إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [9]

شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [9]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حدث ابن مسعود بحديث في الفتن، وقد أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالمخرج منها، والفتن تزداد بامتداد الزمن، وقد اعتمد ابن مسعود في تفضيل يومه على غده بأحاديث نبوية كريمة، وأول تغير في الأمة كان بموت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أدرك الصحابة مراحل التغير في زمنهم، ثم استمر الانحدار.

    1.   

    موقف المسلم عند إقبال الفتن في ضوء حديث ابن مسعود

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

    لا زلنا نقتطف الفائدة من أقوال ابن مسعود رضي الله عنه وحكمه، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عمرو بن وابصة الأسدي عن أبيه قال: (إني لبالكوفة في داري إذ سمعت على باب الدار: السلام عليكم، أألج؟ قلت: عليكم السلام. فلج. قال: فلما دخل فإذا هو عبد الله بن مسعود قلت: يا أبا عبد الرحمن ! أية ساعة زيارة هذه، وذلك في نحر الظهيرة. فقال عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: طال علي النهار فتذكرت من أحدثه ويحدثني -أي: بأمور الخير نتناصح- فجئت إليك تحدثني وأحدثك نأوي إلى بعضنا، وإذا طال النهار على واحد منا فيتحمله صاحبه ويلجأ إليه. قال وابصة: فجعل يحدثني عن النبي عليه الصلاة والسلام وأحدثه، حتى قال -يعني عبد الله بن مسعود رضي لله عنه وأرضاه- : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب، قتلاها كلها في النار). نسأل الله العافية.

    فتنة تقع في الأمة كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: النائم فيها خير من المضطجع؛ لأنه في غفلة عما يقع، والمضطجع الذي هو متمدد على جنبه أو على ظهره، هذا أحسن من القاعد؛ لأنه بعيد عنها، ولا زال بينه وبينها فترة، ( والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب )؛ لأن ذلك أقرب إليها.

    (قتلاها كلها) قتلى كل الفتنة في النار.

    ( قلت: يا رسول الله! ومتى ذلك؟) القائل هو عبد الله بن مسعود عندما تقع هذه الفتنة وقتلاها كلها في النار، كل من يقتل يقذف في النار فمتى ذلك؟ قال: ( أيام الهرج ) أي: الفتن والاختلاط والفساد. (قلت: ومتى أيام الهرج؟) متى تقع؟ قال: ( حين لا يأمن الرجل جليسه ). سبحان ربي العظيم!

    فوالله كأنه ينظر إلى زماننا.

    (لا يأمن الرجل جليسه) كل فتنة تقع بين المسلمين القاتل والمقتول إلى سجين حين لا يأمن الرجل فيها جليسه، وصل الأمر في بعض البلاد الإسلامية أن الأب لا يأمن ابنه، والزوج لا يأمن زوجه، والأخ لا يأمن أخاه، والناس في رعب وخوف لا يعلمه إلا الله.

    ففي إحصائية الدول عدد أفراد المخابرات أكثر من عدد أفراد الجيش الذي يحمي البلاد على تعبيرهم.

    المخابرات على من؟ على عباد الله، تبحث عنهم، ماذا يتكلمون؟ وماذا يقولون؟ ( لا يأمن الرجل جليسه).

    وأقول لكم: يعلم الله الذي لا تخفى عليه خافية، عندما استدعيت إلى بعض الأماكن وحقق معي في بعض الأمور، أحياناً أتكلم بكلام مع بعض الناس ثالثنا رب الناس فقط، كيف وصل هنا؟ لا أدري.

    وفي آخر المواقف: بعض الناس من الدعاة تبين أنه يكتب تقارير يتقرب بها إلى الشيطان الرجيم، ولما اكتشف في بعض القضايا الظاهرة، قال: هم يطلبون مني الحقيقة وأنا لست في هذا المسلك. قلت: يا عبد الله! بالنسبة للقصة التي جرت وفيها كذا وكذا وفيها كشف للحال، صحيحة؟ قال: صحيحة لكني خدعت وعملت هذا وكتبته لا من باب قصد الشر. قلت: يا عبد الله! أما أنا فوقع قدر الله بالفراق لكن أنت إن اعتديت عليه فقط فأنا المتهم، لكن إذا كان هذا الاعتداء على دين الله، وأنت تكذب فيما تقول فبقي موقف أمام العزيز الغفور سبحانه، أما أنك الآن تعتذر وتقول: خدعت، وتريد أن أسامحك. فلن أسامحك وإذا خدعت فالواقع لعله خلاف هذا.

    وإذا رأيت صورته والله تقول: إنه بشر الحافي أو سفيان الثوري وهو يكتب تقارير؛ من أجل دريهمات يتقرب بها إلى الشيطان الرجيم.

    تقارير عمن؟ عن عباد الله في بيوت الله، هؤلاء فقط، وأنه ذهب إلى هنا وجاء إلى هنا، وتكلم هنا كلمة.

    وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل). أول الهرج فتنة، القاتل لا يدري لم قتل. يقول: أمر.

    تريق دماء المسلمين على أنك أمرت! وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [التوبة:62] هذه أحوالنا، (القاتل والمقتول في النار).

