إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [6]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [6]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حال الجن كحال الإنس في التكليف والجزاء، وهم ينقسمون بناء على ذلك إلى صالح وطالح، وعاص وطائع، ومؤمن وكافر، وقد أخبر الله عز وجل أن عاصيهم يعاقب وكافرهم مصيره النار، ومطيعهم يثاب ومؤمنهم يدخل الجنة، وعلى هذا اجتمع جمهور أهل العلم من أهل السنة والجماعة.

    1.   

    ثواب الجن ودخولهم الجنة .. قول الجمهور في ذلك

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    فلا زلنا نتدارس الباب الرابع عشر من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي رحمه الله، وعنوان هذا الباب كما تقدم معنا (باب ما جاء في كراهية ما يُستنجَى به)، قد أورد الإمام الترمذي حديثاً بسنده من طريق شيخه هناد بن السري إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تستنجوا بالعظم ولا بالروث؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن).

    فكما هي عادتنا أن نتدارس الحديث ضمن أربعة مباحث، تقدم الكلام على دراسة إسناد هذا الحديث، وبيان درجته، وتخريج الروايات التي أشار إليها الإمام الترمذي بقوله: (وفي الباب عن أبي هريرة وسلمان الفارسي وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين)، تقدمت معنا هذه المباحث وانتهينا منها ودخلنا في مدارسة المبحث الرابع في فقه الحديث، وقلت: إن الحديث صرح بأن الجن إخوانٌ لنا، وأفاد أيضا أن طعامهم يختلف عن طعامنا.

    فإذا كان الأمر كذلك فلا بد من الوقوف على حقيقة هذه الأمة، ألا وهي أمة الجن؛ ضمن ثلاثة مباحث:

    أولها: في خَلْقهم ووجودهم، وتقدم معنا الكلام على هذا المبحث؛ وقلت: إنهم مخلوقون؛ لكن من مارج من نار، كما خُلقنا نحن من طين، ولهم وجود وحقيقةً، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ومن أنكر هذا فهو كافر بالرحمن.

    ومن أقر بوجودهم، كما ورد في النصوص؛ لكن تلاعب بالتأويل بحيث يخرجهم بتأويله عن الحقيقة التي هم عليها؛ فحاله كحال من أنكر وجودهم.

    والمبحث الثاني: الذي كنا نتدارسه في تكليفهم وجزائهم.

    وتقدم معنا، أنه لا خلاف في تكليفهم وأنهم مكلفون كما كُلفنا، نعم قد يُخَصون بأمور كما نُخص نحن بأمور؛ لكن يستوون معنا في التكليف إلا ما قام عليه دليل التخصيص، وهذا كما تقدم معنا أيضا محل إجماع ولا خلاف فيه.

    وأما الشق الثاني من المبحث الثاني فيما يتعلق بجزائهم؛ بعقوبتهم ومثوبتهم، فأما الكافر والعاصي منهم فتقدم معنا أيضا أن هذا محل إجماع، وأوردت الآيات، وذكرت الأحاديث التي تنص على عقوبة الكافرين منهم يوم القيامة، ودلت الأحاديث على أن أول من يُكسى حلة من النار إمام الأشرار إبليس عليه وعلى أشكاله لعنات ربنا العزيز.

    ووصلنا إلى مثوبة المؤمنين من الجن والطائعين، وقلنا: إن المؤمن الموحد المطيع منهم سيدخل الجنة.

    وقلت: نفصل الكلام، وأحكي الأقوال مع أدلتها وترجيح القول المعتمد منها في هذه الموعظة؛ وهذا محل بحثنا.

    قلت: إن لأئمة الإسلام في ثواب المطيع منهم ستة أقوال:

    أولها وهو الحق: أن طائعهم مثاب ويدخل الجنة، كما أن العاصي منهم يعاقَب ويدخل النار، وسيأتينا تقرير هذا بخمسة أدلة ثابتة واضحة.

    القول الثاني: هم في الجنة أيضاً؛ لكن لا يكونون في وسطها ولا في أعلاها؛ إنما هم في ربضها وأطرافها.

    والقول الثالث: يدخلون الجنة أيضاً؛ لكن لا يُنعَّمون بالطعام والشراب والمَناكح كما يُنعَّم طائعوا الإنس.

    والقول الرابع: الوقف في أمرهم، فلا نتكلم نحو مؤمنهم بشيء، ونفوض الأمر إلى الله جل وعلا.

    القول الخامس: يكونون تراباً كسائر الأمم التي ليست مكلَّفة من الحيوانات والبهائم.

    والقول السادس وهو آخرها: يكونون بين الجنة والنار على الأعراف.

    قول الجمهور بدخول مؤمني الجن الجنة

    القول الأول منها؛ وهو الحق المقرر عند جمهور أهل السنة الكرام؛ أن المؤمن الموحد المطيع منهم يدخل الجنة، كما أن الكافر منهم يدخل النار.

    فحال الجن كحال الإنس تكليفاً وجزاءً، ثواباً وعقاباً، وتقدم معنا أنهم مكلَّفون، وأنهم ينقسمون في هذه الحياة إلى صالح وإلى دون ذلك، وإلى قاسط كافر، كما قال تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:11]، ثم قال: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن:15]، فالجن منهم مؤمن مطيع، ومؤمن عاصٍ، وكافر؛ كما هو الحال فينا تماماً. وكما هو الحال في الأمم السابقة، فكما أنهم كُلفوا بما كُلفنا به فحالهم في الثواب والعقاب كحالنا، وقد اتفقنا على أن كافرهم معاقَب، فينبغي أن يُثاب طائعهم، هذا كما قلت هو قول الجمهور، وقد حكاه عن الجمهور عدد من أئمتنا، منهم الشبلي في كتابه: آكام المرجان صفحة سبع وخمسين، والسديسي في لقط المرجان صفحة سبع وسبعين، وابن حجر في فتح الباري في الجزء السادس صفحة ست وأربعين وثلاثمائة، والعيني في عمدة القاري في الجزء الخامس عشر صفحة أربع وثمانين ومائة، وهو في الأشباه والنظائر في مذهب الحنفية لـابن نجيم صفحة ثلاثين وثلاثمائة، والأشباه والنظائر في مذهب الشافعية للسيوطي صفحة واحدة وستين ومائتين، وهكذا في شرح الأشباه والنظائر للحموي شرح كتاب ابن نجيم ، في الجزء السادس صفحة ست وأربعمائة إلى ست عشرة وأربعمائة، وهذا الذي قرره ابن القيم وانتصر له في آخر كتابه: طريق الهجرتين ودار السعادتين، فختم الكلام في هذا الكتاب على حكم الجن في الدنيا والآخرة، وذكر فيهم عشرين صفحةً متتاليةً، في غالب ظني من صفحة خمسمائة وسبع وأربعين إلى خمسمائة وسبع وستين، وهذا موجود أيضاً في روح المعاني في الجزء السابع والعشرين صفحة واحدة وعشرين ومائة، وفي لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية للسفاريني في الجزء الثاني صفحة ثمان عشرة ومائتين، وغير ذلك من كتب أئمتنا، هذا هو قول الجمهور؛ أن طائعهم في الجنة كما أن عاصيهم في النار، وهذا هو اختيار الإمام البخاري في صحيحه، وبوب عليه في كتاب: بدء الخلق باباً يشير به إلى مذهبه فقال: باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم، وسيأتينا ضمن مراحل البحث كيف استدل الإمام البخاري عليه رحمة الله ببعض الآيات على أنهم يثابون كما أنهم يعاقَبون، وهذا الذي رجحه ابن القيم ورفض ما سواه، وهو المعتمَد الذي قال به الإمام الشافعي والإمام أحمد قولاً واحداً، ويُفهم من كلام الإمام مالك ، وإن حُكي عنه أنهم في ربض الجنة، ويُفهَم من كلام الإمام أبي حنيفة ، مع أن له ثلاثة أقوال في المسألة كما ستأتينا ضمن مراحل البحث، وهو القول المقبول.

