إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [2]

شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أصل مادة خلق الإنس هو الطين وأصل مادة الجن هو النار، شرف الطين على النار معلوم؛ فطبيعة الطين الرزانة والهدوء، وطبيعة النار الشراسة والتفريق والطيش، ولا خلاف في أن أبا الجن إبليس اللعين، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع والحس على وجود الجن، ولم ينكرهم إلا شرذمة قليلة من الفلاسفة والأطباء وبعض المعاصرين، فمن أنكر وجودهم فقد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة فلا شك في كفره.

    1.   

    خلق الجن والإنس وقياس إبليس الفاسد

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد: فلا زلنا نتدارس الباب الرابع عشر من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وعنون عليه فقال: باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به، ثم ساق الحديث في سنده من طريق شيخه هناد بن السري إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم, فإنه زاد إخوانكم من الجن ). قال الإمام أبو عيسى : وفي الباب عن أبي هريرة وسلمان وجابر بن عبد الله وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    تقدم معنا الكلام على ثلاثة مباحث من مباحث هذا الحديث:

    أولها: في ترجمة رجال الإسناد.

    وثانيها: في تخريج هذا الحديث, وقلت: إنه صحيح، فرواه من نفس هذا الطريق الإمام مسلم في صحيحه وابن خزيمة والبيهقي وهكذا أبو عوانة الإسفراييني عليهم جميعاً رحمة الله.

    وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من طرق أخرى وبروايات أخرى ثبت ذلك كما تقدم معنا في المسند وسنن أبي داود والنسائي والسنن الكبرى للبيهقي ، وسنن الإمام الدارقطني , والحديث رواه ابن أبي شيبة أيضاً في مصنفه، والإمام الطبراني في معجمه الأوسط بنحو الرواية المتقدمة.

    ثم خرجت بعد ذلك الروايات التي أشار إليها الإمام الترمذي بقوله: وفي الباب عن أبي هريرة وسلمان وجابر وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    والمبحث الرابع: في فقه الحديث وما يرفد إليه من أحكام، وقلت: من هذا الحديث أخبرنا أن الجن إخوان لنا، وأن طعامهم يختلف عن طعامنا، وهذه القضية لا بد إذاً من البحث عنها ضمن ثلاث مراحل:

    المرحلة الأولى -كما قلت- في تعريف الجن ووجودهم.

    والثانية: في تكليفهم وجزائهم.

    والمرحلة الثالثة: في بيان أوجه الاختلاف بيننا وبينهم. وكنا نتدارس الأمر الأول من هذه الأمور الثلاثة ألا وهو في وجودهم وتعريفهم.

    أصل خلق الإنسان والجن

    تقدم معنا إخوتي الكرام أن الجن خلاف الإنس من المكلفين، من حيث وجود معنى الستر فيهم، فهم مستورون مخفيون عنا كما وضحت هذا بالشواهد اللغوية في ما مضى.

    وقلت: إن الجن خلقوا من نار، كما أن بني آدم خلقوا من طين، أي: أصل نشأتهم، فأبو الجن إبليس خلق من مارج من نار، وأبو الإنس آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام خلق من طين، وتقدم معنا أن خلق الجن سبق خلق بني آدم، كما أشار إلى هذا ربنا جل وعلا في سورة الحجر: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر:26] ، وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [الحجر:27] .

    وأشار ربنا إلى هذا القضية أيضاً في سورة الرحمن فقال: خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن:14] ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ [الرحمن:15] .

    وآخر ما ذكرته الحديث الثابت في خلقة الإنس والجن والملائكة، وقلت: إنه في المسند، وصحيح مسلم ورواه الإمام البيهقي في الأسماء والصفات، وابن مندة وابن عساكر في تاريخه من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجآن من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) أي: مما ذكر في القرآن أنه خلق من طين.

    وابن كثير عليه رحمة الله عند الآيتين المتقدمتين: آية الحجر, وآية الرحمن، قال: في هذا تنبيه على شرف بني آدم, وطيب عنصره, وطهارة أصله، فأصله أطهر وأفضل وأشرف من أصل الجآن, فهو مخلوق من طين، وطبيعة الطين الرزانة والهدوء، فتضع فيه الحبة يعطيك شجرة، والطين ينبت الحدائق والبساتين.

    قياس إبليس وبيان فساده

    طبيعة النار الشراسة والتفريق والحماقة، ولذلك ظهرت هذه الطبيعة في هذا المخلوق الخفيف إبليس عندما أمره الله مع الملائكة بأن يسجد لآدم، وظهر فيه طبعه الناري الغضبي: قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء:61] ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76].

    وهذا الكلام الذي قاله الشيطان باطل مردود عليه، ويكفي في بطلانه أنه معارض به كلام ربه، وكل رأي يصادم نصاً، قال علماؤنا باتفاق: إنه قياس باطل فاسد باعتبار ما ينظر في مضمونه ولا يعول عليه؛ لأن العقل إذا خالف الشرع دل على فساد هذا العقل وانتكاسه، والله ضمن العصمة لشرعه, ولم يضمن العصمة لعقولنا.

    وعليه: ينبغي أن ترد العقول إلى شرع النبي الرسول عليه صلوات الله وسلامه، ولا يجوز أن نرد الشرع إلى العقل، فإذا رددنا الشرع إلى العقل فهذه مضيعة، ثم إلى عقل من سترد الشرع، فالعقول بأسرها لابد أن ترد إلى هذا الشرع الثابت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

    ولذلك كان أئمتنا يقولون: أول من قاس إبليس, وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس, وهذا منقول عن تابعيين مباركين، عن محمد بن سيرين وعن الحسن البصري في سنن الدارمي وفي كتاب جامع بيان العلم وفضله لـابن عبد البر عليهم جميعاً رحمة الله.

    أي: أول من قاس قياساً فاسداً معكوساً منكوساً صادم به نصوص الشرع, وقدم العقل على الشرع هو إبليس.

    وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، يعني: الشمس مضيئة فتعبد, والقمر كذلك يعبد, وكما يقول الآن الهندوس: هذه البقرة تقدم لنا الحليب فنعبدها، وما يشبه هذه المقاييس الفاسدة الباطلة.

    لم لا تعبد رب هذه البقرة، وهي لا تقدم لك الحليب من ذاتها، ولا من طبيعتها، ولا من أصل تكوينها، وإنما هذا بتقدير العزيز العليم سبحانه وتعالى.

    وهكذا بالنسبة للشمس وللقمر فإنهما لا يضيئان بأنفسهما, إنما بتقدير الله إيجاد النور فيهما.

    وعليه: اعبد من خلق الشمس ومن خلق القمر، ومن خلق البقر, ومن خلق الشجر، وهذا كما قال الله عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:37].

    نعم إبليس أول من قال: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76]، هذا هو القياس الفاسد، الذي يدل على حماقته وسفاهته وقلة عقله، وأئمتنا عندما ألفوا في كتب الحمقى والمغفلين، اعتبروا أحمق المخلوقات, وأول الحمقى على الإطلاق إبليس, كما فعل ذلك الإمام ابن الجوزي في كتابه الحمقى والمغفلين في صفحة أربع وعشرين وما بعدها، وفي صفحة واحدة وستين.

    أول المخلوقات حماقة وأحمقها إبليس، عندما اعترض على الله, ومؤدى اعتراضه، كأنه يقول: يا من خلقتني أنا أعلم منك، ويا من علمتني أنا أحكم منك.

    الله خلقك -سبحانه وتعالى- ومنحك العلم والحكمة وأنت مخلوق له، وأنت بلسانك تقول: رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ص:79]. فتعترف بأنه ربك, وأنه خلقك, فالذي خلقك, وأعطاك الحكمة والعلم، هل رضي لنفسه بصفة الجهل سبحانه وتعالى؟!

    فما حكمتك إلا جزء يسير من حكمته، وما حكمتك وحكمة المخلوقات وعلمك وعلم المخلوقات بجانب حكمة وعلم رب الأرض والسماوات إلا كما هو الحال بالنسبة للقطرة مع البحر.

    جاء عصفور وأخذ قطرة من البحر, فماذا تؤثر على حجم البحر؟! وهكذا نحن لن نرد حكمتنا إلى حكمة ربنا سبحانه وتعالى.

