إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [8]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [8]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن مما ابتلى الله عز وجل به بني الإنسان أن سلط عليهم الشياطين والجان، وجعل لهؤلاء خاصية الاختفاء عن أعين الآدميين، كما منحهم القدرة على التلبس بهم، والسريان في أجسادهم، والتأثير عليهم بالوسوسة وغير ذلك، والمحفوظ من ذلك من حفظه الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    اختلاف أصل خلقة الجن عن الإنس

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أما بعد: فقد تدارسنا في الموعظة الماضية الأمور التي نشترك فيها مع الجن، وذكرنا أنها أربعة، واليوم سأذكر الأمر الثاني من الأمور التي تربطنا بالجن وهو: الأشياء التي يختلفون عنا فيها، ونختلف عنهم فيها، وكما قلت سأذكر أربعة أمور:

    أولها: عنصر خلقهم، فهم مخلوقون لكن من مادة غير مادتنا، فنحن خلقنا أعني: أصل أبينا آدم من تراب، وهم خلقوا من نار.

    إذاً: عنصر خلقهم ومادة تكوينهم تختلف عنا، وسبحان رب الأرض والسموات، فهو الذي يخرج الأشياء المتقابلات المتضادات من بعضها، قال الله جل وعلا في سورة الروم: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20]، والتراب كما ترون شكله ساكن متواضع لا حركة فيه ولا اضطراب، بل هو هامد، ثم بعد ذلك صار بنو آدم يتحركون ولا يسكنون، وأصدق وصف فيهم حارث وهمام، ولذلك هذا أصدق الأسماء، حارث: مستكن، همام: ينمو ولا يفتر عن نية النكد، هذا حال الإنسان؛ إما أن يكتسب الخير أو الشر، وإما أن يهم بالنفع أو الضر، لا بد من هذا، وهذه النفوس طواحين، لكن منهم من يطحن الحب، ومنهم من يطحن الشوك، طواحين لا تفتر، ورحى لا تفتر، انظر إلى هذه الأشياء المتقابلة كيف تختلف عن بعضها، اضطراب هامد ساكن متواضع ذليل خاشع، ثم بعد ذلك إنسان مات يموت يتحرك ويضطرب ولا يسكن، هذه أشياء متقابلة أخرجها الله من بعضها وهو على كل شيء قدير.

    انظر بعد ذلك لهذا الجامع (من مارج من نار)، كيف خلقه الله سبحانه وتعالى، وأعطاه القدرة على التشكل حسب مشيئته وقدرته وتدبيره سبحانه وتعالى.

    حقيقةً: هذا من العجائب في خلق الله، يخرج المتقابلات من بعضها، التراب يخرج منه بشر سوي، بصرك الله بشحم من التراب، أنطقك الله بلحم من التراب، ركبك الله بعظم من تراب، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]، آيات عظيمة، في المتقابلات يخرجها الله من بعضها.

    وقد أشار الله جل وعلا إلى شيء من ذلك في آخر سورة يس فقال جل وعلا: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78]، فإنه خلق أصله -وهو آدم- من تراب، ثم خلق من ماء مهين، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [الحج:5]، وهذا الخلق الأول ثم الخلق الثاني، الخلق الأول الذي هو أصلكم من تراب، والثاني من نطفة، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:78-79]، وهذا استدلال على الإعادة بالبدء، كما بدأ الخلق يعيده سبحانه وتعالى، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الروم:27]، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:79]، يعني: من خلقك من ماء مهين ومن تراب، هو أبعد شيء عن الحركة فهو سكون ظاهر واضح، من خلقك هو يحيي هذه العظام، والله إن أمر البدء أعظم بكثير وأعجب من أمر الإعادة، لكن الإنسان ظلوم كفار، يستعظم ويستغرب الإعادة ولا يستغرب البدء؛ لأن البدء وقع عليه حسه فقلّ به اعتباره، وأما الإعادة فلم تقع أمامه فهو يبحث عنها، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:79]، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:79]، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والإنسان يعجز لأحد أمرين: إما لجهله، وإما لضعفه، والله تعالى قادر عالم، فعلام سيعجز؟ يعني العجز سببه إما ضعف وإما جهل، فإذا انتفى الضعف وزال الجهل، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر:44]؛ لأن سبب العجز إما جهل وإما ضعف، فلو قدر أن عالماً عبقرياً بإمكانه أن ينتج ويخترع الساعات والصواريخ والمدافع، لكن ليس عنده إمكانيات ولا عنده درهم واحد ليتصرف كما يريد فإننا نقول: هذا عاجز وسبب العجز هنا عدم القدرة، لا الجهل فهو عنده علم، وقد يكون قوياً لكن ما عنده علم، فلا يستطيع أن ينتج ولا أن يصنع حتى هذه الساعة الصغيرة، وهو قوي لو ربط بشجرة لقلعها، وقل له: اصنع هذه الساعة فإنه يقول: لا أعلم، فسبب العجز إما ضعف وإما جهل، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:79]، وهو على كل شيء قدير، فكيف يعجزه أن يعيد هذا المخلوق؟

    وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79]، هذا الدليل الأول.

    الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس:80]، شجر أخضر يقدح منه النار، وكل الشجر فيه نار كما كان العرب يقولون: واستمجد المرخ والعفار، المرخ والعفار شجران موجودان في بلاد تهامة، تقطع الزنج من الشجرة ويقطر ماء وتحكه ببعضه فيقدح ناراً بإذن الله، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا [يس:80]، يخرج منه نار توقد وتنضج عليه طعامك، والشجر الأخضر هو أبعد شيء عن طبيعة النار، ففيه رطوبة وفيه برودة، ثم كيف يخرج منها بعد ذلك نار فيها صفة النبوتة والجفاف والاحتراق، فمن قدر على هذا هل يعجزه أن يعيد هذا البدن رطباً طرياً كما كان، إذا تفتت وصار ذرات في هذا العالم؟ لا ثم لا، وكل شجر يصبح ناراً إذا يبس تحرق عليه وتوقد عليه، أما المرخ والعفار فإنه في حال رطوبتهما النار تخرج منهما، من كل شجر نار تنزج، يعني: من الكثرة والشرف والقوة، هذا معنى استمجد المرخ والعفار، يعني فيهما النار قوية كثيرة في حال رطوبتهما، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس:80].

    الدليل الثالث: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس:81] ، أي خلق أكبر منك؟ لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:57]، أيعجزه أن يعيدك؟ لا ثم لا، بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:81-83].

    البشر خلقوا من تراب، والجن خلقوا من نار، فسبحان من يخرج هذه المتضادات المتقابلات من بعضها، وهذا هو رب العالمين سبحانه وتعالى، وفي ذلك دلالة على أن الجن دون الإنس في المنزلة، فمنزلة الإنس أعلى من منزلة الجن؛ لأن عنصر التراب أفضل من عنصر النار، وتقدم معنا تقرير هذا في أول مبحث خلق الجن ووجودهم، وذكرت أن كلام إبليس الخبيث: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]، باطل لثلاثة أمور ذكرتها وقلت: هذا كلام مردود على قائله، فطبيعة الطين الرزانة والهدوء والتواضع والأناة والحلم والنفع، وإذا أردت أن تعرف أثر ومنفعة الطين فضع فيه حبة ليعطيك شجرة، وانظر إلى الحدائق والبساتين، فلا يستغني عن الطين حيوان، سواء كان ناطقاً أو لا، وأما النار فالحيوان البهيم من أوله لآخره يستغني عنها، فلا يحتاج إلى أن يوقد طعامه، وإنما يحتاجها بنو آدم، ويمكن أن يستغني عنها، على أن نفس النار إنما تكون بواسطة التراب لأنها ستكون من الأشجار، أما التراب فلا يمكن أن يستغني عنه أبداً، ولذلك -كما قلت- قياسه -أي إبليس- كلام باطل فاسد مردود عليه، وقلت: هذا حال من يعول على عقله ويعرض عن شرع ربه.

    ومنزلة التراب ومنزلة الأرض معلومة لكل أحد، وأنت إن أردت أن تضع فيها أمانة تنمي لك هذه الأمانة، وضع أمانة في النار فإنك ترى حقيقتها، حيث تحرقها وتحولها رماداً.

    واستدلال ابن كثير بآية في سورة الحجر على أفضلية بني آدم على الجن لطيب عنصرهم، والأوجه الثلاثة التي ذكرتها هي في كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لشيخنا محمد أمين الشنقيطي .