    من أدلة دخول مؤمني الجن الجنة عمومات النصوص الشرعية المقتضية ذلك

    وحجة هذا القول خمسة أمور:

    أولها: العمومات الواردة في النصوص الشرعية من الآيات البينات وأحاديث خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، وهذا العموم نحو قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، فساوى بيننا وبين الجن في الخطاب، أعدت للمتقين.

    وتقدم معنا أن فيهم صالحاً وفيهم دون ذلك، وفيهم كافراً، وإذا كان الجن فيهم من وصف بالتقوى، فسيدخل الجنة، فهي ليست بخصوص الإنس، والجن مخاطَبون بها كما تقدم معنا، وكلام الله نزل خطاباً للثقلين، وهم مكلَّفون بالإيمان بسيد الكونين عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا أنه أُرسِل إلى الإنس والجن وهذا محل إجماع، إذاً: هذا الخطاب لهم كما هو لنا، وهكذا قول الله جل وعلا في سورة ق: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:31-35]، فهذا الخطاب يستوي فيه الجن مع الإنس.

    وهكذا قول الله جل وعلا في سورة البينة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة:7]، ومنهم الجن؛ فإنهم آمنوا وعملوا الصالحات، جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8].

    إذاً: هذه النصوص العمومات -ومثلها كثير وكثير- يدخل فيها مؤمنو الجن كما يدخل فيها مؤمنو الإنس، وكما أن عمومات الوعيد: عامةٌ للصنفين. فعمومات الوعد عامة للصنفين، فما هو الدليل على التفريق؟

    ودائماً العام يبقى على عمومه حتى يقوم دليل على التخصيص، ولا يجوز أن نخرج الجن من هذه العمومات إلا بدليل ثابت عن خير البريات عليه الصلاة والسلام بأن الجن لا يدخلون في هذه العمومات، ولا يدخلون جنة رب الأرض والسماوات، ولا يوجد هذا كما سيأتينا، وعليه فهذه العمومات لا بد من إعمالها وإجرائها على ظاهرها؛ فيدخل فيها الجن، وهكذا عمومات الأحاديث، فقد تواترت الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام بدخول المؤمنين الجنة، وما خَص مؤمني الإنس ولا مؤمني الجن، بل عَلَّق هذا بوصف الإيمان، فمن وُجد فيه هذا الوصف الكريم فإنه يدخل جنة النعيم.

    ثبت في مسند أحمد والصحيحين وسنن الترمذي ، ورواه أحمد في الزهد أيضاً، وهناد في الزهد، وابن أبي شيبة في مصنفه والطبري في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره وابن المنذر في تفسيره وابن مردويه في تفسيره من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (اقرءوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]).

    إذاً: هذا النعيم العظيم أُعد في جنات النعيم لمن فيه هذا الوصف، فهذا الجزاء منوطٌ بمن حصَّل هذا الوصف، وهو: (أعددت لعبادي الصالحين)، وفي الجن صالحون كما تقدم معنا بنص كلام الحي القيوم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ.

    وعلى هذا ينبغي أن نقول: إن مؤمني الجن في الجنة كما أن مؤمني الإنس في الجنة، ولا يجوز لمؤمني الجن أن يقولوا: هذه الآية خاصة بنا، وهذه الوعود الطيبة خاصة بنا، فنحن خوطبنا بها، كما أنه لا يجوز أن نقول معشر الإنس: إنها خاصة بنا، بل هذا خطاب للصنفين، ولمن وُجد فيه هذا الوصف، فكل من كان مؤمناً صالحاً أعد الله له هذا النعيم العظيم؛ (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).

    وقد ثبت أن دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام شاملة للثقلين على اختلاف أجناسهم وأشكالهم وألوانهم، وقد عُلِّقت الأحكام في شريعة الإسلام؛ عُلِّقت بمن هو مسلم وكافر، ومؤمن ومنافق، وبار وفاجر، ومحسن وظالم، فلا يجوز تخصيص صنف بحكم إلا بدليل كما قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء التاسع عشر صفحة ثمان عشرة، وبداية هذا الجزء رسالة ألا وهي: إيضاح الدلالة في عموم رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام للثقلين، فإذن: من وُجد فيه هذا ينال الوعد أو الوعيد، فلا يجوز أن نُخرج أحد الصنفين إلا بدليل، فعندما تجد -مثلاً- الآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة:7]، لا يجوز للعرب أن يقولوا: هذه خاصة بنا، ولا يجوز للذكور أن يقولوا: خاصة بنا، ولا يجوز لأهل مكة أن يقولوا: خاصة بنا، فهذه الآية ما عُلِّقت بذواتٍ معينةٍ، وإنما علقت بصفةٍ، من حصَّلها نال هذا الوعد الذي في هذه الآية.

    يقول ابن تيمية عليه رحمة الله: هذه الأحكام عُلِّقت بأوصاف؛ فلا يجوز أن نُخرج منها أحداً إلا بدليلٍ؛ فليست هذه خطاباً للعرب أو للإنس أو للجن أو للذكور، إنما هي خطابٌ لكل مكلَّف يتأتى منه الإيمان والكفر، فمن وُجد منه الإيمان نال الوعد، ومن وُجد منه الكفر نال الوعيد.

    فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [الأحزاب:64]، ما المراد بالكافرين هنا؟ الكافرون العرب فقط؟ أو العجم؟ أو الإنس؟ أو الجن؟

    الجواب كل من فيه هذا الوصف، ممن هو مكلَّف ينال هذا الوعيد الذي في هذه الآية.

