إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [1]

شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حديث عبد الله بن مسعود في التماس ثلاثة أحجار لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روي من أربعة طرق: الأولى: من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن أبيه، عن عبد الله، وتابعه قيس بن الربيع. والثانية: من طريق زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، وتابعه شريك. والثالثة: من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، بديلاً عن عبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود عن عبد الله. والرابعة: من طريق معمر، عن أبي إسحاق، وتابعه عمار بن زريق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. وقد قيل: إن في هذا الحديث اضطراباً، لكن الأئمة رجحوا بعض الروايات على بعض، فقد رجح البخاري رواية زهير، ورجح الترمذي رواية إسرائيل.

    1.   

    تراجم رجال حديث عبد الله بن مسعود: (التمس لي ثلاثة أحجار)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فلا زلنا نتدارس الباب الثالث عشر من أبواب الطهارة لجامع أبي عيسى الترمذي رحمه الله.

    وعنوان هذا الباب: باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين، ثم ساق الترمذي الحديث بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته، فقال: التمس لي ثلاثة أحجار، قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: إنها ركس).

    وتدارسنا المبحث الأول من مباحث هذا الحديث الشريف وهو في ترجمة رجال إسناده، وذكرنا ترجمة قيس بن الربيع ، وهو قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفي ، صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، وهو من السابعة، توفي سنة بضع وستين، أي: بعد المائة، وحديثه في السنن الأربعة إلا سنن النسائي .

    ثم يقول: عن أبي إسحاق -وتقدمت معنا ترجمته- عن أبي عبيدة -أيضاً تقدمت معنا ترجمته-.

    عن عبد الله وهو عبد الله بن مسعود وقلت لكم: أتكلم عليه -إن شاء الله- بعد الكلام على هذا الحديث الشريف من جميع المباحث.

    قال: نحو حديث إسرائيل .

    ثم قال: وروى معمر ، تقدمت معنا ترجمة معمر عند الحديث الخامس.

    والحديث الخامس فيه معمر يقول: ومعمر عن قتادة عن النضر بن أنس تقدمت ترجمته في حديث أنس عند دعاء الخروج من الخلاء.

    ترجمة عمار بن رزيق

    ثم قال: وعمار بن رزيق بتقديم الراء مصغراً رزيق ، وهو عمار بن رزيق الضبي التميمي أبو الأحوص الكوفي ، لا بأس به من الثامنة، توفي سنة تسع وخمسين، يعني: بعد المائة، ثم رمز في التقريب إليه بأنه من رجال مسلم، والسنن الأربع إلا سنن الترمذي ، وهكذا فعل الذهبي في الكاشف، وهو من رجال الترمذي .

    وقد وقع في التقريب -وكذا في الكاشف للإمام الذهبي- أنه من رجال مسلم والسنن الأربع إلا الترمذي ، وهو من رجال الترمذي -كما نرى معنا الآن- وقد رمز له: بـ ميم: لـمسلم، ودال: لـأبي داود ، وسين: للنسائي ، وقاف: لـابن ماجه القزويني ولم يرمز بـ التاء: للترمذي، وكذلك في الكاشف.

    ثم قال: عن أبي إسحاق ، وهو أبو إسحاق السبيعي تقدمت معنا ترجمته.

    ترجمة علقمة بن قيس

    ثم قال: عن علقمة وعلقمة لم يتقدم له ذكرٌ فيما سبق ، وهو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي ، ثقة ثبت فقيهٌ عابد من الثانية، توفي بعد الستين، وقيل: بعد سنة سبعين، أيضاً دون المائة؛ لأنه من الثانية، وحديثه مخرج في الكتب الستة، وهو تابعي. وهو عم الأسود بن يزيد ، وعم أخيه عبد الرحمن بن يزيد ، وهؤلاء من الأئمة العباد الصالحين: علقمة ، والأسود بن يزيد ، وعبد الرحمن بن يزيد عليهم جميعاً رحمة الله، وكان علقمة يقول: ما حفظته وأنا شاب كأني أنظر إليه في قرطاس أو رقعة، وواقع الأمر كذلك؛ لأن الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر، والحفظ في الكبر كالنقش على الماء، إذا رسمت وكتبت على الماء فلا تثبت الكتابة، بل يزول خطك بمجرد أن ترفع يدك من الماء ولا يبقى منه شيء.

    وقد كان عبد الله بن مسعود يشبه النبي عليه الصلاة والسلام في دله وهيئته وسمته، وكان علقمة أشبه الناس بـعبد الله بن مسعود رضي الله عنه كما ثبت ذلك في طبقات ابن سعد ، وفي المعرفة والتاريخ للإمام الفسوي بسند صحيح عن إبراهيم النخعي قال: كان عبد الله بن مسعود أشبه الناس بالنبي عليه الصلاة والسلام في دله وسمته وهيئته، وكان علقمة بن قيس النخعي أشبه الناس بـعبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

    ترجمة زهير بن معاوية

    ثم قال: عن زهير بن معاوية بن حديج بالحاء المهملة، أبو خيثمة الجعفي الكوفي، نزيل الجزيرة، نزل فيها، ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخره، وتقدم معنا أنه حكي أن أبا إسحاق اختلط في آخر عمره، وقلت: إن هذا الاختلاط لا يثبت على الحقيقة، وكونه تغير قبل موته هذه طبيعة البشر قبل موتهم، يعتري هؤلاء ما يعتريهم عندما يمرضون مرض الوفاة، ثم يشتد عليهم التغير، ثم يذهب كل ما حفظوه عندما يموتون ويذهبون إلى الحي القيوم سبحانه وتعالى.

    إذاً: زهير روى عن أبي إسحاق بآخره، كأنه يريد أن يشير إلى أن رواية إسرائيل مقدمة على رواية زهير ، وهذا الذي فعله الإمام الترمذي في الترجيح كما سيأتينا إن شاء الله.

    وهو من الطبقة السابعة توفي سنة اثنتين، أو ثلاثٍ، أو أربعٍ وسبعين يعني: بعد المائة، وحديثه في الكتب الستة، وقال الذهبي في الكاشف: ثقة حجة.

    أما جد زهير فهو حديج بالحاء المهملة، وفي الطبعة الأولى من التقريب، وفي طبعة الكاشف للذهبي رسم بالحاء المعجمة أي: بالخاء خديج وهذا غلط، إنما هو حديج كما هو في النسخة المحققة، وكذلك ضبط في سير أعلام النبلاء، وهكذا ضبط في تراجم الرجال بالحاء.

    وقد قال أبو حاتم كما في سير أعلام النبلاء: زهير أحب إلينا من إسرائيل في كل شيء إلا في رواية إسرائيل عن جده فـإسرائيل أحب إلينا من زهير ، يعني: أن زهير بن معاوية أحفظ من إسرائيل ، وروايته تقدم عندنا إلا في رواية إسرائيل ، عن جده أبي إسحاق السبيعي فنقدمها على رواية زهير بن معاوية ، والسبب: لشدة اتصال ولحوق إسرائيل بجده، فكان هو الذي يقوده وهو الذي يخالطه أكثر من غيره، ولذلك تقدم روايته على رواية من غيره والعلم عند الله جل وعلا.

    ترجمة عبد الرحمن بن الأسود

    ثم قال: عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، وهو الأسود بن يزيد ، وهو ثقة من الثالثة، توفي سنة تسع وتسعين.