    ( قتلاها كلها في النار). متى ذلك؟ أيام الهرج، ومتى أيام الهرج؟ قال: (حين لا يأمن الرجل جليسه). فبعض من يسلك مسلك طلبة العلم يتحقق فيه هذا الوصف على وجه التمام، فيتأكد هل جاء لرفع التقارير أم جاء زيارة لله الجليل. حقيقة أنت لا تعرف الحقيقة.

    صار في منتهى الالتباس. لا تسيء الظن بأحد، لكن مع ذلك تبقى محترساً، ما قصده بالزيارة؟

    (لا يأمن الرجل جليسه) والذي يسيطر على الناس الخيانة، والغدر، والكيد، والمكر إلا ما رحم ربك.

    وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود إذا أدرك الفتن

    قال عبد الله بن مسعود لنبينا المحمود على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه حينما حدثه بحديث الفتنة: (فماذا تأمرني يا رسول الله إن أدركت ذلك) أي: أيام الهرج حين لا يأمن الرجل جليسه، قال: (اكفف نفسك ويدك)، لا تشارك في هذه الفتنة لا مع هذا ولا مع هذا، ( واسكن في دارك. قلت: يا رسول الله! أرأيت إن دخل علي داري؟) دخل إلى ساحة الدار، إلى عرصتها قال: ( فادخل بيتك) أي: الحجرة الداخلية واترك له الدار.

    ( قلت: يا رسول الله! فإن دخل بيتي قال: فادخل مسجدك)، والمسجد المراد منه مكان مخصص للصلاة، بعض الحجر، وكأنك تقول: أنا الآن في مسجد آمن لا أريد أن أقاتل، ولا أريد أن أدخل في مشكلة.

    اترك له البيت، واذهب إلى المسجد الذي تصلي فيه حتى تنجو (قلت: يا رسول الله! فإن دخل علي مسجدي) يطاردني، هربت إلى البيت فتبعني، تركت البيت إلى المسجد فتبعني، فقال عليه الصلاة والسلام: (فاصنع هكذا، وقبض بيمينه على الكوع)، يعني حالته كحالة المصلي: (اصنع هكذا) كأنك مقيد لا تستطيع أن تحرك نفسك (اصنع هكذا -وقبض بيمينه على كوعه- وقل: ربي الله حتى تموت على ذلك). فإذا كانت فتن فإياك أن تشارك في الفتنة! وإذا كان لابد من قتلك فأن تموت وأنت مظلوم أحسن من أن تشارك في فتنة تكون فيها إمعة، فكم تقتل من أولياء الله وعباد الله، وإماء الله وأنت لا تدري؟ من أجل تكريس كرسي فلان وعرش فلان، سبحان الله! تبيع دينك بدنيا غيرك؟

    موقف الحسن البصري في فتنة القراء

    رضي الله عن الحسن البصري عندما وقعت الفتنة والخروج على بني أمية في عهده عندما خرج على عبد الملك بن مروان ، وفتنة القراء الذين خرجوا على الحجاج وكان في مسجد البصرة يحدث، فقام رجل من غوغاء أهل الشام يريد فتنة، وهذه عادة أكثر السائلين إلا ما رحم ربك، فقال: أبا سعيد مع من نكون؟ قال: لا تكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. إنما هي فتن، يقتتلون على الدنيا.

    فهذا الغوغائي رفع صوته من أجل أن يمسك إدانة على الحسن البصري فتقطع رقبته، قال: ولا نكون مع أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان الخليفة. فصاح بأعلى صوته: ولا مع أمير المؤمنين. لا تكن مع أحد يا عبد الله، لا تبع دينك بدنيا غيرك، لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء واكفف نفسك ويدك وادخل دارك، فإن دخل إلى دارك فادخل إلى بيتك، فإن دخل إلى بيتك فاذهب إلى مسجدك، فإن تبعك فضع يمينك على كوعك وقل: ربي الله حتى تموت وأنت على ذلك.

    نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    أهمية الوصية النبوية لابن مسعود في هذا الزمن

    ومثل هذه التوجيهات لابد من وعيها في هذا الزمن الذي هو زمن الهرج، كما قال عبد الله بن مسعود فيما نقله عن نبينا المحمود عليه الصلاة والسلام، وهذا الزمن الذي تحقق فيه معنى الإمعة على وجه التمام والكمال، إمعة كيفما سار الناس يسير معهم.

    يا عبد الله! وطن نفسك.. دينك دينك!! هذا أغلى شيء عندك في حياتك، فإذا قطعت الرقبة وسلم الدين فهنيئاً لك، لكن إذا ضاع الدين وسلمت الرقبة فشقاء لك .. الموت لابد منه، سواء مت بقطع الرقبة، أو مت على الفراش، مت الآن أو بعد مائة سنة لابد منه: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185].

