إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [7]

شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [7]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان عبد الله بن مسعود من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن أشد الناس خوفاً وخشية من الله سبحانه وتعالى, فهو العالم الرباني, والمجاهد في سبيل الله, والورع عن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقد كان ناصحاً أميناً مخلصاً عاملاً بعلمه كثير الدمعة، دائم الخشية يتمنى الموت والمرض والفقر شوقاً وتواضعاً لله سبحانه وتعالى، فرضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    رأي عبد الله بن مسعود فيمن مات عن امرأة ولم يدخل بها ولم يسمّ لها مهراً

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهّل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس ترجمة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وقلت: سنتدارس ترجمته الطيبة المباركة ضمن ثلاثة أمور: أولها: فيما يتعلق بنسبه ونشأته وصلته بالنبي عليه الصلاة والسلام، وقد مر الكلام على الأمر الأول فيما مضى.

    والأمر الثاني: في منزلته العلمية في الشريعة الإسلامية، وكنا نتدارس هذا الأمر في اللقاء الماضي، وسنكمله في هذا اللقاء وما بعده بعون الله وتوفيقه.

    والأمر الثالث: في نبذة من أقواله الحكيمة المحكمة، وإرشاداته القويمة القيّمة، نختم ترجمته بهذا الأمر الثالث إن شاء الله.

    كنا نتدارس الجانب الثاني من ترجمته الطيبة المباركة فيما يتعلق بمنزلته العلمية، وآخر شيء ذكرته فيما مضى شدة احتياطه في روايته عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وكان يمر عليه أحياناً العام بأكمله ولا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وتقدم معنا من هو عبد الله بن مسعود ، فهو الذي كان يصاحبه في سره وعلنه، وسفره وحضره، وداخل بيته وخارجه، ومع ذلك كان يحتاط غاية الاحتياط، فتمر عليه السنة ولا يقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام, وأحياناً السنة والنصف، وإذا تحرك لسانه أحياناً بالحديث يعتريه الوجل والخشية والخوف، فيضطرب جسمه وتتحرك عصاه؛ من شدة خوفه عندما يريد أن يحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    والسبب في ذلك أن الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام شديد، وأن الإنسان إذا لم يتيقن من الرواية فلا يجوز أن يضيفها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فمن حدث عن نبينا عليه الصلاة والسلام بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين كما تقدم معنا تقرير هذا.

    ووصلنا إخوتي الكرام إلى احتياطٍ آخر من احتياطات عبد الله بن مسعود ، كما كان يحتاط في الرواية عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، كان يحتاط في الفتيا، وكان يقف أحياناً في المسألة شهراً لا يجيب فيها إلا بعد منحة، فاستمع لهذه القصة التي ينبغي أن نعتبر بها، وأن تكون نصب أعيننا فيما نجيب به عن أمر ديننا.

    ثبت في مسند الإمام أحمد والسنن الأربع، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في السنن الكبرى، وقد صححه الحاكم وأقره عليه الذهبي ، وقال الإمام ابن حزم رحمة الله ورضوانه عليه وعلى أئمتنا أجمعين: لا مغمز فيه لصحة إسناده. نعم حول هذا الحديث كلام، لكن جميع رجال الإسناد ثقات أثبات، أئمة هداة, لا مغمز فيه لصحة إسناده.

    ولفظ الحديث: عن مسروق رضي الله عنه وأرضاه قال: أُتي عبد الله بن مسعود بمسألة في بلاد الكوفة جاءه أناس وسألوه، وخلاصة مسألتهم: أن رجلاً توفي بعد أن عقد على امرأة ولم يدخل بها، ولم يسمِّ لها مهراً.

    فلو كان دخل بها ولم يسمّ فالمسألة لا إشكال فيها, بالإجماع لها مهر المثل، ولو سُمّي المهر وتوفي فلا خلاف بالإجماع يجب دفع ما سُمّي, وإن كان لم يدخل بها.

    لكن في هذه المسألة لا يوجد تسمية للمهر ومات قبل الدخول، فما الحكم؟

    فقال: ما عرضت عليّ مسألة أشد من هذه المسألة، بعد أن شاركت رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا أملك نصاً فيها، فكيف أتكلم فيها؟ أخّروا سؤالكم حتى أستشير الناس وأسأل هل أحد يعلم سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك؟

    فعاودوه المرة بعد المرة حتى مضى شهر كامل، ثم قالوا له: أنت صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنت معلمنا في الكوفة، فمن نسأل إذا لم تجبنا أنت؟ فلا بد أن تجيب. فقال رضي الله عنه وأرضاه: فالآن أقول فيها برأيي وأجتهد؛ أي: بما أنه لا يوجد نص من كتاب الله ولا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام سأجتهد، واجتهاده سيوافق قضاء النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن السنة تسري في كل ذرة من ذراته، فهو وإن لم يقف على كلام النبي عليه الصلاة والسلام لكن الهدي العام عنده سيقيس النظير بالنظير، والمثيل بالمثيل, وسيصل إلى الحكم الذي هو مقرر في شرع الله الجليل.

    فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله من ذلك بريئان، ولا يضاف الحكم إلى الشريعة المطهرة، إنما أنا أخطأت, والشيطان هو الذي وسوس لي بهذا الحكم, فإن أصبت ففضل من الله، وإن أخطأت فالإنسان محل للخطأ والتقصير والنسيان، وهذا حاله.

    ثم قال: لها مهر مثلها، ولها الميراث وعليها العدة. العدة لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط. لا وكس أي: لا نقص، ولا شطط: ولا زيادة.

    هذا قضائي في هذه المرأة.

    فقام ناس من أشجع، وفي بعض الروايات: منهم معقل بن سنان, فقال: ( أبا عبد الرحمن! حضرت النبي صلى الله عليه وسلم فقضى فيها بمثل قضائك في بروع بنت واشق ). فـبروع امرأة عندما توفي زوجها هلال بن مرة الأشجعي ولم يفرض لها، ولم يدخل بها، قضى النبي صلى الله عليه وسلم بأن لها مهر مثلها، وعليها العدة، ولها الميراث.

    فكبّر عبد الله بن مسعود وما فرح بشيء بعد الإسلام كفرحه بأن وافق قضاؤه في هذه المسألة قضاء النبي عليه الصلاة والسلام.

    فانظر إلى هذا الاحتياط, شهر كامل يؤخر القضاء في هذه المسألة، وهذا القضاء الذي قضى به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، نقله ناس من أشجع عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    أقوال الفقهاء فيمن مات عن امرأة ولم يسمِّ لها

    وهذا القضاء اختلف الأئمة الفقهاء نحوه بكلامٍ حول الحديث سيأتينا، وما أحد أخذ بهذا القضاء من الأئمة الأربعة دون تردد إلا أبو حنيفة فقط، فعنده لو عقد على امرأة ولم يفرض لها مهراً ومات قبل أن يدخل بها، عليه مهر المثل، وترث منه، وعليها العدة، هذا لا خلاف فيه عند الحنفية قولاً واحداً.

    أما الإمام الشافعي والإمام أحمد فلهما قولان فيه, القول الاول: لها مهر المثل كقول أبي حنيفة ، القول الثاني: لها نصف مهر المثل؛ قياساً على المطلقة قبل الدخول إذا سُمّي لها المهر، فلها إذا طُلِّقت نصف المهر؛ كما قال الله جل وعلا: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:237].

    والإمام مالك يقول: ليس لها شيء على الإطلاق, فإذا مات زوجها ولم يسمِّ لها مهراً فلا شيء لها، إنما لها الميراث وعليها العدة، لكن لو سمّى لها المهر فلها ما سُمّي.