    وقد زاد عليها الشبلي أوجهاً كثيرة أوصلها إلى خمسة عشر وجهاً في بيان خطأ إبليس في قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]، في أربع صفحات متتالية من كتاب آكام المرجان، انظر من صفحة سبع وخمسين ومائة فما بعدها، ولا داعي للاسترسال في هذا كثيراً.

    1.   

    اختصاص الإنس بجعل الرسل منهم دون الجن وجعلهم من الذكور دون الإناث

    ولأفضلية نوع الإنس على نوع الجن خصهم الله بوجود الرسل والأنبياء فيهم، كما أن الذكر من الإنس أعلى من الأنثى في هذه الحياة لا عند رب الأرض والسموات فأمور الحكم التي هي دون النبوة لا يجوز للمرأة أن تليها، (ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وفي زماننا يريدون أن يتنازلوا عن رجولتهم وبعضهم من علماء الفقه في هذا الحين، يقول عن هذا الحديث: إنه في مناسبة معينة، يعني: كسرى عندما هلك ووليت ابنته مكانه، فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يقول: لو وليت هذه البنت لكانت الفتوح الإسلامية جرارة، وسيزال ملكهم سواء كان المسئول عليهم رجلاً أو امرأة، وليس في ذلك دلالة على منع المرأة من القيام بالولايات العامة، مع أنه كان يقرر في كتبه -كما نقدته في مباحث النبوة وبينت ضلاله- ويقول: لا يجوز للمرأة أن تلي شيئاً من الولايات العامة، ودافع عن حكم الإسلام في ذلك بكلام محكم، ثم تراجع تحت الضغط الغربي، وهل بعد ذلك أيضاً عمالة؟ هذه لا يعلمها إلا الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ثم تراجع فقال: يجوز للمرأة أن تكون وزيرة، لكن دون أن تنال الإمامة العظمة ورئاسة الدولة، ثم تراجع وقال: يجوز أن تلي كل وظيفة على حسب كفاءتها، وضرب مثلاً بفلانة وفلانة من هؤلاء النسوة الحقيرات اللاتي تقلدن بعض المناصب، وأنه حصل منهن ما حصل من خير لشعوبهن وبلادهن وما شاكل هذا.

    هذا كله ضلال، وإنما جنس الرجل أفضل من جنس المرأة، في هذه الدنيا؛ لأنه أنيط به أحكام امتاز بها على المرأة، أما عند الله فقد تفضل المرأة، وقد يفضل الرجل في العمل الصالح.

    وجنس الإنس أفضل من جنس الجن، وأما الإنسي الذي يكون كافراً والجني الذي يكون مؤمناً فالمؤمن يدخل الجنة والكافر يدخل النار، فهذا موضوع آخر.

    وموضوع المرأة والرجل مما فطر الله عليه الناس قاطبةً، حتى أن المرأة إذا أرادت أن تدافع لا تصدق، فتتمنى أن كانت ولدت ذكراً لا أنثى، وكما قال أئمتنا: ما عرف في التاريخ قط أن رجلاً زف إلى امرأة، إنما الواقع عند البشر قاطبةً مؤمنهم وكافرهم أن المرأة تزف إلى الرجل وهو الذي يطلبها ويسترضيها، أما رجل يزف إلى امرأة ويزين على أنه سيحصل العرف عليه، فهذا لم يحصل في أعراف الناس، وهذا كله مما يدل على تقدمه على المرأة، فهي التي تزف وتزين ولو كانت ملكة وأميرة تباشر الحكم، ولو كانت بنت من كانت، وتزوجها أقل الناس منزلةً، فهي التي تزين وتهيأ وتصنع له من أجل أن يطيب خاطره، وهذا مما طبع الله عليه الناس قاطبةً، أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18]، هذا كلام رب العالمين سبحانه وتعالى، وما عدا هذا مضاد للفطرة، وليس معنى هذا -كما قلت- تنقيصاً للمرأة، لا ثم لا، فالرجل إذا كان قوياً في بدنه يفضل الرجل الضعيف في هذه الحياة باعتبارات الأرض، لا عند رب السموات والأرض، والرجل إذا كان جميلاً في خلقته فهو أحسن عند الناس من الرجل الدميم، هذا في اعتبارات البشر، وما سمعنا أن الدميم ممتهن عند الله، وهنا كذلك فكون عنصر الإنس أفضل من عنصر الجن، ليس في هذا مذمة على الجن عند الله، وكون الذكر أفضل من الأنثى في هذه الحياة، فليس في ذلك منقصة على الأنثى عند رب الأرض والسموات، وأما أن الله سبحانه وتعالى سيجعل خلقه كلهم من بني آدم ذكوراً فهذا لا يمكن، إذ لا بد من وجود ذكر وأنثى، وجن وإنس، ليعمر هذا الكون، والله خالق كل شيء سبحانه وتعالى.

