إسلام ويب

شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين[11]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ورد في فضل عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله من وزرائه ونجبائه؛ لما فيه من صدق وصلاح، وقد آخى النبي بينه وبين الزبير بن العوام، وهو إخاء مهاجري مع مهاجري، وذهب ابن تيمية إلى عدم إمكان مؤاخاة مهاجري مع مهاجري، أو أنصاري مع أنصاري، لكن يرد عليه بما ثبت من إخاء النبي لعلي، وإخاء زيد لحمزة، وإخاء سلمان لأبي الدرداء.

    1.   

    ذكر الأثر الوارد في فضل ابن مسعود رضي الله عنه بكونه من وزراء النبي صلى الله عليه وسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا بما ينفعنا، وزدنا علماً، وبعد:

    فكنا قد ذكرنا فضائل لعبد الله بن مسعود أثني عليه فيها، ووقفنا عند حديث روي عن علي رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن من طريق الحارث الأعور ، وهو ضعيف كما قال الحافظ في التقريب، وقد أخرج حديثه أهل السنن الأربع. وهو من تلاميذ علي رضي الله عنه, فنقم عليه تشيعه، كما أنه ضعيف في الرواية، توفي سنة 65هـ.

    وروي أيضاً من طريق عاصم بن ضمرة عن علي أيضاً، وقد حكم الحافظ في التقريب على عاصم بأنه صدوق, توفي سنة 74 للهجرة وحديثه في السنن الأربع.

    و عاصم بن ضمرة صحح حديثه الحاكم في المستدرك بعد أن رواه, فتعقبه الذهبي في التلخيص, فقال: قلت: عاصم ضعيف، وقال في الكاشف - أي: الذهبي - في ترجمة عاصم بن ضمرة : وثقه ابن المديني , وقال النسائي : ليس به بأس، وقال ابن عدي بتليينه، ثم حكم الإمام الذهبي عليه حكماً معتدلاً فقال: وهو وسط, مع أنه جزم بأنه ضعيف في تلخيصه للمستدرك، والحافظ كما قلت قال: إنه صدوق.

    على كل حال: الطريقان يتقوى بعضهما ببعض، فالحديث إن شاء الله في درجة القبول والحسن بعون الله عز وجل.

    ولفظ الحديث عن علي رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لو كنت مستخلفاً أحداً من غير مشورة - من غير أن أشاور- لاستخلفت عليهم ابن أم عبد ).

    وهذا الاستخلاف لا يراد منه: الاستخلاف بعد موته عليه الصلاة والسلام ليكون خليفة على الأمة، إنما يراد: الاستخلاف في أمر من الأمور؛ إما في قيادة جيش، أو في ولاية يرسل إليها عبد الله بن مسعود ، كما أرسل -مثلاً- علياً إلى اليمن، ففي أمر معين.

    ونبينا عليه الصلاة والسلام كان يستشير الصحابة الكرام فيمن يرسله، يقول: ( لو كنت مستخلفاً أحداً )، أي: على جيش أو على سرية أو على ولاية ( من غير مشورة لاستخلفت عليهم ابن أم عبد )؛ لما فيه من صلاح وصدق وطهارة، وليس حوله ريبة فهو كفؤ في كل شيء يقوم به رضي الله عنه وأرضاه، لكن لا بد من أن أستشير، فلا يراد منه الإمامة الكبرى العظمى، أي: الخليفة بعد موته عليه صلواته الله وسلامه، كما قد يفهم بعض الناس من ظاهر الحديث، فانتبه!

    وختام الآثار في فضل هذا الصحابي رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام الأبرار ما روي أنه من النجباء الذين هم رفقاء ووزراء لخاتم الأنبياء, على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    والحديث رواه الإمام الترمذي في السنن، والحاكم في المستدرك، والطبراني في المعجم الكبير، وأبو نعيم في الحلية, وقد حسنه الترمذي , فقال: هذا حديث حسن غريب، ثم قال: روي هذا الحديث عن علي موقوفاً أيضاً، وإذا ثبت أنه موقوف فله حكم الرفع قطعاً وجزماً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام؛ فمثله لا يقال من قِبل الرأي كما سيأتينا.

    وفي الرواية المرفوعة: كثير بن النواء ، وهو كثير بن إسماعيل , أو كثير بن نافع , وقد حكم عليه الحافظ في التقريب بأنه ضعيف، وهو من رجال الترمذي , ومع ذلك حسن الترمذي حديثه, فقال: هذا حديث حسن غريب، لعله والعلم عند الله حسنه إما أنه يرى حسن حال كثير ، أو لوجود الشاهد له من أثر علي الموقوف، فالعلم عند الله جل وعلا.