    وبما أن الصفة تعم الجن والإنس -صفة الإيمان، صفة الكفران، صفة النفاق، صفة العصيان- فلا يجوز البتة أن يُخَصَّ منها أحد النوعين، ومن المُحال الممتنع أن يكون الله جل وعلا يخبرنا بخبر عام، وهو لا يريد إلا بعض ما أخبرنا به ثم لا يُبَين ذلك، هذا ضد البيان الذي ضَمِنَهُ لنا ربنا الرحمن، وهذا كلام ابن حزم في الفِصَل في الجزء الثالث صفحة سبع وأربعين ومائة.

    إن الأصل أن العام يبقى على عمومه حتى يقوم دليل التخصيص، وهذا الاستنباط -حقيقةً- في منتهى القوة والإحكام والمتانة، ومما يقويه أن عمومات الوعيد تشمل كافر الجن بالإجماع، فكذلك يكونون مخاطَبين بعمومات الوعد بطريق الأوْلى؛ لأن الوعد ينتمي إلى صفة الرحمة والفضل والإحسان؛ فتحققه أوْلى من تحقق الوعيد الذي ينتمي إلى صفة الغضب، ورحمة ربنا غلبت غضبه، فإذا كان كافر الجن يدخل في عمومات الوعيد بالإجماع، فينبغي أن يدخل مؤمنهم في عمومات الوعد بالإجماع.

    من الأدلة على أن مؤمني الجن في الجنة أن العقل يؤيد ذلك

    الدليل الثاني الذي يدل على أن مؤمني الجن في الجنة: أن العقل يُقوي ذلك وإن لم يوجبه؛ ووجه تقوية العقل لهذا القول أن نقول: كما أوْعَد الله من كفر من الجن وعصى بالنار -وهو يدخل كما تقدم معنا في عمومات الوعيد- فكيف لا يدخل من وَحَّد الله وأطاعه الجنة؟! والله حَكَم عدل حليم كريم غفور رحيم!!

    وهذا ما أشار إليه الشبلي في كتاب: آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان صفحة تسع وخمسين، وهو الذي قرره ابن القيم في طريق الهجرتين صفحة خمس وستين وخمسمائة؛ فقال: الوعد فضله والوعيد عدله، وفضله من رحمته، وهي تغلب غضبه.

    نعم، لا يستقيم في عدل وكرم أرحم الراحمين أن يعاقِب العاصي ممن كلَّفه ولا يثيب المطيع ممن كلَّفه، فكما أن من عصى يعاقَب؛ فمن أطاع يُثاب، هذا دليل العقل، والعقل كما قلت يقوي هذا، ولا يوجبه.

    ولِمَ لا يوجبه؟ لأن العقل لا يوجب شيئاً على الله، لأن الثواب محض فضل وكرم وإحسان وَجُود من ربنا الرحمن، والله جل وعلا عندما يثيب المطيع يثيبه فضلاً وكرماً وَجُوداً وإحساناً، لا لأن المطيع له حق واجب على الله جل وعلا، لا ثم لا، ولذلك قال أئمتنا: فإن أُثِبنا فبمحض الفضل، أو نعَذَّبَ فبمحض العدل، وابن القيم كثيراً ما ينشد هذين البيتين في كثيرٍ من كتبه كالوابل الطيب ومدارج السالكين وغير ذلك، فيقول:

    ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعيٌ لديه ضائع

    إن عُذِّبوا فبعدله أو نُعِّموا فبفضله وهو الكريم الواسع

    فلو عَذَّب الله أهل السماوات وأهل الأرض لَعَذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم.

    فالعقل يقوي ولا يوجب؛ لأنه لا يجب للمخلوق حق على الخالق سبحانه وتعالى، والله أوجب على نفسه أن يثيبنا كرماً وإحساناً، لا أننا نستحق ذلك أصالةً.

    من أدلة دخول مؤمني الجن الجنة ما جاء عن بعض السلف

    الدليل الثالث: آثار مروية عن سلفٍ كرامٍ في أن طائع الجن في غُرَف الجنان، كما هو الحال في مطيع الإنس، وهم -أي: سلفنا- خير من فَهم ديننا، فلنقتدِ بهم، روى أبو الشيخ في كتاب العظمة، كما في الدر المنثور في الجزء الثالث صفحة ست وأربعين، وفي آكام المرجان في الموضع المتقدم صفحة تسع وخمسين، وفي لقط المرجان صفحة ثمان وسبعين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الخلق أربعة أصنافٍ: فخلقٌ في الجنة كلهم؛ وهم الملائكة، وخلقٌ في النار كلهم؛ وهم الشياطين، وخلقٌ في الجنة وفي النار)، فيصبح معنا صنفان؛ منهم في الجنة ومنهم في النار، (فالجن والإنس لهم الثواب وعليهم العقاب)، هذه أربعة أصنافٍ؛ في الجنة فقط، وفي النار فقط، وبعضهم في الجنة، وبعضهم في النار، هذا في حق الإنس والجن.

    والشياطين في الأصل -كما تقدم معنا- هم من الجن، والجن: اسم عام، فَخَصَّهم أي: الشياطين؛ لأن الشيطان يطلق على خصوص الكافر من الجن، فيقال له: شيطان، فبما أنه كافر ففيه هذا الوصف فيقابل الملائكة؛ ولذلك قال: الملائكة والشياطين فقط؛ ثم بعد ذلك لما جاء لذكر الجن والإنس قال أيضاً: الجن يدخلون في هذا كما يدخل الإنس، يعني: إن أطاعوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار، وهذا سيدخل معنا في الصنف الثاني؛ وهم شياطين الجن؛ لكن هنا كما قلت: إن أطاعوا دخلوا الجنة كما هو الحال في مؤمن الإنس، وإن عصوا دخلوا النار كما تقدم.

    الأثر الثاني: مرويٌّ عن الحسن البصري رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو الشيخ في العظمة أيضاً، وفي لقط المرجان وغيره.

    قال الحسن البصري عليه رحمة الله: الجن كلهم وَلَد إبليس. وتقدم معنا هذا سابقاً عند تقرير كون الجن مخلوقين، فالجن كلهم ولد إبليس، والإنس كلهم ولد آدم قال الحسن: ومن هؤلاء مؤمنون، ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب وفي العقاب؛ يعني مشتركون، كما أن المؤمن من الإنس يُثاب؛ فالمؤمن من الجن كذلك، قال الحسن البصري: فمن هؤلاء وهؤلاء مؤمناً فهو وليٌّ لله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان، وكأن الحسن البصري عليه رحمة الله بهذا يريد أن يقول: خصوص لفظ الشيطان -هذا اللفظ- لا يطلق على كافر الجن فقط، إنما هو شامل على كل كافر من إنس وجن.

    وهذا كما أشار إليه ربنا جل وعلا في سورة الأنعام الآية اثنتي عشرة ومائة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112].

    فقال: شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، إذاً من كان كافراً من هؤلاء وهؤلاء فهو في النار، وهو شيطان.