    1.   

    الجن يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس

    الأمر الثاني من الأمور التي يختلف الجن فيها عنا: الجن يروننا ولا نراهم، ويجرون منا مجرى الدم، ولا حيلة لنا في التخلص من شرهم إلا بالرجوع إلى ربنا وربهم سبحانه وتعالى، وقد أشار الله جل وعلا إلى هذا في كثير من آيات القرآن، فقرر رؤيتهم لنا، وسيأتينا أيضاً سرد الأحاديث التي تدل على أنهم يسرون في ذراتنا كما يسري الدم في ذرات أجسادنا.

    قال الله جل وعلا في سورة الأعراف: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ [الأعراف:27]، ومعنى القبيل: أولاده ونسله وذريته وأتباعه، إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأعراف:27].

    وعليه فعالم الجن لا نراهم، فيدخل في دائرة المغيبات، وإذا كان ضمن دائرة الغيب فمن أشنع أنواع العيب أن يدخل الإنسان عقله ليبحث في أمور الغيب، وإنما نقتصر على ما ورد في وصفهم وصفاتهم، يروننا ولا نراهم، فهم في دائرة الغيب.

    وتقدم معنا عند خلقهم ووجودهم أن من أنكرهم وأنكر وجودهم فلا شك في كفره؛ لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، إذ صرح في إنكاره إلى عدم رؤيتنا لهم وقال: مخلوقات وعوالم وأمم بيننا ولا نراهم هذا يدل على نفي وجودهم. فلا يجوز أن نبحث عنهم بعقولنا، لأن حواسنا عاجزة عن إدراك المغيبات، بل إن حواسنا عاجزة عن إدراك كثير من المحسوسات.

    وكنت ذكرت ما يتعلق برؤية البصر الدقيقة في كتب الطب التي يحددونها حيث يقولون: إن الموجات الضوئية التي طولها سبعة من مائة ألف إلى أربعة من مائة ألف -ما بين سبعة وأربعة- هي التي تراها عين الإنسان، ويعبرون عنها ويقولون: هي التي تحصر بين اللون الأحمر والبنفسجي على اصطلاح عندهم، وما عدا هذا أي ما دون الأحمر لا ندركه مع أنه موجود، وهكذا أيضاً للسمع، والكون ممتلئ بالأصوات، لكن هذه الأذن لا يمكن أن تسمع إلا ذبذبات صوتية محددة قدر الله لها هذا الالتقاط فقط، وعليه لو وجد الآن جهاز، يلتقط هذه الأصوات ويسمع، فلا يجوز أن تقول: هذا ما كنا نعلمه إذاً: لا نصدق بوجوده وأنتم اخترعتموه الآن، لا ثم لا، وهكذا الجن، كم من حواس الآن لا تراهم، ولا تسمع أخبارهم، وأشياء كثيرة موجودة الآن أنت لا تسمعها ولا تراها ولم تحط به علماً.

    وإذا قلت: إنهم يدخلون في دائرة الغيب فلنقتصر على ما ورد في وصفهم دون أن ندخل عقولنا في شأنهم، قال الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم:27-28].

    وهكذا فيما يتعلق بعالم الجن، وبالمغيبات التي تكون في الآخرة من نعيم وجحيم، فمرد هذا إلى النقل الصحيح، لا إلى هذا العقل فلا دخل للعقل في ذلك، وإنكار الإنسان لذلك تكذيبٌ بما لم يحط به علماً، وتكذيبٌ بما لم يأت تأويله -أي: وقوعه وحقيقته- وهذا كله مذموم ومنهي عنه.

    وهم مع أنهم يروننا ولا نراهم فإنهم يسرون في أبداننا سريان الدم في ذراتنا، وهذا أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن نثبته والله على كل شيء قدير، ولا يجوز لنا أن نؤوله.

