إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [4]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [4]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن وجود الجن حقيقة ثابتة، ومنكر وجودهم أو من يتأول وجودهم بتأويلات معينة كأن يقول: إنهم نوازع الشر في النفس البشرية فهو كافر، والجن يستوون في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم مع الإنس إلا فيما خصهم الدليل، فهم مأمورون بأعمال زائدة على التصديق، ومنهيون عن أعمال غير التكذيب، وكما خصوا بأشياء فقد خص الإنس بأشياء أخرى، والأدلة على تكليفهم كثيرة.

    1.   

    حكم منكر وجود الجن حقيقة أو تأويلاً

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فقد كنا نتدارس الباب الرابع عشر من جامع أبي عيسى الترمذي، وهو من كتاب الطهارة، وبوب عليه الترمذي فقال: باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به، ثم ساق الحديث بسنده من طريق شيخه هناد بن السري ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن).

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن أبي هريرة ، وسلمان ، وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    وقد تقدمت معنا ثلاثة مباحث فيما مضى فيما يتعلق بترجمة رجال الإسناد، وفيما يتعلق بتخريج الحديث، وفيما يتعلق بتخريج الروايات التي أشار إليها الترمذي في الباب.

    ودخلنا في المباحث السابقة في فقه الحديث، وفقه الحديث يدور على أمور ثلاثة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام في ظاهر الحديث أخبرنا: ( أن الجن إخوانٌ لنا، وأن طعامهم يختلف عن طعامنا).

    فلذلك لا بد من البحث في هذه القضية؛ لنكون على علم بهؤلاء الذين هم إخوان لنا في التكليف، وهم يقابلوننا فهم خلقٌ ونحن خلقٌ، فلا بد من التعرف على أحوالهم كما قلت في ثلاثة أمور:

    أولها: فيما يتعلق بتاريخهم وخلقهم، وقد انتهينا من هذا في المباحث الماضية.

    والثانية: وهو ما سنتدارسه في هذا المبحث إن شاء الله: في تكليفهم وجزائهم عند ربهم.

    والثالثة: وهي ضرورية، وهي التي تتعلق بفقه الحديث أصالة: فيما بيننا وبينهم من أمور نختلف بها عنهم.

    ما هي الأمور التي نخالفهم فيها ويخالفوننا فيها؟ وما هي أوجه الخلاف بيننا وبينهم؟ وفي أي شيء يختلف الإنس مع الجن؟

    هذا المبحث الثالث نتدارسه بعد الانتهاء من المبحث الثاني في فقه الحديث إن شاء الله.

    تقدم معنا ما يتعلق بتعريفهم ووجودهم، وقلت: إن وجودهم ثابت حقيقة، ومن أنكر ذلك فلا شك في كفره، وهكذا من أوَّل وجودهم تأويلاً يخرجهم بتأويله عن حقيقة وجودهم، كما تقدم معنا؛ لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، وقد ثبتت آيات القرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث عنهم.

    وكما تقدم معنا أجمع على ذلك أئمتنا الكرام، فالذي يخالف ذلك إما أنه ينكرهم رأساً، وإما أنه يؤولهم بما يؤدي تأويله إلى إنكارهم، فيقول: هم نوازع الشر في النفس البشرية، وكل هذا كفر كما نص عليه أئمتنا الكرام.

    وقد حكى ابن حزم الإجماع في كتابه مراتب الإجماع في صفحة (174) على هذا الأمر، فقال: اتفقوا على أن وجودهم حق ثابت، وهذا في المسائل المجمع عليها، وتعقبه ابن تيمية رحمه الله وعلّق على هذا الكتاب، وذكر ما وهم فيه ابن حزم في كتابه الإجماع، ولا إجماع في المسألة، ثم ذكر أنهم اتفقوا أن إبليس عاصٍ لله كافر منذ أبى السجود لآدم واستخف به، وهذا محل إجماع ولا خلاف فيه.

    وحكى ابن الجوزي في كتاب الحمقى والمغفلين عن أحدهم: أنه كان يتورع عن ذكر أحد بشر، فقيل له: ما تقول في إبليس؟ هل هو شرير خبيث؟ وهل تسكت عنه؟ قال: أسمع عنه كلاماً كثيراً والله أعلم بسره، وهذا كلام باطل، وهذا هو الورع الزائد؛ لأنه قد نص الله على كفره ولعنه، فهذا لا يريد أن يلعنه كما لعنه رب العالمين سبحانه وتعالى.

    وتأويل الجن بالقوى الشريرة في النفس البشرية: هذا كفر، وهكذا نص ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الرابع، صفحة ( 346 ) يقول: قال الملاحدة والمتفلسفة: إن المراد بالجن... إلخ.

    وعليه ما حكي عن بعض الجائرين في هذا الجيل من تأويل الجن والشياطين بنوازع الشر بالنفس البشرية، هذا منقولٌ في الأصل عن الفلاسفة المتقدمين والملحدين، لكن البلية الآن في علماء عصره؛ لأنهم يأخذون قاذورات المتفلسفين ثم ينسبونها لشيخ الإسلام، ويكون هذا تفسير القرآن، وهذا هو الإصلاح والتجديد عندنا في هذا الزمان.

    فلم ينقل شيء عن قوم ممن غضب الله عليهم في العصور المتقدمة إلا وتجد منهم من كساها بلباس الشريعة وأدخلوها في تأويل القرآن الكريم.

    وعليه ينبغي أن نحذر نفيهم لوجود الجن، فمن نفى وجودهم فلا شك في كفره.

    1.   

    تكليف الجن

    المبحث الثاني: في تكليف الجن وجزائهم:

    الجن مكلفون كما أن الإنس مكلفون، ولا خلاف بين علمائنا الكرام في هذه القضية فهذا أمر مجمع عليه، وقد حكى الإجماع عليه عدد من أئمتنا منهم: الشبلي في آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجآن في صفحة (34)، والسيوطي في لقط المرجان صفحة (41)، وابن حجر في فتح الباري في الجزء السادس، صفحة (344)، والعيني في عمدة القاري في الجزء الخامس عشر، صفحة (184)، والنووي في شرح صحيح مسلم في الجزء الرابع، صفحة (169)، عليهم جميعاً رحمة الله، ونقلوا عن ابن عبد البر أنه قال: لا خلاف في تكليف الجن. يعني: لا خلاف في تكليفهم بتوحيد الله جل وعلا، وبأركان الإسلام.