    والأثر الثالث عن الضحاك: رواه ابن المنذر في تفسيره، والإمام سفيان الثوري في تفسيره -له تفسيرٌ كـسفيان بن عيينة وطُبع مجلد واحد من تفسير سفيان الثوري كما طُبع مجلد واحد من تفسير سفيان بن عيينة - وهذا الأثر رواه أيضاً منذر بن سعيد البلوطي ، وهو غير ابن المنذر ، وهو يعد من الأئمة الصالحين، وكان يلي رئاسة القضاء في بلاد الأندلس في القرن الرابع للهجرة، وتوفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة للهجرة، ووهم ابن كثير في وفاته فأرَّخَ ترجمته ووفاته في سنة ست وستين وثلاثمائة، ونص الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء السادس عشر صفحة ثلاث وسبعين ومائة، وكذا في سائر كتب التراجم على أن وفاته سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وقيل: إنه وُلِد سنة خمس وستين ومائتين، وعليه فقد عاش تسعين سنةً، وقاله الإمام الذهبي .

    كان لا تأخذه في الله لومة لائم، وبلغ من صلاحه وديانته أنه استسقى مرةً -بل مراراً- للمسلمين في الأندلس فسُقوا.

    وهو صاحب القصة الشهيرة التي ذكرتها مراراً مع الخليفة الناصر عندما بنى مدينة الزهراء، وبلغ من احتفائه بها أنها كانت تشغله أحياناً عن الصلاة، أي: عن الجماعة، فكان لا يحضر صلاة الجماعة من أجل مراقبة هذا البناء، وهو الخليفة، فلما انتهى منها وأذِن للناس بالدخول عليه، فلما دخلوا وأخذوا مجالسهم وبدأ يسألهم: ماذا ترون في هذه المدينة التي عملناها؟! -مدينة الزهراء في الأندلس- وكل واحد يثني، والشيخ منذر بن سعيد ما نطق، وإنما يبكي، فقال: ما تقول يا أبا الحكم ؟ قال: ما كنت أظن أن إبليس يبلغ منك هذا المبلغ!

    ثم قال له: أتفتخر بهذا القصر الذي عملت فيه معنا؟! أما بلغك قول الله جل وعلا: وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35]، فبكى الخليفة عليه رحمة الله.

    حقيقةً: لا بد من نصحٍ وتذكيرٍ ووعظٍ، فـمنذر بن سعيد البلوطي يقول ابن كثير : كان جامعاً لصنوف من الخير والزهد والتقوى.

    روى هذا الأثر عن الضحاك أيضاً كما في كتاب الدر في المكان المتقدم للإمام السيوطي ، ولقط المرجان في المكان المتقدم أيضاً.

    قال الضحاك : الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، وسيأتينا استدلال طائفة من أئمتنا بالآيات على دخول الجن الجنة، ضمن الدليل الرابع الآتي بعون الله جل وعلا.

    من أدلة دخول مؤمني الجن الجنة الخطاب الذي تكرر في سورة الرحمن

    الدليل الرابع: وردت دلالات بخصوص الجن في القرآن الكريم تدل على مثوبتهم وتنعمهم في غرف الجنان إذا صدر منهم الإيمان، وهذا يختلف عن الدليل الأول، فهناك عمومات، وأما هنا فدلالات خاصة فيها ذِكر الجن، وأنهم سيجدون درجات عند الله جل وعلا، كما يُحصِّل هذا مؤمنو الإنس، فهذا دليل خاص بعد تلك العمومات.

    أول هذه الأدلة التي تُصرِّح تصريحاً ظاهراً بأن الجن يدخلون الجنة: ما ورد في سورة عروس القرآن؛ ففيها دلالة على ذلك على وجه التمام، وعروس القرآن.

    هي سورة الرحمن، ووردت تسميتها بذلك في أثر ضعيف، رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان، عن علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن)، فالعروس يتزين، ويكرر البهجة والفرحة، ويعدد أنواع الزينة، وسورة الرحمن فيها هذا، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13]، هذه الآية تقدم معنا أنها كُرِّرَت إحدى وثلاثين مرةً في هذه السورة المباركة، وهذا الحديث ذكره السيوطي في الدر في الجزء السادس صفحة أربعين ومائة، وأورده -أيضاً- في الإتقان، وفي جمع الجوامع، وذكر أيضاً في فيض القدير في شرح الجامع الصغير في الجزء الخامس صفحة ستٍّ وثمانين ومائتين، وهو أيضاً في مشكاة المصابيح، وفي إسناده أحمد بن الحسن الملقب بـدبيس، وهو ضعيف، أورده الإمام النسائي في الضعفاء والمتروكين، وحكى الذهبي في الميزان في الجزء الأول صفحة واحدة وتسعين، وكذا الحافظ في اللسان في الجزء الأول صفحة ثلاث وخمسين ومائة عن الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في الجزء الرابع صفحة ثمان وثمانين أنه قال: كان منكر الحديث، وقرأت بخط الدارقطني قال: ليس بثقة.

    انظر للدلالة التي في هذه السورة على أن مؤمن الجان يدخل غرف الجنان، في أول السورة ذَكَر الله خَلْق الصنفين، قال تعالى: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ [الرحمن:14-15]، وعَدَّد الله جل وعلا بعد ذلك نِعَمه على الصنفين، وبعد كل نعمة يُذكِّرهم بفضله وإحسانه وجوده وامتنانه بقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13]، وتقدم معنا أن هذا مُوجَّه للإنس والجان، وقد كان موقف الجن نحو هذه الآيات أحسن من موقف الإنس كما في الحديث الصحيح؛ عندما تُلِيَت عليهم فكانوا يقولون عند كل آية فيها تذكير الله لهم بِنِعَمه: (ولا بشيءٍ من آلائك ربنا نُكَذِّب؛ فلك الحمد)، وذَكَر الله جل وعلا في أثناء السورة فقرهم وقهره لهم فقال جل وعلا: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26]، هذه الآية شاملة للإنس والجان كما سيأتينا؛ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:27]، ثم ذَكَر ما سَيَؤُولون إليه بعد فنائهم، وأن الله سَيَحْسِب حسابهم لِيوَفِّي كلّاً بما كَسَب، فقال: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ [الرحمن:31]، ثم أخبرنا الله جل وعلا أنهم عندما يَؤُولون إليه سينقسمون إلى قسمين: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:37-40].

    يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ، هذا هو الصنف الأول، بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:41-42]، المجرمون من الصنفين اللذين تقدم ذكرهم، ثم انتقل الله إلى ثواب الطائعين فقال: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:46-47]، فهذه شملت الصنفين، ثم عَدَّد نعمه فقال: ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:48-51]، فلو لم يدخل مؤمنو الجن في هذه الآيات ما قالوا: ما نكذب بشيء من آلاء ربنا.

    وهذه الدلالة الظاهرة في أن مؤمني الجن في الجنة، هي التي فهمها سلفنا الكرام، قال الإمام الطبري في تفسيره عند هذه الآية: وكان بعض أهل العلم ينتزع بهذه الآية في أن الجن يدخلون الجنة.