    ثم انظر إلى فساد عقله, وانطماس بصيرته، حيث طلب من ربه أن يؤخره إلى يوم يبعثون ليفسد ذريته: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82] يا لعين! ماذا تستفيد؟

    هو يريد أن يغيظ به رب العالمين، ولو اجتمع أهل السماوات والأرض على معصية الله لما تضرر سبحانه، فهو الغني سبحانه وتعالى، وإذا كانت المخلوقات على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً، وإذا كانت على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملك الله شيئاً، يعني: أنت ستغيض الله, إذا أضللت عباده؟! فأورد هذا مورد الإغاظة, كأنك قلت: سأنتقم منك بأن أحرف العباد عن طاعتك وشكرك, ولا تجد أكثرهم شاكرين.

    حسناً: هل يتضرر بهذا رب العالمين؟ الجواب: لا، فهذه زيادة حماقة من إبليس اللعين.

    والحماقة الثالثة أيضاً: أنه يعلم علم اليقين أنه لا يستطيع أن يضل إلا من خذله رب العالمين، ولعنه الحكم الحق سبحانه وتعالى، وأما من شاء الله هدايته وحفظه: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42] . فانظر للحماقات.

    وإذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده

    وهنا كذلك عقل، لكن عقل الرديء ليس بعقل الذكي، نعم عنده الذكاء, لكن ذكاءه كذكاء القرود، ولا خير في الذكاء إذا لم يصحبه ذكاء.

    فلذلك يقول الكفار, وأولهم إمام الأشغال في هذا الزمن كلينتون وغيره، يقولون يوم القيامة عندما يلقون في النار: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10].

    فهؤلاء عندهم عقول؟ ووهبهم الله عقولاً أكثر من غيرهم، كما يقول بعض من لا يعي ما يقول, هنا عندهم عقول.

    هم سيشهدون على أنفسهم يوم القيامة: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10].

    فإذا عرف أمور الدنيا هل معنى هذا أنه صار ذكياً؟ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:6-7].

    يقول الحسن البصري عليه رحمة الله: يضرب أحدهم الدينار بظفره فيعرف وزنه وقيمته، وتسأله عن أمور دينه فيقول: ها. وهذا هو حال هذا الخسيس الخبيث إبليس.

    ولذلك أئمتنا يقولون في ترجمة كثير من المخذولين، كـالمعري وغيره: كان ذكياً ولم يك زكياً، والذكاء لا وزن له؛ لأنه يدعوه إلى الشيطنة والاحتيال والمكر والفساد.

    كما هو الحال في العباد في هذه الأوقات، فعندهم ذكاء دنيوي، وعملوا أسلحة مدمرة فتاكة، كما يقال: تهلك الحرث والنسل, والأخضر واليابس، لكن كله في حال الفساد، فكيف يستنجي بعد ذلك وهو لا يدري؟! يصنع قنبلة ذرية ولا يعلم كيف يتطهر؟ وكيف يعبد الله؟! القنبلة الذرية ماذا ستنفعه في نهاية الأمر.

    أنت وأنا وقنبلتك وأهل السموات والأرض كلهم سيلقون الله بعد أن يموتوا، فماذا تنفعك إذا لم تتق الله في حياتك التي هي سويعة؟ والتي ينبغي أن تجعلها مطية لك إلى طاعة الله عز وجل.

    هذا القياس مع كونه فاسد الاعتبار وأيضاً باطل لو قلنا: غير مسلم، فلو ناقشناه على حسب عقولنا وعندنا عقول، فتعالوا نناقش هذه القضية.

    لم جوهر النار خير من جوهر الطين؟ إن جوهر الطين خيرٌ من جوهر النار، فالطين -كما قلت- طبيعته الهدوء والرزانة والإصلاح، تضع فيه الحبة فيخرج لك شجرة فيها من كل زوج بهيج، وإذا أردت أن تعرف قدر الطين، فانظر إلى هذه الحياة, وما فيها من زروع وثمار وبساتين، هذا كله بواسطة الطين, يعني: الإنسان بإمكانه أن يعيش بلا نار، لكن ليس بإمكانه أن يعيش بلا طين, فكيف سينبت زرعه وثماره ورزقه وخيراته؟

    فإذاً: قولك النار خير من الطين مع كونه قياساً فاسداً، فهو باطل من حيث الواقع, وأنت مخذول في الأمرين، اعترضت على ربك بأمر باطل، ليتك اعترضت بأمر يمكن أن يقال: له وجاهة, بل كان الأمر مردوداً.

    الأمر الثالث: لو سلمنا جدلاً أن عنصر النار خير من عنصر الطين، هل يلزم أن كل مخلوق من عنصر النار أفضل من كل مخلوق من عنصر الطين؟ لا يلزم الأمر, كما قال القائل:

    إذا افتخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئسما ولدوا

    فهب أن عنصر النار خيرٌ من عنصر الطين، لكن أنت شيطان لعين رجيم تعترض على رب العالمين، وذاك عبد مسكين يتذلل إلى خالقه الكريم, فأي المخلوقين أشرف وأفضل؟ من يتصبر على الله, أو من يتذلل ويتواضع له.

    لو سلمنا فلا يلزم من شرف الأصل شرف الفرع، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38].

    وعليه فهذا الاعتراض الذي قاله إمام الفتاوى, وأول الحمقى إبليس الخبيث اعتراض مردود عليه من هذه الأمور.

    وقد وضح شيخنا عليه رحمة الله هذه الأمور في كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن للقرآن، في الجزء الأول، صفحة خمس وثلاثين ومائة عند قول الله جل وعلا: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]. إلى آخر الآيات التي بعدها في أوائل سورة البقرة، وفيها: أن الله أمره والملائكة بالسجود لآدم فامتنع إبليس من السجود، وعرض الشيخ الكريم عليه رحمة الله لهذا المذهب.

    إن الاعتراض على ذي الجلال والإكرام أشنع بلية في الدنيا, ولذلك هذا المنظر إلى يوم الدين وهو إبليس طلب من الله وأعطاه الله ذلك ليزيده طغياناً وضلالاً وعذاباً، فهو أول الهلكى, وأول الموتى من الخليقة على الإطلاق، وإن كان حياً؛ لأنه لا قيمة للحياة إذا لم تنفعك، حياة لكن شؤم وضر وبلاء، أول النجسين إبليس اللعين.

    وهذا ورد في الكتب السابقة كما نقل هذا الإمام ابن القيم في الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي, صفحة ثمان وخمسين: إن الله أوحى إلى كليمه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال: أول من مات إبليس, قال: كيف يا رب؟! وهو منظر إلى يوم الدين؟ قال: لأنه عصاني.

    ولذلك يقول الله جل وعلا في كتابه: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] .

    حقيقةً: إن الكافر ميت والمؤمن حي، والكافر رديء العقل خبيث النفس, سيشهد على نفسه بذلك يوم القيامة كما تقدم معنا: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10] ، وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] .

    فأول الهلكى هذا العبد المخذول إبليس الذي خلق من مارج من نار.

    إذاً: في خلق الله لأصلنا لأبينا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام من طين، في هذا منة من الله علينا وتيسير لنا بهذه الطبيعة التي في هذا العنصر، طبيعة الهدوء، طبيعة الرزانة، طبيعة التأني, طبيعة السلم, طبيعة الإصلاح هذه كلها موجودة في الطين الذي خلق منه أبونا آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    المقصود بأبي الجن

    وإبليس الذي خلق من مارج من نار، كما وضحت ذلك آيات القرآن وأحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، هو أصل الجن أجمعين، فكل جني هو من نسله: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف:50] .

    قال الحسن البصري عليه وعلى أئمتنا: جميع الجن من ولد إبليس، كل من كان من هذه الفصيلة من العصاة الذين هم شياطين، أو من الهداة الذين هم جن, ولفظ الجن: هو ما يقابل الإنس من المكلفين، سواء كان مؤمناً أو كافراً، لكن إذا فسد يقال له: شيطان وعفريت ومارد, كما تقدم معنا على حسب خبثه ودرجات شره.

    وأما أصل الجن فهو بما يقابل الإنس من المكلفين، فجميع الجن هم من ولد إبليس وهو أصلهم، كما أن جميع البشر والإنس من ولد آدم ، وهو أصلهم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    وهذا قرره أئمتنا قاطبة، ولا خلاف بين علماء الشريعة المطهرة فيه، وأشار إليه الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الخامس عشر صفحة سبعين.

    1.   