    رأي الفقهاء في حديث بروع بنت واشق

    إخوتي الكرام! هذه الأقضية التي قضى بها أئمتنا لا بد من بيان ملحظها، فعندنا نحن سنة ثابتة, فكيف وجد هؤلاء الأئمة هذه السنة الثابتة؟

    فأما الإمام الشافعي رحمة الله ورضوانه عليه قال: هذا حديث لا أحفظه من وجه يثبت مثله, فهذا الحديث عندي أنا معلوم، فلا يقولن أحد بعدي: ما بلغت الإمام الشافعي هذه السنة فهي بلغتني، لكن أنا لا أحفظه من وجه يثبت فيه، يعني: أن الإسناد حوله كلام.

    ثم قال في الأم: إن كان ثبت حديث بروع بنت واشق فهو أولى الأمور، ولا حجة في أحد دون النبي عليه الصلاة والسلام, وإن كان إماماً جليلاً, فلا حجة في قوله دون النبي عليه الصلاة والسلام.

    ووجه الاعتراض على هذا الحديث أن هذا الحديث جرى حوله كلام بما يتعلق من ناحية الإسناد، فالإسناد فيه اضطراب, فمرة قالوا: ناس من أشجع، وفي بعض الروايات: معقل بن سنان ، وفي رواية أخرى يقول مسروق : معقل بن يسار .

    ولكن هذا في الحقيقة لا يقدح في إسناد الحديث، ولا يجب أن يكون فيه مغمزة؛ لأنه معقل بن سنان ، أو معقل بن يسار ، أو ناسٌ من أشجع إذا كانوا من الصحابة, وقد حضروا قضاء النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يضر من أعيانهم.

    فالاضطراب في الحقيقة منتف، والمقصود أنه حضر صحابي سواءٌ ضبط مسروق أو غيره اسمه أو لا، فهو معقل بن سنان ، أو معقل بن يسار ، أو ناس من أشجع فلا يضر ذلك, والصحابة إِذا جهلت أسماؤهم وأعيانهم فلا يضر بعد الوقوف على أنهم صحابة حضروا هذا القضاء من نبينا عليه الصلاة والسلام, فهذه علة.

    وعلة ثانية يقولها الواقدي : هذا حديث لم يعرف في بلاد الحجاز، وجاءني من الكوفة إليها، وكان بعض المحدثين يقول: نزلوا أحاديث أهل الكوفة كأخبار أهل الكتاب؛ فإن وجد لها أصل عند الحجازيين استدللنا بها وإلا توقفنا.

    وكذا أحاديث أهل الشام، فأهل العلم من الحجاز ولا شك في ذلك، فنبينا عليه الصلاة والسلام بين مكة والمدينة، فكون هذه السنة تُنقل من الكوفة وليس لها أصل في بلاد الحجاز وما ضبطها أحد، فهذا في الحقيقة ريبة في النفس ونحو هذا الخبر لا يكذّب، لكن نقول: لعله حصل وهم، أو نسيان، أو ذهول، أو عدم ضبط للقصة, فالمقصود عندنا مبرر في ترك العمل بهذا. وهذه المقولة في الحقيقة وإن قالها بعض المحدثين قاسية ومشكلة، وقد نقلها الإمام ابن تيمية في رفع الملام عن الأئمة الأعلام عن بعض المحدثين في صفحة 29، أنهم كانوا ينزلون أحاديث أهل الكوفة وأمصار المسلمين إذا لم يكن لها أصل في بلاد الحجاز كأخبار أهل الكتاب لا تصدق ولا تكذب، حتى يقوم الدليل على صحتها أو على بطلانها.

    قياس الفقهاء في هذه المسألة

    إذاً: إما اضطراب، وإما الأمر الثاني وهو أن هذا الحديث لا يعلم في بلاد الحجاز، فإذا لم يُعلم نتوقف فيه.

    إذا لم يعلم ولم يثبت، لم لم تأخذ بعد ذلك بالقياس الذي يُلجئكم إلى تقرير المهر المسلم لهذه المرأة التي مات زوجها قبل أن يدخل بها؟

    الحنفية رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين يقولون: الموت قبل الدخول كالوطء في تقرير المسمى.

    لو ماتت قبل الدخول كما لو وطئ في تقرير المسمى، يعني: لو فرض لها عشرة آلاف ريال، إن وطئ فلها المهر، وإن مات فلها المهر، فالموت قبل الدخول كالوطء في تقرير المسمى.

    فكذا في إيجاب مهر المسمى, يعني: أذا لم يطأ ولم يسمِّ لها مهراً فيجب عليه مهر المثل، نقول: نحن اتفقنا على أنه إذا سمّى لها مهراً فإن وطئها فلها المهر، وإن مات عنها فلها المهر.

    فإذاً: الموت قبل الدخول كالوطء في تقرير المسمى، فهذا أمر متفق عليه.

    وقول الحنفية صريح الكلام: فالموت قبل الدخول كالوطء في تقرير مهر المثل.

    فكما أن بالوطء يجب المهر إذا كان مسمى، ويجب مهر المثل إذا لم يسمَّ، فكذلك: إن مات قبل الدخول يجب المهر إذا كان مسمى، وإذا لم يكن مسمى فينبغي مهر المثل.

    وقال المالكية: لا مهر لهذه المرأة؛ لأنها فرقة على تفويض صحيح -تفويض يعني: عدم تسمية مهر- قبل فرض ومسيس، فلم يجب مهر، كفرقة الطلاق، فلو طلّقها قبل أن يسمِّ لها شيئاً فلا يجب لها شيء على الإطلاق، قال تعالى: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة:236] لها المتعة فضلاً لخاطرها، كأن ترسل لها هدية من ثياب وملابس.

    فلا يجب لها نصف مهر المثل، فلو سمّيت لها مهراً وطلقتها فلها نصف مهر المثل، فالمالكية يقولون: عندنا فرقة على تفويض صحيح قبل فرض ومسيس فلا يجب المهر، كفرقة الطلاق، فكما لو طلقها قبل أن يسمي لها مهراً, لا يجب عليه نصف مهر المثل فكذا لو مات قبل أن يسمي لها مهراً وقبل أن يدخل بها فلا يجب لها شيء، فهذه كفرقة الطلاق. وحقيقة القياس قوي وسليم.

    فقالوا إذاً: الأصل براءة ذمته، فلا يجب عليه مهر شيء منه، والحديث -كما قلت- عندهم يقولون: لا يصلح؛ لأنه جاء من بلاد الكوفة إلى بلاد الحجاز، فحول ثبوته نظر عندنا.

    أما الإمام الشافعي وأحمد عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه على القول بثبوته، وثبوت قياس الحنفية قالوا: يجب مهر المثل، وعلى القول بعدم ثبوت الحديث, قالوا: نعتبر الموت قبل الدخول كالطلاق قبل الدخول إذا سُمّي لها مهر، فهناك يجب نصف المهر، وهنا يجب نصف مهر مثلها.

    المسمّى, نصف مهر مثلها.

    فلو سمى لها مهراً وطلقها لها نصف المهر إذا لم يدخل بها، وهنا إن مات عنها فلها نصف المهر، فإذا كان ليس لها مهر محدد، فلها نصف مهر مثلها.

    فالإمام أحمد والشافعي عليهم جميعاً رحمة الله يقولون: لها مهر المثل؛ على حسب قول الحنفية، ولها نصف مهر المثل؛ قياساً على المطلقة قبل الدخول إذا سُمي لها المهر.

    والإمام مالك لا شيء لها، وأبو حنيفة يقول: لها مهر مثلها تماماً كاملاً.