    قال الذهبي في ترجمته في سير أعلام النبلاء: هو الإمام ابن الإمام، كان من المجتهدين المتعبدين، وكان والده وهو الأسود بن يزيد يرسله إلى أمنا عائشة رضي الله عنها، فكان يدخل عليها في صغره قبل احتلامه، فلما احتلم جاء وكلمها من وراء حجاب، وقال: يا أماه! ما يوجب الغسل؟ فقالت: أفعلتها، يعني: أنت احتلمت، أو نزل عليك الحلم؟ قال: نعم يا أم المؤمنين! قالت: إذا جرت المواسي، وهو جمع: موسى، ويقال: موسيات ومواسي، إذا جرت المواسي وهي الحديدة، يعني: إذا نبت الشعر الذي يحيط بالقبل فاحتاج إلى استئصال فهذا علامة على البلوغ، وهنيئاً له خالط أمنا ورآها قبل أن يبلغ ويحتلم، كان يدخل عليها كثيراً، ولما احتضر رحمه الله كان يقول: وآسفاه على الصلاة والصيام، يعني: سأموت الآن وأحرم من عبادة الصيام والتلذذ بمناجاة الرحمن عن طريق الصلاة والقيام، ولما حج اعتلت إحدى رجليه فكان يقوم على رجلٍ واحدة، يحيي الليل وهو قائم على رجلٍ واحدة، قال الشعبي : علقمة ، وعبد الرحمن بن الأسود أهل بيت خلقوا للجنة.

    ترجمة الأسود بن يزيد

    ثم قال: عن أبيه، وهو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي ، يقال له: أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن ، مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرَ النبي عليه الصلاة والسلام، ثقة مكثر فقيه، من الثانية، توفي سنة أربعٍ وسبعين، وقيل: خمس وسبعين، حديثه مخرج في الكتب الستة، وهو نظير مسروق في العبادة والجد والاجتهاد، وكان يضرب بهما المثل، فلما احتضر رضي الله عنه بكى، فقيل له: ما يبكيك والله غفور رحيم؟ فقال: والله! لو جاءني كتابٌ من ربي بأنه قد غفر لي لكان حقيقاً لي أن أبكي، أحدنا يخطئ مع أخيه الخطأ الصغير فيغفره له فيستحي أن يراه بعد ذلك، فكيف ونحن نخطئ مع الله جل وعلا، هب أنه قد غفر لنا كيف سنقابله؟! أما عندنا حياءٌ منه سبحانه وتعالى.

    الأسود بن يزيد بن قيس النخعي حصل وهمٌ في ترجمته من بعض أئمتنا، وهذا الوهم صدر من ابن التين ومن الداوودي عليهما رحمة رب العالمين، أشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الأول، صفحة سبع وخمسين ومائتين فقال: قال ابن التين : عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه، أبوه هو: الأسود بن عبد يغوث الزهري ، قال الحافظ ابن حجر : وهذا غلط فاحش، فـالأسود بن عبد يغوث لم يسلم فضلاً عن أن يعيش حتى يروي عن عبد الله بن مسعود ، بل هلك في الجاهلية وما أسلم، وابن التين من أئمة المالكية، وهو أبو محمد عبد الواحد الصفاقسي ، توفي سنة إحدى عشرة وستمائة، وله كتاب المخبر الصحيح في شرح الجامع الصحيح، فهو من شراح صحيح البخاري ، وفيه ذكر عند هذا الحديث: أن أبا عبد الرحمن بن الأسود هو الأسود بن عبد يغوث الزهري ، قال الحافظ ابن حجر : وهذا غلط فاحش، فـالأسود بن عبد يغوث لم يسلم فضلاً عن أن يعيش حتى يروي عن عبد الله بن مسعود .

    ونقل العيني في عمدة القاري في الجزء الثاني، صفحة اثنتين وثلاثمائة هذا الوهم أيضاً عن الداوودي ، وهو أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد البوشنجي ، ويقال: إنه بالسين المهملة البوسندي ، توفي سنة سبع وستين وأربعمائة للهجرة، وكان يفني وقته في حديث نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وهو من أئمة الشافعية الكبار، ومن علماء القرن الخامس للهجرة، له قدم في التقوى، ورسوخ في العبادة، قال الذهبي في ترجمته في السير نقلاً عن أبي سعد السمعاني : يستحق أن يطوى للتبرك به فراسخ، ثم قال: فضله في الفنون مشهور، وذكره في الكتب مسطور، أيامه غرر وكلامه درر، يعني: لو أن الإنسان شد الرحل إليه فراسخ من أجل أن يتبرك برؤيته، وأن يرى نور وجهه لكان هذا قليلاً في حقه، وهو الإمام الداوودي مسند وقته، بقي أربعين سنة لا يأكل لحم الضأن والماشية والأنعام؛ لفتنة حصلت في البلاد، وحصل فيها اغتصاب وسرقة أموال، فامتنع عن أكل لحوم المواشي، وكان يأكل السمك من لحم البحر فقط، ثم بلغه أن أميراً من الأمراء نزل بجوار البحر فأكل وألقى فضل سفرته في البحر، فامتنع عن أكل السمك أيضاً حتى لقي ربه ورعاً وعبادة.

    ومن مناقبه: أنه كان لا يفتر لسانه عن ذكر الله، فلما جاء الحلاق ليحلق شعره، قال له: سكن فمك، أي: أمسك فمك لحظات، أنت دائماً تذكر الله: سبحان الله، لا إله إلا الله، فالموسى قد يجرحك، فقال له: أمسك الزمان حتى لا يتحرك، والمعنى: إذا كان الوقت يمشي فكيف أسكن فمي؛ لأن هذا الوقت الذي يمضي من عمري، وكيف لا أتقرب فيه إلى ربي؟! عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، زار أميراً في زمانه وقال له: إن الله سلطك على عباده فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم؟

    ومن كلامه رحمة الله: كان اجتماع الناس فيما مضى يورث البهجة والسلوى، فانقلب الأمر إلى ضده فصارت السلوة في الخلوة، والأمر كذلك.

    وإذا كان يقول هذا في القرن الخامس للهجرة، فماذا يقول لو أدركنا في القرن الخامس عشر؟! كان اجتماع الناس فيما مضى يورث البهجة والسلوة، ويبتهجون به، يسلي الإنسان عن همومه وغمومه برؤية إخوانه، ومناصحة بعضهم بعضاً، فانقلب الأمر إلى ضده، فصارت السلوة في الخلوة، ومن أشراط الساعة ألا يأمن الرجل جليسه، وهذا واقعنا حقيقة، فأصبحت تتساءل عمن يجالسك، هل سينقل عني خبراً؟! وهل سيكتب فيَّ تقريراً؟! وهل سيرجف عنا؟! إلا ما رحم ربك، ولذلك انقلب الأمر إلى ضده فصارت السلوة في الخلوة، فإذا أردت أن تتسلى عن همومك، وأن تذهب عنك غمومك، اخل بنفسك مع ربك سبحانه وتعالى.

    الداوودي أيضاً وهم كما وهم ابن التين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين في الأسود بن يزيد ، والد عبد الرحمن بن الأسود عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.

    إذاً: وروى زهير ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه الأسود بن يزيد ، عن عبد الله ، وهو عبد الله بن مسعود .

    انتبه! والرواية الرابعة: هي عن زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن الأسود بن يزيد ، عن عبد الله ، يعني: عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.

    ترجمة أبي زائدة

    ثم قال: زكريا بن أبي زائدة وأبو زائدة هو خالد ، ويقال: هبيرة ، وقال ابن حبان كما في تهذيب التهذيب: فيروز بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي، أبو يحيى الكوفي، ثقة وكان يدلس، وسماعه من أبي إسحاق بآخره، وهذا هو كلام العجلي كما في تهذيب التهذيب في الجزء الثالث، صفحة ثلاثين وثلاثمائة، وهو من السادسة مات سنة سبع أو ثمانٍ أو تسعٍ وأربعين، وحديثه في الكتب الستة، أخرج حديثه الجماعة، وكان قاضياً بالكوفة كما في تهذيب التهذيب.

    1.   

    الاضطراب في طرق حديث: (التمس لي ثلاثة أحجار...)

    قال: وهذا حديث فيه اضطراب، وأرى أن نتكلم في الاضطراب قبل أن ننتقل إلى المبحث الذي بعده.