    ولفظ الحديث عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن كل نبي أُعطي سبعة نجباء رفقاء -أو قال: نقباء- )، أي: له سبعة من خواص أصحابه من النجباء يرافقونه، وهم له وزراء, يساعدونه في أموره, ويستعين بهم على تبليغ الدعوة, وتدبير أمر الرعية، ( وإني قط أعطيت أربعة عشر ), يعني: ضعف ما أعطى الله للأنبياء، أولئك كل واحد معه سبعة, وأنا أعطاني ربي أربعة عشر, منهم عبد الله بن مسعود ، ( قلنا: من هم يا رسول الله )؟! عليه الصلاة والسلام.

    وفي الرواية الموقوفة قيل لـعلي : من هم؟ فعدهم علي ، وكما قلت: ولا يدرك هذا من قِبل الرأي.

    فقال علي في الرواية الموقوفة: أنا. وهنا في الرواية المرفوعة: (من هم؟ قال: أنا وابناي وجعفر وحمزة وأبو بكر وعمر ). رضي الله عنهم أجمعين. هؤلاء سبعة.

    والسبعة الثانية: (بلال وعمار وسلمان وعبد الله بن مسعود وأبو ذر والمقداد ومصعب بن عمير ). وفي رواية: حذيفة بدل مصعب بن عمير .

    الحديث -كما قلت- مروي مرفوعاً عن نبينا عليه الصلاة والسلام في الكتب المتقدمة، وقد حسنه الترمذي ، وقال الترمذي : وروي هذا الحديث عن علياً موقوفاً كما قلت، وفي إسناده كثير بن إسماعيل بن نافع النواء , وهو ضعيف, ومع ذلك حسّن الإمام الترمذي حديثه.

    يعني: لما يظهر لي والعلم عند ربي بالنسبة لهؤلاء الأربعة عشر لا شك في كفاءتهم لذلك، لكن عثمان لم يذكر معهم، وليس معنى عدم ذكره أنهم أفضل منه، نعم هذه خصوصية لهم، والخصوصية لا تقتضي الأفضلية، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم رفقاؤه ووزراؤه, وهم نجباء، ثم منَّ الله عليه بزيادة على هذا العدد, منهم عثمان وغيره. ومنهم ثلاثة من الأربعة الراشدين: علي وأبو بكر وعمر . وهؤلاء ينبغي أن يقدَّموا ومعهم عثمان على من ذكر في هذا الحديث. لكن عدم ذكر عثمان لا يعني -كما قلت- وجود تأخر فيه، فله فضائل ثابتة كثيرة منفصلة رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    توقير الصحابة لعبد الله بن مسعود

    بسبب تلك المنزلة لـعبد الله بن مسعود كان الصحابة الكرام يوقرونه، ويغضبون ويثأرون لمن ينال منه، واستمع لهذه القصة الطريفة في ترجمته وهي في سير أعلام النبلاء، وذكرها الحافظ ابن حجر في الإصابة، الجزء الثاني صفحة 370، وذكر أنه رواها الإمام البغوي عن أبي وائل -وهو من تلاميذ عبد الله بن مسعود - قال: رأى عبد الله بن مسعود رجلاً قد أسبل ثيابه، يعني: أرخى الإزار؛ فما لبس لباس السنة إلى منتصف الساق، أو أنه ارتكب المحظور: وهو أن الثوب نزل إلى الكعبين، فيحتمل هذا وهذا.

    فقال هذا الرجل المنصوح لـعبد الله: وأنت ارفع إزارك، فأنت مسبل أيضاً.

    فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن بساقي حموشة. وتقدم معنا أنهما ساقان دقيقتان فيهما حموشة -نحاف دقيقة جداً، فإذا رؤيت ضحك عليه- قال: إن في ساقي حموشة، وإني أصلي للناس إماماً, يعني: ما أريد أن أظهر أمامهم بمظهر لا ترتاح قلوبهم, فإن ساقي نحيف رفيع ضعيف. وكما تقدم معنا قلت: إذا مر والصحابة جلوس بعضهم يكاد أن يزيد عليه في الطول، فإذا كان ساقه مكشوفاً - يعني- في هذه الحالة يظهر كأنه ولد ابن خمس سنين، ثم هو إمام المسلمين يتقدم ويصلي في المحراب, فيطيل ثوبه.

    وكما قلت: إما أنه أسبل وزاد عن الكعبين، أو زاد عن منتصف الساق, يعني: بمعنى مده إلى الكعبين, ولم يصل إلى تحت الكعبين.