    وبقية الأحكام متفق عليها, فالعدة لا بد منها، والقوت لا بد منه، لكن هل تأخذ مهر المثل أو لا؟

    فـأبو حنيفة يقول: تأخذه، وهذا أحد قولي الشافعي وأحمد ، وهو الذي رجحه الإمام النووي محقق المذهب الشافعي, قال في منهاج الطالبين الذي شُرح في السراج الوهاج, فالمتن للإمام الشافعي والشرح للخطيب الشربيني صفحة 392: وإن مات أحدهما -يعني: أحد الزوجين- قبلهما -قبل الفرض والوطء- لم يجب مهر المثل في الأظهر. قلت - النووي -: الأظهر وجوبه.

    بناءً على هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى بذلك، وهذا هو قضاء عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.

    المقصود بالمثل في قول الفقهاء: لها مهر المثل

    إذا وجب مهر المثل فالجمهور يقولون: المراد بالمثل خصوص الأقارب من جهة الأب، يعني: من جهة أبو هذه المرأة. كالأخت الشقيقة والأخت لأب، فلا تدخل أخت لأم، وتدخل بنات الأخ، وهكذا العمات. والأقارب من جهة الأب فلها مهر المثل.

    وقال الشافعية: لها مهر المثل فيما يساويها ويماثلها في عقلها، ويسارها، وبكارتها، وثيوبتها, وما اختلف به غرض النكاح ككونها كبيرة، أو صغيرة، نقدرها بمثيلاتها في البلدة.

    وإلى نحو هذا ذهب الإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله فقال: كحالها، ومالها، وشرفها، ولا يختص ذلك بأقاربها.

    فالحديث -كما قلت- واحد، واختلف أئمتنا, والشافعي من ورعه وديانته علّق القول به على صحة الحديث، قال شيخ الإمام الحاكم وهو أبو عبد الله الأخرم محمد بن يعقوب الذي توفي سنة 344هـ، وهو الذي اختصر صحيح مسلم وندم على اختصاره وقال: من حقنا أن نجتهد في تكثير الصحيح لا باختصار الصحيح وتقليله.

    فـابن الأخرم عليه رحمة الله يقول: لو أدركت الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله لقمت على رأسه على رءوس الأشهاد وقلت: يا إمام قد صح حديث بروع بنت واشق فقل به، وأنت تقول: لو صح حديث بروع لقلت به.

    وقد قال الشافعي : أن حديث رسول الله هو أول الأمور، ولا حجة في قول أحد دون قول الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن كبر.

    إذاً يقول الإمام ابن الأخرم -شيخ الإمام الحاكم , وينقل عنه هذا الإمام الحاكم في المستدرك في الجزء الثاني صفحة 180- يقول: لو أدركت الشافعي لقمت على رأسه على رؤوس الأشهاد وقلت: يا إمام! قد صح حديث بروع فقل به، فقل: يجب للتي لم يسمَّ لها مهر إذا مات عنها زوجها، مهر المثل، وعليها العدة، ولها الميراث، وإن ماتت قبل زوجها. فزوجها يرث بعد ذلك منها على أنه زوج، وهنا لا يوجد فرع وارث إذا لم يكن لها أولاد من غيره وهو أول من تزوجها، فله نصف مالها، فيعطيها مهر المثل ثم يأخذ نصفه، ثم يأخذ نصف مالها الآخر. هذا إذا ماتت قبله لها مهر المثل، ثم هو وارث من الورّاث يوزع المال حسب ما بيّن ذو العزة والجلال.

    إخوتي الكرام! كما قلت: حديث واحد، ومع ذلك اختلفت أنظار الأئمة نحوه.

    أريد أن تكلم باختصار حول هذه القضية كلاماً ينفعنا لنكون على بيّنة من أمرنا.

    1.   

    أسباب اختلاف الأئمة في المسائل الفقهية

    إخوتي الكرام! عبد الله بن مسعود ديانته وورعه واحتياطه وخشيته أوجب عليه أن يتوقف في هذه المسألة شهراً كاملاً، ولما لم يجد مناطاً ومخرجاً من بيان الحكم الشرعي في هذه القضية، بذل ما في وسعه حسب أصول الشرع، وقد وافق قضاؤه قضاء النبي عليه الصلاة والسلام، فهنيئاً له، ولذلك فرح فرحاً ما فرح بعد الإسلام بمثله.

    الأئمة الآخرون الذين وقفوا نحو هذا الحديث ما وقفوا لهم أعذار، ولا يجوز بحال أن نتسفه على إمام من الأئمة، فلما يأتي المالكي يقول: هذا الحديث حوله نظر، فنحن لا نسلّم بثبوته فهو كوفي لا أصل له في شيء، فعليه ننازع بعد ذلك, أنتم قلتم-الحنفية- بالنسبة للموت يجب المهر إذا سُمّي نحن معكم كالوطء، لكن إذا لم يسمَّ لا نوافقكم على قياسكم بأنه يجب مهر المثل، نقول: هذه فرقة على تفويض صحيح قبل فرض ومسيس فلا يجب شيء فيها كفرقة الطلاق، فليس لهذه المرأة شيء.

    هذا القول الذي قاله المالكية وهم عليه قولٌ معتبر، وإن كان فيما يظهر لنا -والعلم عند الله- أن قول أبي حنيفة -كما قلت- هو أشد الأقوال وأوثقها.

    فمن العجب أنه عندما يختلف الأئمة ترى قول أبي حنيفة رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين هو أقرب الأقوال وأوثقها للآثار الثابتة، وإن كان هذا الثبوت كلام، لكن هو يقول بهذا.

    والإمام الشافعي يُعتبر قوله الآن موافقاً لقول أبي حنيفة فله قولان، ورجح الإمام النووي القول الذي يوافق قول أبي حنيفة ، فبقي للحنابلة قولان -كما قلت- وللمالكية قول واحد. فما السبب في هذا الاختلاف؟

    نقول: هذا يقرر لنا ما قرره أئمتنا، من أن علماء الإسلام لا يأخذون حكماً إلا من نصوص الشرع ولا بد، ولا يوجد إمام من الأئمة إلا ويرى أن طاعة النبي عليه الصلاة والسلام واجبة ظاهراً وباطناً سراً وعلناً، ويجب تقديم قوله على قول كل أحد بعده، ولا خلاف فيه, ولذلك حصل الاختلاف حول هذا الحديث وغيره لثلاثة أسباب ذكرها الإمام ابن تيمية في رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ثم فرّع هذه الأسباب الثلاثة إلى عشرة أسباب تفصيلية:

    السبب الأول: عدم ثبوت الحديث

    السبب الأول عند الأئمة في عدم الأخذ بحديث من الأحاديث الثابتة عند غيرهم: عدم اعتقادهم أن النبي عليه الصلاة والسلام قاله. فهذا ما ثبت عنه، ونحن في شك من نسبته إليه.

    فإذا لم يثبت عنده، كما تقدم كلام الشافعي : لا أحفظه من وجه يثبت مسنداً. يقول: أنا أعلم بهذا الحديث، لكن ما ثبت عندي من طريق يحتج به، وعلى هذا يتوقف العمل به، فهذا لا يقال أنه خالف السنة. فرجع بعد ذلك للأدلة العامة لأخذ حكم الله في هذه القضية.

    إذاً: السبب الأول: يعتقد أن حديث النبي عليه الصلاة والسلام ما ثبت عنده أن هذا ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام.

    السبب الثاني: الاختلاف في فهم الحديث

    السبب الثاني: إذا ثبت الحديث عنده قد يقول: لا يراد به تلك المسألة التي تفهمها أنت من الحديث، فالحديث ثابت، لكن لا يفهم منه هذه الدلالة أنا لا أسلّم بذلك.