    من قريب لعله من قرابة شهر أو نحوه، عات من عتاة أمريكا الذي كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية انتقل إلى سخط الله وغضبه ولعنته، أذيع هذا في الأخبار فقلت: سبحانك ربي، سبحانك، أنت قهار العباد وقاهرهم، أعتى طاغوت على وجه الأرض يقود ويتصرف الآن في العالم كما يتصرف الإنسان بخاتمه الذي في يده، يأتيه ملك الموت يهزه هزة فيصبح جثة هامدة كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر:20]، انتهى وما بقي أحد يستطيع أن يزيد في حياته لحظة واحدة، سبحانك ربي ما أعظمك! إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:40]، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] ، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26] فإذا قطعت الرقبة وسلم الدين فهنيئاً لك، لكن إذا عكس الأمر فشقاءً لك، إذا سلمت الرقبة وضاع الدين فهذا هو الخسران المبين: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15] .

    فانتبه لهذا! (القاتل والمقتول في النار) والقاتل لا يدري فيم قَتل والمقتول لا يدري فيم قُتل، وهذا حالنا.

    والحديث الذي ذكرته في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة وكذا في المسند والمستدرك وسنن أبي داود ومعجم الطبراني الكبير من رواية عبد الله بن مسعود ، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا في أيام الفتن، وأن الناس يستفتون في إراقة الدماء، وليتهم إذا قتلوا تابوا، إنما يزين لهم سوء عملهم فيقتلون ويضربون ويفرحون ويتلذذون ويفتخرون بأنهم ضربوا وقتلوا وعادت -كما يقال- إلى القواعد سالمة.

    أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام عن مثل هذا الأمر كما في سنن أبي داود ومستدرك الحاكم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً )، فاغتبط بالغين المعجمة. أي: فرح. وضبط بالعين المهملة اعتبط. أي: قتله اعتباطاً بغير حق، والضبطان مرادان فاجمع بينهما، قتله بغير حق ثم فرح بقتله.

    قال يحيى الغساني أحد رواة الحديث: هذا كما يكون في الفتن التي تقع بين المسلمين يقتل بعضهم بعضاً ولا يتوبون.

    ولو أنه قتله كما يقع في الخصومة بين اثنين على أرض أو على مال أو على امرأة، لقال: أنا أجرمت وقتلت، لكن هنا يزين لهم سوء عملهم فيقتل بعضهم بعضاً ولا يتوبون ( من قتل مؤمناً فاعتبط بقتله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً )، أي: فريضة ولا نافلة، والحديث في سنن أبي داود ومستدرك الحاكم ، وإسناده صحيح كالشمس وضوحاً، من رواية عبادة بن الصامت رضي الله عنهم وأرضاهم.

    1.   

    تغير الأحوال بذهاب الأخيار

    إن حال الصفاء الذي كان عليه الصحابة الأتقياء سيتغير وسيصل الناس إلى حالة لا يأمن الرجل فيها جليسه، والفتن ستكثر، والقتلى والقاتلون كلهم في النار .. في غضب الحي القيوم.

    وهذا التغير الذي سيحصل في هذه الأمة وقد حصل.

    أخبرنا عبد الله بن مسعود أنه كلما امتدت الحياة تكثر نسبة التغير. الأمر طبيعي كلما امتدت الحياة زاد التغير وازدادوا شناعةً.

    وأنا أعجب غاية العجب ممن يقولون ويكررون كالببغاوات كلاماً بلا حقيقة: الأمة الإسلامية في صحوة، لا أعلم أنه مر على الأمة الإسلامية في عصورها الزاهرة في يومها وليلها أشنع من الوقت الذي نعيشه. يعني: البارحة خير من هذا اليوم، وأمس خير من هذا اليوم، واليوم خير من الغد، وهكذا كما سيأتينا.

    وبعد ذلك لا يغرنك أنه وجد لحاء وشعر في الوجوه، فإنه يوجد بعد ذلك تلاعن وتنافر في القلوب.

    الإسلام لا يكون بلحية في الوجه فقط، وما أعلم أنه وجد عصر حصل فيه تنافر واختلاف وتباغض، كالأيام التي نعيشها، فنسأل الله حسن الخاتمة.

    ثم الجاهلية الجهلاء التي فوق رقابنا من تفرق لكلمة المسلمين، ولا إمام لهم ولا جماعة.

    وأي بلية أشنع من هذه البلية؟ وصار البأس بيننا، وكل أهل بقعة يخططون لضرب البقعة الأخرى لا لضرب الكفار، فلا أحد يخطط لذلك؟

    هل عندكم خبر أن دولة ما تعد لا أقول الآن بل للمستقبل تعد لقتال دولة كافرة؟ تفكر بقتال أمريكا، لو قلت هذا لقالوا: فلان مجنون، أنت لا زلت تريد مقاتلة الصين، ولا زال عندك همة وعزم على مقاتلة ما يسمى بريطانيا. هؤلاء سادتنا ومنهم نستقي علومنا.

    هؤلاء الآن -كما قال بعض السفهاء في هذه الأيام- لا يجوز أن نطلق عليهم حتى لفظ الكفر. أسأل الله أن يحشره معهم.

    قال: لا يجوز أن نطلق على بريطانيا وعلى فرنسا أنهم كفار. يتظاهر بأنه مسلم وهو يخذل الإسلام، ووالله لو قلت للشيطان هذا الكلام لقال: لا يمكن أن يقول هذا. ثم بعد هذا يتصدر للفتيا ويلوث الصحف وينشرها في العالم.