    وهذا الأمر كما قلت: قرره أئمتنا ولا خلاف بينهم في ذلك.

    نوع التكليف المخاطب به الجن

    يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى المجلد الرابع، صفحة (33): لا ريب أن الجن مأمورون بأعمال زائدة على التصديق، ومنهيون عن أعمال غير التكذيب، يعني: هم مأمورون أن يوحدوا الله وأن يؤمنوا به، ومأمورون بأعمال زائدة على ذلك من صلاة وصيام.

    ومنهيون عن أعمال أخرى غير التكذيب كالزنا، وشرب الخمر، وقتل النفس وغير ذلك.

    كما أننا نحن أُمرنا بالإيمان وبأن نوحد ربنا، وأمرنا بعد ذلك بعمل مع الإيمان وأن نطبق ونعمل، هم أيضاً أمروا بالتصديق وبالأعمال ونهوا عن التكذيب وعن المخالفة في العمل، وكل هذا مما لا خلاف فيه.

    الجن لا يماثلون الإنس في الحد والحقيقة

    قال: لا ريب أن الجن مأمورون بأعمال زائدة على التصديق، ومنهيون عن أعمال غير التكذيب، فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم؛ فإنهم ليسوا مماثلي الإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أُمروا به -يعني: الجن- ونهوا عنه مساوياً لما عليه الإنس في الحد، لكنهم مشاركون الإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم.

    قال ابن تيمية : وهذا ما لم أعلم فيه نزاعاً بين المسلمين.

    والمعنى: أنهم مأمورون ومنهيون بأعمال زائدة في الفعل والترك مع توحيدهم وتكليفهم، لكنه قال: لو أمروا به -أي: فيما يتعلق بأمر العمل- فيختلف الحال فيهم عن حال الإنس، فهذا على حسب حالهم وبحسب ما بلغهم نبينا عليه الصلاة والسلام مما يعلمه الله ولا نعلمه، يقول: إن هذا على حسب حالهم هم؛ لأنهم لا يساوون الإنس في الحد والحقيقة حتى يكون تكليف الجن كتكليف الإنس.

    والذي يبدو لي والعلم عند الله: أن الجن لا يجوز أن نقول: إن تكليفهم يختلف عن تكليف الإنس إلا فيما خصهم به الدليل الذي يدل على ذلك، والأصل أن نطلق القول بالتكليف، وأنهم كلّفوا كما كلّفنا كما نقول: المرأة مكلفة كما كُلِّف الرجل، ثم خصت بأمور، هذا أمر آخر، فلا بد من دليل على التخصيص.

    نحن عندنا دليل على تكليف الجن فالأصل أنهم كلفوا بما كلفنا به، إلا إذا قام دليل على التخصيص، وهذا كما قلت: لا يعلمه إلا الله، لا نقول: إنهم لا يساوون الإنس في التكليف إلا إذا قام دليل على التخصيص، وكان هناك دليل خاص.

    أما أن نقول: إن الجن لا يساوون الإنس في الحد والحقيقة، وبناءً على هذا لا يستوون معهم في التكليف، فهذا يحتاج إلى دليل، بل نقول: كلفوا بما كلفنا به، كما حكى على ذلك أئمتنا الإجماع دون أن يفصلوا، وإذا قام دليل على تخصيصهم ببعض الأمور التي تخصهم، فنخصهم به؛ لأن عندنا دليل على التخصيص.

    عندنا الآن: ( لا تستنجوا بالعظم ولا بالروث؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن ) فالعظام تكسى لحماً بإذن الله وهذا في حق الجن، ولا يكون هذا في حقنا، فهذا تكليف خاص بهم علموه بواسطة نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا لا إشكال فيه كما أن المرأة كُلِّفت بأن تتحجب عن الرجل بدليل خاص ورد، مع أن الأصل أن نقول: هي كسائر الرجال في التكليف إلا ما قام عليه دليل التخصيص.

    ولذلك أفردت لذلك مبحثاً وهو المبحث الثالث، في الأمور التي يختلف فيها الإنس عن الجن، وما عداها فهي مما يستوي الإنس مع الجن في التكليف، والعلم عند الله جل وعلا.

    ولذلك نقل السيوطي في لقط المرجان في صفحة (59) عن السبكي عليه رحمة الله أنه قال: هل تقولون: إن الجن مكلفون بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام في أصل الإيمان أو في كل شيء؟ لأنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إليهم فعلاً كما هو مرسل إلى الإنس فالدعوة عامة والشريعة عامة، فهو مرسلٌ إليهم في دعوتهم إلى الإيمان وفي أن يتبعوه في شريعته، فيلزمهم جميع التكاليف التي توجد أسبابها، إلا أن يقوم دليل على تخصيص بعضها.

    الأصل بما أن النبي عليه الصلاة والسلام أُمر أن يدعوهم إلى الإيمان، وأن يبلغهم الشريعة التي أنزلها عليه ربنا الرحمن، فما من شيء في التكليف إلا ويلزمهم، إلا ما قام عليه دليل التخصيص.

    فقول السبكي : إنه يجب عليهم الصلاة والزكاة والحج، وصوم رمضان، وغيرها من الواجبات، ويحرم عليهم كل حرام في الشريعة بخلاف الملائكة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما أُمر أن يبلغ الملائكة شريعة الله وإن كان الملائكة موحدين لله جل وعلا ومؤمنين، لكن لهم عبادة فرضها الله عليهم ولم يؤمروا بهذه الشريعة التي فُرضت علينا، ولم يكن في فعلها الثواب وعلى تركها العقاب.

    قال: فإنا لا نلتزم أن تكون هذه التكاليف كلها ثابتة في حقهم إذا قيل بعموم الرسالة إليهم، أي: لو قلنا لهم: نبينا عليه الصلاة والسلام مرسل إلى الإنس ومرسل إلى الجن، فيكلفون بما كُلِّف به الإنس.