    ومثال ذلك حديث:( لا يصلين أحدٌ منكم العصر إلا في بني قريظة ) فالحديث ثابت, والصحابة سمعوه من النبي عليه الصلاة والسلام، لكن بعد ذلك ماذا يراد من هذا الحديث؟ هل يراد تأخير الصلاة أوالإسراع؟ بقي كل واحد الآن له اجتهاد.

    فبعضهم قالوا: المراد الإسراع, ولا يراد تأخير الصلاة, وعدم صلاتها في وقتها.

    وأولئك قالوا: لا, بل يراد منه التأخير، فالحديث ثبت، لكن اختلف ما المراد منه؟ وهذا العذر، مع أن الحديث ثابت، لكنهم فهموا منه شيئاًأنت لم تفهمه، فلا يجوز أن تقدم فهمك على فهمه تقول: لا, الحديث ثابت يا عبد الله! ثابت لا إشكال فيه لكن هل يراد بالحديث تلك المسألة التي فهمتها أنت؟ أو المسألة التي فهمتها أنا؟ فهذا بالنسبة لأقوال أئمتنا عند النظر في كلامهم، فعندما يكون لهؤلاء الأئمة أحاديث اختلفوا في الفهم، نقول: لا يقدّم فهمٌ على فهم نص غيره, فلا نقدم فهم أبي حنيفة على فهم الشافعي رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين فتبقى هذه الأقوال مما تتسع لها الصدور وكلها هدى، والذي يعضد بواحد منها على الآخر، فإن يظهر لك قول فاعمل بما تريد، لكن اضبط لسانك ولا تبلبل.

    السبب الثالث: اعتقاد ثبوت الحديث والمراد منه لكنه منسوخ

    السبب الثالث: يقول: يعتقد ثبوته، وأنه أريد به تلك المسألة، لكن يقول: إنه منسوخ بنصوص أخرى؛ وعليه لا يعمل به.

    فهذه الأسباب الثلاثة هي جماع الأسباب لأئمتنا الأبرار في اختلافهم نحو أحاديث نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه في عدم الأخذ بها لضعفها، أو لعدم الأخذ بالدلالة التي فيها حسب ما يظهر لنا، وإن كان الحديث ثابتاً فلا يجوز أن تحتج عليه أنت لأنه ثبت عندك, فكونه ثبت عندك فلا تبني عليه ما شئت من أحكام، وستسأل عن ذلك أمام ذي الجلال والإكرام، فالحديث يأتينا من الكوفة إلى المدينة المنورة لا نقبله؛ لأنه أوقع في قلبنا ريبة، لكن لا نستطيع أن نقول: إن من قال بهذا الحديث إن قوله مردود باطل.

    لكن إذا ثبت الحديث -الكوفي، أو البصري، أو المكي، أو المدني وأصحابه عدول- وقال: هذا حديث ثابت ولكن سأخالفه، لكان كافراً، وللعنه الله لعناً عظيماً، وللعنته الأمة بعد ذلك، فلو قال: هذا ثبت ولا آخذ به لكفر.

    لكن لو قال: هذا الحديث في النفس نحوه شيء من الريبة فالحديث يروى في المدينة، ويحمل في المدينة، ثم لا يعلمه أحد ويأتينا من الكوفة، وكما قال من قال: نزلوا أحاديث أهل الكوفة منزلة أخبار أهل الكتاب.

    فنحن لا نحتج به، فهذا عذر، فهو الآن لا يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام قاله، إنما تركه؛ لأن في النفس من ذلك شيئاً وكذلك إذا ثبت لكن ما أريد به ما فهمت أنت، وكذلك إذا ثبت وأُريد به ما فهمت لكنه منسوخ؛ فهذه الأعذار الثلاثة وزعها وفصلها شيخ الإسلام ابن تيمية -كما قلت- إلى عشرة أسباب، وكتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام من أوله إلى آخره في قرابة 140 صفحة في شرح هذه الأسباب العشرة فقط وما خرج عنها.

    يأتي ويفصلها فيبين موقف الناس والأئمة نحوها, وأذكرها باختصار دون تمثيل.

    إذاً: الأسباب العشرة مفصلة أولها: لم يبلغ الإمام حديث النبي عليه الصلاة والسلام.

    الثاني: بلغه الحديث، لكن لم يثبت عنده.

    ثالثاً: علمه بالحديث، لكن رأى ضعفه لسبب لا يراه غيره. كهذا الحديث الذي معنا أنه ينزّل منزلة أخبار أهل الكتاب، وأن مصدر الحديث إذا لم يكن حجازياً فلا يعوّل عليه، فحديث الكوفة يتوقف فيه.

    وفي ترجمة إبراهيم النخعي يقرر أئمتنا هذا فيقولون: ما كان أحد أرد للحديث منه. وهو شيخ المسلمين في زمنه، فإذا رأى في الحديث ريبة أو شبهة في إسناده وفيه كلام، فكان يتوقف. فهذا من باب الاحتياط.

    فإذا كان هذا حديثاً ثابتاً, ويقول: هذا مردود، فهذا كفر! وحاشا أن يفعله أحد من أئمة الإسلام، لكن متى ما اشتبه في أمر من الأمور نحو الحديث توقف؛ فحقيقة هذا ورع وديانة واحتياط.

    ذكر بقية الأسباب في اختلاف الأئمة والفقهاء

    السبب الرابع: قد يختلق شروطاً في الأحاديث، لا سيما في حديث الآحاد التي لا توجد عند غيره، فيقول: حديث الآحاد إذا لم يجر به العمل فأنا لا أقول به, فهذا مما يدل على أن هذا الحديث منسوخ، فإذا كانت السنة الثابتة لا يعمل بها المسلمون في الصدر الأول فهذا سبب يفيد رد الحديث، وأن هذا حوله شيء يشترط شروطه.

    فيأتينا مثلاً عمل أهل المدينة الذي كان يعوّل عليهم الإمام مالك ، كان يقدمه على خبر الآحاد، ويقول: هذا عمل تلقاه التابعون عن الصحابة والنبي عليه الصلاة والسلام بينهم, فإذا وجدت سنة فردية تخالف ما عليه عمل أهل المدينة في القرن الثاني, فيدل على أن هذا الحديث منسوخ ومتروك، وإن كان ثابتاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، فصار حكمه كحكم القراءة الشاذة التي تروى من طريق آحادي، يعني: لا يقرأ بها وإلا لو كانت ثابتة لقرئ بها في المصحف وتلقاها القراء.

    وإن كان غير المالكية لا يعتبرون هذا، فلا يجوز أن تلزمه بشروطك، ولا باجتهادك، ولا برأيك, ومن الذي جعل قولك ديناً ثابتاً وقولاً معصوماً لتحكم به على غيرك؟!

    الحديث الثابت في صحيح البخاري: ( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره ).

    فهذا الحديث إذا ضعفه من جاء في هذا العصر -فأنت إذا فتحت هذا المجال ولم تقف عند ما قرره أئمتنا الأبرار- وهذا ليس من جملة الأحاديث التي انتقدها الدارقطني فما الفارق بينك وبين الغزالي؟ عندما يأتي ويقول: كل حديث يُعرض على عقلنا فحسبما نفهم من ديننا، فإذا لم يوافق نرده أبداً، وليس من أركان الإيمان أن نؤمن أن في أحد جناحي الذباب داء وفي الآخر شفاءً.

    فيقول: أرد حديث الذباب بلا غضاضة، ولا يقدح ذلك في ديني ولا في يقيني ولا في إيماني!

    ولذلك إخوتي الكرام! حقيقة عندما وجد في هذه الأمة من قال: باب الاجتهاد يغلق، والله ما أرادوا بإغلاقه إلا محافظة على دين الأمة، وعندما قالوا: التصحيح والتضعيف يترخص, ما أرادوا بهذا الكلام إلا محافظة على دين الأمة، ولا تظن أن الأمر معناه إلزام الناس بالتقليد: لا لكن لو تركت الأمور على الأهواء فلن تنضبط في العصور المتأخرة، مع علم قاصر وعدم ديانة، وكل واحد يقول: إن أصبت فلي أجران، وإن أخطأت فلي أجر.