    وهو صحابي بإمكانه أن ينصح غيره في أمر السنة، وليس فعله حراماً، يقول: يا عبد الله! أنت تفعل الإباحة، لكن الأكمل أن ترفع إزارك، وما أظن أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جر إزاره بحيث ينزل عن الكعبين، فإما ذاك جره بحيث نزل عن الكعبين وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه جر بحيث وصل إلى الكعبين، أو أن ذاك جر وما وصل إلى ما نزل عن الكعبين, وصل إليهما, فأمره باتباع السنة, فكأنه -الرجل- قال: اتبع السنة أنت، كيف تأمرنا وأنت تجر إزارك؟ فقال ابن مسعود له: أنا لي عذر، أنا أصلي بالناس إماماً، وفي ساقي حموشة، والناس قد يستنكرون هذا, ولا يرتاحون لرؤيتي، فأنا أطيل الثوب. وهذا يحصل -كما قلت- إذا كان الثوب إلى الكعبين، فلا داعي أن ينزل على الأرض.

    وهذه القصة لما بلغت عمر بن الخطاب رضي الله عنه استدعى المعترض, وقال: أترد على عبد الله بن مسعود ؟ وعلاه بالدرة, وبدأ يضربه.

    عبد الله بن مسعود ترد عليه؟ ما عندك أدب؟ يعني: هو فعل هذا لحكمة شرعية واعتبار شرعي، ثم وجهه إلى الأمر الثاني.

    وبعض الأفعال قد يفعلها الكبار أحياناً، لحكمة ولعبرة ولسبب ولاعتبار، فأنت اترك له اعتباره, ثم التزم بما أمرت به، فقد يكون فيها له توجيه معين، وله اعتبار معين, ولا يعني أنه لو فعله لا يضره، وأنت فلتقف عند حدك.

    وكان علماؤنا يقولون: غذاء الكبار سم الصغار، قد ترى عالماً أو شيخاً فاضلاً جليلاً يترخص في بعض الأمور، مما لا يكون حراماً، لكن هو عنده ثبات وعنده يقين وعنده بصيرة، يراقب نفسه، فإذا ترخص لا تتكلم، وأنت لو ترخصت فيها لضعت وغرقت، فأولى بك أن تقف عند حدك, كأنك في البحر، يأتي السابح الماهر يذهب في لججه، في هذه الحال أنت لا تأتي تترخص تقول: أنا أذهب فإنك تغرق، وهنا كذلك.

    كما قلت: بعض الأمور مما هو من المباح قد يترخص العالم فيها لاعتبار معين، فأنت لا داعي لأن تعترض عليه، بل قف عند حدك, والتزم بالمطلوب منك، ثم اتركه بعد ذلك، وهذا يقع في أمور كثيرة, سواء فيما يتعلق بالطعام أو اللباس ونحوه، فعالم -مثلاً- كالإمام مالك اعترض عليه فأجاب بقول الله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]؟ لأنه قيل له: أنت أمام في المدينة، ومع ذلك أجمل الملابس تلبسها وأطيب الأطعمة تأكلها وأنت إمام أهل المدينة؟ فقال: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]؟ فإذا كان هذا الإمام يلبس هذه الثياب بهذه النية الحسنة فله أجر عند الله.

    نعم يبقى في حق الغالب أن يلبس الوسط، لا يلبس النفيس ولا الخسيس، وإذا لبس النفيس يدعوه هذا للشهرة والخيلاء, ولبس الخفيف يؤدي به للامتهان، فإذا جاء الإمام بعد ذلك ولبس هذا النفيس فهو أدرى بحاله، تقول: هذا فلان يلبس نحن إذاً نترخص. لا يا عبد الله! قد يكون في ذلك تلفك.

    وهنا ابن مسعود مد إزاره إلى كعبيه، وستر ساقيه وفيهما حموشة، وقال لك: ارفع إزارك والتزم بالسنة، فأنت ارفع إزارك، ولا تقل لم تأمر الناس وأنت لا تمتثل؟

    حقيقة: كما قلت هذا خطأ، وعندما اعترضت بين لك الحكمة، ولذلك لما علم عمر قال: أنت تعترض على عبد الله بن مسعود وترد عليه قوله؟ فعلاه بالدرة وضربه, ولا بد أن تلزم الأدب مع الرجال الكبار.

    1.   

    ذكر وفاة ابن مسعود رضي الله عنه ووصيته

    بقي مما يتعلق بترجمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه وصيته ووفاته رحمة الله ورضوانه عليه.

    توفي هذا العبد الصالح الطيب المبارك سنة 32هـ, ودفن في البقيع في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه في عهد خلافة عثمان رضي الله عنه.