    فإن قلت: لو كانت الأحكام بجملتها لازمة للجن كما هي لازمة للإنس لكانوا يترددون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، حتى ينقلوا هذه الأحكام إلى بعضهم ليتعلموها، ولم ينقل ذلك، يعني: لم يرد أن رسل الجن جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام باستمرار وسألوه عن أمور الشريعة، ولو أنهم فعلوا ذلك لنقل إلينا كما هو الحال في الإنس، فقد كانوا يسألونه ما بين الحين والحين.

    قلت: لا يلزم من عدم النقل عدم اجتماعهم به، وكأن هذا ما نُقل، لا يلزم أنهم عندما كانوا يستمعون لنبينا عليه الصلاة والسلام أن ينقل هذا إلينا النبي عليه الصلاة والسلام كان يتصل بالملائكة، ويتصل بالجن على نبينا صلوات الله وسلامه، ولا يعني هذا: أننا سنشعر بما يحصل له على سبيل المثال وفد الجن جاءوا إليه وعلمهم عليه صلوات الله وسلامه، لا يلزم أن يخبر بكل مجيء منهم إليه.

    وقيل: يلزم من عدم النقل عدم اجتماعهم به، وحضورهم مجلسه، وسماعهم كلامه؛ لأن أهل الإيمان لم يروهم والنبي عليه الصلاة والسلام لم يذكرهم للصحابة، ولا يلزم هذا.

    إذاً لا يلزم عدم اجتماعهم به، ولا يلزم عدم حضورهم المجلس، لعلهم كانوا يبيتون معه؛ لأن الله يقول في نص القرآن: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27].

    من الذي أطلعكم على أنه ما ثبت اجتماعهم به، وهم عالم آخر لا يجوز أن نبحث في كنهه وحقيقته إلا بما أطلعنا عليه ربنا سبحانه وتعالى.

    يقول هنا: وقد ورد في آثار كثيرة عن السلف أن جماعة من الجن كانوا يقرءون عليهم القرآن ويتعلمون العلم، وستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك في المبحث الثالث إن شاء الله.

    وذلك دليل عموم الأحكام في حقهم بالجملة، والتكليف شرطه العلة، وكل حكم من هذه الشريعة اتصل العلم به لزمهم إياه، هذا كلام السبكي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    ولذلك ينبغي أن تُطلق العبارة فيقال: الجن مكلفون بما كُلِّف به الإنس إلا ما قام عليه دليل التخصيص فيخصص كل منهما بما يخصه.

    فالإنس قد يخصون بأحكام والجن قد يخصون بأحكام، ورد ذلك إلى ذي الجلال والإكرام، لكن إذا كانوا -كما قلت- مكلفين كالإنس فالأصل أن يستوي الثقلان في التكليف، إلا ما قام عليه دليل التخصيص، والعلم عند الله جل وعلا.

    لا خلاف بين أئمتنا في أنهم مكلفون، وقد أطلق ابن القيم عليه رحمة الله القول بتكليفهم بجميع أمور الشريعة في طريق الهجرتين وباب السعادتين في صفحة (553) -وقد ختم هذا الكتاب بأحكام الجن بتكليفهم ومصيرهم في الآخرة عند ربهم- قال: الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأمورون، ومنهيون، ومكلفون بالشريعة الإسلامية، والأدلة على ذلك من القرآن والسنة أكثر من أن تحصى.

    إذاً: لا خلاف في تكليفهم، كما لا خلاف في وجودهم، وهم مكلفون كما كُلِّفنا، وإذا خصوا بشيء فنحن أيضاً قد خصنا الله جل وعلا ببعض الأشياء.

    وللإمام ابن تيمية رسالة في عموم بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام إلى الثقلين الإنس والجن، كنت أشرت إليها في المباحث الماضية سماها: إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين للإنس والجن، وهي موجودة ضمن مجموع الفتاوى وهي قرابة (55) صفحة في الجزء التاسع عشر من صفحة (9) إلى صفحة (65).

    1.   

    الأدلة من القرآن على تكليف الجن

    هذا الذي قرره أئمتنا بالإجماع دلّت عليه آيات القرآن، وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وسنذكر بعض الآيات التي تدل عليه، ثم أختمه بما يدل عليه من أحاديث ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    دلالة آيات الأنعام على تكليف الجن

    الآية الأولى في سورة الأنعام: وفيها يشير ربنا الرحمن جل وعلا إلى تكليفهم، يقول الله جل وعلا: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ * وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [الأنعام:128-132].

    والآيات فيها التصريح بأن الجن أُنذروا وبلغوا دعوة الله، وقامت عليهم الحجة، كما حصل ذلك في الإنس، ثم ختم الله بعد ذلك الآيات بقوله: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام:132] أي: من الإنس والجن، من الذين كُلِّفوا، إذا أطاعوا الله.

    إذاً: هنا نص صريح على أن الجن مكلفون أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأنعام:130].

    وهذا متى سيكون؟ يوم القيامة، الله جل وعلا سيوجه إليهم هذا الخطاب، وأنني قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت عليكم الكتب، يا معشر الجن أفسدتم أشكالكم من الإنس، فيقول الضآلون الزائغون من الإنس: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وهم كما قال الله: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9]، كنا نعبدهم وكانوا يقدمون إلينا بعض المساعدات، رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:128-129].

    ثم أخبرهم الله أنه أقام عليهم الحجة: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأنعام:130]... إلى آخر الآيات.

    إذاً: هذه الآية الأولى نص صريح لا يختلف أحد في فهمها.

    والآية الثانية في سورة ثانية: أن الجن أُنذروا وقامت عليهم الحجة، وسيحاسبون يوم القيامة فمطيعهم سيدخل الجنة، كما أن عاصيهم في النار وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام:132].

    دلالة آيات سورة سبأ على تكليف الجن

    الآية الثانية في سورة سبأ، وفيها يخبر الله جل وعلا عما منَّ به على عبده ونبيه سليمان يقول الله جل وعلا: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:12-13].