    وأنا أقول: إن أخطأ فعليه وزران، وإن أصاب فعليه وزر، وإن أخطأ فعليه إثم الضال والمضل؛ لأنه لا يملك العدة التي تأهله لأن يزج بنفسه في هذه المجالات، فقف عند حدك. ولذلك إخوتي الكرام! لا بد من وعي هذا.

    السبب الخامس: من حدث ثم نسي فكان يروي الحديث عمن رواه عنه يقول: حدثني فلان، فهنا حفظه وثبت عنده لكن نسيه، فخالفه بعد ذلك، فله عذر في المخالفة، فالله لا يكلف نفسها إلا وسعها.

    فإذا ثبت عندنا هذا الحديث، وأن هذا الإمام نسيه حتماً يكون هذا تصحيحاً لقوله، وهذا الذي حصل من أتباع الأئمة، كما تقدم معنا كلام الإمام النووي في هذه المسألة التي نحن فيها قال والأظهر: وجوب مهر المثل.

    فنأتي بعد ذلك لعلماء هذا المذهب كيف حققوه وهذبوه؟ فإذا وجدوا أقوالاً فيها حديث بلغه ثم نسيه، أو حديث ما ثبت عنده لكن هو ثابت من طريق آخر عند غيره فقالوا: يُعمل به ويقدم, هذا كله جاء به بعد ذلك أتباع المذاهب. لذلك إذا خرج قولٌ عن المذاهب الأربعة ينبغي أن يتوقف الإنسان فيه حتى يموت، ولو قرر بأدلة ثابتة ثبوت الشمس في رابعة النهار فيحتاج الأمر إلى احتياط، فلا يكون هناك شيء خفي ما بلغنا, وقد يقول هذا الجاهل بشيء ثم يتراجع عنه لعدم تثبته في ذلك فيقول بعد ذلك: إن ما صححناه كان خطأ, والسبب في التصحيح أن أعيننا سبقت بالنظر إلى السطر الذي قبله، فقلنا: الحديث صحيح وهو ضعيف، كما يقول الآن المحدثون في هذا العصر, يصحح الحديث ثم بعد فترة يأتيك ويقول: سبق نظري إلى الكلام الذي قبله، أو ظننته فلاناً أو ما شاكل هذا، فقف عند حدك.

    إخوتي الكرام! الإمام ابن تيمية في صفحة 24 في رفع الملام يقول كلاماً والله لو كتبه طالب العلم على جبينه مع كتابته على قلبه لكان قليلاً لنعرف وضعنا.

    يقول: بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين -يعني: كتب السنة- كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير؛ لأن كثيراً مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول، أو بإسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية.

    فعندما يأتي لهذا ويقول: هذا حديث حسن، فحتماً قد يكون أحياناً في الإسناد آفة, فعلى الظاهر أن الحديث ضعيف وغريب، لكن قد يكون له من المتابعات والشواهد بعدد حروف هذا الحديث، وما بلغه شيء من ذلك -هذا كلام الإمام ابن تيمية - فلنعرف قدر أئمتنا.

    السبب السادس: عدم معرفة دلالته.

    السبب السابع: أن يرى أن الحديث لا دلالة فيه؛ لأنه إذا كان عاماً وقد خص، فيقول: لا يستدل بعد ذلك به بعد طروء التخصيص عليه, فلا دلالة في الحديث.

    السبب الثامن: أن يعارضه ما يدل على أن دلالة الحديث الظاهرة ليست مرادة، فعارضه أدلة أخرى.

    التاسع: أن يعارضه نصوص تدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله.

    عاشر هذه الأسباب: أن تعارضه أمورٌ ثابتة عند المجتهد ويراها معارضة للحديث، ولا يرى غيره هذه الأمور معارضة.

    فنقلة الحنفية يقولون: خبر الآحاد إذا خالف ظاهر القرآن لا يُعمل به. ففي حديث الشاهد واليمين نتوقف؛ لأن الله يقول: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282] فشاهد ويمين ثبتت في الحديث، لكن خالف ظاهر القرآن فلا يُعمل به.

    هذه الأمور التي قررها الحنفية كنظير ما قرره المالكية في عمل أهل المدينة وعند الشافعية والحنابلة لا يوجد هذا فهؤلاء رأوا أن هذه علة تعارض الحديث، وفي وقوفهم عن العمل به، وأولئك لم يروا هذا.

    ولا يقال: رد الحديث، والله لا يرد الحديث إلا من لعنه الله العزيز، لكن يقال: من عنده علة أوجبته عن العمل بظاهر الحديث، فمن الأئمة من سلّم ومنهم من لم يسلم.

    فمن جاء وتبع أبا حنيفة في هذه المسألة وقال: القضاء بشاهد ويمين أنا لا أراه، لا تقل: خالفت حديث النبي عليه الصلاة والسلام، نقول: إن عنده ظاهر القرآن, ولهذا الآن لا أتركه إلا ببينة تشبه القرآن في الثبوت، وهذا القول لا يعتبره الشافعية، ولا يعتبره الحنابلة، ولا يعتبره المالكية, فهم ما رأوه، لكن لا يجوز أن تقول عن الحنفية أنهم ردوا الحديث، أو خالفوا الحديث.

    وهكذا لما تأتي للمالكية ويقول: عمل أهل المدينة، أنه إذا حصل الإيجاب والقبول فلا خيار للمتبايعين، سواء حصل التفرق بالأبدان أو لم يحصل, فهذا قول الإمام مالك ، فلا يجوز أن يقال عن مالك ما قاله ابن أبي ذئب رحمة الله ورضوانه عليهم قال: مالك رد الحديث ينبغي أن يستتاب, فإن تاب وإلا ضربت رقبته.

    لا والله ما رد الحديث، وهو ما آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام إلا لأنه رسول الله، يعلم أن كلامه ينبغي الاحتكام إليه, لكن مالكاً كان يقول: إذا تعارضا قوي وأقوى يقدّم الأقوى، والحديث قوي -فما قال: الحديث باطل- لكن عندنا ما هو أقوى، فقدّم الأقوى وهو عمل أهل المدينة عن الصحابة وبينهم النبي عليه الصلاة والسلام، فهل ذكر في هذا حديث بعد ذلك ( البيعان بالخيار ما لم يفترقا ) أو قال: ( حتى يفترقا؛ فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ).

    فالآن عمل أهل المدينة يقرر أن المراد من التفرق التفرق -بالأقوال الإيجاب والقبول- بعت واشتريت سواء تفرق بعد ذلك بالأبدان أو لم يتفرق؟ فهذا موضوع آخر اعتبره الشافعية، أو الحنابلة أولا.

    وينظم إلى تلك الأسباب -كما قلت- احتياط عبد الله بن مسعود في الفتيا كيف توقف شهراً, ثم قضى بأن المفوضة التي لم يفرض لها مهر إذا مات زوجها قبل أن يدخل بها فلها مهر مثلها، وعليها العدة، ولها الميراث. وتقدم معنا أن قضاء نبينا عليه الصلاة والسلام مثل هذا وقلت: إن الحديث صحيح في المسند والسنن الأربع وصحيح ابن حبان والمستدرك وغير ذلك.

    1.   

    ثمرة العلم عند عبد الله بن مسعود

    إخوتي الكرام! قبل أن ننتقل إلى الجانب الثالث من جوانب ترجمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيما يتعلق بنبذة من أقواله، فهذا العلم الذي كان في هذا الغليّم المعلَّم رضي الله عنه وأرضاه كان له ثمرة في نفسه، وثمرة العلم العمل والخشية من الله عز وجل، فلنتحدث على ثمرة العلم في نفس هذا العبد الصالح عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.