    أورد لهذا الحديث أربعة طرق:

    الطريق الأولى: عن أبي عبيدة وهي: إسرائيل، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله . ولها متابع وهو قيس بن الربيع تابع إسرائيل.

    إذاً: أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ، من روى عن أبي إسحاق في هذه الطريق؟ قلت: إسرائيل بن ميمون بن أبي إسحاق، تابعه قيس بن الربيع ، وعليه روى إسرائيل وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود .

    الطريق الثانية: رواها زهير بن معاوية ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود .

    فالراوي هنا عن أبي إسحاق هو زهير بن معاوية بن حديج ، بدل إسرائيل ، وقيس في الرواية الأولى، ولذلك حكم عليه الترمذي بالاضطراب، لكنه اضطراب في الظاهر، لكن أزال الاضطراب بترجيح بعض الروايات، والبخاري رجح رواية أخرى، والذي يظهر كما سيأتينا من كلام أئمتنا كالحافظ ابن حجر وغيره أن الرواية ثابتة، لكن بعضها يقدم على بعض، فالرواية ليست مضطربة بحيث لا يمكن الجمع بينها كما سيأتينا إن شاء الله.

    زهير بن معاوية تابعه شريك ، لكن الترمذي لم يشر إليها، وقد ثبت هذا في رواية أخرى أشار إليه الحافظ في هدي الساري في صفحة تسع وأربعين وثلاثمائة، بقوله: وجدت متابعة لـزهير من طريق شريك بن عبد الله النخعي كما وجدت متابعة لـإسرائيل من طريق قيس بن الربيع .

    الطريق الثالثة: رواها زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد بدلاً عن عبد الرحمن بن الأسود عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله .

    تأمل هذه الرواية تجد أنها عن عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود ، فـالأسود هو هو في الروايتين، لكن هناك روى عنه عبد الرحمن بن الأسود ، وهنا عبد الرحمن بن يزيد ، عن أبي إسحاق. فالراوي هو زكريا بن أبي زائدة .

    الطريق الرابعة: رواها معمر وعمار بن رزيق عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله بن مسعود .

    إذاً: صار عندنا أربع طرق:

    الرواية الأولى: من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحاق تابعه عليها قيس بن الربيع .

    الرواية الثانية: رواية زهير بن معاوية ، عن أبي إسحاق ، تابعه شريك .

    الرواية الثالثة: من رواية زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد بدلاً عن عبد الرحمن بن الأسود عن الأسود ، عن عبد الله .

    الراوية الرابعة: رواها معمر وعمار بن رزيق عن أبي إسحاق .

    مكان وقوع الاضطراب في حديث: (التمس لي ثلاثة أحجار)

    ثم قال : وهذا حديث فيه اضطراب؛ لأن أبي إسحاق السبيعي تارة يرويه عن أبي عبيدة ، وتارة عن عبد الرحمن بن الأسود ، وتارة عن عبد الرحمن بن يزيد ، وتارة عن علقمة ، ثم أبو إسحاق يروي هذا الحديث عنه تارة إسرائيل ، ويتابعه قيس وتارة زهير ويتابعه شريك وتارة زكريا وتارة معمر ويتابعه عمار بن رزيق ، ولهذا يقول الترمذي: هذا اضطراب.

    وتقدم معنا أن الحديث المضطرب: أن يروى الحديث على أوجه مختلفة متساوية -كما قال الإمام ابن الصلاح- أو متقاومة -كما قال الإمام ابن جماعة- ، ولا يمكن الجمع بينها، فإذا كانت بعض الروايات صحيحة والأخرى ضعيفة فلا اضطراب، وإذا كانت كلها في درجة واحدة وأمكن الجمع فلا اضطراب، إنما الاضطراب في روايات تروى من أوجه متدافعة أو متقاومة ومتعارضة لا يمكن الجمع بينها، وقلنا: إن هذا يقع في الإسناد ويقع في المتن، والمتن لا اضطراب فيه في الأصل؛ لأنه يروى على أوجه مختلفة، إنما الاضطراب في الإسناد.

    قال العراقي فيما نظمه في الألفية في نظم مقدمة ابن الصلاح في الأبيات الأربعة في الحديث المضطرب:

    مضطرب الحديث ما قد وردَا مختلفاً من واحدٍ فأزيدا

    في متن أو في سندٍ إن اتضح به تساوى الخلف أما إن رجح

    وقوله: (فيه تساوى الخلف)، يعني: الاختلاف والتعارض.

    بعض الوجوه لم يكن مضطربا والحكم للراجح منها وجبا

    ثم مثل للحديث المضطرب فقال في البيت الرابع:

    كالخط للسترة جم الخلف والاضطراب موجب للضعف

    يعني: الاختلاف كثير في سند الحديث.

    وتقدم معنا أمثلة على اضطراب السند واضطراب المتن عند الحديث المضطرب فيما مضى، وقلت: إن أئمتنا مثلوا للحديث المضطرب بما ثبت في سنن الترمذي من رواية فاطمة بنت قيس رضي الله عنها وأرضاها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في المال حقاً سوى الزكاة) الحديث، ورواه ابن ماجه في سننه من رواية فاطمة بنت قيس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في المال حقٌ سوى الزكاة).

    وفي الروايتين والإسنادين أبو حمزة ميمون الأعور ، وهو من رجال الترمذي ، وابن ماجه ، وتقدم معنا أنه ضعيف، وليست إحدى الروايتين بأولى من الأخرى حتى تقدم عليها، وهنا في هاتين الروايتين: نفي في قوله: (ليس في المال حقٌ سوى الزكاة)، وإثبات في قوله: (إن في المال حقاً سوى الزكاة)، لكن قلت كما تقدم معنا: أئمتنا أوردوا هذين الحديثين مثالاً على الحديث المضطرب في المتن، وقلت: إنه يمكن الجمع بينهما مع الضعف الذي في إسناديهما، وصورة الجمع كما تقدم معنا أن يقال: (ليس في المال حقاً سوى الزكاة)، أي: لا تجب الزكاة إلا في الحق الواجب الذي هو حق الزكاة، فلا يجب عليك إلا الزكاة، وقوله: (وإن في المال حقاً سوى الزكاة)، يُوجب الزكاة في أحوال الضرورة كما لو علمت بحاجة مضطر، سواءٌ وجبت عليك الزكاة، أو لم تجب عليك زكاة، فيجب عليك أن تغيثه، وكما لو كنت في برية أو نحوها ووجدت محتاجاً إلى طعام وجب عليك أن تنقذه، وإلا فقد برئت منك ذمة الله، وهذا يعني: أنها في حالة الاختيار لا تجب، أما عندما تقع الأمة في الاضطرار فهنا لا بد من أن يساعد بعضهم بعضاً، أو أن المراد من هذا الحق: أنه ليس في الحق الواجب، إنما هو الحق على طريقة المروءة والكرم والمساعدة والإحسان، كقوله صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجبٌ على كل محتلم)، أي: ليس المراد الوجوب الشرعي الذي هو الفرض ويقابل السنة، إنما يراد منه واجبٌ متعين على إنسان ينبغي أن يأتي به، وهو مستحبٌ له لا ينبغي أن يفرط فيه، والعلم عند الله جل وعلا.

    ومثال الاضطراب في الإسناد: هذا الحديث فهذه الأوجه المتعارضة المختلفة حكم الترمذي عليها بالاضطراب فقال: هذا حديث فيه اضطراب، ثم يقول: هذا اضطراب في الظاهر، لكن يمكن أن يزال هذا الاضطراب. بأي شيء أزاله الترمذي؟ وبأي شيء أزاله شيخه البخاري ؟ وقد اختلف التلميذ مع شيخه في إزالة هذا الاضطراب، فالترمذي رجح رواية إسرائيل ، والبخاري رجح رواية زهير كما سيأتينا.