    وجود الجن بن النفي والإثبات

    منكرو وجود الجن

    إن وجود الجن -كما تقدم- معنا ثابت في الكتاب والسنة، واتفق على ذلك سلف الأمة وأئمة الإسلام, فنصوص القرآن لا تحصى كثرة تتحدث عنهم، والأحاديث لا تحصى تتحدث عنهم، وعلى هذا سلف الأمة وأئمة الإسلام، أنهم مخلوقون موجودون، والإجماع على ذلك قطعي.

    ولذلك سيأتينا حكم منكر ذلك، وقد قرر الإجماع على هذه المسألة الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، في الجزء الرابع والعشرين، صفحة ست وسبعين ومائتين.

    وما أنكر وجود الجن إلا شرذمة قليلة يسيره من الفلاسفة وبعض الأطباء، وأما المسلمون فكما قلنا محل إجماع بينهم أن الجن موجودون, وسيأتينا أنهم مكلفون يثابون ويعاقبون، وما بيننا وبينهم من أمور الاختلاف، سيأتينا إيضاح هذا ضمن مراحل البحث إن شاء الله.

    وقد أشار إلى هذا الإمام ابن حجر في الفتح، في الجزء السادس، صفحة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وهكذا الإمام العيني في عمدة القاري، في الجزء الخامس عشر، صفحة مائتين وثمانين ومائة، ونقلا عن إمام الحرمين أبي المعالي -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- قوله: كثير من الفلاسفة والزنادقة والقدرية أنكروا وجودهم رأساً.

    ثم قال أبو المعالي إمام الحرمين: ولا يتعجب من إنكار غير المسلمين لهؤلاء من الفلاسفة من الزنادقة الذين ليس لهم ملة ينتمون إليها، ولا ينتمون إلى الملة الإسلامية، وإنما يتعجب ممن ينتسب إلى المسلمين وينكرهم، ويزيد إنكار وجودهم إلى بعض القدرية على هذا القول.

    ثم قال: والعجب ممن ينكر وجودهم مع أن القرآن صرح بهم، والأحاديث متواترة في ذلك.

    دلالة العقل على وجود الجن

    ثم قال: وليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم، ليس في قضية العقل عند العقل ما يقدح في الإثبات، العقل ليس عنده ما يدل على أن الجن لا وجود لهم.

    ووجه ذلك كما قال أئمتنا: أن وجود الجن ممكن, فإذا كان وجودهم ممكناً وليس عند العقل دليل، لا على وجوب وجودهم ولا على نفيهم واستحالت وجودهم، هو ممكن لكن العقل الذي يستضيء بنور الوحي، عنده الممكن إذا ورد به السمع وجب تصديقه، ولو لم يرد سمعاً بوجودهم لما صح للعقل أن ينفي وجودهم إجماعاً، وأنا لا أتكلم إلا بشيء ثابت, إما أن هذا العقل يحيل وجودهم, أو يثبت وجودهم، أو يتوقف في وجودهم.

    يقول: ممكن أن يوجد, وممكن أن لا يوجد، فالعقل ليس عنده ما يثبت, وليس عنده ما يحيل في الأصل. يقول: ممكن أن يوجد هناك مخلوقات اسمهم الجن, وممكن أن لا يوجدوا، لكن هذا الممكن الذي ليس عند العقل ما يوجب ثبوته ولا ما يوجب إنكاره إذا ورد به السمع، فالعقل الصريح يحترم نفسه ويصدق به؛ لأنه كما قلنا ليس عنده ما يثبت ولا ما ينفي، وورد به خبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى عليه صلوات الله وسلامه، فيجب عليه إذاً أن يصدق بوجودهم, وأن يؤمن بهم.

    وهذه القضية في كل شيء من أمور الغيب كما قرر أئمتنا، فكل ممكن ورد به السمع وجب الإيمان به.

    وعليه: فوجود الجن ممكن ورد به السمع، وعذاب القبر ممكن ونعيمه ورد به السمع فيجب أن نؤمن به، ووجود الميزان والحوض كل هذا من الممكنات وقد ورد بها السمع الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فوجب الإيمان بها.

    وكما قلت هذه القضية مسكوت عنها عند العقل؛ لأنه لا يستطيع أن يثبتها ولا أن ينفيها، فليس عنده دليل على إثبات الميزان يوم القيامة، كما أنه ليس عند العقل دليل على النفي.

    ولذا ورد الخبر الصادق بوجود الميزان: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء:47] .

    انظر إلى ذلك من الآيات والأحاديث، والعقل يقول آمنت إذ ليس عندي ما ينفي، ولا ما يثبت فأنا كنت متوقفاً، حتى ورد الخبر الصادق فآمنت.

    وهنا وجود الجن ممكن، ممكن أن يوجد مخلوق اسمه الجن ويمكن ألا يوجد، فإذا أخبرك رب العالمين, وبلغك ذلك النبي الأمين عليه الصلاة والسلام أن الجن موجودون، ولهم صفات كذا وكذا فإذا كنت تحترم عقلك, فإنك تصدق وتقف عند حدك، وإذا أردت السفاهة فحالك كما قال الله: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر:5].

    هذا الكلام الذي قررته انظر لتقريره من كلام الإمام ابن حزم عليه رحمة الله في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل، في الجزء الخامس، صفحة تسعين، يقول ابن حزم عليه رحمة الله: نحن لم نثبت بالحواس الجن، وما عندنا إدراك لهم بحواسنا، ولا علمنا وجوب كونهم -يعني: هل هذا ثابت عن طريق العقل أم يستحيل ليس عندنا عقل يوجب وجود الجن- ولا علمنا وجوب كونهم، ولا وجوب امتناع كونهم، ولم ندركهم بحواسنا، وليس عند العقل ما يحكم بوجودهم، كما أنه ليس عنده ما ينفي وجودهم، وأنهم يمتنعون لا يمكن أن يوجدوا، ليس عند العقل ذلك، والعقل لا يوجب وجودهم, ولا يحيل وجودهم.

    حسناً: ماذا يقول ابن حزم ؟! يقول: ولا علمنا وجوب كونهم ولا وجوب امتناع كونهم في العالم بضرورة العقل, أي: عن طريق العقل لا نعلم لا وجوب وجودهم، ولا استحالة وجودهم، لكن علمنا -انتبه لضرورة العقل- إمكان كونهم.

    العقل يقول: إن وجودهم ممكن؛ لأن الله على كل شيء قدير، ولو قلت لي: هل يوجد سمك يسبح في الماء؟ أقول: الله على كل شيء قدير، ولو قدر أنني ما رأيته، فما أنفيه.

    وكذلك طائر يطير في الهواء, فإننا نقول: الله على كل شيء قدير، ولو قلت لي: هل يتصور وجود إنسان له جناحان؟ أقول: الله على كل شيء قدير، وكون العقل لا يوجب ذلك ولا يحيله فيبقى وجود ذلك ممكناً، وهذا ضمن دائرة القدرة، وإذا أراد الله هذا أوجده ولا يعجزه شيء.

    ولذلك يقول ابن حزم : لا نعلم بالعقل ضرورة استحالتهم، ولا وجوب وجودهم، لكن نعلم إمكان وجودهم؛ لأن قدرة الله لا نهاية لها, وهو يخلق ما يشاء.

    إذاً: نحن بعقولنا لا نعلم وجوب وجودهم، ولا نعلم استحالة وجودهم، وبعقولنا نعلم أن وجودهم ممكن، والممكن ما يتصور وجوده وعدمه، والمستحيل ما لا يتصور وجوده، والواجب ما لا يتصور عدمه.

    فنحن لا نتصور وجوب وجودهم بعقولنا، ولا عقولنا تثبت استحالة وجودهم، إنما العقل البشري يقول: أنا أثبت أن إمكانهم ممكن لِمَ؟ لأن هذا ليس بمستحيل, والله على كل شيء قدير.

    فإذا كان العقل يقرر إمكان وجودهم، وورد به السمع فإذا كنت عاقلاً فأنت تصدق، وإذا أردت أن تكابر, فهذا شأن السفهاء وليس شأن العقلاء.

    المهم أن القضية كما قلت: عقلية، وليس عند العقل ما يثبت وجوب الوجود، ولا استحالة الوجود بالنسبة للجن، وعند العقل برهان قطعي على أن الجن يمكن وجودهم، كما يمكن عدمهم, ممكن أن يوجدوا؛ لأن الله على كل شيء قدير، فبوسع قدرة الله أن يوجد مخلوقاً يرانا ولا نراه: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27] .