    ما معنى ينتزع؟! أي: يستدل بهذه الآية، وينتزع منها الدليل على أن الجن يدخلون الجنة، ثم ذكر ابن جرير في الجزء السابع والعشرين صفحة ثمان وثمانين عند هذه الآية، روى بإسناده عن ضمرة بن حبيب ، ورواه ابن المنذر في تفسيره وأبو الشيخ أيضاً وابن أبي حاتم ، وابن شاهين في كتاب غرائب السنة، كما في الدر المنثور من رواية أرطأة بن المنذر الألهاني ، وهو أبو عدي الحمصي ، ثقة، توفي سنة ثلاث وستين ومائة للهجرة، وحديثه في الأدب المفرد للإمام البخاري ، وأخرج له أهل السنن الأربع إلا الترمذي .

    عن أرطأة بن المنذر قال: تذاكرنا عند ضمرة بن حبيب، وهو ضمرة بن حبيب الزبيدي أبو عتبة الحمصي ، ثقة، توفي سنة ثلاثين ومائة للهجرة، حديثه في السنن الأربع، وترجمتهما في التقريب.

    يقول أرطأة بن المنذر : تذاكرنا عند ضمرة بن حبيب ؛ أيدخل الجن الجنة؟! فقال ضمرة بن حبيب : نعم، وتصديق ذلك في كتاب الله، ثم تلا قول الله جل وعلا: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، حتى وصل إلى قول الله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن:74].

    مما يدل على أن هذا النعيم شامل للصنفين؛ وقد ذكرهم في النعيم الأول: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن:56]، وذكرهم في النعيم الثاني: فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ [الرحمن:70]، حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72]، لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن:74].

    ثم قال ضمرة بن حبيب : (للجن جِنِّيَّات، وللإنس إنْسِيَّات)، وفي رواية قال: (فالإنسيات للإنس، والجنيات للجن).

    وهذه الدلالة الظاهرة واضحة نبه عليها الشبلي في آكام المرجان صفحة ثمان وخمسين، والإمام السيوطي في لقط المرجان صفحة ثمان وسبعين، وقد تتابع المفسرون على الإشارة إلى دلالة هذه الآية على دخول مؤمني الجن الجنة كما يدخل مؤمنو الإنس الجنة، منهم الألوسي في روح المعاني في الجزء السابع والعشرين، صفحة عشرين ومائة، ومنهم ابن كثير في تفسيره في الجزء الرابع عند هذه الآية صفحة ست وسبعين ومائتين؛ فقال: (هذه الآية عامة في الإنس والجن؛ فهي أَدَلُّ دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا، ولهذا امتن الله على الثقلين بهذا الجزاء فقال: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].

    وهذا هو الذي قَوَّاه وقرره شيخنا عليه رحمة الله في أضواء البيان في الجزء السابع صفحة ثلاث وأربعمائة عند تفسير عروس القرآن؛ فقال: الموصولات من صِيَغ العموم يذكرنا بالدليل الأول، وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]. قال: (وهذا يعم كل خائف مقام ربه).

    وقد صَرَّح الله بشمول هذا اللفظ للإنس والجن، فقال: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ؛ إذاً: دخل الخائف من الجن الذي يخاف مقام ربه، كما دخل في هذا الخائف من الإنس الذي يخاف مقام ربه.

    وقول الله جل وعلا: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، لفظ المقام هنا مصدر، فإما أن يكون مضافاً إلى الفاعل أو إلى المفعول، وعليه ينحصر معنى الآية في معنيين:

    فإذا كان المصدر مضافاً إلى الفاعل: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ [الرحمن:46]، فالمعنى: خاف قيام الله عليه بالمراقبة والإحاطة والاطلاع؛ ولذلك خَشِيَهُ وخاف منه؛ لأن الله رقيب عليه، أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد:33]، ولذلك إذا خلا المؤمن بمعصية يقول: الله يراني. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7]، معهم بعلمه وإحاطته ومراقبته سبحانه وتعالى، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7]، إذاً قوله: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ [الرحمن:46] كقوله: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [ق:33]، أي: خاف من قيام الله عليه بالاطلاع والمراقبة، وإحاطته به؛ فَيَكُفَّ عن المعاصي.

    وإذا كان المصدر مضافاً إلى المفعول: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ [الرحمن:46] أي: خاف قيامه بين يدي الله، فهو القائم بين يدي الله، عندما يجتمعون ليوم تشخص فيه الأبصار.

    والأمران حاصلان، وأُعْمِل المعنَيَان، وكل منهما حق، ودائماً تفسير المعاني هو الذي يتناسب مع كلام ربنا الذي يحتمل معاني كثيرة.

    فقل: خاف مقام الله عليه فانزجر في هذه الحياة عن معصية رب الأرض والسماوات، وخاف قيامه بين يدي ربه عندما يجمعهم ليوم تشخص فيه الأبصار.

    وهذه الآية التي في عروس القرآن نظيرها قول الله جل وعلا في سورة إبراهيم: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:13-14].

    فَسِّرْها بالمعنَيَيْن، إما مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول، لمن خاف قيامي عليه أو لمن خاف قيامه بين يدَيَّ.

    والآية الثالثة: قول الله في سورة النازعات: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

    (مَقَامَ رَبِّهِ) فَسِّرْها بما تقدم معنا، أي: قيام الله عليه بالمراقبة والإحاطة والاطلاع، وقيام العبد بين يديه سبحانه وتعالى.

    لكن الاستدلال بآيات سورة إبراهيم وسورة النازعات من باب الاستدلال بالعموم، وأما سورة الرحمن فهو عموم يدل على التخصيص لما بعده؛ لأنه صُرِّح بدخول الجن على وجه التنصيص، وليس خاصّاً بالجن، وإنما فيه تنصيص عليهم، ومن يأخذ بتسلسل الآيات لا يرتاب؛ لأنها خطاب للصنفين؛ فقد ذَكَر خَلْق الصنفين، وما امتن به عليهما، ثم أخبرهم أنهم فقراء إليه، وأن الله قهرهم وسيفنيهم؛ فكل من عليها فان، وأنهم سيَؤُولون إليه، والعاصي منهم والمجرم إلى النار، والمطيع إلى الجنة، هذا كله حديث عن الصنفين لا عن صنف واحد، فهذه دلالة كما قلت ظاهرة من القرآن الكريم على أن مؤمني الجن في الجنة، والعلم عند الله.

    وهذه الدلالة نقلها الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء السادس، صفحة ستٍّ وأربعين وثلاثمائة، في كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الجن ثوابهم وعقابهم، عن مالك بن أنس فقال: نُقِل عن مالك أنه استدل على أن على الجن العقاب، ولهم الثواب، بقول الله جل وعلا: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، فقال بعد ذلك: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:47]، قال الحافظ ابن حجر : والخطاب للإنس والجن؛ فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين -والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربه- ثبت المطلوب.