    ومتى كان يفتي مثل هؤلاء السفهاء؟ والله لو ضرب بسيفٍ مسموم على رأسه لكان قليلاً في حقه، ومن السفاهة أن يغطى على مثل هذا وعلى أمثاله.

    ومن السفاهة أن يرد على هذا وأمثاله، رد عليهم بما قال المتقدم:

    السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

    أما أن ترد عليه بمقال فكلام باطل.

    وهذا إذا نظرت إلى شكله وجدته والله كشكل إبليس، تستعيذ بالله منه.

    وكيف صار العلم في هذه الرذالة والحثالة؟ لا أعلم. ليس عليه علامة تدل على أنه مؤمن، ثم بعد ذلك يتصدر للفتيا الشرعية وأن بلاد الغرب لا يجوز أن نطلق عليها ديار كفر، ولا لفظ كفر ولا، ولا.

    التغير الذي وجد سيمتد، فاستمع لكلام عبد الله بن مسعود يقول كما في سنن الدارمي في الجزء الأول في المقدمة صفحة خمس وستين، فيما نقله عنه تلميذه مسروق رضي الله عنهم أجمعين. قال عبد الله بن مسعود: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي كان قبله.

    فانتبه لهذا الحكم فهذا لا يتخلف.

    شر في أمور الدين قطعاً، فاستمع ماذا يقول عبد الله، يقول: لست أعني عاماً أخصب من عام. لأنه قد يقال: الآن الخيرات فتحت علينا تفضلاً من الله لنا وإكراماً كما قال الله جل وعلا: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:44].

    نعم أخذت الأرض زخرفها وتزينت، وهذا ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، لا لكرامتنا على ربنا، وإنما لهواننا عليه، فتح علينا أبواب الدنيا التي لا تعدل عنده جناح بعوضة.

    قال: لا أعني عاماً أخصب من عام ولا أميراً خيراً من أمير. لا أقصد هذا.

    إذاً: ماذا تقصد؟

    قال: ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون. والله ذهب من يتداوى برؤيته وخلفه من تمرض برؤيته كأمثالنا نسأل الله أن يتوب علينا.

    خلفهم أناس يهدمون الإسلام باسم الدعوة إليه، فيقول قائلهم: مذهب الإمام أحمد أقرب إلى السنة من المذاهب الأخرى.

    قال: ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفاً، ويأتي أقوام يقيسون الأمر برأيهم.

    سيأتي بعد ذلك وقت يحكم على سلفنا، يقول: إذا لم يكن الإمام أحمد على السنة فلا سنة على وجه الأرض، وأنا أعجب كيف يتجرأ الإنسان أن يقول: إن منهج الإمام أحمد أقرب إلى السنة من غيرها. وأنا أقول: والله لئن ابتلى بكل ذنب أيسر علي من أن أقول هذا الكلام. من هذا الذي يقول: الإمام أحمد أقرب إلى السنة من مذاهب هؤلاء الأئمة.

    أعجب غاية العجب! إلى هذا الحد؟ هذا الأمي عندما حكم على مذهب الإمام أحمد أتظن أنه يعرف ما فيه، والله أتحداه إن كان قرأ كتاباً في فقه الإمام أحمد، أو في فقه أبي حنيفة، أو الشافعي، أو مالك.

    يأخذون كل الأمور برأيهم، وكان شيخ الجامع الأزهر ورئيس دائرة الفضوليين التي سميت بدار التقريب بين أهل السنة والشيعة الضالين.

    يقول هذا: أنتم تعيبون علينا الحكم بالقوانين الوضعية ونحن حكمنا بالقوانين الوضعية منذ القرن الثاني، منذ عصر أبي حنيفة قال: الفقه كلام رجال، كلام أبي حنيفة كلام رجال، وهذا حكم به في القرن الثاني، فنحن الآن تحكمنا القوانين الوضعية منذ ذلك الوقت.

    قال: نحن نأخذ بروح الشريعة وتحقيق المصلحة، وعليه فعندما نعطل النصوص الجزئية ونسمح للمرأة بالسفور، وكشف الفخذين نحقق رفع الشريعة وإن خالفنا النص الفردي. هذا لا يتعارض مع روح الشريعة، روح الشريعة الآن تحقيق المصلحة من أجل تطور الحياة، فالمرأة تخرج كاشفة عن فخذيها ولنا أجر عند الله، لأننا حققنا روح الشريعة، والأمة حكمت بالقوانين الوضعية من ذاك العصر.