    قال الترمذي : حدثنا محمد بن بشار تقدمت معنا ترجمته، وهو العبدي عند الحديث الثالث.

    ثم قال: حدثنا محمد بن جعفر ، وهو محمد بن جعفر الهذلي البصري ، أبو عبد الله المعروف بـغندر ، وهو غير غندر الذي تقدم معنا، وهذا أيضاً معروفٌ بـغندر ، وهو ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة، وهذه الغفلة -كما ستأتينا- في أمور الدنيا لا في أمور الدين، ومع ذلك فوصفه بالغفلة فيه نزاع كما سأبينه إن شاء الله.

    قال الحافظ ابن حجر : من التاسعة توفي سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وتسعين، بعد المائتين، وكان ربيب شعبة بن الحجاج رحمه الله، ونشأ في حجره وفي بيته وتعلم منه وتلقى عنه مدة عشرين سنة، وغندر لقبٌ له، لقبه به ابن جريج ، وسبب ذلك: أنه عندما كان في مكة ويتلقى العلم عنه أكثر في التعنت والسؤال، فاعترضه طلبة العلم وأرادوا أن يخرجوه من المجلس، فقال لهم ابن جريج : دعوه ما هذا إلا غندر ، كأنه أراد أن يصلح الأمر بهذه النكتة، ويقصد أنه سمين غليظ ناعم، وإن كان فيه تعنت فدعوه واتركوه، فلا داعي للإغلاظ عليه بأكثر من هذا اللقب غندر .

    قال الذهبي : اتفق أرباب الصحاح على الاحتجاج به، أما الغفلة التي نسبت إليه فهي في أمور الدنيا لا في أمور الدين، يعني: قد يخدع في البيوع، وقد يقع بحيلة من الحيلة كما كان أهله أحياناً يفعلون معه أكلت ولم يأكل، فيميل إلى تصديقهم، من باب حسن الظن بهم.

    أحضر مرة سمكاً إلى أهله، فأخذه النوم فنام فطبخوا السمك وأكلوه من جوعهم، وما تركوا له شيئاً، ثم دهنوا يديه بالسمك، فلما استيقظ قال: أين السمك؟ قالوا: أكلته، شم يديك فشمها قال: لكنني جائعٌ، كيف شبعت؟ لكن الذهبي دافع في بعض كتبه عنه، وفي بعض الكتب سلم للقول باتهامه بالتغفيل، فقال في بعض كتبه -وغالب ظني أنه قال هذا في السير، أو في التذكرة-: لكن هذا العبد الصالح وهو محمد بن جعفر الملقب بـغندر يقول: متى أستغفل عنه؟ فلقد قال لأهله عندما قالوا له: إن رائحة السمك في يديه: أصدقكم أم أصدق بطني؟ وهذا يدل على أنه ليس فيه غفلة. وعلى الرواية الأخرى: إما أني أكلت وما شبعت، قالوا: هذا ترجيم، لكنه هنا قال: كيف أصدقكم أنا ما أكلت وأنتم تقولون: أكلت، وأنا أشعر بالجوع، فهل أصدقكم أم أصدق بطني؟ فالتغفيل الذي نسب إليه على التسليم به كما قلت: هو في أمر الدنيا ولا يقدح في ضبط هذا الإنسان وفي مكانته فلا يقال: فيه غفلة وعليه ترد روايته؛ لأنه مغفل، لا فهي أمور الدنيا، وهذا إن شاء الله لا يضر.

    ومن أمور التغفيل التي نقلت عنه: قيل له: إنهم يعظمون ما فيك من السلامة، أي: من سلامة قلبك فأخبرنا بأعظم شيء جرى لك في حياتك؟ فقال: كنت يوماً صائماً، فأفطرت ثلاث مرات نسياناً؛ أفطر وأنا ناسي، ثم أتم صومي، ونحو هذا قد وقع فيه غيره بكثرة، وليس هذا من علامة الغفلة والتغفيل، فالإنسان إذا صام ثم أفطر في ذلك اليوم الذي هو صائم فيه ثلاث مرات يظن نفسه مفطراً، ثم يتبين له أنه صائم فيمسك، ولا سيما إذا لم يكن الإنسان يصوم شهر رمضان، بل صام يوماً في الشهر ولم يعتد صيام هذا اليوم.

    ويكفيه فخراً أن الإمام أحمد من تلاميذه وروى عنه، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني من تلاميذه وقد رويا عنه، ولعله كان يفعل هذا لمصلحة شرعية؛ لئلا يعرف الناس قدره، فكأنه كان يريد هذا فاتهم بالتغفيل.

    يقول يحيى بن معين : أتينا إليه وطلبنا منه أن يحدثنا، قال: لا أحدثكم حتى تخرجوا معي إلى السوق؛ ليراني أهل السوق وأنتم معي، فإذا سألوني: من هؤلاء؟ أقول: هؤلاء يطلبون عني ويأخذون مني الحديث، يعني: ليصبح له مكانة أمام الناس.

    الحافظ ابن حجر يقول فيه: ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة، وكما قلت: توفي سنة أربعٍ وتسعين ومائة، أخرج حديثه الجماعة.

    قال: حدثنا شعبة ، تقدم معنا عند الحديث الخامس. ثم قال: عن عمرو بن مرة وهو: عمرو بن مرة بن طارق الجمني المرادي أبو عبد الله الكوفي الأعمى ثقة عابدٌ، كان لا يدلس، لكنه رمي بالإرجاء، ولا يضره ذلك إن شاء الله كما تقدم معنا أن الإرجاء الذي وصف به عددٌ من أئمة الحديث لا يخالفون فيه جمهور أهل السنة إلا في اللفظ فقط فيقولون: العمل ليس من مسمى الإيمان، لكن إن فعله ارتفعت درجته، وإن تركه نقصت درجته.

    من الطبقة الخامسة، توفي سنة ثماني عشرة بعد المائة، وقيل: قبلها، حديثه مخرج في الكتب الستة.

    قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله: هل تذكر من عبد الله شيئاً؟ قال: لا، وهذا يشير إلى أن أبا عبيدة الذي تقدم معنا -واسمه كنيته وقيل: اسمه عامر ، ووالده عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- لم يسمع من أبيه شيئاً.

    جواب الترمذي عن الاضطراب في حديث: (التمس لي ثلاثة أحجار)

    قال الترمذي : سألت شيخي الدارمي، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام السمرقندي ، إمام عظيم، وركن من أركان الدين، وهو صاحب سنن الدارمي ، وبذلك نعته الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الثاني عشر، صفحة أربعٍ وعشرين ومائتين، وكان الإمام أحمد رحمه الله يقول: عليكم بذلك السيد عرضت عليه الدنيا فلم يقبلها، وقد عرض عليه القضاء في سمرقند فأبى، فألح عليه الأمير وأرسل أن يقبل القضاء في قضية واحدة، قال: نعم، فقضى فيها ثم عزل نفسه عن القضاء.

    الإمام الدارمي عليه رحمة الله كان على غاية من العقل، ونهاية في الفضل، ولما بلغ الإمام البخاري خبر وفاته عليه رحمة الله وكان جالساً مع أصحابه نكس رأسه ثم رفعه واسترجع، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعلت دموعه تسيل من عينيه على خديه، وهو من رجال مسلم، وأبي داود، والترمذي، توفي سنة خمس وخمسين ومائتين.