    قول ابن مسعود لعثمان في مرض وفاته

    وقد دخل عثمان عليه يزوره في مرض موته، فاستمع لهذه الأسئلة من الخليفة الراشد, والأجوبة عليها من هذا الصحابي المبارك.

    قال عثمان : أبا عبد الرحمن ! ماذا تشتكي؟ ماذا فيك من علة ومرض وسقم؟ ماذا تشتكي؟ ما الذي يؤلمك؟

    قال: ذنوبي.

    قال: ما تشتهي؟

    قال: رحمة ربي، فالإنسان الذي عنده ذنوب يطلب رحمة الله ومغفرته.

    قال: ألا نحضر لك الطبيب؟

    قال: الطبيب أمرضني.

    قال: ألا نأمر لك بعطاء؟

    فقال عبد الله بن مسعود : لا حاجة فيه.

    أشتكي ذنوبي، وأشتهي رحمة ربي، وقد أمرضني الذي يحيي ويميت سبحانه وتعالى، وهو الذي يمرض ويشفي، وبعد ذلك لا حاجة لي في عطائك ودريهماتك، لا حاجة لي فيها.

    جعل عبد الله بن مسعود وصيته إلى الزبير وولده عبد الله

    أوصى ابن مسعود بوصية عهد فيها إلى الزبير وولده عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين.

    ووصيته كما في طبقات ابن سعد الجزء الثالث صفحة 159، وفي المستدرك عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: هذا ما أوصى به عبد الله بن مسعود إن حدث به حدث في مرضه: أن مرجع وصيته إلى الزبير بن العوام وعبد الله بن الزبير وهما في حل وبل.

    أما الحل: فهو من الحلال وضده الحرام، وأما البل: فهو الشيء المباح, وقيل: البل هو الذي فيه اتساع، فكأنه يقول: يتصرفان تصرفاً مطلقاً فيما يريانه مصلحة لذريتي من بعدي.

    يقول: وهما في حل وبل فيما وليا من ذلك وقضيا، لا حرج عليهما في شيء منه.

    إنه لا تزوج امرأة من بناتي - من بنات عبد الله بن مسعود - إلا بعلمهما، ولا يحجر ذلك عن امرأته.

    يعني: هذا العلم وهذه الوصية لهذين الصحابيين الزبير وعبد الله لا تكون سبباً أن يحجر على زوجة عبد الله بن مسعود الرأي في تزويج بناتها.

    يقول: وإذا أدى فلان -من عبيده وأرقائه- خمسمائة فهو حر.

    وإنما أوصى عبد الله بن مسعود إلى الزبير بن العوام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بينهما، وعليه عبد الله بن الزبير أيضاً ولد أخيه، فإذا كان الزبير حياً يباشر, وإذا مات تنتقل إلى ولد أخيه.

    ومؤاخاتهما الحقيقة عجيبة غريبة؛ لأنه إخاء بين مهاجري ومهاجري، وقد آخى النبي عليه الصلاة والسلام بينهما في حادثة الهجرة، والحديث بذلك ثابت صحيح, رواه ابن سعد في الطبقات، والحاكم في المستدرك في الجزء الثالث صفحة 314 وصححه، وأقره عليه الذهبي ، ورواه الطبراني في معجمه الأوسط والكبير بسند رجاله ثقات كما في مجمع الزوائد في الجزء الثاني صفحة 171 عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين الزبير بن العوام وبين عبد الله بن مسعود ) رضي الله عنهم أجمعين.

    والأثر ذكره الذهبي في السير في الجزء الأول صفحة 467، لكنه نسب إلى سنن أبي داود , ولا وجود له في الكتب الستة فاعلم، فالله عليم بالوهم الذي حصل بسبب ذلك، نعم كما قلت: هو في طبقات ابن سعد والمستدرك ومعجم الطبراني الأوسط والكبير، ولذلك أورده الهيثمي في المجمع, وقال: رجاله ثقات.

    ثم عَلّق الذهبي على هذا في السير كما قلت صفحة 467 فقال: قلت: أكثر من آخى النبي عليه الصلاة والسلام بينهم مهاجري وأنصاري, يعني: أكثر الإخاء حصل بين المهاجرين والأنصار.

    1.   

    رأي ابن تيمية في المؤاخاة بين الصحابة والرد عليه

    وإنما ختمت ترجمة عبد الله بن مسعود بهذا؛ لأنه يوجد رأي للإمام ابن تيمية أريد أن أنبه عليه لتكون على علم به، فهو يرى هذا في عدد من كتبه أنه ما حصلت مؤاخاة بين المهاجرين بعضهم بعضاً، ولا بين الأنصار بعضهم بعضاً، وأن كل ما نُقل في ذلك لا يصح، وحتماً هذا لا يصح, والإمام ابن تيمية معذورٌ فيه, ولعله ما بلغه ذلك، أو بلغه ونسيه, والعلم عند الله.