    وصية عبد الله بن مسعود لطلبة العلم

    إخوتي الكرام! علمٌ بلا عمل كشجر بلا ثمر، والشجر إذا لم يكن مثمراً لا يصلح إلا للحرق, أي: أنه يحرق من أجل أن ينتفع الناس به، وعالمٌ لا يعمل ينبغي أن يحرق بنار جهنم، نسأل الله أن يتوب علينا.

    ولذلك كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه يوصي طلبة العلم والمسلمين بأن يتعلموا، فإذا علموا ينبغي أن يعملوا.

    يقول -كما في الحلية- واقتضاء العلم العمل، للفقيه البغدادي وهو رسالة صغيرة نافعة، هي في أن طالب العلم ينبغي أن يعمل بعلمه, (اقتضاء العلم العمل) اسم الكتاب هكذا، في صفحة 23، وفي الحلية في الجزء الأول صفحة 131: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: تعلموا تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا.

    وكان يقول -كما في كتاب الزهد للإمام أحمد صفحة 156، والحلية-: تعلموا فمن علم فليعمل، ويلٌ لمن لا يعلم, ولو شاء الله أن يعلمه لعلمه، وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل يقولها: (سبع مرات).

    يعني: هلاكٌ للجاهل الذي لا يتعلم، ولو كان يعني علمه لعلّمه، لكن أشد هلكة منه عالمٌ لا يعمل بعلمه، وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل (سبع مرات).

    وكان يقول -كما في كتاب الزهد للإمام أحمد صفحة 158، والحلية-: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نورٌ يقذفه الله في القلب، وكفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار به جهلاً.

    وكان يقول: إني لأحسب الرجل ينسى العلم للخطيئة يعملها.

    والقصة الطريفة التي جرت من الإمام الشافعي عليه رحمة الله ورضوانه عندما وقع نظره على امرأة من غير قصد، لكن وقع في القلب كدر بواسطة هذه الرؤية، فبعد ذلك صعب عليه الحفظ، فلما شكا إلى شيخه وكيع قال له ما أشار إليه الإمام الشافعي :

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وأخبرني بأن العلم نورٌ ونور الله لا يهدى لعاص

    خشية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

    كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على جانب عظيم من عبادة الله والخوف منه وخشيته، فاستمع لحاله في ذلك: ثبت في مستدرك الحاكم في الجزء الثالث صفحة 315، وثبت في كتاب الزهد للإمام أحمد صفحة 56: عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وعبد الله بن مسعود هو عم أبيه رضي الله عنهم أجمعين.

    قال: كان عبد الله بن مسعود إذا هدأت العيون -يعني: في الليل- قام فيُسمع له دويٌ كدوي النحل بالقرآن.

    في أول الليل يأخذ هجعة، فإذا هدأت العيون ونام الناس قام، فيُسمع له دوي كدوي النحل بالقرآن, عبادة، وقنوت لله جل وعلا في الليل وعمل بهذا العلم، فإذا طلع السحر قال: اللهم إنك دعوتني فأجبتك، وأمرتني فأطعتك، وهذا سحرٌ فاغفر لي يا أرحم الراحمين.

    مقارنة بين بيوت المسلمين الآن وبيت عبد الله بن مسعود

    وتقدم معنا أن هذا كان يوجد منه في زمن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث متعددة، يسمر نبينا مع أبو بكر وعمر على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فإذا خرج بعد ذلك ومعه صاحباه أبو بكر وعمر ، ومروا بالمسجد بجوار بيت النبي عليه الصلاة والسلام يسمعون عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن, وهكذا كان بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، إذا هدأت العيون قام يُسمع له دوي كدوي النحل بالقرآن.

    وهذه كانت بيوت الصحابة الكرام في الليل، إذا أراد الإنسان أن يستأنس فليمش بين بيوت الصحابة ليسمع هذا الأزيز كأزيز النحل، لكن بالهمهمة بالقرآن وبتلاوة كلام الرحمن، فيُسمع هذا من خارج السور، لا سيما وبيوتهم في ذاك الوقت بيوتٌ صغيرة فالواحد منهم يأخذ بمقدار البلغة.

    فليس فيها ما في بيوتنا من أثاث وبلاء ومكيفات تصدّع الرأس، فإذا مر الإنسان والإنسان يتهجد يصل إليه صوته بالقرآن, لكن هذا يوجد الآن، يتمنى الإنسان لو أصيب بالصمم عندما يأتي لبيوت المسلمين ويمشي بينها في الليل، فلو كان في النهار لكان أخف فكل واحد في مصلحته، لكن في الليل تفرغوا لمبارزة الله بالمحاربة عن طريق هذا الجهاز الملعون الذي يسمى بالتلفاز.

    فاسمع بعد ذلك -كما يقال- عجائب غرائب، وقلة حياء يستحي من النظر إليها الشيطان الرجيم فضلاً عن غيره، ففيه مناظر أشكال وألوان، ورب الأسرة مع زوجته وبناته فلا يستحون. وتأمل الآن بيوت المسلمين فلا يخلو بيت من مائة بيت من هذا الجهاز وهذا نسبة كبيرة في أمصار المسلمين بلا استثناء، حتى وصل هذا الجهاز إلى القرى والبدو، تراه يسكن في بيت من شعر لكن عنده تلفاز وهو لا يعرف يده اليسرى من اليمنى، ولا يعرف يده من رجله، فإلى الله المشتكى.

    فهذه الأمة دينها انتزع من أحضاننا وهو في أحضاننا بواسطة هذا الجهاز الخبيث، كمثل ولدك ينتزع منك ويربى كما يريد عدوك وهو في حجرك وفي حضنك وأنت معه.

    فانظر كيف اهتدى أعداؤنا لهذا الأمر؟ فإذا علموا أنه ليس في بيتك حاربوك وقالوا: أنت في أي عصر تعيش؟! هؤلاء دعاة الإسلام دعك عن غيرهم، ولذلك ظلمة وظلم متتابعة في بيوتنا في هذه الأيام.

    وكما قلت: تأملوا أحوال المصلين عند صلاة الفجر، والله لو كان في الأمة من ينصف لوقف جلاداً على باب المسجد, وأخرج كل واحد جلدهم حتى يقطع جلده، يأتي يصلي فيتثاءب مائة مرة أقل تقدير، كما قال الله: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142] ثم بعد ذلك حكمه كحكم السكران عندما يصلي، فأي صلاة ستقبل منه؟!

    فالذي سهر في الساعة الواحدة على هذا الجهاز يحارب الله، كيف سيكون حاله؟ نسأل الله العافية، فلا بد من وعي حياة سلفنا لنقتدي بها.

    وقلت مراراً: إن مدارسة حياة الصحابة دين نتقرب به إلى رب العالمين، كيف كان يعيش الصحابة؟ فإذا هدأت العيون ينادي الحي القيوم، فيا عبد الله أنت بين أمرين: إما أن تنام وأن تستريح وتريح، وإما أن تخف رجليك لمناجاة ربك، فكيف تحارب الله وأنت طالب علم أو شيخ أو إمام مسجد وهذه البلايا في بيتك؟! لا إله إلا الله، كيف انتشر هذا في بيوتنا؟

    والله يا إخوتي الكرام! يحار الإنسان، فالسينما التي كانت سابقة أصبحت الآن تعتبر جنة بالنسبة للتلفاز؛ لأن السينما ما يدخل إليها إلا قليل حياء ساقط في الأسبوع مرة، ولا يضر إلا نفسه يعني: لا يأخذ زوجته، ولا يأخذ البنات، ولا الكبير والصغير والذي يهاب له في الطريق، فيذهب هو بنفسه.

