطبراني فاستحسنه.

    قال: وما أوردت في كتابي فضيلة إلا عملت بها، ولا عملاً صالحاً إلا عملت به، وقد رئي عليه رحمة الله بعد موته في صورة حسنة بهية، وقيل له: ما فعل الله بك، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر:74]، يقول الرائي: فلمست يده فإذا هي: ألين من الحرير، وأطيب من المسك، هذا في الرؤيا ثم استيقظ.

    أبو الشيخ كما قلت: ابن حيان ، بالمثناة التحتية توفي سنة 369 للهجرة، ذكر قصة موت سعد بن عبادة عندما بال في جحرٍ فمات، في صفحة (496)، عن ابن سيرين ، أن سعد بن عبادة رضي الله عنه أتى - وهو يسوق الحديث بالإسناد إليه - سباطة قوم فبال قائماً، ولما بال بال في الجحر فخر ميتاً، فقالت:

    قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده

    وفي رواية ذكرت هذه الأبيات:

    نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده

    فقتل ومات رضي الله عنه من قبل الجن بعد أن بال في الجحر وقال: إني أجد في بدني دبيباً، وكان موته بحوران من بلاد الشام سنة 14 للهجرة، وقيل: سنة 16 للهجرة، وغالب ظني أنه قد تقدمت معنا قصته عند ترجمة أمنا المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها، وتقدم معنا الإشارة إلى خبره رضي الله عنه وأرضاه، وهو الذي كان يرسل بجفنة الطعام كل يومٍ إلى بيت نبينا عليه الصلاة والسلام.

    سعد بن عبادة سيد الخزرج قتله الجن، يقول ابن عبد البر في الاستيعاب: لم يختلفوا أنه وجد ميتاً في مغتسله، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة .. إلى آخره، قال: فعلموا أن الجن قتلته، لا خلاف بين العلماء في ذلك، وأن هذا هو سبب موت هذا الصحابي الجليل سعد بن عبادة .

    وهذه القصة: مروية في الكتب المتقدمة، وذكرها أيضاً الشبلي في آكام المرجان، السيوطي في لقط المرجان.

    إذاً: فتىً من الأنصار قتلته الجن، وسعد بن عبادة قتلته الجن؛ لذلك إذا وجدت شيئاً من الحيات في البيوت فحرج عليها ثلاثاً، ثم إن بدت فاقتلها والله خير الحافظين، ولا تتسرع بقتلها.

    قتل عائشة لحية في بيتها

    وقد قتلت أمنا عائشة رضي الله عنها حيةً في بيتها؛ ولأنها زوجة النبي عليه الصلاة والسلام حفظها الله والجن احترموها، فظهروا لها وقالوا: إنك قد قتلت مسلماً، فقالت: وكيف؟ قالوا: هذه الحية جني مسلم، قالت: لو كان من المسلمين لما دخل إلى بيوت أزواج النبي الأمين عليه الصلاة والسلام، كيف يدخل علي ولا يجوز له أن يراني؟ فقالوا لها: ما كان يدخل عليك إلا عندما تشدين ثيابك، فكان يدخل ويسمع القرآن، ولا يرى شيئاً، يراك وأنت متحجبة، فاستغفرت ربها مما جرى منها وأعتقت رقبة، وفي رواية: تصدقت باثني عشر ألف درهم تكفيراً عن هذا القتل الخطأ.

    والأثر ثابت، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، ورواه أبو الشيخ في كتاب العظمة في صفحة (490)، ورواه ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان، وانظروه في آكام المرجان صفحة (64)، ولقط المرجان صفحة (117)، وقال القرطبي في تفسيره في الجزء (1/317): وروي من وجوه عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، والقصة ذكرها الذهبي في السير في الجزء (6/196)، لكن أوردها من طريقين وعلق على الطريق الثاني بأنه ضعيف، وأما الطريق الأول فثابت.