    وأما ما يقوله كثير من الناس من جملتهم المعلق على جامع الأصول ومحقق الكتاب عندما -جاء لهذا الحديث: و(أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) قال: هذا إشارة إلى أن وسوسته تسري في البدن كسريان الدم في البدن، أما أنه بذاته يدخل فلا، فيقال له: يا عبد الله! هل علمت هذا المغيب حتى أدخلت عقلك فيه؟ أما نحن فلا نقول إلا ما أخبرنا عنه نبينا عليه الصلاة والسلام دون أن نثبت كيفيةً لذلك.

    حديث أنس في جريان الشيطان من الإنسان مجرى الدم

    إن الأحاديث المصرحة بسريان الشيطان في ابن آدم صحيحة، وسأذكر بعضها، ثم سأتبعها بآثار عن السلف الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    سأذكر ثلاثة أحاديث: أولها: ما ثبت في المسند وصحيح مسلم وسنن أبي داود ، عن أنس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم مع إحدى نسائه، فمر به رجل من الأنصار -كما ورد في بعض الروايات- فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: هذه زوجتي، فكبر ذلك على الرجل) -يعني: شق عليه- يعني: كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام دعاه وأخبره عن حقيقة الأمر؟ وهل يمكن لواحد من الصحابة أن يظن سوءاً بالنبي عليه الصلاة والسلام؟! ( ثم قال الأنصاري: يا رسول الله! من كنت أظن فلم أكن أظن بك )، يعني: من كنت أظن فيه يمكن أن يقع، ولا يمكن أن أظن بك سوء القصد، أنت رسول الله، ( فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم )، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يبين له بذلك أنه أراد رعاية حاله والشفقة عليه، والرحمة به، والحرص على إيمانه، حتى لا يستغل الشيطان هذا الموقف فيأتي إلى قلب هذا الإنسان فيوقعه وإن كان قلبه سليماً، فيقول له: إن النبي عليه الصلاة والسلام يقف مع هذه المرأة ويمشي معها في هذا الليل، فلعله يوجد ريبة، وإذا ركن هذا الإنسان إلى هذه الوسوسة خرج من الإسلام، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما رأى هذا الموقف دعاه مباشرةً وقال: هذه زوجتي فلانة فانتبه.

    وهذه الزوجة هي: صفية -رضي الله عنها- فيما يظهر والعلم عند الله إن كانت هي المقصودة في الرواية الثانية، أو لعل القصة تكررت مع أمنا صفية وغيرها من أمهاتنا رضوان الله عليهن.

    حديث صفية في جريان الشيطان من الإنسان مجرى الدم

    الحديث الثاني: ثبت في المسند والصحيحين، وسنن أبي داود وابن ماجه ، والنسائي في السنن الكبرى، وفي صحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة والسنن الكبرى للبيهقي ، عن أمنا صفية رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته ثم قمت لأنقلب فقام معي ليقلبني) -أي: ليوصلني إلى بيتي- وقد كان معه سائر أمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وأمنا صفية جاءت متأخرة، فكلهن انقلبن قبلها وهي جلست تعوض ما فاتها مع زوجها، وكانت بيوتهن أقرب من بيتها، يعني: أبواب الحجر إلا أمنا صفية فبيتها آخر الحجر، وظلام الليل، وبقيت بمفردها لم يخرج معها أحد يشيعها، فمن رحمة نبينا عليه الصلاة والسلام وعطفه على زوجه خرج معها، قالت: فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد -أي: في الدار التي آلت إلى أسامة بن زيد بعد ذلك- أما هي فما كانت تسكن عنده رضي الله عنه، (فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي عليه الصلاة والسلام أسرعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما -على مهلكما، تريثا وتمهلا- إنها صفية بنت حيي ، فقالا: سبحان الله!)، وهذا للتعجب والاستغراب، يعني: أنت تخبرنا أن هذه زوجتك لم؟ (إنها صفية بنت حيي ، فقالا: سبحان الله! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف -يعني الشيطان- في قلوبكما شراً، أو قال: شيئاً).