    إذاً: يقول الترمذي : سألت شيخي الإمام عبد الله بن عبد الرحمن : أي الروايات في هذا الحديث عن أبي إسحاق أصح؟ يعني: رواية إسرائيل حفيد أبي إسحاق أو زهير أو الروايات بعدها؟ فلم يقضِ فيه بشيء، أي: أنه توقف، فلم يقدم رواية على رواية، وسألت محمداً يعني: البخاري عليهم جميعاً رحمة الله عن هذا؟ فلم يقضِ فيه بشيء، أي: لم يخبرني أنه ترجح أو تقدم الرواية من هذه الروايات الأربع على غيرها، ولم يخبرني بتقديم رواية زهير على أبي إسحاق ، لكن يقول: كأنه رأى حديث زهير ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه، عن عبد الله أشبه، يعني: هذه أصح وأقوى، ووضعه في كتابه الجامع. الإمام الترمذي ألف جامعه بعد صحيح البخاري ، والبخاري تقدم معنا أنه توفي سنة ست وخمسين ومائتين للهجرة، والإمام الترمذي توفي سنة تسع وسبعين ومائتين للهجرة. قال أبو عيسى : وأصح شيء في هذا الباب عندي: حديث إسرائيل ، فخالف شيخه البخاري ، وما توقف كما توقف شيخه الدارمي ، فلما حصل الاضطراب بين الروايات ترجحت هاتين الروايتين عن بقية الروايات، قال: وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس بن الربيع كما تقدم معنا؛ لأن قيساً تابع إسرائيل بن يونس في روايته عن جده أبي إسحاق السبيعي ، وأصح شيء في هذا عندي: حديث إسرائيل وقيس ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ؛ لأن إسرائيل أحفظ وأثبت لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، يعني: من زهير وممن بعده، وهذا الذي رجحه الترمذي هنا هو الذي رجحه أبو حاتم وأبو زرعة أيضاً كما نقل ذلك الحافظ في هدي الساري، صفحة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فترجيح الترمذي في تقديم رواية إسرائيل مع متابعة قيس له هو الذي رجحه أبو زرعة ، وأبو حاتم .

    قال أبو عيسى : وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى -تقدم معنا عند الحديث التاسع- يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي -تقدم عند الحديث الثاني- يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري -تقدم عند الحديث الثالث- عن أبي إسحاق إلا لما استدللت به على إسرائيل ؛ لأنه كان يأتي به أتم، يعني: أن عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنا ما فاتتني روايات سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي إلا لأنني اشتغلت بأخذ روايات أبي إسحاق من طريق حفيده وهو إسرائيل ؛ لأنه كان يأتي به أتم، ولاشك أن أضبط روايات أبي إسحاق ما جاء عن طريق إسرائيل بن يونس حفيد أبي إسحاق السبيعي ؛ لأنه كان يأتي به أتم.

    قال أبو عيسى : وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك، وهذا ما أشار إليه الحافظ في التقريب، حين قال: إلا أن سماعه عن أبي إسحاق كان بآخره؛ لأن سماعه منه كان في آخر حياته.

    قال الترمذي: وسمعت أحمد بن الحسن ، وهذا شيخ الإمام الترمذي ، وهذا أول مكان يرد معنا فيه ذكره، وهو أحمد بن الحسن بن جنيدي أبو الحسن الترمذي ، ثقة حافظ من الطبقة الحادية عشرة، توفي سنة خمسين تقريباً، يعني: بعد المائتين، من رجال البخاري والترمذي .

    قال: وسمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل ، وهو الإمام المبجل شيخ أهل السنة، وسأعطر المجلس بشيء من ترجمته بعد الانتهاء من هذه الروايات وإزالة الاضطراب بينها كما ذكر الترمذي والبخاري إن شاء الله.

    وأما ترجمته فتحتاج إلى بسط يسير كما فعلنا في ترجمة الإمام البخاري ، وهؤلاء الأئمة الكرام الأعلام كأصحاب الكتب الستة، وهكذا الإمام أحمد صاحب المسند، والإمام مالك صاحب الموطأ، وهكذا الفقهاء الأربعة ينبغي أن يفرد كل واحدٍ من هؤلاء، بمباحث متعددة؛ لنعرف قدر سلفنا، ولنعلم من أي طريقٍ جاءنا ديننا، فالإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله سأتكلم عليه بعد الانتهاء من هذه الروايات ضمن ثلاثة أمور إن شاء الله.

    إذاً: سمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبال ألا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق فاسمعه من إسرائيل بن يونس ، فأنت إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبال ألا تسمعه من غيره، أي: كفاك رواية زائدة وزهير إلا في حديث أبي إسحاق ، فاحرص على سماعه من جهة حفيده إسرائيل . أما زائدة كما تقدم معنا ذكره هو: زائدة بن قدامة الثقفي ، أبو الصلت الكوفي ، ثقة ثبت صاحب سنة، من الطبقة السابعة، توفي سنة ستين بعد المائة، وقيل: بعدها، حديثه في الكتب الستة، أخرج حديثه الجماعة.

    قال الذهبي في السير في الجزء السابع، صفحة ست وسبعين وثلاثمائة: كان لا يحدث قدرياً ولا صاحب بدعة، من هو معروف ببدعة لا يحدثه؛ لئلا يحمل حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وجاءه مرة زهير بن معاوية وهو أخوه في الله وقرينه في حمل الحديث برجل وقال له: حدثه فقال زائدة بن قدامة لـزهير بن معاوية بن حديج: هل تعرفه؟ قال: لا أعرف عنه شراً، قال: هل هو من أهل السنة أم لا؟ قال: لا أعلم عنه شراً، فما حدثه، فعتب عليه زهير وقال له: متى كان الناس هكذا؟ فقال زائدة: ومتى كان الناس يلعنون أبا بكر ، وعمر رضي الله عنهم أجمعين؟ والمعنى: أننا في زمن فيه بدع، فلا بد من أن نتحقق من الإنسان، فكما تغيرت الأحوال ينبغي لنا أن نحتاط فلا نحدث إلا عمن كان سنياً مشهوداً له بذلك.

    ثم قال الترمذي : وأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله الهمداني تقدمت معنا ترجمته.

    و أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ،لم يسمع من أبيه ولا يعرف اسمه وقلت: يقال: اسمه عامر كما تقدم معنا.

    هذه الروايات رجح الترمذي منها رواية إسرائيل عن جده أبي إسحاق ، لكن فيها انقطاع، فـأبو إسحاق رواها عن أبي عبيدة ، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وهو إن تابعه قيس بن الربيع إلا أنها نفس الطريق، فبقي الانقطاع فيها، فالترمذي لم يرجح هذه الرواية، ولم يرجح رواية زهير ، وهي متصلة، واختارها الإمام البخاري ، لماذا؟ الذي يظهر لي والعلم عند ربي جل وعلا أن الإمام الترمذي فعل هذا لأمرين معتبرين:

    الأمر الأول: مسلم به بلا نزاع، وهو أن أضبط روايات أبي إسحاق السبيعي هو ما جاء من طريق حفيده إسرائيل بن يونس ، فإن قيل: فيه انقطاع فكيف قدمتها وفيها آفة في السند؟ فكأنه يقول فيما يظهر لي والعلم عند ربي: هذا الانقطاع مختلف فيه في الأصل، أي: لم يصح، وسيأتينا أن العيني حقق سماعه؛ لأن والده عندما توفي كان عُمر أبي عبيدة سبع سنين، ومثل هذا يعقل أن يسمع من أبيه وأن يروي عنه، بل يعقل أن يسمع من غير أبيه من الغرباء النازحين، فكيف بمن يسكن ويقيم معه في بيته وهو نشأ في حجره؟! فهذا من باب أولى أنه سمع منه.

    ثم على التسليم -وهذا الذي أريده في الأمر الثاني- بأن لم يسمع أبو عبيدة من عبد الله رضي الله عنه فيزول بوجود الروايات الأخرى التي تشهد لرواية أبي عبيدة عن أبيه؛ لأن الروايات الثلاث الأخرى كلها متصلة، فهي تشير إلى أن الحديث مروي، لكن هذه الطريق التي هي في الظاهر منقطعة، بما أنها من طريق إسرائيل أنا أقدمها على غيرها؛ لأنه ليس فيها احتمال عدم سماع أبي عبيدة من أبيه، فكأنه يقول: هذه الرواية تقدم واحتمال الانقطاع علمناه بوجود الاتصال في رواية أخرى، فلا إشكال على الإطلاق، هذا هو مسلك الإمام الترمذي .