    أما هذا الجهاز فألعن من السينما ليلاً نهاراً، يعني: السينما التي أنا أدركت الناس فيها لا يدخلها إلا الخبيث الساقط، والله إن السينما مع شناعتها أشرف بكثير من هذا الجهاز الذي غزا بيوتنا، فنفوض أمرنا إلى الله.

    وقلت مراراً: كل دعوة إلى الإصلاح والتربية بوجود هذا الجهاز في البيت لا قيمة لها، فأنت تصرخ في واد وتنفخ في رماد، وتضرب في حديد بارد. فكون هذا الجهاز موجوداً لا تتوقع أن يخرج من الجيل فائدة، وهذا الواقع في أولاد المسلمين، لا يصل كبيراً، ولا يعطف على صغير، ولا يتأدب بأدب، فلما نشأ على هذه الميوعة والخنوثة وقلة الحياء، فماذا سيكون حاله؟ نفوض أمرنا إلى الله إن الله بصير بالعباد.

    ذهب شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث ليتلقى العلم عن المنهال ، فتنغم من بيته فوق طنبور، يعني: آلة يضرب بها المنهال بن عمرو ، فرجع وقال في المنهال كل شيء. يعني: قدح شعبة في المنهال بسبب سماع الطنبور منه.

    وقال أئمتنا: على رسلك يا شعبة , فلو تحققت أن هذا الصوت من بيت المنهال وبعلمه لكان فسقاً فيه, وروايته مردودة، لكن ما الذي أدراك أن هذا من بيته؟ والبيوت متقاربة، فقد كان خرج من بيت الجيران وأنت ظننته من بيت المنهال فلا بد أن تتحقق, فلو طرقت الباب وقلت: أسمع صوت طنبور من بيتك, أما تتقي الله وأنت تنشر حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام؟!

    فإذا قال لك: من بيتي. فحكمك معتبر؛ لأنه سقطت عدالته الآن، ولكن إذا ما تحققت كنت ستقدح فيه.

    فحقيقة قد تأتي أحياناً إلى بيت إنسان فتسمع منه غناءً وقلة حياء، ويكون هذا من الجيران فتحمل هذا الوزر، فهذا في الحقيقة لا يصلح، فإذا كان هذا بسبب الطنبور، فكيف لو سمع بعد ذلك هذا البلاء الذي في بيوتنا؟ ماذا يقول شعبة عنا في هذه الأيام؟

    بعض الآثار التي تبين خشية عبد الله بن مسعود

    فهذه عبادة هذا العبد الصالح رضي الله عنه وأرضاه، وكان أيضاً علامة البكاء والخشية في وجهه وعينيه.

    وهذا زيد بن وهب وهو مخضرم, ثقة, أبو سليمان الكوفي ، توفي بعد 80 للهجرة عن 96 سنة, حديثه في الكتب الستة، يقول: رأيت عبد الله بن مسعود وبعينيه أثرين أسودين من البكاء.

    وفي كتاب الزهد للإمام أحمد : كان عبد الله بن مسعود إذا مر عليه حدادون وقد أخرجوا الحديدة محماة، يجلس ويبكي رضي الله عنه وأرضاه، يتذكر حر النار. فهذه عبادته وبكاؤه.

    وثبت في الحلية وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن مسروق قال: قال رجل عند عبد الله بن مسعود : أنا لا أحب أن أكون من أصحاب اليمين، فأريد أن أكون من السابقين المقربين. نسأل الله ألا يجعلنا ممن أعطى نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

    فقال عبد الله بن مسعود : لكن هاهنا رجلٌ -ويريد نفسه- ود إذا مات ألا يبعث؛ من خشيته وخوفه من ربه، وكان يقول كما في الحلية: لو أوقفني الله بين الجنة والنار، وقال: يا عبد الله! تريد أن تكون من أهل الجنة أو من أهل النار وأنت بينهما، أو أن تكون رماداً؟ قال: لاخترت أن أكون رماداً. ولا يرى نفسه أهلاً لمقابلة الله جل وعلا؛ لما يجري من البشر من تفريط في حق الله جل وعلا.

    وكان يقول كما في طبقات ابن سعد في الجزء الثالث صفحة 158، وكتاب الزهد للإمام أحمد : وددت لو مت ألا أُبعث.

    وكان يقول كما في الزهد للإمام أحمد : وددت لو كنت طيراً في منكبي ريش.

    وهذا القول إخوتي الكرام! وأمثاله مما نقل عن سلفنا الكرام، وتقدم مثيله عن نبينا عليه الصلاة والسلام: (وددت لو كنت شجرة تعضد) في سنن الترمذي وغيره، قلت: هذا كله ليس من باب الشك في قدرة الله، أو في يوم القيامة، أو من عدم رغبتهم في دار الكرامة لا، إنما من باب خوفهم من الله عز وجل، ومعرفتهم لتقصيرهم في حقه، فهذا لا بد من وعيه وضبطه. فهنا يقول: وددت إذا مت ألا أُبعث.

    تواضع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

    كان عبد الله بن مسعود على جانب عظيم من التواضع، ومن يتواضع هو الذي يعرف نفسه، ومن عرف نفسه عرف ربه، من عرف نفسه بالفقر والظلم والاحتياج عرف ربه بضد ذلك، وإذا لم يعرف نفسه فلن يعرف ربه، ومن جهل نفسه فسيجهل الله. فانتبه لحال عبد الله بن مسعود .

    ثبت في المستدرك بسند صحيح، والأثر في حلية الأولياء وكتاب المعرفة والتاريخ لـيعقوب الفسوي ، وكتاب الزهد للإمام أحمد : أن عبد الله بن مسعود خرج فتبعه أصحابه فقال: لو تعلمون ذنوبي لحثوتم التراب على رأسي، ولما وطئ عقبي اثنان.

    ولذلك كان بعض الصالحين يقول: لو كان للذنوب ريح تفوح لقذرني الناس. وكان يقول: وددت لو أن الله غفر لي ذنباً من ذنوبي، وأنني دُعيت عبد الله بن روث -روثة الحمار- ويغفر لي ذنباً من الذنوب.

    وكان يقول: وددت لو نسبت إلى روثة، وأن الله تقبّل مني حسنة من عمل.

    وكان يقول كما في كتاب الزهد للإمام أحمد وغيره: لوددت لو تخلقت عن روثة حمار، لا أُنسب إلا إلى ذلك, فيقال لي: عبد الله بن روثة الحمار وأن الله غفر لي ذنباً واحداً.

    انظر لهذا التواضع، وهذه الخشية، وهذا الخوف، وهذا الإخبات من هذا العبد الصالح رضي الله عنه وأرضاه، وقد كان أيضاً يُعطي المسلمين هذا الدرس من نفسه, ويتعامل معهم أيضاً بذلك، فإذا حصل من واحد منهم ما يخالف مقام الخوف في وقت الخوف زجره وحذّره مما هو فيه.

    يروي الإمام أحمد في كتاب الزهد في صفحة 161: أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان في جنازة، فضحك بعض الحاضرين، فقال: تضحك في مثل هذا الموطن؟! -فالإنسان لا يرى مشهداً إلا والقبر أفظع منه- والله لا أكلمك أبداً. وهذا هجر للمبتدع وللعاصي حتى يقلع عن بدعته ومعصيته.

    وماذا يقول لو رآنا عبد الله بن مسعود يحفرون القبور ويضحكون، ويشربون السجائر، وقد ذهبت مرة إلى بعض الناس في قبر يُحفر، فلما اقتربت منهم إذا بالسجارة في يد أحدهم, لتحفر القبر والقبور تحيط بكم من كل جهة، وجالس عندك تدخن؟!