    وقال الضال المعروف مصطفى علي عبد الرازق الذي كان القاضي الشرعي في القانون في محكمة المنصورة وقبل فترة كبيرة، وألف كتاباً كبيراً سماه: (الإسلام وأصول الحكم) قال: خلافة أبي بكر رضي الله عنه خلافة مدنية لا صلة لها بالشريعة الإسلامية، وكل ما فعله أبو بكر آراء رجال، وحكم بقوانين الوضع. وهذا الكتاب ألفه بإيحاء من شيخه الذي كان يستقي من مستنقعه محمد عبده، لأنه كان يوجه هذا إلى شيء، ويوجه قاسم أمين إلى شيء، يريد أن يقضي على الإسلام لكن من جهات متعددة، فهذا له مظهر السلفية، وهذا له مظهر الإباحية، وهذا له مظهر القوانين الوضعية، وكلهم يستقون من الأستاذ الإمام وهو الجامعة التي تحضر لهذه الفروع بعد ذلك والأنهار، والأستاذ الإمام يستقي من الشيعي المتأفغن جمال الدين الأفغاني، هذا هو داعية الإسلام في هذا الوقت، وعندما كنت أدرس في كلية الشريعة، كنت أعجب غاية العجب حين درسوا عن حياة جمال الدين الأفغاني حتى تعبت عقولهم من كثرة دراسة حياته.

    وتسألهم عن شيخ الإسلام الشيخ مصطفى صبري الذي كان معاصراً لهذين الرجلين الضالين وردوده عليهما، فما أحد سمع باسمه فضلاً عن معرفة أحواله، سبحان ربي العظيم! ذاك داعية الإسلام، وهذا مسكين لا يعلم اسمه، نسأل الله اللطف والعافية وحسن الخاتمة.

    من التغير الذي تعيشه الأمة، داعية باسم السنة في مسجد كبير لعل من يحضر عنده خمسة آلاف لا أبالغ يقول هذه المقالة.

    هذه صحوة؟ وهم يرون أنهم كانوا على منكرات حيث كانوا يعبدون الله بالتقليد، هو شافعي وهو حنبلي، أما الآن فيقول: بدءوا يعبدون الله على حسب السنة مباشرة. أي سنة؟ هي التخبط في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وتقول: نعبد الله على حسب السنة، والله ما تعبد الله إلا على حسب رأيك وهواك.

    أمة ضلت غاية التضليل، ولذلك أعان الله في هذا الوقت من سيقابل هذا التيار الذي بدأ يسري في الأمة سريان النار في الهشيم، وعندما تنفصل من هذا كأنك خرجت عن دين الله.

    يا عباد الله! قفوا عند حدكم، قفوا عند حدكم، أحكام شرعية تقرر عند أئمتنا تضرب بالأرجل من قبلكم باسم السنة. أي سنة عندكم؟

    يقول هذا الداعية: إمامان كل منهما دعا لنفسه.

    قال: هذا وذاك في مسجد، والاثنان يعرضان عليه ما وقع لهما، فقال لأحدهما: أنت مبتدع مخرف؛ لم تمسح وجهك عقيب الدعاء؟ فهذا المسكين لا يعلم، الظاهر أنه ليس عنده علم إلا إتقان القراءة، وبعض الأحكام ما عنده علم في أدلتها، فقال: إن الذي أعلمه أن هذا مستحب حسب ما تلقيت عن الشيوخ. قال له: لا يجوز أن تفعله، فجاء يسأل: ما الحكم؟ قلت: إلى هذا الحد وصلوا؟

    وذكرت إخوتي الكرام في الخطبة ثلاثة أحاديث عن عمر وابن عباس، والسائب بن يزيد عن أبيه عن النبي عليه الصلاة والسلام، لا يخلو حديث منها من مقال كما قال الحافظ ابن حجر شيخ المحدثين في زمنه، يقول في بلوغ المرام في آخر كتابه في كتاب الدعاء: وتعدد طرقه يقضي بأنه حسن.

    يقول الصنعاني في شرحه: الحكمة من رفع اليدين عقيب الدعاء أن الداعي عندما يدعو تعرض للبركة، والله يستحيي أن يرد عبده صفراً خائبتين يداه إذا رفعهما إليه، فإذا حصلت البركة فيستحب له أن يمسح وجهه وأعضاء جسمه بيديه وهو الوجه، وأئمتنا ذكروا هذا، وذكره النووي في الأذكار، وأن من آداب الدعاء مسح الوجه باليدين بعد الدعاء.

    والشوكاني يقول هذا في تحفة الذاكرين في صفحة ست وثلاثين: والأمر مقرر عند أئمتنا.

    وإذا حسن الحديث من قبل أحد المحدثين فيعمل به في الأحكام، وفي العقائد، ولو كان ضعيفاً لعمل به في فضائل الأعمال عند جمهور المسلمين، فكيف وقد وصل إلى درجة الحسن ثم يقول بأن هذا محرم، وهو مبتدع وأنت صاحب السنة، يا عبد الله! أنت تركت فضيلة فلا تمنع منها غيرك وتقول: إنها رذيلة، ومن يفعل هذا فهو مخالف مبتدع.

    كان أئمتنا إذا أرادوا أن يخبروا عن مدى التزامهم بالسنة قالوا: نحن على مذهب الإمام أحمد. ويأتي هذا يقول: مذهب الإمام أحمد أقرب إلى السنة من مذاهب الأئمة في الأصول وفي الفروع. يعني كلمة الفروع أسهل من الأصول ما في مجال لاحتمالها بشكل من الأشكال.