    كما أنه في وسع قدرة الله أن يوجد مخلوقاً آخر وهو الملائكة، يقيد علينا أعمالنا ولا نراه، فالله على كل شيء قدير.

    إذاً: العقل -كما قلنا- يثبت إمكان الوجود، ثم يتوقف فيقول: أنا لا أستطيع أن أقول: لهم وجود أو لا، إلا إذا جاءني خبر الصادق, نقول: أبشر فقد جاءك كلام الله وهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، للإخبار بوجودهم يقول العقل إذا كان الدليل صريحاً: آمنت وصدقت، وما ورد به السمع وجب الإيمان به.

    1.   

    حجة منكري وجود الجن

    لا خلاف في وجود الجن عند المسلمين، ومن أنكرهم من الفلاسفة والزنادقة وبعض القدرية فكل هذا سفاهة، وليس العجب من الزنادقة، وإنما العجب ممن ينتمي إلى الإسلام ثم ينكر وجود الجن مع تصريح القرآن، وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام بوجودهم وتكليفهم وقولهم كما سيأتي معنا في الثواب أو العقاب في الآخرة، ثم مع هذا يأتي ويكابر، يقول: لا وجود للجن، وهذا يقول به بعض الضلال سابقاً ولاحقاً، كما سيأتينا ضمن خطوات البحث.

    ولا حجة لمن أنكر وجود الجن غير أمرين، اتكأ عليهما:

    الاحتجاج بعدم رؤية الجن ورؤيتهم لنا والجواب عنها

    أولهما: أشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح وقال: أكثر ما استروح إليه من نفاهم، يعني: لا وجود لهم، أكثر ما استروح إليه من نفاهم، قال حضورهم عند الإنس بحيث يرونا ولا نراهم.

    أنتم الآن تخبرون أن الجن يحضرون معنا، يروننا ولا نراهم، يقول: هذا كاف للجزم بعدم وجودهم، فمخلوق بيننا ولا نراه هذا مرفوض.

    قال الإمام ابن حجر عليه رحمة الله: وإنما يستبعد ذلك من لم يحط علماً بعجائب المقدرة، وبعجائب مخلوقات الله جل وعلا، وإذا خلق الله جل وعلا مخلوقاً لا تراه، فإنه يقول: جعل الله قوة الإبصار لرؤية هذا المخلوق من طبيعة أخرى.

    فإذا كان المرئيات الحسية في الأصل لا يمكن أن ترى إلا بكيفية معينة، وعلى نسبة معينة كما يقولون: فوق الأحمر وتحت البنفسجي على اصطلاحاتهم في علم الطب, وما نزل على البنفسجي لا يرى وما كان فوق الأحمر لا يرى من أشعة على ضابط عندهم، إذا كان هذا مع أنه يمكن أن يرى بمجهر بعد ذلك، وترى مئات وآلاف وملايين المخلوقات تمشي في قطرة مثلاً من مني أو من ماء وأنت لا تراها، إنما تكتشف لك عن طريق المجهر.

    حسناً: ما المانع إذاً أن يوجد الله مخلوقاً بيننا يرانا ولا نراه، من طبيعة أخرى؟ فالله على كل شيء قدير سبحانه وتعالى.

    إذاً: إنما يستبعد ذلك من لم يحط علماً بعجائب المخلوقات.

    ثم نقل الحافظ ابن حجر عن الإمام الباقلاني عليهم جميعاً رحمة الله، أنه قال: وكثير من هؤلاء -يعني: من الفلاسفة والزنادقة-، يثبتون وجودهم في الأصل، يقولون: يوجد في الأصل جن, لكن ينفون وجودهم الآن.

    حسناً: لمه؟ أنت تقول: يوجد في الأصل مخلوق اسمه الجن خلقه الله، لكن لا وجود لهم في هذه العصور التي نعيش فيها، من أخبرك أنهم انقرضوا؟ وما الدليل على ما تقول؟ هذه زيادة تناقض، وهذا كله كما قلنا من فصيلة إبليس أول من قاس إبليس, وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، وهم يثبتون وجودهم لكن ليس وجودهم الآن.

    يقول: ومنهم من يثبت وجودهم لكن ينفي تسلطهم على الأنس، ودخولهم في أبدانهم.

    أيضاً فبعض السفهاء يقول: إن الجن موجودون، لكن لا يمكن أن يخالطوا الإنس، ولا يمكن أن يداخلوه، ولا يمكن أن يتسلطوا عليهم وأن يصرعوهم, كما سيأتينا أيضاً ضمن مراحل البحث.

    وهذا كله -كما قلت- ضلال وإلحاد، وردٌ لما قرره رب العباد، ولا شك بأن ذلك كفر، فمن أنكر الجن فهو مكذب للقرآن ولما تواتر عن نبينا عليه الصلاة والسلام ولما أجمع عليه أئمة الإسلام.

    وذكر ذلك الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى, في الجزء التاسع عشر في بداية رسالة صغيرة الحجم عظيمة النفع، أخذت هذه الرسالة قرابة ستين صفحة، وهي: إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين للإنس والجن، وهي من بداية الجزء المذكور إلى صفحة خمس وستين، ويقول في صفحة مائتين وثلاثين من نفس الجزء المشار إليه ضمن مجموع الفتاوى: لم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جُهال الفلاسفة.

    وقد تقدم معنا أن إمام الحرمين يقول: كثير من الفلاسفة والزنادقة وهكذا بعض القدرية أنكروا الجن، ولعل عبارة الإمام ابن تيمية أدق, وواقع الأمر أن من أنكر الجن قلة قليلة من حثالة البشر، من الفلاسفة وسفهاء الأطباء، وأما اليهود والنصارى والموحدون، والصابئة والبوذيون وجميع الملل فإنهم يثبتون وجود الجن.

    وأما أكابر القوم يعني: أكابر الفلاسفة كـسقراط وأفلاطون ومن سبقهم، فالمأثور عنهم؛ إما الإقرار بهم, وأن الجن موجودون، وإما ألا يحكى عنهم قولٌ في ذلك، يعني: إما أن يسكت ولا يتكلم، وإذا سئل عن الجن يقول: لا علم لي، وإما أن يثبت وجودهم.

    وقال ابن تيمية في الجزء الرابع صفحة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكرر الكلام نفسه في صفحة أربع وعشرين، في الجزء الرابع والعشرين، صفحة اثنتين وثمانين، تكرار كما قلت من الجانبين, لأنه سئل الشيخ رحمه الله عن قائل يقول: لم يتبين لي حقيقة ماهية الجن، وكنه صفاتهم, وإلا فلا أتبع العلماء في شيء.

    فأجاب: أما كونه لم يتبين له كيفية الجن وماهيتهم, فهذا ليس فيه إلا إخباره بعدم علمه، لم ينكر وجودهم. ويقول: أنا ما تبين لي، إذ وجودهم ثابت بطرق كثيرة غير طرق الكتاب والسنة، فإن من الناس من رآهم، وفيهم من رأى من رآهم، وثبت ذلك عنده بالخبر واليقين.

    ومن الناس من كلمهم وكلموه، ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف فيهم، وهذا يكون للصالحين وغير الصالحين، ولو ذكرت ما جرى لي ولأصحابي معهم لطال الخطاب.

    -يعني: أنا كان لي فصول وفصول ولقاءات مع الجن, لو أردت أن أذكرها لطال الخطاب, وطال الكلام في ذلك- وكذلك ما جرى لغيرنا لكن الاعتماد على الأجوبة العلمية، في ما يختلف الناس في علمه، والناس لا يدركون هذا.

    ويقولون لعله وهم منه, نقول: ما نختلف في علمه يرد إلى الكتاب والسنة وإلى ما أجمع المسلمون عليه, ونقف عند هذا الحد، إلا أن يكون الجواب لمن يصدقه في ما يخبر به.

    إذاً: وجودهم ثابت ليس في الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمة الإسلام فقط، بل وجودهم ثابت أيضاً عن طريق الرؤية, والمشاهدة, وإخبار المخبرين ممن رآهم, واجتمع بهم, وكلمهم, وأمرهم, ونهاهم، وتصرف فيهم, إن أقدره الله على ذلك, والله على كل شيء قدير, سبحانه وتعالى.

    هذا هو الأمر الأول -كما قلت- الذي اتكأ عليه من أنكر وجودهم، قال: كيف هم معنا ولا نراهم، وهم يروننا أيضاً؟! هذا يدل على أنه لا وجود لهم.