    فهذا تكليف كُلِّفوا بأن يكونوا عمالاً وخدماً عند نبي الله سليمان، وأخبرنا الله أن من خرج منهم عن طاعته يذيقه عذاب السعير، وهذا تكليف، فإذاً: كُلفوا بطاعة سليمان فإذا عصوه فسيذيقهم الله عذاب السعير، فهم سيكلفون بتوحيد الله، ويخاطبون بعقولهم التي هي مناط التكليف، ولذلك كلفوا بأن يكونوا في خدمته وأن ينفذوا ما يريد منهم.

    وقوله: وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ [سبأ:12] هي: عين النحاس المذاب، يعمل منه الجن قدوراً راسيات، وتماثيل، وجفاناً كالجواب.

    وقوله: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ [سبأ:12] يعني: إذا ركب الريح لتحمله إلى أي مكان بإذن الله في الغدو فهي تعدل مسيرة السير على الخيل الجياد المسرعة مدة شهر كامل، فهي طائرة حقيقة، طائرة عجيبة، طائرة غريبة، طائرة ربانية يكون مع أصحابه وأحبابه على بساطه ثم يأمر ريحاً أن تحملهم في ساعة من أول النهار، وتسير بهم الريح وتنقلهم إلى مسافة شهر على الخيل المسرعة، والجواد الجيدة، وهكذا في المساء تعيدهم في ساعة، وهي تعدل مسيرة الخيل المسرعة شهراً كاملاً.

    وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:12].

    عذاب السعير هنا فُسِّر بأمرين:

    الأول: قيل: إنه عذاب الآخرة، وهذا هو الظاهر، وهو المنقول عن الضحاك وعن غيره من أئمة التفسير.

    وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:12] أي: في الآخرة، ندخله جهنم؛ لأنه عصى أمر الله جل وعلا ولم ينفذ أمر سليمان، وهذا هو الظاهر: أن المراد من السعير عذاب جهنم في الآخرة.

    وقد أطلق الله جل وعلا هذا الاسم على عذاب جهنم في كثير من آيات القرآن، ولفظ السعير يُطلق على جهنم، كما يُطلق على دركة من دركاتها.

    ثبت في معجم الطبراني الكبير، وفي تفسير الطبري ، وتفسير ابن المنذر ، والأثر إسناده صحيح كما نص على ذلك السيوطي في الحاوي، وفي الدر المنثور، وهو في الدر في الجزء الرابع صفحة( 99 ) عن ابن جريج وهو من الأئمة التابعين. قال في تفسير قول رب العالمين: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:43-44] قال: سبعة أبواب: سبع دركات:

    الدركة الأولى: تسمى جهنم، وهي أخفها، وهي أول طبقة من طبقاتها، وجهنم معناها في اللغة: بعيدة القعر، يقال: بئر جهنم، إذا كانت بعيدة القعر، فأول طبقة وهي أعلاها بعيدٌ قعرها، فكيف سيكون حال الدركة التي بعدها، وهذه الطبقات كلها للكفار والمنافقين. أما العصاة من المؤمنين فيعذبون في نار خاصة، ولا يكونون مع الكفار ثم يخرجون منها، وأما هذه الدركات فكلها للكفار.

    والدركة الثانية: لظى.

    والدركة الثالثة: الحطمة.

    والدركة الرابعة: السعير: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:12].

    والدركة الخامسة: سقر.

    والدركة السادسة: الجحيم.

    قال ابن جريج : وفيها أبو جهل .

    فهذه لألعن المخلوقات والكفار كـأبي جهل ومن على شاكلته.

    وهذا كله له حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لأن مثله لا يقال من قِبل الرأي.

    والدركة السابعة :وهي آخر الدركات: الهاوية.

    وهذه أعدها الله لمن هم في الدرك الأسفل من النار، وهم أخبث من أبي جهل ، وهم المنافقون، الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145] والهاوية هذه آخر الطبقات.

    فعلى هذا القول: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:12] أي: ندخله الطبقة الرابعة من طبقات جهنم، أو كما قلت: يدخله عذاب جهنم، والله عليم في أي دركة سيكونون؛ لأن لفظ السعير يطلق بإطلاقين على دركة من دركاتها، كما يطلق عليها بجميع دركاتها، فهو اسم لها واسم لدركة ولمنزلة فيها، والعلم عند الله جل وعلا.

    فالقول الأول كما قلت: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:12] .

    كما قال الضحاك وغيره عليهم جميعاً رحمة الله قال: عذاب الآخرة.

    ونقل أيضاً: أن المراد من عذاب السعير العذاب المؤلم الشديد الفظيع لكن في الدنيا، وورد عن بعض السلف أن الله سخّر مع نبيه سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام ملكاً من الملائكة معه سوط من نار، فمن عصاه من الجن الأشرار ضربه بهذا السوط، فهذا هو عذاب السعير، والعلم عند الله جل وعلا، فلا مانع من أن يجمع الله على الجن الذين يتمردون على نبي الله سليمان الأمرين، ملكاً يضربهم بسوط من نار، ثم بعد ذلك إلى دار القرار وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:12].

    الشاهد: أنهم كلفوا بطاعة نبي الله سليمان، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وتوعدوا بالعقاب والعذاب إذا خرجوا عن طاعته، وهذا دليلٌ على أن الجن مكلفون.

    دلالة آيات سورة فصلت على تكليف الجن

    الآية الثالثة: في سورة فصلت، وفيها يقول الله جل وعلا: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت:19-24].

    هؤلاء العصاة الذين سيحشرون وهم أعداء الله يوم القيامة إلى النار استمع ما يقول الله فيهم: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت:25] أي: حق عليهم القول بالعذاب؛ لأنهم خرجوا عن شريعة الوهاب سبحانه وتعالى، سواء كانوا من عصاة الإنس، أو من عصاة الجن، هذا دليلٌ على أن الجن يُعاملوا كما يعامل الإنس، فمن كفر من الإنس فهو عدو لله ويحشر إلى النار، ومن كفر من الجن فهو عدو لله ويُحشر إلى النار.

    ولذلك قال الله جل وعلا: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت:25].