    قال بهذا في منهاج السنة النبوية في الجزء الرابع صفحة 32، وهو في مجموع الفتاوى في الجزء الحادي عشر صفحة 100، وفي الجزء الخامس والثلاثين صفحة 93.

    ففي منهاج السنة النبوية يقول: حديث المؤاخاة - أي: بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين علي - باطل، لم يؤاخ النبي عليه الصلاة والسلام أحداً - انتبه للشق الثاني من كلامه!- ولا آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض، ولا بين الأنصار بعضهم مع بعض، ولكن آخى بين المهاجرين والأنصار.

    وكلام الإمام ابن تيمية حوله ملاحظة من شقين:

    إثبات مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه

    الشق الأول: قوله: لم يؤاخ النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبين علي غير مسلم, فقد روي ذلك, لكن حول الرواية كلام، وقد حسنها الإمام الترمذي , ولكثرة طرقها على حسب قواعد علم الحديث لا تنزل عن درجة الحسن. والعلم عند الله جل وعلا.

    وروى الإمام الترمذي في سننه وقال: حسن غريب، والحاكم في المستدرك في الجزء الثالث صفحة 14 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( لما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه جاءه علي تدمع عيناه, فقال: يا رسول الله! آخيت بين أصحابك, ولم تؤاخ بيني وبين أحد )، يعني: تركتني بلا مؤاخاة، كل صحابي آخيت بينه وبين صحابي آخر، وعقدت بينهم عقد الإخاء، وأنا ما آخيت بيني وبين أحد، يعني: أبقى فريداً؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( أنت أخي في الدنيا والآخرة ).

    فحقيقة هو أولى الناس بذلك، فهو ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، وهو بمثابة أحد أولاده؛ لأنه كفله نبينا عليه الصلاة والسلام ونشأ في حجره فإذا كان الأمر كذلك فهو أولى الناس بأن يكون أخا النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا كان لا بد بكل واحد من أخ ومؤاخاة فأولى الناس بمؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام ابن عمه والذي نشأ في حجره، والذي أكرمه الله بأشرف بناته, على نبينا وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وهذا الحديث فيه جميع بن عمير التيمي , قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ ويتشيع، وقد أخرج حديثه أهل السنن الأربع، وقال الذهبي في الكاشف: واهم. ثم نقل عن البخاري قوله: فيه نظر, وقال الذهبي في الميزان: له في السنن ثلاثة أحاديث، وقد حسّن الترمذي حديثه، وعندما يخرج الترمذي حديثاً من طريق جميع بن عمير يقول: إنه حديث حسن. وهنا كذلك.

    لكن هذا الحديث -كما قلت- ما انفرد بروايته جُمَيع , ولم يرو من طريق ابن عمر فقط، بل روي من طريق جمع غفير، نعم لا يسلم طريق منها من مقال، لكن إذا تعددت فإنها تتقوى، لا سيما واحد منها قد حسنه بعض أئمتنا, وليس فيها محذور، والحكم عليها بأنها باطل في الحقيقة لا يصل إلى هذا الحد بحال من الأحوال.

    ولذلك كلام الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في هذا الأمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام ما آخى بينه وبين أحد، ولم يؤاخ بينه وبين علي روي خلاف هذا، والعلم عند الله جل وعلا.

    قال الحافظ في الفتح في الجزء السابع صفحة 72: روى الطبراني -والحديث في المجمع في الجزء التاسع صفحة 111- الحديث من طريق عبد الله بن عباس -وسبق رواية عن ابن عمر (أن النبي عليه الصلاة والسلام لما آخى بين أصحابه المهاجرين والأنصار ولم يؤاخ بين علي وأحد قال لـعلي: قم أنت أخي).

    قال الهيثمي في المجمع: فيه أشعث ابن عم الحسن بن صالح ضعيف، لم أعرفه.

    قال الحافظ في الفتح: وروى ابن عساكر نحوه من حديث جابر بن سمرة .

    هذه رواية ثالثة، إذن روي عن ابن عمر وابن عباس وجابر بن سمرة .

    وقد روى الطبراني في معجمه الكبير، انظر مجمع الزوائد في الجزء التاسع صفحة 112، من طريق أبي أمامة قال: ( آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين الناس، وآخى بينه وبين علي ).