    الاحتجاج بمخالفة صفات الجن لأصل خلقتهم

    الأمر الثاني: وهو أبرز في الاستدلال من الأول؛ حيث قالوا: إنهم خلقوا من النار كما تقولون، وإذا كانوا مخلوقين من النار, فهذا ينافي تماثلهم، وما فيهم من صفات اليبوسة, ومن صفات الحركة, وغيرها، فكيف هذا؟! ثم بعد ذلك تقولون خلقوا من نار، وصار لهم إيتاء وتناسلوا، ثم سيئولون إلى النار، وكيف تحرق النار النار؟!

    مما يدل على أنه لا وجود لهم.

    وهذا كلام لا حقيقة له ولا صحة له، وهو تفاهة، وكله من عقل منكوس, وإذا كان أصل الجن من النار، فلا يلزم أن تكون هذه الطبيعة التي خلقوا منها تلازمهم بعد خلقتهم من ذلك الجوهر, فالأصل من النار، ثم كملوا بطبيعة أخرى يعلهما الله ولا نعلمها، فلم يبق العنصر الناري فيهم كما هو الحال فينا، فهل نحن الآن الذين تتكون أبداننا من لحم ودم وعظم وغير ذلك هل هو طين؟ لا.

    ولذلك عندما قال مرة بعض الناس لبعض علماء المسلمين, قال له: خلقوا من نار وتقولون: إن كفروا يعذبون، كيف تحرق النار النار؟

    قال: تريد جواباً؟ قال: نعم، قال: اجلس, واخرج وأحضر لي مدرة كبيرة من طين متجمد، وضربه على رأسه، فشج رأسه وسال الدم، قال: كيف هذا؟ قال: كيف شج الطين الطين، كيف أنت مخلوق من طين، وهذا طين ضربتك به، لم أثر فيك؟ يا عبد الله! أنت أصلك من طين، لا يلزم أن تبقى على ذلك الأصل عندما خلقت منه خلقاً آخر, فتبارك الله أحسن الخالقين.

    وهكذا الجن أصلهم من مارج من نار, لا شك في ذلك، لكن تلك الطبيعة التي كانوا عليها وفيها صارت ماهية أخرى يعلمها الله ولا نعلمها؛ لأنها تدخل ضمن عالم الغيب، وليست تلك الطبيعة النارية فيهم، كما أنه ليس عنصر الطين وجوهره باق فينا بعد أن خلقنا إلى إنسان معلوم.

    فمن أنكر وجودهم قال: لأن هؤلاء إذا كانوا من النار، كيف يكون فيهم صفة اليبوسة, وصفة الرطوبة، وصفة النداوة, وصفة التناسل، ثم سيئولون إلى النار، وهذا كله مناف للوصف الذي تقولونه عنهم، مما يدل على عدم وجودهم, وأن الكلام فيهم وهم لا حقيقة له، وهذا كلام باطل -كما قلت- أشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح في المكان المتقدم، وأشار إلى الجواب الثاني الإمام الشبلي كما تقدم معنا في كتاب آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجآن، في صفحة ثلاث عشرة، وكذلك الإمام السيوطي في لقط المرجان، الذي اختصر به كتابه في أحكام الجآن في صفحة تسع عشرة.

    1.   

    كفر منكر وجود الجن

    وخلاصة الكلام: أن وجودهم ثابت، دل على ذلك القرآن والسنة والإجماع، بل والحس من قبل كثير من الناس؛ أحسوا بهم وشاهدوهم، وكلموهم واتصلوا بهم، ومن أنكرهم فقد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، وأنكر ثابتاً متواتراً، فلا شك في كفره, فانتبه لحكم أئمتنا في من ينكر وجودهم.

    يقول الإمام ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل، في الجزء الخامس، في المكان المشار إليه آنفاً، في صفحة تسعين، أخبرت الرسل الكرام الذين شهد الله بصدقهم على وجود الجن.

    وتقدم معنا كما قرر الإمام ابن حزم ، وكما هو معلوم أن العقل لا يقول: إن وجودهم واجب، ولا إن وجودهم مستحيل، إنما يقول: إن وجودهم ممكن؛ لأن قدرة الله صالحة لأن توجد هؤلاء، وهذا ضمن دائرة قدرة الله، والله على كل شيء قدير.

    فالرسل أخبرت عنهم وعن وجودهم.

    قال: أخبرت الرسل الذين شهد الله بصدقهم على وجود الجن في العالم، فوجب ضرورة العلم بخلقهم. لأنه ممكن ورد به السمع فوجب الإيمان به، فوجب ضرورة العلم بخلقهم ووجودهم.

    وقد جاء النص بذلك، وبأنهم أمة عاقلة مميزة -كما نميز نحن الخير والشر، والنفع والضر متعبدة -أي: تعبدها الله كما تعبدنا-: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56], موعودة, متوعدة, متناسلة.

    قال: وأجمع المسلمون كلهم على ذلك، نعم والنصارى, والمجوس، والصابئون, وأكثر اليهود، حاشا السامرة من اليهود فقط عليهم وعلى كل كافر لعنة الله جل وعلا.

    فمن أنكر الجن - ما زال الكلام لـابن حزم - أو تأول فيهم تأويلاً يخرجهم به -أي: بتأويله- عن هذا الظاهر، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال.

    هذا كله كلام الإمام ابن حزم كما قلت في الفصل في الملل والأهواء والنحل في التعريف بهم ووجودهم، فوجودهم ثابت ضرورةً لا عند العقل، إنما بعد أن أخبر بهم الشرع، فالعقل يجزم ضرورةً بوجودهم بعد أن ورد الخبر الصادق بهم؛ لأن العقل يقول بأن وجودهم ممكن، كما أن عدمهم ممكن.

    وقد أخبرت النصوص القطعية بوجودهم فوجب تصديق ذلك والإيمان بهم، فصار هذا عند العقل من الواجبات، لا من الجائزات، وليس الوجوب من قضية العقل بنفسها إنما من جراء السمع الذي صدق به العقل؛ لأنه -كما قلت- ممكن ورد به السمع فوجب الإيمان به.

    1.   

    ذكر من أنكر وجود الجن من المعاصرين

    إنكار محمود شلتوت وجود الجن ونزول عيسى

    وقبل أن ننتقل إلى المبحث الثاني الذي يتعلق بتكليفيهم وجزائهم, كنت في آخر الموعظة الماضية أشرت إلى أن بعض المعاصرين أنكروا وجود الجن، كـشلتوت الذي كان شيخ الجامع الأزهر فترة، وكذا مفتياً وهكذا صار أيضاً وكيلاً لكلية الشريعة فترة في بلاد مصر، وقد توفي سنة ألف وثلاثمائة وثلاث وثمانين هجرية، صار له ثلاثين سنة من حين وفاته، نسأل الله أن يرحمه, ويرحم أموات المسلمين أجمعين، فقد قيل: إنه رجع عن هذيانه هذا وأوهامه, والعلم عند الله.

    وكان يقول: إنه لا وجود للجن، وأول الآيات التي فيهم تأويلاً بارداً فاسداً، وهذا من بلاياه التي كان يقول بها، كما أنه أنكر نزول عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكما قال: إن المسيح الدجال خرافة ولن يخرج، وغيرها، وهذه منها.

    وكما أصدر فتيا ثانية بحل الربا والمصارف الربوية، بعد أن قرر تحريمه في تفسيره، وهذا حال الناس في هذه الأيام, ونسأل الله حسن الختام، وقد أحضر لي بعض الإخوة كتاباً فيه ما يشير إلى أن الشيخ شلتوت لا يقول بأن الجن لا وجود لهم.

    وأنا إخوتي الكرام! إذا حكيت قولاً عن أحد، لأن أخر من السماء أحب إلي أن أنسب إلى أحد ما لم يقله، وهذا ثابت -كما قلت- في كتب شيخنا، ونقله من عاصره وناقشه في هذه القضية, ورد عليه، كما ألفت في ذلك رسائل متعددة في الرد على إنكاره نزول عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وثبت على رأيه وجادلهم, ورد عليهم في مجلة الرسالة في بلاد مصر في ذاك الوقت.