    دلالة آيات سورة الأحقاف على تكليف الجن

    الآية الرابعة: في سورة الأحقاف يقول الله جل وعلا فيها: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [الأحقاف:17-18].

    جميع الآيات السابقة فصّلت، لكن هنا زيادة، وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأحقاف:19]. للإنس والجن.

    هذا دليل على أن طائعهم يدخل الجنة كما أن كافرهم يدخل النار.

    وفي معنى هذه الآية أيضاً: قول الله جل وعلا في سورة الأعراف: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:38] ... إلى آخر الآيات.

    الدليل الخامس: في سورة الأحقاف، وفيها يصرّح ربنا الكريم بأنه أرسل الجن وصرفهم إلى نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فاستمعوا منه القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، يقول الله جل وعلا: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف:29].

    والإنذار: إعلانٌ مقترن بتخويف وزجر: وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف:29-30].

    وعليه؛ كان عندهم علم بالكتب السماوية السابقة بما كان عند نبي الله موسى وبكتابه الذي نزل عليه وهو التوراة، وكان مؤمنو الجن يؤمنون بذلك: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأحقاف:30-32].

    وهو نص صريح في أن الجن أُرسلوا إلى نبينا عليه الصلاة والسلام فاستمعوا للقرآن، ثم أنذروا قومهم وآمنوا بربنا سبحانه.

    دلالة آيات سورة الرحمن على تكليف الجن

    الدليل السادس: في سورة الرحمن في أولها أخبر الله جل وعلا عن خلق الإنس والجن فقال جل وعلا: خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ [الرحمن:14-15] ثم تكملة السورة خطاب للنوعين، خاطب الله النوعين يرغبهم ويرهبهم، ويعدهم ويتوعدهم، وتمام الآيات بعد ذلك في سورة الرحمن تقرر هذا الأمر وتؤكده.

    خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:14-16].

    الخطاب هنا للثقلين للإنس والجن فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:16]، ثم بعد ذلك خاطبهم الله بما كلفهم به وأظهر نعمه عليهم سبحانه وتعالى، وهذه الآيات تُليت على الجن كما تُليت على الإنس، وكان موقف الجن خير من موقف الإنس، وقد أثنى عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم، وعاتب الإنس؛ لأنهم لم يجيبوا بما أجاب به الجن.

    ثبت في سنن الترمذي ، ومستدرك الحاكم ، والحديث رواه ابن المنذر وأبو السعود ، وابن مردويه في تفاسيرهم، والبيهقي في السنن الكبرى، وفي دلائل النبوة، من طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

    وروي الحديث عن ابن عمر في مسند البزار ، وتفسير الطبري ، وتفسير ابن المنذر ، وابن مردويه ، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، والدارقطني في الأفراد، قال السيوطي في الدر المنثور في الجزء السابع، صفحة 140: إسناده صحيح.

    وهكذا نص على ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد في الجزء السابع، صفحة (117).

    وأثر ابن عمر الثاني لم يروه أحد من الكتب الستة، فهو في المجمع: بإسناده صحيح.

    وانظروا أثر البزار في كشف الأستار عن زوائد مسند البزار للهيثمي في الجزء الثالث، صفحة 74، فأثر ابن عمر رواه البزار وغيره وليس هو في شيء من الكتب الستة، وأما أثر جابر فتقدم معنا، وهو في الترمذي . والأثران بمعنى واحد، أن النبي صل الله عليه وسلم تلا على الإنس سورة الرحمن حتى فرغ منها، ثم قال لهم نبينا عليه الصلاة والسلام: ( ما لي أراكم سكوتاً؟ والله للجن أحسن جواباً منكم؛ ما تلوت عليهم آية فيها فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13] إلا قالوا: ولا بشيءٍ من نعمك ربنا نكذِّب فلك الحمد، ولا بشيء من آلائك ربنا نكذّب فلك الحمد ) أي: لا نكذّب، ولا ننكر، ولا نجحد شيئاً من نعمك التي مننت بها علينا وذكرتها في هذه السورة، فالله كرر هذه الآية: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13] في سورة الرحمن 31 مرة، ( فكلما ذُكرت للجن وتليت عليهم يقولون: ولا بشيءٍ من نعمك ربنا نكذّب فلك الحمد، ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد؛ نعترف بنعمك علينا ونسألك أن توفقنا لشكرها).

    إذاً: تليت هذه السورة على الجن كما تليت على الإنس، مما يدل على أن ما فيها يشمل الصنفين.

    استمع لما فيها: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27] وهذا شامل للإنس والجن.

    يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الرحمن:29] الجن في الأرض كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29] وهذا شامل للإنس والجن.

    سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ [الرحمن:31] وهنا الإنس والجن، وسموا بالثقلين من الثقل، وهما يثقلان الأرض، وهما ثقلٌ عليها، وسيكون مصيرهم إليها، ولذلك يوم القيامة تُخرج الأرض أثقالها، وهم: هؤلاء الموتى يخرجون منها إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الزلزلة:1-2] إذا كنا على ظهرها نحن ثقلٌ عليها، وإذا كنا في بطنها كذلك.

    وما قيل من معنى غير هذا يمكن أن يكون تابعاً لهذا، لكن هذا هو المعنى الصحيح الثقلان: الإنس والجن، كما قلت: يثقلان الأرض وهما ثقلٌ عليها.

    وما قيل: من إن معناها مثقلان للتكاليف. لا مانع منه، وكذا مثقلان للذنوب والأوزار، كل واحد منكم ثقيل لما يحمله من وزر ومعصية لله الجليل.

    سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ [الرحمن:31] قيل: المراد من الثقل هنا الثقل المعنوي، وهو الذي له اعتبار ومنزلة، وهذان أشرف المخلوقات: الإنس والجن، فهما أفضل من الحيوانات والجمادات، وأشرف المخلوقات التي على وجه الأرض وعلى ظهرها: الإنس والجن.

    وتقدم معنا فضل الإنس على الجن أيضاً لطيب عنصرهم، وأما الحيوانات، والبهائم، والجمادات فهي دونهم.