    وقال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء السابع صفحة 336 تحت عنوان: حديث المؤاخاة، وأورد هذا في ترجمة علي رضي الله عنه وكتب حوله قرابة الصفحة، ثم قال: وروي من رواية أبي أمامة وأنس وابن عباس وعمر وجابر وأبي ذر وعامر بن ربيعة ومحدوج بن زيد وزيد بن أبي أوفى , هؤلاء تسعة من الصحابة، وأزيد عليهم ابن عمر لم يذكره، وأزيد عليهم جابر بن سمرة ، فصار معنا أحد عشر صحابياً.

    قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: وأسانيدها كلها ضعيفة، لا يقوم بشيء منها حجة, يعني: على سبيل الإنفراد، فلو انفرد طريق منها لا تصبح حجة.

    وقد حكى الحافظ ابن حجر حديث المؤاخاة بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين علي في ترجمة علي رضي الله عنه وأرضاه في الإصابة على أنها أمر ثابت مجزوم به ضمن ترجمته, فقال في الجزء الثاني صفحة 507: لما آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين أصحابه قال لـعلي : ( أنت أخي في الدنيا والآخرة ).

    وكما قلت: ليس في حصول هذه المنقبة لـعلي محذور، والحديث ليس بباطل، بل هو مروي في دواوين السنة كما رأيتم, وقد حسّنه الإمام الترمذي ، وجميع بن عمير مع ما فيه من كلام حكم عليه الحافظ بأنه صدوق. والعلم عند الله جل وعلا.

    وأما قول الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: إن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين المهاجرين والأنصار، ولم يؤاخ بين المهاجرين بعضهم مع بعض، ولا بين الأنصار بعضهم مع بعض, فالكلام الأول مسلّم قطعاً وجزماً، فأصل الإخاء بين المهاجرين والأنصار من أجل أن يحصل زيادة ألفة ومودة وارتباط، وأن تزول الفوارق والاعتبارات الجاهلية التي كان عليها الناس قبل الإسلام في الانتساب إلى القبائل والأعراف، وامتهان الواحد للآخر، فبفعل المؤاخاة كان كل واحد يؤاخ آخاه دون إخوته من النسب, بحيث لو مات أخوه في الدين لورثه، ولو مات هذا لورث منه دون أخوة النسب, فتقدم على أخوة النسب، فالمقصود أن يحصل التحام بين صفوف المسلمين.

    فلما اطمأنت القلوب إلى الإسلام وتنورت بالإيمان، نسخ الإخاء الذي يحصل به توارث، وبقي بعد ذلك الإخاء في الله والمحبة في الله, والمؤمنون إخوة.

    إثبات مؤاخاة عبد الرحمن بن عوف لسعد بن الربيع

    الإخاء بين المهاجرين والأنصار ثابت, لا اعتراض عليه، والأحاديث فيه متواترة قطعية، وأصل الإخاء هو هذا، لكن لا يمنع أنه حصل إخاء بين المهاجرين بعضهم مع بعض، وبين الأنصار بعضهم مع بعض.

    ومن المؤاخاة التي ثبتت بين المهاجرين والأنصار -كما قلت المتواترة- المؤاخاة بين عبد الرحمن بن عوف وهو مهاجري, وبين سعد بن الربيع وهو أنصاري، ولما قال له سعد : أنزل لك عن أحد البستانين وعن إحدى الزوجتين، قال له: بارك الله لك في مالك وأهلك, دلني على السوق. وحديث المؤاخاة بينهما ثابت في المسند وموطأ مالك وسنن الدارمي والصحيحين والسنن الأربع من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ، ثم بعد فترة رآه النبي عليه الصلاة والسلام وعليه أثر صفرة. فقال: مهيم؟ -ما هذا؟- قال: تزوجت امرأة من الأنصار، قال: كم سقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب - وهي خمسة دراهم- قال: بارك الله لك وعليك، أولم ولو بشاة )، وبدأ يكدح ويشتغل بالسمن والأقط حتى صار أغنى الصحابة رضي الله عنه وأرضاه.

    فهذا ثابت وقرره الإمام ابن تيمية , وهو متواتر، لكن حصلت مؤاخاة أيضاً بين المهاجرين بعضهم مع بعض، كما حصلت بين الأنصار بعضهم مع بعض.

    إثبات مؤاخاة زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب

    المؤاخاة بين زيد بن حارثة مهاجري، وكان يقال له: زيد ابن محمد وما ذكر صحابي في القرآن باسمه إلا زيد ؛ لأنه كان ابن محمد عليه الصلاة والسلام، فينبغي أن يذكر فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37].