    وهذا كثير نقوله ويمكن أن يكون قد تراجع بعد أن دخل إلى عملية الجراحة في المستشفى في آخر حياته عن فتواه في حل الربا، وقال: أنا أتوب إلى الله, وأرجع أيضاً عن هذياني فيما يتعلق بأمر عيسى على نبينا وعليه الصلاة السلام، وهذا ما نرجوه له إن شاء الله، ولكل من نطق بكلمة التوحيد أنه يقلع عن ضلاله ويتوب إلى ربه.

    لكن -كما قلت- هذا ثابت، وكتابه الذي في التفسير تصفحت الجزء الأول وما وجدته تعرض لهذه الآية التي ذكر فيها كلامه, وهي في سورة النساء: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:117-118] إلى آخره، تعرض لإنكار الجن عند هذه الآية، وهذه الآية من أولها لآخرها لم أر لها ذكراً في تفسيره، فهل في الفتاوى؟ العلم عند الله الجليل.

    وهل هذا عذر بعد ذلك في الطبعات؟ لكن انتبه إلى ما يقوله الشيخ مصطفى صبري وقد ناظره في ذلك, ويحكي عنه أنه اجتمع به في بيته، وهذا شيخ صدق, وإمام هدى، وتوفي سنة ثلاثة وسبعين وثلاثمائة بعد الألف، يعني قبل شلتوت بعشر سنين كما قلت, وناظره في كثير من الأمور، ورد عليه في تحريفه في موضوع إنكار نزول عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فرد شلتوت في خمس مقالات متتالية على الشيخ مصطفى صبري ، وكما رد على شلتوت الشيخ عبد الله بن محمد الصديق الغماري في كتابين، فرد شلتوت أيضاً عليه, فهو يرد على هذا وذاك؛ لأنه الإمام الأكبر.

    ذكر الشيخ مصطفى صبري في كتابه موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين في الجزء الأول صفحة ستين وثلاثمائة إنكار شلتوت للجن، وكرر هذا الشيخ مصطفى صبري ، وذكره في أماكن كثيرة من كتابه المذكور كصفحة أربع وثلاثين من الجزء الأول، إنكار شلتوت وجود الشيطان، وفي صفحة واحدة وثلاثين وثلاثمائة، ذكر أن محمد عبده يفهم من كلامه أنه ينكر الملائكة، فتبعه شلتوت فأنكر وجود الجن، وصفحة ثلاثمائة وستين، وفي الجزء الرابع في صفحة إحدى عشرة، وصفحة عشرين، وصفحة واحدة وعشرين، أنكر رفع عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ونزوله.

    وفي صفحة تسعين من الجزء الرابع أنكر وجود الشيطان، وهكذا في صفحة مائتين وثمانين ومائة، وسبع وسبعين ومائتين، وثلاث وثمانين وثلاثمائة.

    رد الشيخ مصطفى صبري على تأويل شلتوت للشيطان

    وقال مصطفى صبري في الجزء الأول صفحة ستين وثلاثمائة: حتى إن فضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ، عضو جماعة كبار العلماء، ووكيل كلية الشريعة أنكر وجود الشيطان، وادعى كون المراد من الشيطان الوارد ذكره في القرآن نزعات الشر المنبثة في العالم، فقال في تفسير قوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [النساء:117]، قال: معنى الشيطان: نزعات الشر المنبثة في العالم على مقتضى سنة الله من الابتلاء بعوامل الخير والشر، فهم بذلك يتبعون النار، قوة خفيةً أطلق عليها كلمة الشيطان، دون على عادة العرب المألوفة أنهم كانوا يتصورون قوة الشر شياطين، تتحدث وتناجي وتهم وتدفع إلى ناكريه.

    يعني: القرآن جاء للعرب في أن القوة التي تلين إلى الشر في الإنسان يقال لها: شيطان، هل القرآن جاء للعرب؟ هو الذي جاءنا لتصحيح عقائد العالم، جاء ليتبع تحريف العرب ولا وجود لشيطان، ولا لمخلوق اسمه شيطان، إنما نزعات الشر المنبثة في العالم يسميها العرب, سيقول: فالقرآن جاءهم وبدأ يتحدث عن هذا الشيطان المتوهم؛ لأنه يضل ويدفع إلى الفساد ويوقع الناس في العداوة والبغضاء.

    يقول: ولا زالوا بتأويل هذا الشخص بنزعات الشر لكون العلم الحديث التجريبي لا يؤمن بوجود شيطان، يعني: لو دعا شلتوت وغيره لهذا العلم التجريبي الذي فتن الناس به في ذلك الوقت، وعليه قامت الدعوة الكتابية الإصلاحية التي تسمى لـمحمد عبده وأصلها لـجمال الدين الأفغاني ومن بعده، وأنها لا تؤمن إلا بشيء محسوس لكان الأمر واضحاً في بيان موقفهم.

    يقول مصطفى صبري : لا داعي لهذا التأويل للشيطان بنزعات الشر، وكون العلم الحديث التجريبي لا يؤمن بوجود شيطان غير مشهود.

    يقول: ولا يلتفت إلى ما اعتبر به الشيخ بعد ذلك من أن القرآن ما عرفنا بكيد الشيطان، وكأن القول بوجوده يستلزم العلم بكنهه وهذا لا يلزم، يعني: كون الشيطان موجوداً لا يلزم أننا نخلط ونقول: هو حقيقته، فقد كفانا أن القرآن ذكر عنه أوصافاً وحالات لا تتفق مع تفسيره بما فكر به الشيخ، كقوله: كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي [الكهف:50] . وقوله: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27] ، وقوله: لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:85] . وقوله: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر:34] . وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21] . وقوله: قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الأعراف:13]. وقوله بعد الآية التي فسر فيها الشيخ الشيطان، يعني: فسر الشيخ الشيطان بأنه نزعات الشر، وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [النساء:117] ، لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:118] . ثم وضع نقاط أي أكمل الآيات: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء:119].

    تكملة الآيات حذفها الشيخ مصطفى صبري ليذكر محل الشاهد: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا [النساء:119] ، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء:120].

    فهذه الآيات صريحة في أن الشيطان كائن حي، يتكلم ويرى، ويتكبر ويجادل ويقتل وينكل، وتتخذونه وذريته ويطرد ويرجم ويعذب في جهنم مع الذين أغواهم.

    ورجم الشيطان من مناسك الحج في الإسلام، نرجمه هناك؛ لأنه عندما أفاض خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ليحول بينه وبين ذبح ولده إسماعيل، على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه صار يرجمه خليل الرحمن إبراهيم، ثم إلى يوم القيامة يرجم الشيطان اللعين بالجمرات الثلاث، التي تراء فيها الشيطان لخليل الرحمن إبراهيم، على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    ولوجود هذه التصريحات وأمثالها في القرآن بكثرة، تجعل الشيخ المنكر لوجود الشيطان مضطراً إلى الاعتراف بأن بيانات القرآن لا تتحمل ذلك التفسير المبتدع.

    نرى الشيخ يقول ناقضاً لادعائه بأن القرآن ما عرفنا بكنه الشيطان: إن القرآن دارى اعتقاد العرب في تكوينهم كشخص يتحدث ويناجي إلى ما يريد، وهذه جرأة شنيعة على القرآن الذي جاء للقضاء على عقائد العرب الباطلة، جرأة تقلبه فتجعله نافياً لعقائده مؤيداً لعادات العرب الباطلة.

    لم كل هذه التخبطات التي لا يقوم صاحبها منها إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس؟ لم هذا التخبط في تفسير كلام الله؟

    أليس دافع الشيخ الأزهري إليها كونه اتخذ العلم الطبيعي الحديث الذي لا يعترف بوجود ما لم يثبت وجوده بالتجربة الحسية أساساً، وجعل كل شيء حتى كتاب الله تابعاً له؟!

    ثم قال الشيخ ضمن متابعة البحث: والعلم ما يبدي شيئاً بدون العقل السليم، فهل العلم المذكور اطلع بتجاربه على كل موجود، حتى يكون ما لم يطلع على وجوده كالشيطان غير موجود.

    فإذاً: يلزم ألا يصح للعالم اكتشافات جديدة، عن وجود أشياء لم تكن معلومة له من قبل، يعني: إذا كان عقلك يثبته؛ لأن حسك وقف عليه، وما لا تحس به فعقلك لا يصدق به، إذاً: إذا اكتشفت أشياء تقرأ في المستقبل ينبغي ألا تصدق بها؛ لأنها ما كانت محسوسة لك قبل ذلك، فيقف العلم في الحد الذي وصل إليه ويمتد على وزن أبواب الرقي والاتساع الجديدين.