    وفي بعض روايات البخاري : (إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم)، يعني: إلى أي مكان يصل الدم فالشيطان كذلك يصل، فهذا حديث ثان في الصحيحين وغيرهما من رواية أمنا صفية رضي الله عنها وأرضاها.

    حديث جابر في جريان الشيطان من الإنسان مجرى الدم

    الحديث الثالث: من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وتقدم معنا هذا الحديث في مباحث النبوة، وقد رواه أحمد في المسند والترمذي في السنن، والدارمي في سننه عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا تلجوا على المغيبات)، وهن اللاتي غاب عنهن أزواجهن، (لا تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، أي: زوجها غير موجود، وأنت تلج عليها، ستكون وساطة من قبل الشيطان بينك وبينها، (فقالوا: يا رسول الله ومنك؟) أي: أنت أيضاً شيطانك يجري منك مجرى الدم؟ (قال: ومني، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم).

    وتقدم معنا قول الترمذي عن الحديث: إنه غريب لوجود مجالد بن سعيد في إسناده، وهو ليس بالقوي في الحفظ، وقد تغير في آخر عمره، ومع ذلك هو من رجال مسلم والسنن الأربعة، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن فيما يتعلق بهذا الحديث لوجود الشواهد له؛ (بأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، وشيطان نبينا عليه الصلاة والسلام قد أسلم.

    أحاديث أخرى تفيد جريان الشيطان في الإنسان مجرى الدم

    وكنت أوردت لهذا الحديث شواهد كثيرة، بل أوردته ضمن أحاديث في مباحث النبوة، أذكرها على سبيل الإيجاز: الحديث الأول ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ومسند الدارمي وعند البيهقي في دلائل النبوة من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم).

    والرواية الثانية عن أمنا عائشة رضي الله عنها في المسند وصحيح مسلم والدارمي ودلائل النبوة للبيهقي عندما قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: (قد جاءك شيطانك، قالت: ومعي شيطان يا رسول الله؟ قال: نعم، قالت: ومعك شيطان؟ قال: نعم، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم).

    والرواية الثالثة: رواها الطبراني في معجمه الكبير والبزار بسند رجاله رجال الصحيح كما في المجمع في الجزء الثاني صفحة خمس وعشرين ومائتين، وبوب الهيثمي باباً على هذه الأحاديث فقال: باب عصمته عليه الصلاة والسلام من القرين، ولفظ الحديث من رواية شريك بن طارق بمعنى الروايات المتقدمة.

    وروي أيضاً من رواية أسامة بن شريك ، وأبي هريرة ، والمغيرة بن شعبة ، وابن عباس ، وتقدمت معنا رواية جابر ، فهذه ثمان روايات فيها أن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وأن كل إنسان وكل به قرينه من الجن، وقرين النبي عليه الصلاة والسلام أسلم.

    وقلت: إن الكلام عليها فيما يتعلق بمعناها ذكرته، وقلت: فأسلم ضبط بالرفع في الميم وبالفتح، فأسلمُ، فأسلمَ، أما رواية الرفع فهي التي قالها أبو محمد سفيان بن عيينة ، ونقل ذلك عنه الترمذي بعد تخريج الحديث وإلى ذلك مال الخطابي ، وذهب إلى هذا جم غفير من أئمتنا، وادعاء الطحاوي بأن هذا تحريف لفظي قلت: إنه باطل مردود، (إلا أن الله أعانني عليه فأسلمُ)، أي: من شره وضره، ووسوسته وإغوائه، وليس في ذلك تصريح بإسلامه، إنما أسلمُ وآمن منه.

    وأما رواية الفتح فأسلمَ قلت: فسرت بأمرين: صار مسلماً من أمتي وأتباعي ويفديني بروحه ونفسه، وإلى هذا ذهب ابن حبان ، وقال النووي : إنه هو الظاهر، وهو الذي انتصر له القاضي عياض وقرره، وهو مقبول كما سيأتينا، وما قاله ابن أبي العز في شرح الطحاوية بأن هذا تحريف معنوي للحديث، قلت: إن هذا الكلام خشن ولا يجوز أن يقال عن أئمتنا.

    والمعنى الثاني: فأسلمَ أي: استسلم وانقاد لي دون أن يؤمن وأن يكون من أتباعي.