    فهذه أحوال نعيشها، وهذه صحوة تضليل للأمة، وخروج على ما قرر سلفها، وترى هؤلاء الذين يذهبون وراء من يقلدونه، والله حكمهم كحكم الببغاوات، يرددون كلاماً لا يفهمونه ولا يعونه، إنما يكفي أنهم يخالفون الأمة، يكفي أن الأمة ورثت عن علمائها مسح الوجه عقب الدعاء.

    يا عبد الله! تركت المفاسد التي عمت كل شبر في هذه الحياة غفلت عنها وجئت بعد ذلك لتتكلم عن هذه المسائل.

    لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي كان قبله، أما إني لست أعني عاماً أخصب من عام، ولا أميراً خيراً من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم.

    اختلاف فهم ابن مسعود عن فهم المغيرة في اعتبار خيرية الزمان

    في كتاب الزهد للإمام أحمد صفحة ستين ومائة، ورواه الطبراني في المعجم الكبير بسند صحيح كما في المجمع في الجزء السابع صفحة ستة وثمانين ومائتين، في كتاب الفتن فيما مضى من الزمان، أن عبد الله بن مسعود قال لامرأته: اليوم خير أم أمس؟ رضي الله عنهم أجمعين، قالت: لا أدري. قال: لكني أدري، أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وغد خيٌر من بعد غد، وكذلك حتى تقوم الساعة.

    وهذا الكلام الذي نقل عن عبد الله بن مسعود كان يتعجب منه الصحابي المغيرة بن شعبة؛ لأنه لم يقف على مراده من كلامه.

    ورد في كتاب الزهد للإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله أن المغيرة بن شعبة كان يعجب من قول عبد الله بن مسعود: أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة إلى يوم القيامة. قال المغيرة بن شعبة : ونحن العام أخصب منا عام أول، ونحن في خيرات أكثر منها من العام الماضي، فكيف عبد الله بن مسعود يقول هذا؟ فقيل لـمسروق تلميذ عبد الله بن مسعود : إن المغيرة بن شعبة يتعجب من قول شيخك عبد الله بن مسعود . فقال مسروق : عبد الله أعلم منه -يعني: من المغيرة بن شعبة- ومن ملء الأرض مثل المغيرة بن شعبة. وإن كان صحابياً فلكل واحد قدره ومنزلته وهذا خلق الإسلام.

    هذا نظر إلى الدنيا وقال: هذا العام أخصب من عام أول. لكن عبد الله بن مسعود لا ينظر إلى هذه الأمور ولا يأبه لها، كونك كنت تركب على الحمار واليوم تركب على السيارة، صرنا في عام رفاهية أكثر وأكثر، مالنا ولهذا، لكن هناك الصدق والوفاء، وصاحبك لا يفشي سرك، ولا يغدر بك ولو قطعت رقبته.

    يركب على السيارة ويتجسس عليك بسيارة، والله الحمار أحسن، ولا نريد حماراً بل نمشي على الأرجل، ونزحف على أيدينا وأرجلنا أيسر من هذه السيارة التي ساعدت الناس على الفساد، وعلى إيصال الضر بمن يجلس عنده ومعه.

    قال: عبد الله اعتبر بالآخرة، والمغيرة بن شعبة اعتبر بالدنيا.

    تأييد كلام ابن مسعود من مشكاة النبوة

    إخوتي الكرام! هذا المعنى مأخوذ من مشكاة النبوة فاستمع، ثبت في صحيح البخاري ، وسنن الترمذي عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك، رضي الله عنهم أجمعين عندما كان في البصرة نشكو إليه ما نلقاه من الحجاج، فقال أنس رضي الله عنه:( اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم عليه الصلاة والسلام).

    وهذا المعنى الثابت أيضاً في الحديث، قال نظيره عبد الله بن مسعود، وورد نظيره أيضاً من كلام نبينا المحمود عليه الصلاة والسلام، قال عبد الله بن مسعود كما في الحلية الجزء الأول صفحة خمس وثلاثين ومائة: يذهب الصالحون أسلافاً. أي: أفراداً أولاً بأول من السلف المتقدمين الصالحين، ويبقى أهل الريب؛ أصحاب الفتن والمشاكل وأهل الشر ممن لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكرا.

    هذا الكلام كما تقدم له نظير عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي مسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري ، من حديث مرداس الأسلمي، والحديث رواه الطبراني في معجمه الأوسط، وأبو سليمان الخطابي من رواية المستورد بن شداد، فهو عن صحابيين، في البخاري وغيره من رواية مرداس الأسلمي ، وفي معجم الطبراني الأوسط وغيره من رواية المستورد بن شداد، والحديث صحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حثالة) بالفاء وبالثاء.. حثالة وحفالة والثاء تبدل فاء في كلام العرب، حثالة، وحفالة بمعنى واحد، كحثالة التمر والشعير وهو الشيء الرديء الذي يقع منه. حفالة الشعير عندما ينخل، وهكذا التمر عندما ينقع فيظهر الحشف.

    (يذهب الصالحون الأول فالأول). أي: الأصلح فالأصلح، والأتقى فالأتقى، (وتبقى حثالة حفالة كحثالة الشعير لا يبالي بهم الله). هذا الحديث في الجزء السادس في صفحة ستين وأربعمائة من فيض القدير.