    عن يحيى بن سعيد القطان ، قال: حدثنا أبو يونس حاتم بن أبي صغيرة ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة بنت طلحة ، عن أمنا عائشة رضي الله عنها: أنها قتلت جاناً، فأتيت في منامها فقيل لها: والله لقد قتلت مسلماً، قالت: لو كان مسلماً لم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: ما كان يدخل عليك، إلا وعليك ثيابك فأصبحت فزعة، فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلتها في سبيل الله، وكما قلت: هذا إسناد صحيح ثابت.

    الرواية الثانية علق عليها الذهبي ، ثم قال: عن عفيف بن سالم ، عن عبد الله بن المؤمل ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عائشة بنت طلحة .

    فكلٌ من عبد الله بن أبي مليكة ، وعائشة موجود في الإسنادين، لكن هناك كما تقدم معنا في الأول: حاتم بن أبي صغيرة ، وأما هنا: عبد الله بن المؤمل ، وفيه ضعف. وسيأتينا إن شاء الله.

    قالت عائشة بنت طلحة : كان جان يطلع على أمنا عائشة ، يعني: يظهر على أمنا عائشة رضي الله عنها، فحرجت عليه مرةً، بعد مرة، بعد مرة، ثلاث مرات، فأبى إلا أن يظهر، فعدت عليه بحديدة فقتلته، فأتيت في منامها فقيل لها: أقتلت فلاناً وقد شهد بدراً؟! وكان لا يطلع عليك لا حاسراً ولا متجردة، يعني: لا حاسراً عن شعرك، إنما تسترينه متخمرة، ولا متجردة، ما يرى شيئاً من جسمك، فلماذا قتلته؟ إلا أنه كان يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها ما تقدم وما تأخر، يعني: من الخوف والفزع، فذكرت ذلك لأبيها.

    إذاً: هنا كان قتل هذه الحية في حياة أبيها رضي الله عنها وعن أبيها وعن سائر الصحابة الكرام، فقال: تصدقي باثني عشر ألفاً ديته، قال الذهبي عن الرواية الثانية: رواها عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن عفيف -وهو ثقة-.

    وابن المؤمل فيه ضعف، وهو: عبد الله بن المؤمل المخزومي المكي ، قال الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف الحديث، توفي سنة 160 للهجرة، وحديثه في كتاب الأدب المفرد للبخاري ، وسنن الترمذي ، وابن ماجه .

    إذاً: ابن المؤمل فيه ضعف، والإسناد صحيح، والقصة تحصل في خلافة أبي بكر ، وما قال لها ذلك، وأما قولهم: إنه ممن شهد بدراً، فليس هو من أهل بدر، قال الذهبي : وما أعلم أحداً اليوم يقول بوجوب دية في مثل هذا، يقول: ما أعلم أحداً من فقهاء الأمصار وعلماء أمة نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه يقول بوجوب الدية في قتل الحية إذا كانت من الجان وتبين لنا هذا.

    الأثر الثاني: كما قلت ضعيف لوجود عبد الله بن المؤمل فيه، وحكم عليه الذهبي في المغني (1/359) فقال: ضعيف، ضعفه الدارقطني وجماعة، والعلم عند الله جل وعلا.

    هذا فيما يتعلق بالمبحث الثالث: في أوجه الاتفاق والافتراق بيننا وبين الجن، وقلنا: عندنا فيه ثلاثة مباحث، الثاني منها: ما يختلفون به عنا، وقلنا: إنها أربعة أمور، وهذا الأمر الثالث، يختلفون في عنصر خلقهم، وفي رؤيتهم، وفي تشكلهم.

    الأمر الرابع الذي يختلفون به عنا: طعامهم وشرابهم، والبحث في هذه القضية من جهتين، وناحيتين:

    الأولى: إثبات أن الجن يأكلون ويشربون.

    القضية الثانية: بيان نوع طعامهم وشربهم إن شاء الله.

    أما القضية الأولى: فاختلف فيها على أقوال:

    القول الأول: إن الجن يأكلون، وأكلهم عن طريق المضغ والبلع كما هو فينا؛ يشهد لذلك الأحاديث الصحيحة والعمومات الصريحة، وهذا القول هو الحق في هذه المسألة، وسأذكر أدلته بعد أن أذكر بعده ثلاثة أقوال في الدرس القادم.

    وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.