    وآخر ما أقوله هنا: إذا بني أمر الإنكار والإقرار على شهادة التجربة الحسية كما هو شرط العلم الحديث في بعض الغافلين عن حدوده، فلا مانع من أن يكون منكر الشيطان ومؤوله بنزعات الشر -انتبه- منكراً للرحمن أيضاً ومؤوله بنزعات الخير، لأن الحس لا يحس بالله جل وعلا، فحياتك لا تدركه.

    وعليه: إذا قلت: إن الشيطان نوازع الشر في الإنسان فيمكن أن توسع دائرة التأويل، فيأتي الزنادقة ويقولون: والله هو نوازع الخير في الإنسان، وانتهى الأمر.

    فإذاً: لا إله ولا شيطان، نعوذ بالله من هذا، هذه هي مصيبة التأويل الذي لا يقوم على دليل.

    وانتبه لكلام الشيخ مصطفى صبري حيث يقول: إن فضيلة الشيخ شلتوت قال لي عند اجتماع لجنة النهوض بالمكاتب، في بيته بمصر الجديدة، وكنا عضوين في تلك اللجنة، قال لي: أنا لا أنكر وجود الشيطان, وكيف أنكر وجود إبليس؟

    وكأنه يقول: إن الشيطان الذي أنكره غير الشيطان المعروف المكنى بإبليس,كأنه يقول: هناك يقولون: نزعات الشر: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [النساء:117] هو نزعات الشر، ثم هو يقول له: أنا لا أنكر وجود إبليس.

    وهو يريد بهذا القول الخطير تهيئة خط الرجعة لإنكاره، لتأويل قوله الأول بصدد الإنكار, وكأن لفظ الشيطان في الحقيقة صالح لأن يكون له معنى مجازي غير معناه المعروف كما في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:112].

    لكن أقوال الشيخ التي تقولها من قبل تأييداً لقوله المنكر، كادعاء أن القرآن لم يعن كنه الشيطان، وإنه دارى عقائد العرب، ينافي قوله الأخير الشفهي في تأويل الشيطان الذي أنكره أولاً، وقد صدر هذا الإنكار منه عند تفسير قوله تعالى: إنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [النساء:117]. مع أن تمام هذه الآية نفسها وهو: لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:118], يتعين في إبليس، ويأبى تراجع الشيخ تحت كتاب التأويل.

    نعم هو يطلق تلك البلايا والرزايا، أما عندما تتابع الردود فإنه يقول: أنا لا أقصد إنكار إبليس.

    فماذا قصدت إذاً عندما قلت: إن الشيطان هو نزعات الشر للإنسان؟ وماذا وراء ذلك التأويل؟ هل هو حب المخالفة؟ فالأمر يسير, أو خطأ كان من التعثر؟ أيضاً الأمر يسير, أو وراءه عمالة؟ العلم عند الله.

    حقيقة: نحن لا نتهم ولا نحكم, لكن لا يعلم إلا الذي يعلم السر وأخفى، هل هذا مقصوده أنه يخالف الأمة، أو أنه الآن إمام أكبر فلازم أن يأتي بآراء شاذة تحت ستار الإصلاح، فيمكن وهو إمام أكبر، إذا أتى بشيء وقد قاله المتقدمون فليس بأكبر! بل هو مقلد، هم صباح مساء ينعون على التقليد ويلومون المقلدين.

    إذاً: لا بد من أن يجتهد وأن يصلح ويخالف النصوص, أو أنها جنة عقل بشري كل هذا ممكن، وعسى الله أن يتوب علينا وعليه، أو عمالة لماسونية أو غيرها, هذا لا يعلمه إلا الله، ونسأل الله لنا وله وللمسلمين أجمعين حسن الخاتمة.

    لكن وضعه -كما قلت- ينكر ثم بعد ذلك يتراجع، كما هو الحال تماماً في قصة عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، أنكر رفعه للسماء، وأنكر بعد ذلك نزوله إلى الأرض، وقال: أحاديث الدجال كلها خرافة، ولا يمكن أن يثبت شيء منها.

    رد الشيخ عبد الله العماري على شلتوت في إنكاره نزول عيسى

    وقد ألف الشيخ عبد الله الصديق الغماري رسالة سماها: إقامة البرهان على نزول عيسى في آخر الزمان، رد بها على شلتوت فاشتاط غضباً ورد عليه في مقالات متتالية، فأتبع الشيخ عبد الله الصديق الغماري كتابه بكتاب آخر، سماه: عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى عليه السلام، وإرغام المبتدع الجهول باتباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    وهكذا الشيخ الإمام مصطفى صبري عليه رحمة الله رد على الشيخ شلتوت ، فرد شلتوت على الشيخ مصطفى صبري في خمس مقالات، وقال فيها: إنه لا صحة لرفع نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى السماء, ولا لنزوله إلى الدنيا، ولم يخرج الدجال ، والأحاديث في ذلك أحادية, ولا يأخذ بها في الاعتقاد.

    فهذا رده في مقال، لكن تابع الرد أيضاً لخمس مقالات، وهذا يرد عليه في كتاب فيرد عليه بذات المقالات.

    فإذاً -كما قلت- ينبري لهذا وذاك وهو على باطل، وعندنا سبعون حديثاً في نزول عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وإذا لم تكن هذه متواترة فليس بشيء من الدين متواتراً، سبعون حديثاً ينكرها, ويقول: حدث تلاعب في تأويلها.

    ثم يقال: رجع. وحقيقة: هذا ما نرجوه له ولكل من نطق بالشهادتين، لكن يبقى هو وغيره ممن ينبغي أن يوضع عليهم علامة استفهام، وأن تنحى أقوالهم, وأن الإنسان لا يقتدي بهؤلاء الذين عرفوا بهذه اللوثة في هذه الأمة، لا بد من هذا.

    1.   

    اختلال الموازين عند المعاصرين في تحديدهم لأهل الإصلاح والتنوير

    وأنا أعجب غاية العجب في هذا الوقت ممن يدعون اتباع الأثر، وينسبون أنفسهم إليه، ثم يشيدون بالشاذين، ويتعقبون المهتدين.

    هذا ملخص لبعض مقالات محمود شلتوت، ومعلق عليها يدعي أنه أثري، سمى عمله: الفتاوى المهمات في العقائد والغيبيات والبدع والمنكرات، ثم يقول بعد ذلك في ترجمة شيخه: مصري تخرج من الأزهر كان داعية إصلاح، نير الفكرة قائلاً بفتح باب الاجتهاد، ساعياً إلى إصلاح الأزهر، أداه إصلاحه إلى قيام بعض كبار الشيوخ -علامة استفهام- عليه فعارضوه وطاردوه هو ومناصريه، ثم أعيد بعدها إلى الأزهر, فعين وكيلاً لكلية الشريعة، ثم كان من أعضاء هيئة كبار العلماء، ومن ثم عين عضواً في مجمع اللغة العربية، ثم صار شيخاً للأزهر, وبقي شيخاً للأزهر والإمام الأكبر حتى وفاته.

    أنا أقول: ما سمع هذا إلا السذج داعية إصلاح نير الفكرة، ما هو الإصلاح؟!

    أنه لا يريد أن يتقيد بقول إمام من المتقدمين أبداً! انظر ماذا يقول هنا؟ يتكلم في المقدمة عن الكتاب ومن اختار هذا الكتاب، تكلم عن تاريخ الجامع الأزهر، يعد في القاهرة المصرية من أكبر المواقع العلمية في عالمنا الإسلامي منذ مئات السنين.

    ثم قال: ليس يخفى على أحدٍ من فهماء الناس أنه قد تولى مشيخة هذا المعهد العلمي الكبير عدد لا بأس به من أكابر علماء مختلفي الأفكار والمناهج، متعدد الآراء والمذاهب.

    فمنهم من كان راسخاً في آصار التقليد، يعني: شافعياً, أو حنفياً, أو مالكياً, أو حنبلياً، هذا لا عقل له ولا دين، راسخاً في آصار التقليد, غارقاً في بحار التبعية للآباء والأجداد، أعوذ بالله من هذه السفاهة وهذا السقط.