    من أدلة دخول مؤمني الجن الجنة الإشارة الصريحة إلى ذلك في سورة الجن

    الدلالة الثانية: في السورة التي سماها الله باسمهم، وهي سورة الجن، أشار الله فيها إلى دخول الجن الجنة صراحة، كما أشار إلى دخول عتاة الجن النار، وقد افتتحها بالإخبار باستماع نفرٍ من الجن القرآن، وإيمانهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، والإخبار عن انقسامهم إلى ثلاثة أقسامٍ: صالحون، ودون ذلك، وقاسطون.

    فالصالحون متقون، ومن هم دون ذلك مؤمنون عاصون، وأما قاسطون فمأخوذ مِن قَسَط بمعنى: جارَ وانحرف عن توحيد الله وكَفر بالله جل وعلا، وأَخبَر الله جل وعلا أن القاسطين في نار الجحيم فقال: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن:15]، ثم أشار الله جل وعلا إلى ثواب المؤمن منهم فقال: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا [الجن:13]، البخس هو النقصان من الثواب والأجر، وأي بخس أعظم من ضياع الأجر؟! إذا كنت تُضَيع الأجر من أوله إلى آخره، تقول: لن ينعموا في الجنة، والله يقول: فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا [الجن:13]، الرهق هو الظلم، وهو أن تُحَمِّل المكلَّف ما لم يفعل، والله جل وعلا حَكَم عدل، قال: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38]، فإذاً لا يخاف بخساً ولا رهقاً.

    قال الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين صفحة اثنتين وستين وخمسمائة: وقد احتج البخاري بهذه الآية؛ وهي قوله: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا [الجن:13] على أن مؤمني الجن في الجنة، ووجه الاحتجاج أن البخس المنفي هو نقصان الثواب، وأن الرهق هو الزيادة في العقاب، فإذا ضاعَفْتَ عقوبته وحَمَّلْته وزر غيره فهو رهق، وإذا نَقَّصْت مثوبته فهذا بخس، فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا [الجن:13].

    وهذه الآية كقول الله جل وعلا في سورة طه: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه:112]، والظلم أن تُحَمِّله ما لم يعمل من السيئات، والهضم أن تُنقِص ثواب الحسنات، ولكن هذه الآية عامة، وأما في سورة الجن فالحديث عن الجن؛ فبما أن القاسطين من الجن، وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن:15]؛ إذن يبقى الخطاب عن المؤمنين، فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا [الجن:13]؛ لا نقصاناً من الثواب ولا زيادةً في العقاب، وقال الله جل وعلا قبل آية سورة طه: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه:74-76].

    و(مَنْ) من ألفاظ وصِيَغ العموم، تشمل كل من وُجد فيه هذا الوصف المبارك الميمون، وهو الإيمان بالحي القيوم سبحانه وتعالى.

    وهذه الدلالة التي استنبطها الإمام البخاري وابن القيم ، نقلها ابن رشد في كتاب البيان والتحصيل عن ابن القاسم من المالكية؛ فاستدل بنحو ما تقدم؛ بأن الجن لهم الثواب وعليهم العقاب، ثم قال معلِّقاً على كلام ابن القاسم : وهذا استدلال صحيح بَيِّنٌ لا إشكال فيه؛ بل هو نصٌّ على ذلك.

    ولذلك كما قلت: هذه الأدلة تمتاز بكونها للخصوص، فهي تشمل خصوص الجن وتنص عليهم، كما أن الآية إذا كانت تخاطِب الصنفين -كما في سورة الرحمن- فإنها تنص على الجن والإنس.

    إذاً: أدلة القول الأول باختصار:

    أولها: عمومات.

    ثانيها: العقل يقتضي هذا ويقرره.

    ثالثها: أقوال السلف.

    رابعها: دلالات خاصة تقوم على آيات وردت في أربع سور: عروس القرآن، سورة الجن، سورة الأنعام، سورة الأحقاف.

    من أدلة دخول مؤمني الجن الجنة إشارة سورة الأنعام إلى إرسال الرسل إليهم

    آية سورة الأنعام فيها إشارة إلى أن مؤمني الجن في الجنة، قال تعالى في آية ثلاثين ومائة فما بعدها: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:128-129]: يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الأنعام:130]؛ فهذا تكليف شامل للصنفين كما تقدم معنا تقرير هذا عند مبحث تكليفهم؛ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:130-131].

    وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [الأنعام:132]، وهذا هو كرم الله؛ بعد أن ذَكَرَ الوعيد أتبعه بالوعد، وهذه شاملة للصنفين كسورة الرحمن تماماً، فهنا قال: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:131]، بعد أن ذَكَر الإنس والجن، أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأنعام:130]، وتقدم معنا أن الرسل في الإنس، وهذا من باب التغليب، لكن الجن كُلِّفوا كما كُلِّف الإنس، فالخطاب إذاً لهم.

    فإذا كان أهل الظلم في الدركات فأهل الإيمان في الدرجات، وهذا هو عدل رب الأرض والسماوات سبحانه وتعالى.

    فكأن الله جل وعلا يقول: أنا أقمتُ عليهم الحجة وأزحتُ الأعذار؛ لئلا أعاقبهم بظلمهم قبل إقامة الحجة عليهم؛ لأن دليل التكليف بتوحيد ربنا اللطيف أمران: عقل، ونقل، لكن يختلفان في وجه الدلالة.

    فالعقل يقول: إنه يجب على الإنسان أن يعبد خالقه وأن يوحده وإن لم يُرسِل إليه رسولاً ولم يُنزِل عليه كتاباً، وعليه إذا لم يوحده قبل إرسال الرسل فهو ظالم ولكن هل سيعاقَب أم لا يعاقَب؟! تفاصيل العقاب، ومقداره هذا مرَدُّه إلى الشرع، فجاء الشرع وقال: أنا لا أعاقِب قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، مع أن الكافر المشرك قبل مجيء الرسول إليه ظالمٌ، ومع ذلك فالعقاب مرفوع عنه، وليس معنى هذا أنه في الجنة، بل سيُمتحَن في عرصات الموقف، وهذه قضية أخرى.

    ولهذا قال تعالى: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ [الأنعام:131]، وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:131]، وقال الله تعالى: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [السجدة:3]، مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس:6]، ففي حال غفلتهم لا يعاقَبون، ولذلك: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى [طه:134-135].

    ولا يعاقبون -مع كونهم ظالمين- قبل مجيء النبي الأمين كرماً من الله، ولذلك يقول في أول الآية: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأنعام:130] إلى قوله: قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الأنعام:130]، ثم عَقَّبَ الله بقوله: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ [الأنعام:131]، يعني بكفرهم في حال غفلتهم، ولو لم يأتهم رسول لكانوا كافرين، لكن هم في غفلة؛ فلا يعاقبهم إلا بعد قيام الحجة عليهم، هذا هو التفسير المعتمَد لهذه الآية، وقام بتفصيلِ ذلك ابن القيم في مدارج السالكين في الجزء الثالث صفحة ثمان وثمانين وأربعمائة إلى اثنتين وتسعين وأربعمائة، وذَكَر ما لخصتُه بأن العقل يوجب توحيد الرحمن، والذي لا يوحِّد قبل مجيء الرسول ظالمٌ، لكن هو في غفلة، والشرع أوجَب توحيد الله؛ لكن لا يعاقَب من لم يوحِّد الله قبل إرسال الرسول وبلوغ الدعوة إليه.