    وكان أحب الناس إليه، حب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما أرسله في بعث إلا أمره, وولده أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما، آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين زيد وبين حمزة , وحمزة مهاجري، ثبت ذلك في البزار ومعجم الطبراني الكبير بسند صحيح عن زيد بن حارثة أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ( آخيت بيني وبين حمزة ؟ ) يعني: آخيت بين المهاجرين مع الأنصار، أنصار ومهاجرين, وأنا مهاجري وهو مهاجري, قال: نعم، بينك وبين حمزة .

    ورواه البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان زيد مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخاً لـحمزة ، آخى النبي عليه الصلاة والسلام بينهما عندما آخى بين أصحابه).

    وقصة المؤاخاة بينهما كما هي ثابتة عن زيد وعن ابن عباس فيما تقدم ثبتت في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب. وفي المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم من حديث علي رضي الله عنه في قصة ابنة حمزة عند فتح مكة عندما اختصم فيها ثلاثة من الصحابة: علي وجعفر وزيد بن حارثة ، أما علي فقال: (أنا أحق الناس بها هي ابنة عمي، وبنت النبي عليه الصلاة والسلام تحته), يعني: زوجته فاطمة، وابنة حمزة قيل: اسمها عمارة ، وقيل: فاطمة وقيل: أمامة ، وقيل: أمة الله ، ثم قال أئمتنا: وأولها وأولاها: عمارة ابنة حمزة .

    (وقال زيد بن حارثة : هي ابنة أخي -للمؤاخاة عند حادثة الهجرة- وإنما خرجت إليها وأقبلت بها أخذتها واستصحبتها معي، وأنا أولى الناس بها. وتقدم جعفر بن أبي طالب وقال: هي ابنة عمي, وسألت علياً في ذلك، وعندي خالتها، وأسماء بنت عميس خالتها كانت تحت جعفر بن أبي طالب , وصحبته للهجرة الأولى, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: الخالة أم. ثم قضى بها لـجعفر ).

    وطيب النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك خاطر الصحابة الكرام بعد أن قضى بها لـجعفر ؛ لأنه عنده خالتها أسماء بنت عميس .

    وأسماء تزوجت بـجعفر , ثم بـأبي بكر ، ثم بـعلي رضي الله عنهم أجمعين، أنجبت من جعفر عبد الله ومحمداً وعوناً، وتزوجت أبا بكر رضي الله عنه فأنجبت منه محمداً، ولما احتضر أوصى بأن يغسله أسماء, وما غسله إلا هي، وعزم عليها أن تفطر في ذلك اليوم، فلما انتهت من تغسيله قالت: لا أفزعه بمخالفتي، يعني: بعدما فرغت من غسله وهو زوجي وقد انتقل إلى جوار ربه أبقى صائمة فأفطرت.

    وحديث تغسيلها لـأبي بكر ثابت في طبقات ابن سعد وموطأ الإمام مالك ومصنف عبد الرزاق , وقد كنت أشرت في بعض المباحث السابقة أنه يجوز للمرأة أن تغسل زوجها إذا مات، لكن العكس اختلف فيه، حيث منع الحنفية فقط، والمعتمد أنه جائز، فيجوز لكل من الزوجين أن يغسّل صاحبه بعد موته، والعلم عند الله جل وعلا.

    وبعد وفاة أبي بكر تزوجها علي فأنجبت منه يحيى وعوناً ، عون بن جعفر وعون أيضاً ابن علي ، كل منهما سمى ولده عوناً، لكنها لم تلد محمداً إلا من جعفر ومن أبي بكر ، فـعلي ما سمى ولده بمحمد.

    اختصم ولدا أسماء بنت عميس بعد أن تزوجها علي ، كل واحد منهما يقول: أنا أفضل منك وأكرم منك، وأبي خير من أبيك, وعلي حاضر، وقال لزوجته أسماء : اقض بينهما، هذا محمد بن جعفر ، وهذا محمد بن أبي بكر , اقض بينهما، فقالت لـمحمد بن جعفر : أما أنت فما رأيت شاباً خيراً من أبيك، وقالت لـمحمد بن أبي بكر : وأما أنت فما رأيت كهلاً خيراً من أبيك.

    كل واحد عنده منقبة، وعلي المسكين، فقال لها علي : ماذا أبقيت لنا؟ ما بقي لزوجك الذي معك شيء، إن كان شاباً فـجعفر أفضل منه، وإن كان كهلاً فـأبو بكر أفضل منه.

    ثم قال لها: والله لو قلت غير هذا لمقتك، أي: لا شك أن جعفراً شاب لا يعدله أحد، وأبو بكر كهل لا يعدله أحد، فتطيب خاطر زوجها رضي الله عنها وأرضاها.