    ومن هذا الحديث أخذ عبد الله بن مسعود قوله فيما رواه عنه أبي نعيم وذكرته لكم: يذهب الصالحون أسلافاً ويبقى أهل الريب، أهل الريب من لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.

    بداية التغير في الأمة

    إخوتي الكرام! التغير سيطرأ وقد طرأ ووقع، وبدايته كما قرر أئمتنا من موت نبينا عليه الصلاة والسلام، وأول تغير حدث في هذه الأمة كان بموت نبينا عليه الصلاة والسلام فحصل في القلوب شيء من الظلمة وشيء من التناسي بعد موته، كلما امتدت الحياة تزداد الغمة ويعظم التناكر، ونسأل الله أن يجعلنا ممن يألفون ويؤلفون، أي يتحابون فيه؛ إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.

    ثبت في المسند وسنن الترمذي وابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: (لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء فيها كل شيء، عليه صلوات الله وسلامه، ولما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أظلم فيها كل شيء). هذا بداية التغير وحصول التغيير.

    يقول أنس: (وما فرغنا من دفنه عليه صلوات الله وسلامه حتى أنكرنا قلوبنا). وفي رواية: (ما نفضنا الأيدي من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا). وهذا الأثر الذي روي عن أنس رضي الله عنه ويخبر به عما حصل بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام شعر به سائر الصحابة الكرام.

    ففي مسند البزار بسند جيد كما قال الحافظ في الفتح في الجزء الثاني صفحة ثمان وتسعين ومائة، والأثر رجاله رجال الصحيح، كما في المجمع في الجزء التاسع صفحة ثمان وثلاثين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: ما نفضنا أيدينا عن تراب نبينا عليه الصلاة والسلام حتى أنكرنا قلوبنا. ما نرى فيها الصفاء والنور والمحبة التي كانت فيها في حال حياته عليه صلوات الله وسلامه.

    وهذا الحديث كنت ذكرته في مواعظ مرت في مباحث النبوة وما تكلمت عليه إلا بما تكلمت عليه في هذه الموعظة.

    لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام المدينة أضاء فيها كل شيء، ولما قبض وخرج عليه صلوات الله وسلامه أظلم فيها كل شيء. وقام بعض الناس من هذه البلدة ووجه سؤالاً لبعض المشوشين الذين لا يتقون رب العالمين فيما يقولونه عن هذا الحديث الذي يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام عندما دخل أضاءت المدينة وأضاء فيها كل شيء، ولما قبض أظلم فيها كل شيء. فقال: إن الحديث صحيح، لكن ليس على حسب المعنى الذي يفسره الرجل. وأنا ما فسرته بتفسير حسي ولا معنوي، فلما ذكرت هذا الحديث، قال: لا يجوز أن نقول: المدينة المنورة. ذكرت كلامه، وهذا يقوله بعض الناس ممن له شأن في هذه الأيام. قال: لا يجوز أن نقول: المدينة المنورة. هذا غلو وما ورد. قلت: على رسلك، وذكرت هذا الحديث شاهداً على ذلك، أما تنورت بنبينا عليه الصلاة والسلام؟ وهنا أنس يقول: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء فيها كل شيء.

    وعليه يجوز أن نقول: المدينة المنورة، لأنها تنورت وأضيئت وابتهجت بخير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه، لكني ما فسرت الحديث بأمر حسي ولا بمعنوي، فهذا يقول: ليس كما يفسره الرجل. فقلت لبعض الإخوة: أنا ما فسرت الحديث بشيء لا حسي، ولا معنوي. من أين علم هو تفسيري؟ فقال لي بعض الإخوة: الذي يعلم ما في قلبك هل أنت مخلص أم لا يعلم بأي شيء تفسر الحديث، إنه عندما علم أنك لست بمخلص -هذا مطلع على الغيب- يعلم أنك لو فسرت الحديث ستقول: أضاءت المدينة كما تضاء في السلك الكهربائي. فقال: الذي علم أنك لست بمخلص، كنت أتمنى أن يكون مخلصاً وإن كان مخطئا، لكن لا إخلاص ولا صواب، فإذا علم ما في قلبك واطلع بأنك لست بمخلص لربك، فمن باب الأولى سيعلم أنك تفسر هذا الحديث بأن النبي عليه الصلاة والسلام عندما دخل كأنه أوقدت فيها السرج والمصابيح، وصارت كهرباء تضيء. هكذا أنت إذاً تقول. قلت: إن كان كذلك فمقبول. نسأل الله أن يتوب عليهم!! لكن هذا سفه، ووالله أنا أعجب هذه الأيام من أناس كلما قلت كلمة كأنك وخزته بسهم مسموم تقول: المدينة المنورة. يقول: هذا كلام المخرفين.

    لكن نحن نقول: البلدة المباركة، البلدة نعيش فيها، وحل بها خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه.