    يا عبد الله! إذا أنت ما بقي في قلبك حياء فقدّر هؤلاء الأموات، والله إنك تؤذيهم، إذا ما جاءهم نفع منك فلا يتأذون بسببك. ولذلك في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما من رواية عمر وولده عبد الله رضي الله عنهم أجمعين: ( إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ) والحديث من كلام نبينا عليه الصلاة والسلام، ومرويٌ عن غير هذين الصحابيين.

    يقول الإمام ابن تيمية -وهذا أرجح أقوال ستة قيلت في معنى الحديث، وهو الذي قاله الإمام الطبري ورجحه القاضي عياض ، ونصره الإمام ابن تيمية عليهم جميعاً رحمة الله- يقول: بأن له ألواناً من العذاب، وهو التألم الذي يجده الميت في قبره.

    يقول: ولما لم يفهم هذا من لم يفهمه أشكل عليهم الحديث, فقال: هذا يتنافى مع قول الله: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164] لم يعذّب؟ فلذلك قالوا: إذا أوصى بأن يناح عليه.

    والمراد من العذاب هنا الألم، هذا كقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( السفر قطعة من العذاب ) أي عذاب الآخرة، وهنا الميت يتألم كما يتألم الحي، فأنت عندما تشرب سجائر وتنفخها في وجه العبد المؤمن يتألم وليس هذا الألم نار جهنم، فهذا تألم لكن ليس عذاباً أخروياً.

    فلما فهموا العذاب الأخروي أشكل عليهم الحديث وأرادوا مخرجاً للتوفيق بينه وبين الآية.

    إذاً: يراد من العذاب الألم الذي يجده الميت في قبره؛ لأن شعور الميت وإحساسه هذا أقوى من شعور الحي وإحساسه.

    ولذلك باتفاق أئمتنا بلا خلاف: يستحب الدفن بجوار الرجل الصالح، ويستحب الدفن في المقبرة التي فيها صالحون؛ لما يحصل فيها من نور وخير وبركة، ولما يحصل من زيارة لهؤلاء فيستأنس بعد ذلك من يدفن بجوارهم.

    ورضي الله عن سعد بن معاذ عندما كان يقول: ثلاث أنا في غيرهن كسائر الناس, يقول: ما سمعت حديثاً من النبي عليه الصلاة والسلام إلا علمت أنه حق. وما كنت في صلاة فحدثت نفسي بغيرها, وإذا كنت في جنازة لا أتحدث إلا بما تقول ويقال له, قال سعيد بن المسيب : لا تجتمع هذه الثلاثة إلا في نبي. يعني: من كان على طريقته, فمتى ما قال: الله أكبر. لا يخطر على باله شيء، ولما يسمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام يوقن به، ولا يقدّم كلام أحد عليه، وإذا كان في جنازة لا يحدث نفسه إلا بما ستقول ويقال لها.

    وهذا الكلام إخوتي الكرام! عن سعد بن معاذ ينقله الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى, ويذكر له نظائر من كلام السلف في الجزء الثاني والعشرين صفحة 604، فانظروه وانظروا كلام كثير من السلف.

    إذاً: إخوتي الكرام! هذا عمله بعلمه، وهذه عبادته، وهذه خشيته وخوفه.

    نظرة عبد الله بن مسعود إلى الدنيا والآخرة

    ومع ذلك رضي الله عنه وأرضاه كان يعطي الدنيا ما تستحق، ويعطي الآخرة ما تستحق. وبما أن الدنيا لا تسوى عند الله جناح بعوضة، فالنكبات والمصائب فيها والمرارات هذه حسنة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة.

    ولذلك كان رضي الله عنه يود ويتمنى ويريد المرارات في هذه الحياة؛ لتحلو له الحياة في الآخرة في نعيم الجنة.

    فاستمع لكلامه في ذلك رضي الله عنه وأرضاه يقول كما في كتاب الزهد للإمام أحمد ، والرقائق للإمام عبد الله بن المبارك ، والأثر رواه البيهقي في شعب الإيمان وابن أبي الدنيا وأبو نعيم في حلية الأولياء، أنه كان يقول: حبذا المكروهان: الموت، والفقر.

    وفي بعض الروايات: ألا حبذا المكروهات: الموت، والفقر، والمرض.

    وفي بعض الروايات كان يقول: ذهب صفو الدنيا وبقي كدرها، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم.

    ولهذا كان سلفنا يحرصون عليه, وهو عندنا الآن من أشنع ما يصاب به الإنسان.

    سيأتينا إن شاء الله ضمن تراجم الصحابة في ترجمة خالد -في موعظة مختصرة- أنه طلق زوجة من زوجاته؛ لأنها بقيت عنده فترة ولم تمرض، قال: مالها لا تمرض؟

    فلم لا تمرض كما يمرض المسلمون؟ فهذه كالعلامة أن الله يوسع لها في هذه الحياة، فاستمع لمثل هذا الكلام الذي نقل عن عبد الله بن مسعود ، ونقل عن أبي الدرداء أيضاً وهم إخوة بعضهم من بعض.

    يقول كما في طبقات ابن سعد وشعب الإيمان للإمام البيهقي : عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه قال: أحب الفقر تواضعاً لربي، وأحب المرض تكفيراً لخطيئتي، وأحب الموت اشتياقاً لربي, فهذه مكروهات لكنها محبوبة؛ لما يترتب عليها من الخيرات في العاجل والآجل.

    فأما الفقر فتواضع لله, الله هو الغني, والمرض يكفر الخطايا، فإذا أصبت بمرض نقلت من ذنوبك وتحاتت عنك خطاياك كما يسقط الورق عن الشجرة اليابسة, ويحب الموت اشتياقاً للقاء الله. لأنه أعد العدة لهذا اليوم فهذا اليوم الذي كنت أتمناه، حبيب جاء على فاقه، لا أفلح من ندم، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه, على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.

    إخوتي الكرام! وإذا كان عبد الله بن مسعود يطوف في زمن الخليفة الراشد الثالث، يقول: ذهب صفو الدنيا وبقي كدرها، فما أدرك فتنة من الفتن، فماذا يقول لو أدرك زماننا؟

    وقد جاء مرة بعض الناس إلى بعض الشيوخ، وقال له: رأيت رؤية لكن مفجعة. فقال: ما هي؟ قال: مفجعة. قال: ما هي؟ قال: مفجعة. قال: ما هي؟ ثم قال له: رأيت أنك ميت. قال: أخلص من رؤيتك ورؤية أمثالك.

    قد قلت إذ مدحوا الحياة وأسرفوا في الموت ألف فضيلة لا تعرف

    منها أمان عذابه بلقائه وفراق كل معاشر لا ينصف

    نحن عادة ماذا نتوقع ونرتجي من هذه الحياة التي فيها ما فيها من الكربات والغصص؟ انظر لتعلق همتهم إلى ما عند ربهم, يحب الفقر، ويحب المرض، ويحب الموت ويتمناه. فالموت تحفة كل مؤمن.

    تقدم معنا في دروس متعددة، وقلت: إنه حديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام, رواه الحاكم في المستدرك، وأبو نعيم في الحلية، والطبراني في معجمه الكبير، وإسناد الأثر ثقات أثبات. وقال عنه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب: إسناده جيد, في الجزء الرابع صفحة 335.

    وانظروا كلام الهيثمي عليه في المجمع في الجزء الثاني صفحة 320 وقال: رجاله ثقات. والحديث رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان، وشيخ الإسلام الإمام عبد الله بن المبارك وعبد بن حميد وغيرهم, عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.

    فهذا ما يقوله هذا العبد الصالح، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.