    إذاً: أسلم لي، استسلم لي وصار مسلماً ومن أتباعي، وقلت: إن المعاني الثلاثة مقبولة، ولا تعارض بينها، فالشيطان الذي وكل بنبينا عليه الصلاة والسلام ويجري منه مجرى الدم سلم من وسوسته وإغوائه، والشيطان قد استسلم له وانقاد؛ لأنه صار من أتباعه، قلت: هذه المعاني الثلاثة دخلت في هذا، ولا داعي لإثبات واحد ورد الآخر، وقد علق الشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله على شرح الطحاوية، وقال: قول ابن أبي العز : أسلمَ، أي: صار مسلماً، قال: هذا تحريف معنوي، والشيطان لا يسلم، قال الشيخ أحمد شاكر : ما ورد في الحديث لفظ الشيطان، إنما هو (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة) قلت: هذا أيضاً قصور في تتبع روايات الحديث من الشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله؛ لأنه ورد التصريح بلفظ الشيطان في حديث أمنا عائشة عندما قالت: (وأنت معك شيطان؟ قال: نعم، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم)، وأي محظور من إسلام شيطان النبي عليه الصلاة والسلام؟! وأي مانع؟! وكما تقدم معنا فإنه قد حماه الله بخصائص كثيرة، منها أن شيطانه أسلم، فسلم من شره ووسوسته وإغوائه، وانقاد الشيطان له وصار من أتباعه، والعلم عند الله جل وعلا.

    هذا تقدم معنا ضمن مباحث النبوة، وأطلت الكلام هناك حول هذه القضية.

    نعم الشيطان والجن يسرون في أبداننا وذراتنا كما تسري الدماء فينا بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها، وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى إلى هذا الأمر، والأحاديث المتقدمة تشهد لهذا الحديث الذي سأذكره وأقرره بروايات منصوصة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

    ثبت في مسند أبي يعلى وشعب الإيمان للبيهقي ، وكتاب حلية الأولياء لـأبي نعيم ، ورواه ابن أبي الدنيا ، وابن شاهين في الترغيب والترهيب، وانظر مجمع الزوائد في الجزء السابع صفحة تسع وأربعين ومائة، وفيها رواية أبي يعلى فقط، وأما بقية الروايات فلم تذكر في المجمع؛ لأنه لا علاقة له بها، وانظر الترغيب والترهيب للمنذري في الجزء الثالث صفحة أربعمائة، وجمع الجوامع للسيوطي ، فعزا هذه الرواية لمن تقدم ذكره، وهو معروف بالجامع الكبير للسيوطي عليه رحمة الله، وإسناد هذه الرواية ضعيف، فالمنذري عليه رحمة الله القوي ذكر الحديث بلفظ: روي، وهو على اصطلاحه ضعيف، وقد نص صراحةً على تضعيفه الحافظ ابن حجر في فتح الباري في آخر كتاب التفسير عند تفسير سورة الناس في الجزء الثامن صفحة اثنتين وأربعين وسبعمائة.

    والحديث فيه راويان: الراوي الأول عدي بن أبي عمارة ، قال الهيثمي في المجمع: إنه ضعيف، ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة؛ لذلك له ترجمة في اللسان في الجزء الرابع صفحة ستين ومائة ونقل الذهبي في الميزان -أيضاً- عن العقيلي أن في حديثه اضطراباً، ثم قال ابن حجر زيادةً على كلام الذهبي في الميزان بعد أن انتهى من حكاية قوله، قال: وقد ذكره ابن حبان في الثقات.

    وشيخه أيضاً فيه ضعف وهو زياد بن عبد الله النميري ، قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف، ورمز إلى أنه من رجال الترمذي ، والهيثمي تكلم على عدي ولم يتكلم على زياد النميري .

    ولفظ الحديث عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان واضع خطمه -يعني فمه- على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس)، أي: توارى واختفى وذل واندحر، وما استطاع أن يفسد في قلب الإنسان، (فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس).

    هذه الرواية لها شواهد بمعناها، مرفوعة وموقوفة.

    وسوسة الشيطان للإنسان

    إذاً: الشيطان يسري فينا ويوسوس فلا حيلة لنا إلا بالالتجاء إلى ربنا سبحانه وتعالى. وهذه بعض الشواهد لهذه الرواية:

    روى الطبري في تفسيره والحاكم في المستدرك وتساهل حيث قال: صحيح على شرط الشيخين، انظر الجزء الثاني صفحة واحدة وأربعين وخمسمائة، ورواه ابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن مردويه في تفسيرهما، والبيهقي في شعب الإيمان، والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة كما في الدر المنثور في الجزء السادس صفحة عشرين وأربعمائة.