    أما البخاري عليه رحمة الله فكما تقدم معنا، وأشار إليه الترمذي قدم رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق السبيعي كما تقدم معنا، وهي في صحيح البخاري ، وغالب ظني في الجزء الأول، صفحة مائتين وست وخمسين، باب: من استنجى بروث.

    قال البخاري : حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا زهير عن أبي إسحاق ، -يعني: أبو إسحاق- قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع عبد الله يقول: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط؛ فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالثة فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا ركس)، انتبه!

    وقال إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه، عن أبي إسحاق: حدثني عبد الرحمن -وهو: عبد الرحمن بن الأسود - عن أبيه الأسود بن يزيد ، عن عبد الله ، ولم أورد الرواية الثانية؛ لأن في هذه الرواية قال أبو إسحاق : حدثني، وهناك أتى بصيغة العنعنة: عن أبي إسحاق ، قال: قال عبد الرحمن ، وقال مثل عن فلا تفيد الاتصال في الظاهر، وأبو إسحاق مدلس، وقلت: إن الذي اتهم بذلك هو ابنه يونس كما حكاه الحافظ ، وقد اتهم الشاذكوني أبا إسحاق بالتدليس، والاتهام باطل لا ثبوت له، فـالبخاري يحتاط لذلك فيقول: بعد أن أوردت الرواية الأولى بصيغة تحتمل السماع وعدمه، أورد الرواية الثانية التي فيها تصريح أبي إسحاق بالسماع من عبد الرحمن بن الأسود .

    وأمر آخر في ذكر البخاري لهذه الرواية، وهو متابعة إبراهيم بن يوسف لـزهير، فهنا الآن في هذه الرواية وجد فائدتان: الأولى: زهير توبع من قبل يوسف وكلاهما رويا عن أبي إسحاق ، وأبو إسحاق في رواية يوسف صرح بالتحديث عن شيخه عبد الرحمن بن يزيد ، قال الحافظ ابن حجر : وتابع يوسف بن إسحاق زهيراً كما تابعه فيما تقدم معنا شريك ، فـشريك تابع زهيراً ، ويوسف تابع زهيراً ، وإسرائيل تابعه فقط قيس بن الربيع ، ويوسف وشريك أقوى من قيس بن الربيع ، فعندنا هنا متابعتان أقوى من متابعة قيس لـإسرائيل .

    قال الحافظ : والحديث رواه الطبراني من طريق يحيى بن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق كرواية زهير ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف في الجزء الأول، صفحة خمس وخمسين، والبيهقي في السنن في الجزء الأول، صفحة ثمان ومائة من طريق ليث ، وهو ليث بن أبي ليث تقدم معنا وقلت: هو من رجال مسلم ، والسنن الأربع وروى له البخاري تعليقاً كما تقدم معنا، وطرأ عليه الاختلاط فلم يتميز حديثه فترك، من طريق ليث عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه، عن ابن مسعود ، وهنا الرواية من طريق ليث لا من طريق أبي إسحاق ، قال الحافظ ابن حجر : وليث وإن كان لا يحتج به على انفراده فيعتبر حديثه ويستشهد به.

    ثم قال: ومما يدل على تقديم ما قدمه البخاري على تقديم الترمذي ظاهر السياق، فهو يشعر بأن أبا إسحاق كان يرويه عن أبي عبيدة أولاً، ثم رجع فسيره عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فكان أبو إسحاق مستحضراً للسندين، ثم اختار طريق عبد الرحمن ؛ إما لأنه تذكر أنه لم يسمعه من أبي عبيدة ، يحتمل هذا، وإما أنه تذكر أنه سمعه منه، لكن تبين له ما في رواية أبي عبيدة من انقطاع، وهي أنه لم يسمع من أبيه، فتجنب الرواية عنه في هذه الرواية الثانية، وهذا احتمال ثان، وإما -وهذا احتمال ثالث- أن أبا إسحاق دلسه سابقاً عن أبي عبيدة ؛ لأنه لم يسمع منه.

    ثم قال: عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وليس عن أبي عبيدة ، ولذلك رواه البخاري من الطريق الثانية فقال: حدثني عبد الرحمن ، فرواية الحفيد صرحت بأن الإمام البخاري هنا روى هذه الرواية من طريق أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، وقد رواه بصيغة التحديث، ووجد متابعاً لـأبي إسحاق من طريق يوسف والعلم عند الله جل وعلا.

    قال الحافظ : وهذا الجمع لا يرد شيئاً من الطريقين، فالطريق الذي ذكره الترمذي مقبول، وترجيح البخاري مقبول، وأنا قلت: بقية الطرق كلها مروية وثابتة، وكلهم رووا هذا عن أبي إسحاق ، وأبو إسحاق روى هذا الحديث عن هؤلاء عن عبد الله بن مسعود ، لكن بقي أين ذلك الترجيح؟ فـالبخاري رجح رواية زهير ، عن أبي إسحاق ، والترمذي رجح رواية إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، والروايات كلها صحيحة، لكن أي رواية نقدم؟ وليست متتابعة بحيث لا يمكن أن يرجح بعضها، فكل من رجح رواية وقدمها قال: إن بقية الطرق مقبولة، وليست مهملة.

    قال ابن حجر : وهذا لا يرد شيئاً من الطريقين إلا أن قوة طريق زهير واتصالها وتمكنها من الصحة وبعد إعلالها يظهر بُعد نفوذ رأي البخاري وثقوب ذهنه، فانظر إلى هذا الحديث كيف حكم عليه بالمرجوحية -يعني: على رواية زهير ، عن أبي إسحاق - والتي رجحها أبو حاتم ، وأبو زرعة وتبعهما الترمذي عندما قدم رواية إسرائيل ، وبينهما توقف فيه الدارمي . وحكم عليه بالتدليس الموجب للانقطاع.

    أبو أيوب الشاذكوني ، وهو سليمان بن داود رماه ابن معين بالكذب، وقال البخاري : فيه نظر كما في المغني في الضعفاء، وسير أعلام النبلاء، وقال عنه الذهبي في الميزان وتبعه على ذلك ابن حجر : هو أحد الهلكى، قال الذهبي في السير: كفى بها مصيبة أن يكون الشاذكوني رأساً في نقد الرجال ولا ينقد نفسه، وقال في تذكرة الحفاظ: كان من أفراد العلماء الحافظين، لكنه واهم، أحد الهلكى رمي بالكذب، والإمام البخاري يقول: فيه نظر.

    أبو أيوب الشاذكوني حكم على رواية أبي إسحاق ، عن زهير بأن فيها التدليس، وحتى يرفع البخاري هذا الإشكال الذي قد يعلق في أذهان بعض الناس، ذكر الطريق الثانية للحديث، والتي فيها تصريح أبي إسحاق بالتحديث.

    يقول ابن حجر : ومع ذلك يتبين بالاستقراء والتتبع التام أن الصواب في الحكم له بالراجحية، وبذلك يظهر علو البخاري وتقدمه على غيره في الصناعة الحديثية، عليهم جميعاً رحمات رب البرية.

    إذاً: خلاصة الكلام: أن الاضطراب هو في الظاهر، وهذا ما حكم عليه الترمذي ؛ لأن هذا الاضطراب يزول عند وجود مرجح لرواية من الروايات، فالإمام الترمذي رجح رواية إسرائيل عن جده. والإمام البخاري رجح رواية زهير بن معاوية والعلم عند الله جل وعلا، وهذا فيما يتعلق بالمبحث الأول.

    1.   