    إذاً: المراد من الثقل هنا: ثقل معنوي، يعني: لهما وزنٌ ثقيل واعتبار جليل، كل هذا لا مانع منه بعد أن نثبت المعنى الأول، وكثير من كتب التفسير اقتصرت على المعنى الأول، والكتب المطولة ذكرت هذه المعاني كما في روح المعاني للإمام الألوسي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في تفسير هذه الآيات، وسيأتينا الإشارة إليه عند هذه الآيات في (سورة الرحمن)، وهكذا الخطيب الشربيني في السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير، وذكر هذه المعاني الأربعة ومنها: الأول: الإنس والجن ثقلان، كلٌ منهما يثقل الأرض، وسيكون فيها فهو ثقيل عليها على ظاهرها وفي جوفها، والعلم عند الله جل وعلا.

    إذاً: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ [الرحمن:31]والمراد من معنى هذه الآية كما نُقل عن سلفنا الوعيد الشديد لأهل الأرض أي: سنقصد حسابكم، وسنتفرغ لمحاسبتكم، كأن الله جل وعلا يقول: اعملوا ما شئتم فأنتم في مرحلة التكليف، ودار الجزاء ستئولون إليها عما قريب وستروننا أمامكم سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ [الرحمن:31]، وكان كثيرٌ من سلفنا يقولون: والله لو تهددنا بهذه الآية شرطي لما استطعنا أن ننام، فكيف وهي من قِبل ذي الجلال والإكرام؟ فالمعنى اعمل ما شئت فستئول إلينا، ونقصد حسابك فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8].

    ثم خاطب الله الثقلين: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن:33].

    ثم وجه أيضاً الكلام إليهم: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ [الرحمن:35].

    ثم أخبرنا الله جل وعلا أن السماء إذا انشقت وقامت القيامة فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن:39].

    ثم نص الله جل وعلا أنه في ذلك اليوم يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ [الرحمن:41].

    ويدخل في لفظ المجرمين بالإجماع: مجرمو الإنس ومجرمو الجن، وسيأتينا أنه لا خلاف في تعذيب كافرهم.

    ثم أخبر الله جل وعلا أن هذا هو جزاء العتاة العصاة، فما جزاء الصالحين المهتدين؟ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] هل هذا بخصوص الإنس؟! لا؛ لأن الله يقول عقبها: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:47].

    إذاً: فكل من اتصف بصفة الخوف من الله جل وعلا فسينال هذا الوعد من الله جل وعلا، وسيأتينا عند جزائهم استدلال كثير من أئمتنا بهذه الآية على ثواب الجن، وأن طائعهم يدخل الجنة كما أن العاصي منهم يدخل النار، وهذا هو المعتمد عند أهل السنة الكرام، وأن هناك أقوالاً ستة قيلت في جزاء الطائعين، وأما في الكافرين فهو قولٌ واحد بإجماع المسلمين أنهم يعذبون في نار الجحيم، وسيأتينا إن شاء الله ضمن مراحل البحث، وهل هذا المصدر مضاف إلى الفاعل أو المفعول؟

    نستعرض الآن الآيات، ونبين أنها دليل على تكليفهم وعلى جزائهم، وما في هاتين الجنتين من نعيم عظيم: جنتان للسابقين، وجنتان لأصحاب اليمين، إلى أن ختم الله جل وعلا الآيات وقال: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:74] فيتأتى هذا من الصنفين، وهذا سيحصل في تلك الدار للصنفين: للجن والإنس، وسيتمتعون بالحور العين في دار النعيم.

    ثم قال الله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:77-78].

    فكل ما ذُكر في هذه السورة من بدء الخلق: خلق الصنفين، ومن تعداد النعم عليهم، ومن ترغيبهم وترهيبهم، ووعدهم ووعيدهم يشمل الصنفين، وهذا دليلٌ على تكليفهم.

    دلالة آيات سورة الجن على تكليف الجن

    الدليل السابع: في سورة الجن، وفي أولها نص الله جل وعلا على أنه جاء الجن إلى نبينا عليه الصلاة والسلام وسمعوا منه القرآن قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الجن:1-2] ما موقفنا فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا [الجن:1-3] تنزهت عظمته سبحانه وتعالى مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا [الجن:3].

    والآيات تتحدث عن أحوالهم، ثم بعد ذلك ذكر الله لنا تقسيماً بين لنا أصناف الجن، هم ذكروه عن أنفسهم، وهذا التقسيم موجودٌ في الإنس، وموجودٌ في هذه الأمة، وموجودٌ في الأمم السابقة، فاستمع لهذه الدلالة:

    ماذا يقولوا الجن؟

    وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ [الجن:11] فهم مذاهب مختلفة، يقولون: منا صالحون وهم: أهل السنة، على طريقة السلف الصالح لا السلف الدعي.

    وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:11] أي: أهل أهواء وبدع، وعصاة، لكن يشملهم أيضاً وصف الإيمان، فينا صديق صالح سنيٌ مهتدي، وفينا مؤمن عاص له طرائق مختلفة من الأهواء والشهوات التي يفعلها.

    هل فيكم صنف ثالث؟ فينا صنف ثالث، استمع للصنف الثالث:

    وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ [الجن:13-14].

    هناك قالوا: وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ [الجن:11] قالوا: ما دونه هو العاصي المبتدع الذي دون دائرة الإسلام ولم يخرج من ملة الإسلام، لكنه عاص، وأما هنا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ [الجن:14] من قسط بمعنى: جار، وظلم، واعتدى، وبغى، وتجاوز الحد، فهو من قسط، فهو قاسط، لا من أقسط، فهو مقسط، والمقسط: هو عادل ملتزم بالحدود الشرعية، وأما هنا فقسط جار وظلم، والذي يقابل الإسلام الكفران، وكأنهم يقولون: وفينا صنف ثالث: وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن:14-15].

    إذاً: هذه ثلاثة أقسام: صالح: وهو الموحد التقي، عاص: وهو المؤمن المنحرف الذي فيه بدعة أو فيه معصية، وكافر: وهو القاسط الخارج عن شريعة الله فهي ثلاثة أصناف، وهذه موجودة في الإنس كما توجد في الجن، وكما توجد في هذه الأمة توجد في الأمم السابقة تماماً.