    ومنهم من رفض التبعية والتقليد وانساق وراء الدليل والبرهان؛ لينير الألباب, ويفتح العقول والقلوب والأذهان، أقول: منكر نزول عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ومنكر خروج الدجال ، ومن يقول: إن الشيطان نزعات الشر، ويقول: الشيطان لا يدخل في بدن الإنسي على القول بوجوده بعد ذلك، ويقول بأن الربا حلال، ثم هو إمام للأذهان, كما يقول: إياك أن تتبع أبا حنيفة أو الشافعي ، فماذا تتبع؟ تتبع عقلك والكتاب والسنة.

    والله لن تتبع إلا الشيطان، ثم يقول: ومن أظهر أمثلة النوع الأول للتقليد والتبعية فلان وفلان, أما النوع الثاني نير الفكر، عميق النظر قدير التوجيه -يقول-: فيهم -ولله الحمد- من بهي صور النوع الثاني الشيخ عبد المجيد سليم .

    عبد المجيد سليم الذي كان شيخ الجامع الأزهر، وكما يقال: المشرف على لجنة الفضوليين، كما يسميه الشيخ مصطفى صبري عليه رحمة الله في التقريب بين أهل السنة المهتدين والشيعة الضالين، هذا عبد المجيد سليم يقول: إن فقه المذاهب الأربعة مبني على السياسة.

    ومن أجل هذا يورده هذا الإنسان الأثري على أنه من دعاة الإصلاح، والشيخ مصطفى صبري في ذاك الوقت يرد عليه، انظر في كتاب موقف العقل والعلم والعالم، في الجزء الأول صفحة اثنتين وثلاثين.

    تنقل الأهرام عن الأستاذ الكبير عبد المجيد سليم ، مفتي الديار المصرية سابقاً، ووكيل لجنة الفضوليين: المسمون أنفسهم بلجنة التقريب بين المذاهب الإسلامية، أنه قال تصديقاً لقول رئيس اللجنة علي علوبة باشا وزير المعارف السابق الذي اخترع في زمانه أن تكون شعارات كل كلية شعارات آلهة الفراعنة السابقين، فكلية الطب يوضع لها إله الطب عند الفراعنة، وكلية كذا كذا.

    فلذلك يقول هنا: قررت الجامعة في عهد وزارة علي علوبة باشا أن تكون شارات من صور آلهة المصريين القدماء، فتكون شارة كلية الزراعة إله الزراعة، وشارة كلية الطب صورة إله الحكمة، وهلم جراً.

    فكتب صديقي الشيخ المغفور له عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين مقالة في الجرائد يستنكر هذا القرار: ونلفت نظر الجامعة والوزارة إلى واجبهما نحو دين الدولة الذي هو الإسلام، البعيد كل البعد عن الوطنية ورموزها، فلم تسمعا له.

    وسكتت مشيخة الأزهر هيبة من الشيخ عبد المجيد سليم عن تأييد شيخ الكلية، فاستقرت شارات الآلهة، ووضعت وصار من ينتمي لتلك الكليات يضعها في قبره.

    وشكر الله سعي الشيخ اللبان حيث يقول: فلعل الباشا الذي هو علي علوبة وزير المعارف رئيس لجنة التقريب بين المذاهب، مستعد لتوسيع هذا التقريب إلى ما بين مصر الإسلامية والفرعونية.

    يقول: لعله عنده سعة صدر تحت ستار الإصلاح والاجتهاد، وإياك أن تقول أبو حنيفة أو الشافعي أو مالك أو أحمد بن حنبل فأنت ضال مضل مقلد جاهلي تسير وراء الآباء والأجداد.

    إذا لم نسر وراء أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد فلا خير فينا، أي آباء وأجداد نسير ورآهم يا من لا تخاف ربك. أعوذ بالله من هذا الضلال.

    استمعه يقول وراءهم: قال هذا في عهد وزير المعارف علي علوبة باشا هذا الذي يعد مفتي الديار المصرية الذي هو أول مثال, يقول: ومن بهي صور هذا النوع الثاني للإصلاح والدعوة من مشايخ الأزهر هذا.

    يقول: إن مذهب الأئمة المجتهدين مبنية في الواقع على السياسة، تبعت أهواء الحكام في عصور متقدمة.

    توفي هذا العبد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة بعد الألف، يعني: بعد الشيخ مصطفى صبري بسنة واحدة, أخذ عن محمد عبده ، وهو من تلاميذه الخواص, وولي مشيخة الأزهر مرتين, والإفتاء نحو عشرين عاماً، عبد المجيد سليم هذا من الصور المشرقة.

    أنا أعجب لهذا المسكين؟ هلا عددت محمد عبده الذي هو في الأصل زميل الإصلاح؟ وقبله لو أنصف الشيعي جمال الدين الأفغاني؛ لأن هؤلاء كلهم كانوا يستقون من ضرعه، لم تأتي الآن لـعبد المجيد سليم الذي هو تلميذ وكاتب الشيخ، وتعده من الكبار وتترك مشايخه؟ قل من صور المصلحين المشرقة جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده وانتهى الكلام.

    فهو يوافق في الخروج على المذاهب الأربعة، فكل سوءة من شلتوت وعبد المجيد سليم مغفورة؛ لأنهم خرجوا عن المذاهب الأربعة، وكل فضيلة لإمام من أئمة الهدى مغمورة؛ لأنه متمذهب.

    نحن في هذا العصر كما يقال: كثير ما يدعي الأثرية.

    ألف بعضهم كتاباً في تعقبات الإمام النووي ، وهذا يؤلف كتاباً في الثناء على شلتوت .

    أسألكم بالله: أي الرجلين أحق بالثناء؟ هذا داعية إصلاح، وأنه نير الفكر هل بعد هذا التخبط والتضليل لمخالفة عقائد المسلمين المجمع عليها، نقول: ونرجو له التوبة, وأنه تاب كما نقل عنه، ورجع عنه وهي نعمة, هل هذا نقل عن الإمام النووي؟

    أعوذ بالله من سخط الله، ذاك تعقبه أنه خرف في توحيد العبادة, ويحرف الذي لا يفهم كلامه، وهذا على أنه من المصلحين -وكما قلت- اشتركوا في قاسم بينهما وهو الخروج على المذاهب الأربعة.

    والآن إذا خرجت عن المذاهب الأربعة فأنت مصلح مجدد، ولو قلت: إنه ممكن أن يأتي رسول بعد نبينا عليه الصلاة والسلام، فيمكن أن تكون مصلحاً، وإذا قلت: أنا أتبع ما قرره أئمتنا، ولا نخرج عن مذهب الشافعي ، فأنت تسير على إصر وبلاء الآباء والأجداد، نعوذ بالله من هذا الضلال التي تعيشه هذه الأمة في هذه الأيام.

    ولا تتعجب أخي من شناعة هذا القول، فالمصلحون في هذا الحين في نظر الشاذين هم الخارجون عن العتيق القديم المقرر عند علمائنا المهتدين.

    هذا شيخ الإسلام الشيخ مصطفى صبري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يذكر في كتابه موقف العلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، يذكر في المجلد الأول صفحة سبع وخمسين وأربعمائة، وفي المجلد الرابع صفحة خمسٍ وسبعين ومائة يذكر أنه تردد بعض هيئة كبار العلماء في الإفتاء بكفر من أجاز بعثة نبي بعد رسولنا خاتم الأنبياء، على نبينا صلوات الله وسلامه.

    وسبب قوله هذا أنه عرض على هيئة كبار العلماء أو على اللجنة المنتخبة منها إبداء رأيها في الغلام أحمد القادياني الهندي فحدث خلاف بين أعضائها، أو على الأقل شك يخالج بعضهم، في خروج من لم يعترف بكون نبينا محمد عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء، فحصل عندهم شك في خروج من لم يعترف بذلك عن الإسلام، والذين اقتنعوا به من الأعضاء لم يجدوا نصاً قاطعاً بهذا الصدد، يكفي في إفحام من شك من زملائهم.

    وتمسك -أي: هذا الشاك- بوجود احتمال في قول الله: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40], وهذا الاحتمال يفتح الطريق إلى الشك، ويمنع الحكم بكفر صحابه مهما كان احتمالاً ضعيفا، وهو احتمال أن يكون المراد من الخاتم الزينة لا الخاتمة، يعني: أن كلمة (وخاتم النبيين) تحتمل أمرين: تحتمل أنه آخر النبيين، فهو خاتمهم وآخرهم.

    وتحتمل: أنه زينة النبيين، وبما أن الآية ليست قطعية الدلالة في أن رسولنا هو آخر الأنبياء عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فلا يكفر هؤلاء.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.