    ترجمة الإمام أحمد بن حنبل

    قبل أن ننتقل إلى فقه الحديث -كما قلت- نعطر هذا المبحث بترجمة الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله، فنحن بذلك نتعرض لنفحات ربنا، وعند ذكر الصالحين تنزل رحمات أرحم الراحمين، وهذا الأثر نقل عن سيد المسلمين أبي محمد سفيان بن عيينة كما رواه عنه في المغني، ورواه تلميذه الإمام أحمد بن حنبل ، كما في مسائل الإمام أحمد لـأبي داود عليهم جميعاً رحمة الله، وليس معناه كما يقول بعض أهل التخريف في هذا الوقت، أن نلغي صلاة الاستسقاء، فإذا أردنا أن نستسقي نجلس ونقول: يا بدوي أو غير ذلك، انظر للتلاعب بالكلام ممن لا يتقون الرحمن، نعوذ بالله من الافتراء والبهتان، والله جل وعلا يقول في كتابه: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النحل:105].

    ونشرع الآن في ترجمة هذا الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله.

    ترجمة الذهبي لأحمد بن حنبل

    الإمام الذهبي أطال ومع الإطالة قصر في ترجمة هذا الإمام الجليل المبارك في السير، فترجمه في إحدى وسبعين ومائة صفحة، ومع ذلك أقول: قصر؛ لأنه لو أفرد مجلداً كاملاً في ترجمته لكان قليلاً، ثم قال: وقد ترجمته في تاريخ الإسلام، وعندما يأتي إلى كثير من الأخبار يقول: وقد ذكرت نظير هذا في كتاب كذا، ولا أجد في نفسي نية لإعادة ما سبق.

    الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله إليه المنتهى في معرفة السنة علماً وعملاً، وفي معرفة الحديث وفنونه، كان رأساً في الزهد والورع والعبادة والصدق، كما كان رأساً في الفقه وفروعه، وما يزعمه بعض الناس من أن هذا الإمام المبارك ما كان فقيهاً إنما كان محدثاً، وهذا كلام باطل، نعم تغلب عليه الصبغة الحديثية هذا موضوع آخر، أما هو ففقيه من الفقهاء الراسخين كما أنه محدث من المحدثين المتمكنين.

    يقول الإمام الذهبي في السير في الجزء الحادي عشر، صفحة واحد وعشرين وثلاثمائة، قال الإمام ابن عقيل : من عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه لكنه محدث، قال: وهذا غاية الجهل؛ لأن له اختيارات بناها على الأحاديث بناءً لا يعرفه أكثرهم، وربما زاد على كبارهم، يعني: كبار من يدعي الفقه لا يعرف هذه المسائل التي اختارها ورجحها وذهب إليها. قلت: -والقائل هو الذهبي - أحسبهم يظنونه كان محدثاً وبس، يعني: فقط، بل يتخيلونه من بابة محدثي زماننا، أي زمان؟ الذي يموج بالحفاظ المتقنين كـالذهبي وشيخه الإمام ابن تيمية ، وابن كثير ، وابن القيم والإمام المزي ، وقل بعد ذلك ما تقول، وعدَّ من أئمة الإسلام في القرن الثامن من الهجرة، يقول: كانوا يتخيلونه من بابة محدثي زماننا، ووالله! لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث ، ومالك ، والشافعي ، وأبي يوسف ، وفي الزهد والورع رتبة الفضيل بن عياض ، وإبراهيم بن أدهم . وفي الحفظ رتبة شعبة ، ويحيى القطان ، وابن المديني ، ولكن الجاهل لا يعلم رتبة نفسه، فكيف يعرف رتبة غيره؟

    هذا هو الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله، وقد بلغ من مكانته عند أئمتنا أنهم قالوا فيه -والقائل هو الإمام ابن أبي شيبة - قال: لا يقال للإمام أحمد من أين قلت؟ ولا يخرفاً مخرف ويقول: إننا ندعي فيه العصمة، أو أننا اتخذناه رباً من دون الله، كما هو الحال عند اليهود والنصارى، لا ثُم لا، لكن هذا من باب وضع الإنسان في موضعه، هذا إنسان يتقي الله، لا يلفظ بحكم شرعي إلا بعد أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وأن يتأكد من الحكم تماماً، وعليه فلو أفتى في قضية لا نقول: من أين قلت؟ يعني: ما الدليل على ما تقول؟ يكفي أن الإمام أحمد قال كذا، يقول أبو بكر بن أبي شيبة : لا يقال للإمام أحمد : من أين قلت؟ إذا أفتى في قضية يعني: من الأدب ألا تقول له: من أين قلت؟ إذا كنت تعرف قدرك، وهذا كما قلت: ليس من باب ادعاء العصمة فيه، إنما من باب تنزيل الرجل المنزلة التي وصل إليها بعد التحقق والتأكد من ذلك، وهذا الإمام الرباني يخشى الله جل وعلا، فإذا نطق بحكم -وهو على بينة منه- فلا داعي بعد ذلك أن تقول: من أين قلت؟ خذ هذا الحكم واعتمده حكماً شرعياً من هذا الإمام المبارك.

    وإياك أن تقول ما يقوله السفهاء في هذه الأيام: أحمد رجل من الرجال ونحن رجال، والله! لو أردنا أن نعد القائل بهذا من فصيلة البغال لاعترضت البغال على هذا العد، قف عند قدرك، هم رجال، نعم هم رجال أثنى عليهم ذو العزة والجلال، وأما نحن فلا يعلم بحالنا إلا الله، وأما أنت فاحذف هذه الصفة منك واعرف قدرك وفوض الأمر إلى ربك، أما أن يناظر قول الإمام أحمد ويرده بلا حياء من الله ولا خجل من عباد الله وتقول: تقول رجل يخطئ ويصيب، يا عبد الله! أئمة الدنيا في زمنه يقولون: الإمام أحمد لا يقال له: من أين قلت؟ وهذا هو وضع الشيء في موضعه.

    وانظر للسقط الذي تعيشه الأمة الإسلامية في هذه الأيام عندما يقول بعض أهل الهذيان: وأما وضع اليمين على الشمال بعد الرفع من الركوع لا أشك في أنها بدعة ضلالة، وإن قال بها الإمام أحمد ، وقول الإمام أحمد لا يخرجها عن بدعيتها، لماذا؟ قال: لأن الإمام أحمد قال هذا عن طريق رأيه، والرأي يخطئ ويصيب، والله! إن الإمام أحمد أعلى قدراً من أن يقول شيئاً عن طريق رأيه، وأن يخرف في دين.

    لقد بلغ من عبادته وديانته وجده واجتهاده رحمه الله أنه كان يصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة. وكثيراً من السفهاء في هذه الأيام يقولون: هذا بدعة، وهل نقل هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام؟

    يقول ولده عبد الله : فلما امتحن وضرب ضعف بدنه فكان يصلي خمسين ومائة ركعة في كل يوم وليلة نافلة.

    ذكر كرامة لأحمد بدعائه لامرأة مريضة

    ومن الكرامات الثابتة له كما يقول الذهبي في السير الجزء الحادي عشر، صفحة إحدى عشر ومائتين: أن امرأة مقعدة أصيبت بالشلل والكساح، لا تستطيع أن تمشي، واستمر معها هذا المرض عشرين سنة، فقالت يوماً من الأيام لولدها: اذهب إلى أبي عبد الله واطلب منه أن يدعو لي فإنه من الصالحين الربانيين، والله جل وعلا لا يخيب أولياءه الصالحين، فذهب إلى الإمام أحمد وقال: والدتي تطلب منك أن تدعو لها، فهي مقعدة في البيت منذ عشرين سنة، فغضب الإمام أحمد وقال: تلجئون إلينا كأننا أنبياء، نحن أحق بأن يدعى لنا، فلما خرج هذا الولد رفع يديه إلى ربه ودعا لها بالعافية، فسمعته امرأة عجوز كانت في بيت الإمام أحمد ، فأخذت تهرول وراء هذا الإنسان وقالت: أبشر فقد دعا لها أبو عبد الله ، يقول: فلما ذهبت إلى البيت طرقت الباب فاستقبلتني أمي تمشي على رجليها، وقد أجاب الله دعاءه.