    فما الحرج أن يقال هذا؟ وردت آثار أنه حصل به النور والبركة والسرور. ثم قال بعد ذلك: هذا اطلاع صوفي، الصوفية يقولونها، قلت: يا عبد الله! افرض أنهم قالوها فإذا كان حقاً فما المانع؟ وهذا مثل الذي جاء وقال لي: فلان أنا اتهمه بالبدعة والتخريف والضلال، قلت: لم؟ قال: وجدت شيئاً أعرضه عليك، أخشى أنني أسيء الظن به. قلت: ما هو؟ قال: إذا صلينا المغرب وانصرفنا يمكث في المسجد يذكر الله حتى صلاة العشاء. قلت: يذكر الله بصيغة مبتدعة هو هو، الله، الله، قال: لا ما أسمعه، جالس فقط، لنفسه يذكر الله، أراقبه دائماً يجلس بعد المغرب إلى العشاء. قلت: لم تسيء الظن به؟ قال: ذكر الله من علامة الصوفية؛ يعلم الله أنه قال لي: هذا من علامة الصوفية لأنه في المسجد يذكر الله.

    قلت: يا عبد الله! ذكر الله من خصائص الصوفية؟ قال: نعم. قلت: إذاً هو المهتدي وأنت الضال، أنت لا تسيء الظن إلا بنفسك يا عبد الله.

    مراحل التغير التي أدركها الصحابة

    انظر إلى مراحل التغيير التي أدركها الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    ثبت في المسند وصحيح البخاري بوب عليه البخاري في كتاب الأذان، باب إثم من لم يتم الصفوف، في الجزء الثاني صفحة ألف ومائتين في فتح الباري، ثم روى عن بشير بن يسار الأنصاري، قال: قدم أنس رضي الله عنهم أجمعين المدينة، أي قدم من البصرة إلى المدينة بعد موت نبينا عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، فقيل له: ما أنكرت منذ عهدت النبي صلى الله عليه وسلم؟ ماذا طرأ في المدينة هل تغيرت عما كانت عليه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وفي حياته؟ فقال أنس: ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف. هذا تغيير يسير وقع في الصدر الأول، صفوفكم معوجة، وإذا اعوج الظاهر اعوج الباطن.

    ثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي في كتاب مواقيت الصلاة من صحيح البخاري في باب تضييع الصلاة عن وقتها، قال الزهري محمد بن شهاب : دخلت على أنس رضي الله عنه في المسجد أي: في مسجد بني أمية في دمشق، وهذا كان عندما جاء أنس من البصرة إلى دمشق يشكو الحجاج بما يقع من جور وظلم على العباد. قال: دخلت على أنس وهو في المسجد يبكي، فقلت: أبا حمزة ! ما يبكيك؟ أنت صاحب النبي عليه الصلاة والسلام ما حدث لك هنا؟ ما يبكيك؟ قال: لا أعرف شيئاً مما أدركت عليه الناس -يعني: في عهد النبي عليه الصلاة والسلام- إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت. ويقصد بإضاعتها: تأخيرها عن وقتها، وكان بنو أمية يفعلون ذلك.

    وفي رواية الترمذي عندما قال أنس: ما أعرف شيئاً مما كنا عليه؟ فقال أبو عمران الجوني وهو من التابعين: فأين الصلاة؟ نحن نصلي وأنت تقول: ما تعرف شيئاً مما كنتم عليه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. فقال أنس : أولم تصنعوا في صلاتكم ما قد علمتم من اختلاف الصفوف وتأخير الوقت؟ فما بقي شيء مما كنا عليه على استقامته وعلى وضعه الشرعي.

    قال الحافظ في الفتح: هذان الأثران يدلان على أن أهل المدينة في ذلك الزمان أفضل من غيرهم في التمسك بالسنن.

    وقد تكرر مثل هذا عن الصحابة الكرام، ففي مسند الإمام أحمد في الجزء السابع صفحة ثلاث وأربعين وأربع مائة عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه دخل إلى بيته مغضبا فقالت له زوجه رضي الله عنهم أجمعين: من أغضبك؟ قال: والله لا أعرف فيهم من أمر النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً.

    وفي موطأ الإمام مالك عن مالك بن أبي عامر الأصبحي وهو من التابعين أدرك عمر وعثمان وعائشة وأبا هريرة رضي الله عنهم أجمعين، وهو ثقة، والحديث مخرج في الكتب الستة، قال: ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة.

    وهذا الآن زاد على ما كان في وقت الصحابة.

    قال الإمام الزرقاني في الجزء الأول صفحة خمسين ومائة في شرح الموطأ ناقلاً عن ابن عبد البر : فيه أن الأذان لم يتغير عما كان عليه في ذلك العصر. وكذا قال عطاء : ما أعلم تأذينهم يخالف تأذين من مضى. وفيه: أي في هذه الآثار إشارة إلى تغير الأحوال عما كانت عليه في زمن الخلفاء الراشدين الأربعة في أكثر الأشياء رضي الله عنهم أجمعين.

    والبحث يحتاج إلى شيء من التكملة لعلنا نكمله في أول الموعظة الآتية ثم ننتقل إلى بقية مباحث الطهارة إن شاء الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيرا.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار!

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا! اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا!

    اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا!

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، والحمد لله رب العالمين.