    ولفظ الحديث: عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً عليه، وله حكم الرفع إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من مولود يولد إلا على قلبه الوسواس الخناس، فإن ذكر الله خنس، وإن غفل -يعني هذا المولود إذا كبر وبلغ- وسوس، وهو قوله: الوسواس الخناس، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ [الناس:1-4] ).

    والحافظ ابن حجر أورد هذا الأثر في الفتح في الجزء الثامن صفحة واحدة وأربعين وسبعمائة في تفسير سورة الناس، وقال فيه حكيم بن جبير الأسدي ، الراوي عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو ضعيف، وترجم له في التقريب فقال: ضعيف، ورمي بالتشيع، فرمز له بأنه من رجال السنن الأربعة، وقول الحاكم : صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبي ، كما قلت في ذلك شيء من التجوز والتساهل، وبالنسبة للحاكم فهو معذور فيما فعل؛ لأنه عندما أملى كتابه أراد أن يراجعه، وجاءه الموت قبل أن يراجع كتابه، وكان أملاه من صدره على طلابه، وحصل ما حصل عندما يملي الإنسان ما يملي، والإمام الذهبي عليه رحمة الله عندما لخص المستدرك وعلق عليه نشر التلخيص بمثابة دراسة كما يقال: متصحفة، إنما يتأمل ويكتب ما يعلمه بذاكرته، فليست دراسة متفحصة لكل حديث، ولذلك لا بد من مراجعة قول هذين الإمامين في المستدرك.

    قال ابن حجر في الفتح: ورويناه أي: هذا الأثر، في كتاب الذكر لـجعفر بن أحمد بن فارس ، وما عندنا خبر عن هذا الكتاب الذي يعزو إليه هذا الإمام، روينا هذا الأثر يقول في كتاب الذكر من وجه آخر بإسناد آخر، وفيه محمد بن حميد الرازي وفيه مقال، والمقال الذي فيه بينه في التقريب فقال: هو حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، وهو من رجال السنن الأربعة إلا سنن النسائي .

    ولفظ أثر ابن عباس من وجه آخر غير الوجه الذي تقدم معنا من طريق حكيم بين جبير عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، لفظه قال: (يحط)، يعني: يضع، (يحط الشيطان فاه على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس).

    ثم قال الحافظ ابن حجر : وهذا الأثر أخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين: (يولد الإنسان والشيطان جاثم على قلبه، فإذا عقل)، انظر كيف الروايات توضح بعضها بعضاً، ويحصل أحياناً اختصار من بعض الرواة، (يولد الإنسان والشيطان جاثم على قلبه، فإذا عقل وذكر الله خنس)، ابتعد وتوارى واختفى وليس له عليه سبيل، (وإذا غفل وسوس).

    وأقول: روي أيضاً نحو أثر ابن عباس من طريق آخر غير الطرق المتقدمة في تفسير الطبري ، وهو آخر شيء في تفسيره في تفسير سورة الناس في الجزء الثلاثين صفحة ثمان وعشرين ومائتين، والأثر رواه ابن مردويه في تفسيره وابن أبي شيبة في مصنفه كما في الدر المنثور في الجزء السادس صفحة عشرين وأربعمائة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الوسواس الخناس هو الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس.

    أثر ابن عباس رضي الله عنهما حوله كلام كثير فيما يتعلق بنخز الشيطان للإنسان عند ولادته، مع جثومه على قلبه بعد ولادته إلى أن يعقل، فإما أن يخنس عنه وإما أن يلتقم قلبه، وكان في نيتي أن أذكر أيضاً قبله أثراً عن نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام أنه سأل ربه أن يريه مقعد الشيطان من قلب ابن آدم فأراه، ووصفه لنا نبي الله عيسى فيما نقل عن أخبار أهل الكتاب، وسأترك الكلام على هذين الأمرين إلى أول الموعظة الآتية إن شاء الله، ونتابع بعد ذلك خطوات البحث بعون الله.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.