    كان كما قال أئمتنا: عن الدنيا ما أصبره، وبالماضين ما أشبهه، وبالصالحين ما ألحقه، عرضت عليه الدنيا فأباها، وعرضت عليه البدع فنفاها، وقد بلغ من حسن خلقه وطيب عشرته أنه ذكر أهله -وقد تزوج زوجتين، قال أئمتنا: وما نعلم أنه تزوج ثالثة- بعد أن توفيت فقال: عاشت معي عشرين سنة، طيب! ما اختلفت معها في كلمة قط، عشرين سنة في هذا البيت المبارك مع هذه الزوجة، وما جرى خلاف بيننا حول كلمة، فالحياة بينهما في صفاء وود، فكان يذكرها ويثني عليها، فانظر لهذه الهمة الطيبة ولهذا الخلق الحسن.

    قول أبي عبيد بن سلام في الإمام أحمد

    وقد جعل الله القلوب تميل إلى هذا الإمام المبارك، فهذا أبو عبيد القاسم بن سلام الذي قيل: إنه نظير الإمام أحمد ، بل بعض أئمتنا قدموه عليه عليهم جميعاً رحمة الله، يقول كما في السير وغير ذلك من الكتب، يقول: إني لأتدين بذكر الإمام أحمد ، وهذا أيضاً مما آثار أهل الشغب حوله من الكلام فقالوا: ونعوذ بالله من هذا الكلام! نتدين بذكر الإمام أحمد يعني: صار ذكره ديناً، وصارت عبادة عندما نقول: الإمام أحمد ؟! ثم بدءوا يفسرون للناس هذا الكلام فقالوا: إن معناه: أن نجلس ونقول: أحمد ، أحمد ، أحمد ، هل هذا معناه؟! أم أن معناه أي: نحن نطيع الله عندما نذكر أخباره، ونتحدث عن سيرته، ونطلع على تفاصيل حياته، وهل نحن الآن عندما نتدارس سيرته كما لو تدارسنا سيره ألف ليلة وليلة؟ أو سيرة بعض الناس العاديين؟ نحن نتدين بذكر الإمام عندما نثني عليه، ونترحم عليه، ونحبه، ونحب أن نذكر مناقبه، نعتبر هذا ديناً، ونثاب عليه كما نثاب على الصلاة، والحج، والزكاة، وهل الحب في الله والبغض في الله إلا في هذا؟ فنحن أحببنا هذا الإمام؛ لأنه كان ولياً لله جل وعلا؛ ولأنه نصر دين الله، فنتدين بذكره، ولا خير فيمن لا يتدين بذكر هذا الإمام المبارك.

    يقول أبو عبيد : إني لأتدين بذكر الإمام أحمد ، يعني: ذكره عندنا من الدين، نذكره ونثني عليه، وأكبر علامة في السني أن يحب الإمام أحمد وأن يميل إليه؛ لأنه هو الذي مكنهم في الفتنة التي حصلت بينهم وبين خصومهم، فصار كل سني إلى يوم القيامة إن أراد أن يدلل على صحة عقيدته يقول: أنا على مذهب الإمام أحمد .

    وأما ما يريده أيضاً بعض السفهاء ممن يطالبنا في هذه الأيام أن نكون على عقيدة فلان وفلان من الأحياء، فنقول له: أما كفاك أننا ننتسب للإمام أحمد ، وأننا على عقيدته، أتريد أن تنسبنا إلى فلان وفلان؟ والله إننا نربأ بأنفسنا أن ننتسب إلا إلى سلفنا، وأما أن ننتسب إلى فلان وفلان، فلا ثُم لا، نعم الإمام أحمد صار أئمتنا ينتسبون إليه، وهو إمام أهل السنة، ولذلك كان أئمتنا يقولون: المذهب لـمالك ، والشافعي ، وسفيان ، والليث ، والظهور لـأحمد ، يعني: مذهب الإمام أحمد هو مذهب مالك ، ومذهب الشافعي ، والإمام أحمد ما خرج عن مذهب شيخه الشافعي ، لكن لماذا لا نقول: نحن على اعتقاد الشافعي ، ولا نقول: نحن على اعتقاد أبي بكر رضي الله عنه؟ هل لأن اعتقاد الإمام أحمد يخالف اعتقاد هؤلاء؟ لقد أوضحت هذا سابقاً. وقلت: إن انتساب أهل السنة إليه يدل على المطلوب، وأما أبو بكر رضي الله عنه، أو الشافعي أو سفيان أو الليث كل واحد يقول: نحن على اعتقاده؛ لأن مذهبه في تلك الأوقات المفاصلة حتى ظهر هذا الرجل، وتميز عن أولئك، ولذلك تقدم معنا أيضاً كلام شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي عندما كان يقول:

    أنا حنبلي ما حييت وإن أمت فوصيتي للناس أن يتحنبلوا

    فقلت: ليس المراد من ذلك: أن يتبعوا الإمام أحمد في الفروع وأن يصبحوا حنابلة من حيث أحكام الشرع والعبادات والمعاملات لا؛ إنما يقصد بذلك أنه حنبلي، أي: سني، لكن بدلاً من أن يقول: سني قال: حنبلي؛ لأن شيخ أهل السنة هو الإمام أحمد ، ولذلك لما سئل عبد القادر الجيلاني رحمة الله هل يكون الولي لله على غير اعتقاد الإمام أحمد ؟ فقال: ما كان ولا يكون، أي: لا يمكن أن يوجد ولي في الدنيا حتى قبل هذه الأمة على غير اعتقاد الإمام أحمد ، ولقد اعتبر كثير من طلبة العلم هذه مبالغة، وقد يقال: كيف سيكون الناس الموحدون قبل هذه الأمة على اعتقاد الإمام أحمد ؟ وأنا أقول: أي إشكال؟ واعتقاد الإمام أحمد هو اعتقاد الحق، فكل موحد من عهد أبينا آدم عليه صلوات الله وسلامه إلى قيام الساعة اعتقاده هو اعتقاد الحق، وهو ما عليه الإمام أحمد ، فلا إشكال كما قلت، ولذلك نحن آمنا برسل الله جميعاً، ولا نفرق بين أحدٍ من رسله؛ لأن الاعتقاد واحد، والكفر بالرسول كفرٌ بسائر الرسل، كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، كذبوا بكل رسول قبل رسولهم وبعد رسولهم؛ لأن من كذب برسول فقد كذب كل رسولٍ يأتي بهذه الدعوة؛ لأنهم متفقون عليها، وهنا كذلك، فأراد عبد القادر عليه رحمة الله أن يبين أن هذه العقيدة مجمع عليها، وعليها أهل الحق، وهي توحيد الله الخالص، فما يمكن أن يوجد ولي على غير اعتقاد هذا الإمام النوراني، وأنه ما كان ولا يكون.

    وقد بلغ من حال تقدير أئمتنا له: أنهم كانوا يتبركون به رحمه الله، وكان لا ينكر هذا، فكانوا يقبلون يده ووجهه، وهو يقرهم على ذلك، ويتبركون برؤيته، وأئمتنا عقدوا فصولاً في ذلك كما فعل الإمام ابن الجوزي في كتابه مناقب الإمام أحمد ، قال: باب تبرك الأولياء برؤية الإمام أحمد ، وقد أورد الذهبي شيئاً من ذلك، وكيف أن الصالحين كانوا يتبركون برؤية هذا الإمام الكبير.

    ونقف هنا عند ذكر تبرك أئمتنا بالإمام أحمد، ونكمله في المباحث القادمة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار والحمد لله رب العالمين.