    فقالت: أبا حسن ! ثلاثة أنت أخسهم لخيار، يعني: أنت لست بالناقص، ما دمت أنت من الثلاثة, وهؤلاء كلهم أبرار أتقياء، فقولها: (ثلاثة أنت أخسهم) يعني: أنت دون جعفر ودون أبي بكر إنهم خيار، يعني: كأنها تقول: إذا كنت أنت أنزل منهم وأنت تجمع الفضائل فكم لهؤلاء الثلاثة من الفضائل؟

    ما أجمل الإنصاف!

    وهذه المقولة التي تقولها أسماء رضي الله عنها قالها عبد الله بن عمر عندما مر على عبد الله بن الزبير وهو مصلوب بعد أن قتله وصلبه العبد المخذول القاتل الشقي الذي نسبه ولا نحبه، الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قصمه الله في سنة 95هـ, وقد أفضى إلى ما قدم.

    لما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير في مكة وصلبه كما في المسند وصحيح مسلم وغيرهما مر عبد الله بن عمر على عبد الله بن الزبير وهو مصلوب فسلم عليه وقال: السلام عليك أبا خبيب ! السلام عليك أبا خبيب ! السلام عليك أبا خبيب ! ثم قال له: لقد كنت والله أنهاك عن هذا -يعني: الخروج على هؤلاء السفهاء، فلا يرقبون فيك ولا في غيرك إلّا ولا ذمة- أما والله لقد كنت صواماً قواماً وصولاً للرحم، أبا خبيب ! إن أمة لأنت شرها إنها لأمة خير، يعني: وأنت المصلوب, الأمة التي أنت فيها شرير هذه على خير كثير، وأنت الصوام القوام الوصول للرحم.

    فلما سمع الحجاج بهذا الكلام اغتاظ غاية الغيظ، وأمر مباشرة بأن ينزل عبد الله بن الزبير من أجل أنه صار له دعاية من كلام عبد الله بن عمر ، وأمر أن يطرح في مقابر اليهود.

    عبد الله بن الزبير أول الصحابة ولادة في المدينة المنورة عندما هاجر الصحابة الكرام إليها.

    كما قلت ما قاله الإمام ابن تيمية من أنه لم تقع مؤاخاة بين المهاجرين بعضهم مع بعض هذا مردود، وقوله: لم يقع مؤاخاة بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين علي أيضاً مردود، والحديث روي في ذلك وإن كان حوله كلام، لعل كثرة الطرق ترفعه، بل إن الإمام الترمذي حسنه، والعلم عند الله جل وعلا.

    إثبات مؤاخاة النبي بين سلمان وأبي الدرداء

    وقد ثبت كما تقدم معنا في الأحاديث المتقدمة أن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين سلمان وبين أبي الدرداء ، وسلمان لا ينطبق عليه وصف المهاجرين، بل كان في الأصل في المدينة المنورة, وأبو الدرداء أنصاري، واسمه عويمر ، وعليه كأنه حصلت مؤاخاة أيضاً بين أهل المدينة، وإن كان هنا المؤاخاة معتبرة جداً, من أجل أن سلمان في الأصل جاء من جهة بعيدة, فهو فارسي, فحصلت المؤاخاة بينه وبين العرب، لكنه لا ينطبق عليه وصف المهاجرين.

    وحديث المؤاخاة بين سلمان وأبي الدرداء مر معنا، وقلت: إن الحديث في صحيح البخاري وسنن الترمذي وصحيح ابن خزيمة وسنن الدارقطني وحلية الأولياء من رواية أبي جحيفة رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين سلمان وأبي الدرداء) ... والحوادث في ذلك كثيرة، والعلم عند الله جل وعلا.

    هذا ختام ما يتعلق بترجمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.

    الحديث الثامن عشر: قال الإمام الترمذي : حدثنا هناد قال: حدثنا حفص بن غياث عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن ).

    وفي الباب: عن أبي هريرة وسلمان وجابر وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    قال أبو عيسى الترمذي عليه رحمة الله: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم . وسيأتينا في ترجمته أنه إسماعيل بن علية ، وقد ساق الحديث الإمام الترمذي من طريقه بواسطة شيخه علي بن حجر في كتاب التفسير في تفسير سورة الأحقاف، فهناك روى الحديث عن شيخه علي بن حجر عن إسماعيل بن علية ، وهنا رواه عن شيخه هناد عن حفص بن غياث .

    قال: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم وغيره عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله : ( أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ), الحديث بطوله، يعني: أكمل الحديث وأتمه.

    فقال الشعبي : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن ). وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث ، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم.

    ونتدارس الحديث فيما يأتي إن شاء الله.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.