    يقول الله جل وعلا في سورة الأعراف مشيراً إلى افتراق الأمم السابقة إلى هذه الأقسام الثلاثة: إلى مؤمنين، وكافرين، وإلى صالحين وعاصين، فأهل الإيمان ينقسمون إلى: صالحين وعاصين، يقول الله جل وعلا: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ [الأعراف:168] وهنا وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:11] فعندهم مذاهب مختلفة، وأهواء متعددة، وغير هذا من هذه المحن، كما يوجد في هذه الأمة.

    إذاً: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168] الصنف الثالث: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأعراف:169].

    إذاً: هذه الأصناف الموجودة فيهم موجودة فينا، وقد حكاها الله جل وعلا عنهم، وأقر ذلك وهو الحكيم الخبير سبحانه وتعالى.

    وعليه فالجن مكلفون، ولذلك من أسلم فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن:14-15].

    دلالة آية الإسراء على تكليف الجن

    الدليل الثامن: الذي يدل على تكليفهم، وقد أشار إليه ابن القيم عليه رحمة الله ونعم ما قال فقال: لو لم يكن إلا قوله جل وعلا: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] لو لم يكن إلا هذه الآية لكفى دليلاً على تكليف الجن، ما وجه ذلك؟

    قال: لأن الله أخبرنا بعذاب كفرة الجن، والله يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] فعلمنا يقيناً وضرورة أنهم كلفوا، وأُرسل إليهم الرسل، وبلغتهم الحجة والدعوة فكفروا.

    والمعنى: أن عندنا هذه الآية، وعندنا آيات تصرح بتعذيبهم، فلو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية فقط من الآيات التي تتحدث عن الجن لكفت دليلاً على تكليفهم؛ لأنه لا يصح عذابهم إلا بعد أن تبلغهم دعوة الرسول، والله جل وعلا قد نص في كثير من آيات كتابه على أن الجن في النار، وصح أنهم كُلِّفوا وبلغتهم دعوة رسل الله الأبرار على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    يقول الله جل وعلا مشيراً إلى عذاب الجن مع عذاب الإنس في سورة الأعراف: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] إذاً: هذا الذرأ، والتقدير، والتهيئة، والخلق وقد خُلقوا من نار، لا يكون إلا بعد أن كُلِّفوا بشريعة الله جل وعلا.

    وهكذا قول الله جل وعلا في سورة (ألم) السجدة: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:13].

    فهذا كله لا يحدث إلا بعد حصول التكليف فيهم: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    دلالة آية الذاريات على تكليف الجن

    الدليل التاسع: وهو أصرح مما ذكره ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وما رأيت أحداً نبّه عليه على سبيل الخصوص، لكن المسألة -كما قلت- مجمع عليها، ولا خلاف فيها، وقلنا: إن ابن القيم ما اختار الدليل الذي قبله؟ مع أنه في تقديري أظهر وأوضح، وهو نص صريح في المسألة، وهو قول الله جل وعلا في سورة الذاريات: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    فهذه أصرح من الاستنتاج الذي استنتجه ابن القيم ، مع أنه على العين والرأس، فلا يُعذّب أحدٌ إلا بعد قيام الحجة عليه وبعد تكليفه، وبما أن الجن سيعذبون فهذا دليل على أنهم مكلفون، ولا إشكال في ذلك.

    لكن عندنا نصٌ صريح على تكليفهم لا يحتاج إلى استنتاجات ولا إلى ربطه بغيره، فهو دليل بنفسه على هذه القضية: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].

    وهي دلالة في منتهى الظهور والوضوح، وما وقفت على أحد من أئمتنا نبّه عليها، مع أن المسألة كما قلت متفقٌ عليها، ولا خلاف فيها: أن الجن مكلفون، لكن فيما يبدو لي أن أصرح دليل على تكليفهم هو هذه الآية.

    فهذه دلالات من كلام الله جل وعلا.

    1.   

    الأدلة من السنة النبوية على تكليف الجن

    وسنذكر بعض ما جاء في السنة، ومنها:

    حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، والحديث ثابت في الصحيحين، وسنن النسائي ، ومسند الدارمي ، والسنن الكبرى للبيهقي ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أعطيت خمساً لم يعطهن نبيٌ قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً؛ فأيما رجلٌ من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وكان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصةً، وبُعثت إلى الناس عامة، وأُعطيت الشفاعة ).

    هذا من جملة ما خص الله به نبينا عليه الصلاة والسلام وحباه، فإن قيل: أين الدلالة التي تشمل إرساله عليه الصلاة والسلام إلى الجن والإنس؟ قلنا: لا دلالة في هذا الحديث بهذه الرواية، لكن في بعض روايات صحيح مسلم وسنن الدارمي ، وهي في صحيح مسلم بشرح النووي في الجزء الخامس، صفحة (3) في بعض رواياته يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وكان كل نبيٍ يُبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ) يقول في هذه الرواية: ( وبُعثت إلى كل أحمر وأسود ) وهذا الحديث من رواية جابر في إحدى روايات مسلم: الأحمر والأسود، وسيأتينا بيان المراد منه إن شاء الله، وهم: الإنس والجن على تفسير من تفسيرات ثلاثة كلها حق.

    هذا الحديث فيه أن نبينا عليه الصلاة والسلام بُعث إلى كل أحمر وأسود، في بعض روايات حديث جابر، وهو ثابت من روايات عدة من الصحابة الكرام، منها: ما في مسند أحمد ، وسنن الدارمي من رواية أبي ذر رضي الله عنه، والحديث قال عنه الهيثمي في المجمع في الجزء الثاني، صفحة 259: رجاله رجال الصحيح، وفيه: ( بُعثت إلى كل أحمر وأسود ).

    والحديث رواه أحمد والطبراني في معجمه الكبير من رواية أبي موسى الأشعري ، وإسناد الحديث صحيح كما نص على ذلك الهيثمي في المكان المشار إليه: ( بُعثت إلى كل أحمر وأسود ) بدل ( وبعثت إلى الناس عامة كافة ).

    والحديث رواه أحمد في المسند من رواية ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين بسند حسن كما في المجمع الجزء الثاني، صفحة (258).

    والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير من رواية ابن عمر ، ورواية ابن عمر رواها أحمد في المسند، لكن ليس فيها ( إلى كل أحمر وأسود ) فيها: ( بُعثت إلى الناس كلهم عامة ) فيكون معنا حديث جابر في رواية الصحيحين التي تقدمت معنا.

    إذاً: هذه أربع روايات مع رواية جابر بأن نبينا عليه الصلاة والسلام بُعث إلى كل أحمر وأسود.

    قال النووي في المكان المشار إليه في الجزء الخامس، صفحة (5) قوله: ( إلى كل أحمر وأسود ): المراد من الأحمر البيض وهم العجم، والأسود الذين فيهم سمرة العرب ومن عداهم من السودان، وبياض العجم يقال له: أحمر، وكثير من العرب يطلقون على البياض حمرة، ولذلك يقولون: جاء الأحمر، يعني: بياضٌ يميل إلى الحمرة والشقرة، فالعجم فيهم هذا ( إلى كل أحمر ) يعني: إلى كل أعجمي، ( وأسود ) ممن فيهم سمرة أو سواد من العرب وغيرهم، والعرب يغلب على ألوان بشرتهم السمرة، وأما البياض الذي يميل إلى الشقرة أو إلى الحمرة فهذا في العجم، وتقدم معنا في حال أمنا عائشة رضي الله عنها أنه يقال لها: الحميراء؛ لتميزها عن قومها بتلك الخلقة الحسنة رضي الله عنها.

    التفسير الثاني: قيل: المراد بالأسود السودان، والأحمر العرب ومن عداهم؛ لأن سواد العرب لا يصل إلى درجة السواد فهو سمرة، فهنا تدخل في الأحمر، وأما السواد الشديد فهذا هو المراد بالأسود.

    إذاً: المعنى أنه بعث إلى العرب وإلى غيرهم من العجم، يعني: إلى السودان وإلى العرب الذين لونهم فيه سمرة، ويغلب على لون العرب الأبيض الحنطي، وهو يميل إلى السمرة، والحنطة تميل إلى السمار لا تميل إلى الإشراق والبياض الخالص، الحنطة تميل إلى السمار، لكن ليست سوداء يعني: لا يوجد حنطة سوداء.

    وهذا إلى الناس كافة على هذين التفسيرين، ولا زلنا ضمن الإنس.

    التفسير الثالث: قال النووي عليه رحمة الله: الأحمر هم الإنس، والأسود هم الجن.

    ولعلهم نُعتوا بذلك؛ لأن أكثر ما يتجلون به ويظهرون به هو لون السواد، والعلم عند الله جل وعلا، وهم يؤثرون ذلك اللون على غيره.

    ولذلك تقدم معنا ضمن الآداب التي ينبغي أن نفعلها عند دخول الخلاء قلت: إن من سنته سبحانه وتعالى أن جعل للشيطان تمكناً من الإنسان في حال الظلمة، وفي حال الوحدة، وهذا لا يحصل لهما في غير ذلك من الأماكن والأوقات، فالظلمة الشيطان يكون له فيها سلطان، والوحدة كذلك.

    أحمر هذا للإنس قاطبة، وأسود هذا للجن؛ لأن ذاك اللون يغلب فيهم ويحبونه ويتجلّون ويتشكلون به.

    قال النووي عليه رحمة الله: والكل صحيح، بُعث نبينا عليه الصلاة والسلام إلى العرب وإلى العجم، بأشكالهم وألوانهم، كما بُعث إلى الجن والإنس.

    أنا أقول مع أن الكل صحيح، فإن التفسير الثالث أصحها وأظهرها وأقواها، وقد نُقل عن بعض رواة الحديث وهو أعلم بمعاني ما يرويه، نُقل هذا عن تابعي جليل ألا وهو مجاهد رضي الله عنه كما في رواية المسند في الجزء الخامس صفحة 145: عن الأعمش قال: فكان مجاهد يرى أن الأحمر هم: الإنس، والأسود هم: الجن.

    وكما قلت: جميع التفسيرات معتبرة، وقولهم: الإنس يشمل: العرب والعجم هذا لا خلاف فيه قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158].

    فنريد أن يدل الحديث على تكليف من يقابل الإنس وهم الجن، فعلى تفسير مجاهد الأحمر الإنس والأسود الجن، وهذا ما أشار إليه ابن كثير في أول تفسيره في الصفحة الأولى ذكر هذا التفسير؛ بأن المراد بالأحمر الإنس والأسود الجن، وكما قلت: التفسير معتبر وهو صحيح ثابت عن مجاهد.

    إذاً: على هذه الرواية: ( بُعثت إلى كل أحمر وأسود ) إلى الإنس والجن، هذا وصف صريح في أن نبينا عليه الصلاة والسلام بُعث إلى الصنفين.

    وقد وردت رواية فيها ضعف في الإسناد تصرّح بأن نبينا عليه الصلاة والسلام بُعث إلى الجن جلهم كما بُعث إلى الإنس جلهم.

    الرواية أشار إليها الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء السادس، صفحة ( 345 ) فقال: ثبت التصريح بذلك، وأن نبينا عليه الصلاة والسلام بُعث إلى الجن كما بُعث إلى الإنس في حديث ولفظه، (وكان النبي يُبعث إلى خاصة قومه، وبُعثت أنا إلى الجن والإنس ).

    وهذه الرواية التي ذكرها الحافظ ابن حجر رواها البزار وهي في الجزء الثالث، صفحة (113) في كشف الأستار، وهي في مجمع الزوائد في الجزء الثامن صفحة (258) في المكان المتقدم معنا من رواية: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال الهيثمي في المجمع: وفي الإسناد من لم أعرفهم.

    إذاً: الجن مكلفون كما أن الإنس مكلفون، وكما قلت: الإجماع على ذلك، وهذه نصوص شرعية من كتاب الله وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام تدل على ذلك القول.

    نكتفي بهذا المبحث المتعلق بـ:هل الجن مكلفون، ونكمل بقية المسائل في المبحث القادم إن شاء الله.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار، والحمد لله رب العالمين.