    وعلى هذا فشروط التكليف بتوحيد الله جل وعلا أربعة:

    عقل، وبلوغ، وبلوغ الدعوة، وسلامة إحدى حاسَّتَي السمع أو البصر.

    ولا بد من هذا؛ لأنه إذا فَقَد الإنسان السمع والبصر فقد استوى مع الميت، لا يسمع ولا يبصر.

    فبلوغ الدعوة شرط للتكليف، وإذا ما بلغته الدعوة فليس على هدى، بل هو على رَدى، حتى يعبد الله، ولكن كيف يعبده؟!

    يُعَظِّمه على حسب استطاعته، لأن تفاصيل العبادة لا يمكن للعقل أن يحددها، ولا بد لها من نقلٍ صحيحٍ.

    ولذلك أركان هداية الإنسان ركنان: نقل قويم، وعقل مستقيم.

    فإذا وُجد نقل قويم، وعقل مستقيم فالهداية حاصلة للإنسان، ولا يمكن أن يتعارض -كما قلت مراراً- عقل صريح مع نقل صحيح.

    إذاً: هذه آية من سورة الأنعام فيها هذه الدلالة، وهي: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام:132]، بعد أن ذَكَر الوعيد أتبعه بالوعد، وكما تقدم معنا ذِكر الصنفين: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ [الأنعام:130] ؛ فكما أنهم تُوُعِّدوا وُعِدُوا، وهذا هو عدل الرب ورحمته، وَعَدَهم وتَوَعَّدهم، فمن كفر منهم بعد قيام الحجة عليه فهو في النار، ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:131]، ومن أطاع وَعَدَه: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [الأنعام:132] .

    والآية في منتهى الظهور والوضوح، وبها استدل الإمام البخاري في صحيحه على ثواب الجن وعقابهم، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح.

    وقال الحافظ : وقد استدل بهذه الآية ابن عبد الحكم أيضاً، وهذا الذي فهمه سلفنا عليهم جميعاً رحمة الله.

    فقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره كما في الدر في الجزء الثالث صفحة ست وأربعين، وفي لقط المرجان صفحة سبع وسبعين، عن أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة قال: كنا عند ابن أبي ليلى فقال: للجن ثواب كما أنه عليهم العقاب. قال أبو يوسف : فوجدنا تصديق ذلك في كتاب الله، ثم تلا آية الأنعام: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام:132].

    والله هذا هو الفقه، وهذا هو الاستنباط، وهذا ما فهمه كما قلت أبو يوسف ، وبعده البخاري وابن عبد الحكم ، وهذا هو المقرَّر عند أئمتنا.

    قال ابن حجر : واستدل ابن وهب بمثل ذلك، لكن استدل بالآية التي هي نظير هذه الآية في سورة الأحقاف. وهي الدلالة الرابعة الظاهرة التي تنص صراحةً على أن مؤمني الجن في الجنة، وآية الأحقاف تقدمت الإشارة إليها عند تكليف الجن: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [الأحقاف:17-18]، مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأحقاف:18-19].

    فبعد أن ذَكَر عقوبة العتاة من الإنس والجن الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت:25]، ذَكَر مثوبتهم فقال: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأحقاف:19] .

    هذه الدلالة استدل بها ابن وهب ، وقد نقل استدلاله الشبلي في آكام المرجان صفحة ست وخمسين، وقد استدل بالآيتين ابن القيم في طريق الهجرتين صفحة ثلاث وخمسين وخمسمائة، فقال: قوله جل وعلا: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام:132]؛ في الخير والشر، يُوَفَّوْن ذلك ولا يُظلمون شيئاً من أعمالهم.

    ثم قال: وهذا ظاهر جدّاً في ثوابهم وعقابهم، وأن مسيئهم كما يستحق العذاب بإساءته؛ فمحسنهم يستحق الدرجات بإحسانه. وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [الأنعام:132]، وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأحقاف:19] .

    إذاً: أدلة القول الأول بأن مؤمني الجن في الجنة هي:

    أولها: العمومات.

    وثانيها: العقل يقرر هذا ولا يوجبه، كما أنه لا يوجب هذا في الإنس.

    وثالثها: نُقولٌ خاصة عن السلف؛ لـابن عباس والحسن والضحاك رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    رابعها: أربع دلالات ظاهرة صريحة من كتاب الله؛ في عروس القرآن، وسورة الجن، والأنعام، والأحقاف؛ على أن مؤمن الجن في الجنة.

    من أدلة دخول مؤمني الجن الجنة ما جاء في سورة الأحقاف من إجارتهم من دخول النار

    خامس هذه الدلالات: استقراء النصوص الشرعية التي تدل على هذه القضية، وأنت إذا استقرأتَ نصوص الشرع من نصوص الكتاب والسنة لن ترتاب في أن مؤمن الجن في الجنة، ووجه ذلك أن النصوص الشرعية قَسَّمَت المكلَّفين إلى مؤمنين وكافرين، وقَسمَتْهم في الآخرة إلى دارَيْن فريق في الجنة وفريق في الجحيم.

    ووجه الاستدلال بذلك أن من لم يدخل النار من المكلَّفين فالجنة مثواه بفضل أرحم الراحمين، ولا يوجد عندنا دار ثالثة، وعندنا مؤمن وكافر، وقد أجمَعْنا على أن الكافر في جهنم، والمؤمن لا يدخلها أبداً، بل سيدخل الجنة مع الأبرار قطعاً وجَزْماً.

    قال ابن القيم في طريق الهجرتين صفحة خمس وستين وخمسمائة: ومُوَحِّدُو الجن ليسوا من أهل النار بالنص والإجماع. فقد أخبر الله جل وعلا أن من آمن منهم يُجار من النار؛ كما قال الله جل وعلا في سورة الأحقاف: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:29-31].

    قوله: يَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الأحقاف:31] لا إشكال في أن مجيء (مِنْ) هنا، إما أن تقول: زائدة، والتقدير: (يغفر لكم ذنوبكم)؛ لأن الإيمان يَجُبُّ ما قبله، وإما أن تقول: هي على حقيقتها، وهي تبعيضية، يَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الأحقاف:31]، أي المتعلقة فيما بينكم وبين ربكم، وحقوق العباد والتبعات لا بد من أدائها إلى أصحابها، وهذا هنا من باب أَوْلى.

    وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:31]، إذاً: هو مُجارٌ من عذاب الجحيم بنص القرآن، فَمُوَحِّد الجن لن يدخل النار بالنص والإجماع. وإذا لم يدخل النار، ولا يوجد في الآخرة إلا داران؛ دار الأبرار ودار الفجار، فهو إذاً من الأبرار في جنة النعيم.

    فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكر الله الجنة لطائعي الجن في هذه الآية؟! حين قال: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:31] ؟!

    نقول: لا إشكال على الإطلاق، فالمقام مقام إنذار لا مقام بِشارة، أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:31]، فهو يخاطب عتاة، يُحَذِّرهم وَيُنْذِرهم، فناسَبَ أن يخبرهم أنهم إذا آمنوا أجارهم من عذاب النار وإلا سيَلقَوْن العذاب الأليم، أما الثواب فله بعد ذلك آيات أخرى يبينه فيها.

    وهذا قد قيل للإنس أيضاً، فهل الإنس يُجارون من النار ولا يدخلون الجنة؟!

    واقرأ سورة نوح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [نوح:1-4].

    والسورة من أولها إلى آخرها، لا يوجد مثوبة لهم، إنما: يَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الأحقاف:31]، وإذا غُفِرَت لهم الذنوب ماذا سيكون حالهم؟! إن من طُهِّر من الذنوب والعيوب يقال لهم: طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73]، يعني إذا نُقِّيَ من الذنوب يدخل الجنة.

    فهنا لم يَذكَر ثواب قوم نوح أيضاً؛ لأن المقام مقام إنذار مع هؤلاء العتاة الذين لبث فيهم هذا النبي الكريم ألف سنة إلا خمسين عاماً وهم على الشرك، فإذاً لا داعي الآن الذكر للمثوبة، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:31]، فهنا يُجارون من العذاب إن آمنوا، فمعلومٌ أنهم إذا أجيروا من عذاب الجحيم دخلوا جنة النعيم؛ هذا الأمر الأول.

    الجواب الثاني أيضاً: يقال: إن الجنة مسكوت عنها، ولم ينفِ الله حصولها لهم، قال تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:31]. هل قال: أجيركم من العذاب وأغفر لكم ولكن لا تدخلون الجنة؟!

    لم ينف دخولهم الجنة، وإنما مسكوت عنه، وقد ورد به منطوق، فهل يجوز أن تأخذ بالمسكوت وتترك المنطوق؟

    وقد تقدم معنا دلالات صريحة ظاهرة بينة على أن مؤمن الجن في الجنة، فلا تترك تلك النصوص الصريحة المُصَرِّحة لشيء مسكوت؟!

    بل اجمع بين نصوص القرآن، وما ذُكِر في حق قوم نبي الله نوح يقال هنا، هنا مسكوت وهناك منطوق، ونصوص القرآن يُكمل بعضها بعضاً.

    الجواب الثالث: يقول: إنه يستلزم هذا النص: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:31]، دخولهم الجنة؛ لأن من غُفِر له ذنبه، وأجير من عذاب الله، وهو مكلَّف بشرائع الله دخل الجنة حتماً وجَزْماً، لأن المكلف إما في دار الجحيم، وإما في دار النعيم.

    ولذلك عندما تقوم الساعة: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [الروم:14-16].

    ففريق في الجنة وفريق في السعير، لا توجد دار أخرى، فمن غُفِر له ذنبه، وأجير من عذاب الله، وهو مكلَّف بشريعة الله سيدخل الجنة قطعاً وجزماً؛ فلا يصلح إذاً أن تعول على هذا، إما أن تقول: المقام مقام نذارة لا مقام بشارة، وإما أن تقول: هذا مسكوت عنه وورد به منطوق، وإما أن تقول: يستلزم ما ذُكِر أن يدخلوا الجنة. كل هذه الأقوال صحيح سديد، وقرر هذا وبينه الشبلي في آكام المرجان في صفحة ست وستين.

    وخلاصة الكلام: المعتمَد عند أهل السنة أن مؤمني الجن في الجنة، وقال السفاريني في الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية نظماً، وشرحها في جوامع الأنوار:

    وكل إنسان وكل جِنَّة في دار نار أو نعيم الجنة

    يعني المكلَّف من الإنس والمكلَّف من الجن، سيكونون في الآخرة في إحدى الدارين؛ نار أو جنة.

    هما مصير الخَلق من كل الورى فالنار دار من تعدى وافترى

    ومن عصى بذنبه لم يخلدِ؛ أي: في نار جهنم.

    ومن عصى بذنبه لم يخلدِ وإن دَخَلْها يا بوار المعتدي

    (يا بوار المعتدي)؛ يا هلاك المعتدي؟

    والمعتدي هنا فرق الضلال، المعتزلة والخوارج الذين يقولون: من دخل النار لا يخرج منها، وعليه يقولون: العصاة مخلدون في الدركات، والإنسان إذا كان يعمل من الصالحات ما يعمل ولقي الله بذنب واحد فهذا مخلد في نار جهنم وإن كان أنفق جبالاً من ذهب، وقام الليل وصام النهار! لكنه مبتلى بذنب، يشرب الخمر -مثلاً- أو على حكمهم يحلق لحيته ويصر، فحلق اللحية عندهم يخلده في نار جهنم مع إبليس!

    يا عباد الله!

    المسألة لا بد فيها من لين ورفق، والله يقول: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه [الزلزلة:7].

    إن الخوارج كَفَّروا فاعل الكبيرة وخلَّدوه في النار، وإن المعتزلة لم يُكفِّروه ولكن خَلَّدوه في النار، وقالوا: هو ليس بمؤمن وليس بكافر، بل في منزلة بين المنزلتين، وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، هو أحد أصولهم الخمسة.

    يقول المعتزلة: هذا خرج من الإيمان وما دخل في الكفران، والخوارج على ضلالهم أخف من المعتزلة، ولذلك قلت لكم: إن المعتزلة مخانيث الخوارج، وحالهم كحال الإباضية، فيهم هذا الوصف الردِيُّ أيضاً، فهم يقولون: إن فاعل الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، لكنه مخلد في نار جهنم.

    قلنا: هذا سبقكم إليه مخانيث الخوارج، وهم المعتزلة، وأنتم معهم؛ فخذوا من الضلال ما شئتم، وهذا القول ما سبق إليه أحد قبل المعتزلة.

    وقول الخوارج -مع فساده- يوجد ظواهر من النصوص يتعلقون بها؛ مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، يقولون: كَفَر، وأما هؤلاء فيقولون: ليس بمؤمن وليس بكافر، ثم هو مخلد في النار، ولا يخلد فيها إلا الكفار.

    فالخوارج مع ضلالهم -يعني في الظاهر- مذهبهم يتفق مع قولهم: كافر مخلد في النار، فهو كلام مقبول، أما إن هذا ليس بكافر، ولكن مخلد في النار! فهذا كلام مردود.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وآله وصحبهم وسلم تسليماً كثيراً.