إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [8]

شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [8]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأمة الإسلامية تلقت كتابي الصحيحين بالقبول والرضا، ومضى على ذلك زمن المتقدمين لا يعترض أحد منهم لما فيهما، حتى جاء من يجتهد في مجال التصحيح والتضعيف والاعتراض على أحاديث في الصحيحين وكذا سنن الترمذي، بحجة أنهم رجال ونحن رجال، وللمجتهد أجر وأجران، لكن هذا الباب قد فتح للزنادقة مسلكاً للطعن في الدين وحملته، ورد كثير من الأحاديث الصحيحة.

    1.   

    التصحيح والتضعيف للحديث بين المتقدمين والمتأخرين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد:

    فكنا نتكلم على ما ظهر في أيامنا من تصحيح وتضعيف لأحاديث السنن التي نقلها أئمتنا، ودعوى البعض بضعف كثير من الأحاديث التي في السنن، فبعد أربعة عشر قرناً من هجرة نبينا عليه الصلاة والسلام ما اطمأن قلبه منها، وألف حديث ضعفها في سنن الترمذي؟ ونحن إخوتي الكرام! نسأل الله جل وعلا خلال بحثنا ألا يثبت معنا في سنن الترمذي مائة حديث، أرجو الله جل وعلا ألا نقف إلا على أقل من خمسين حديثاً ضعفها الإمام الترمذي فلنرى بعد ذلك هل لها ما يجبرها أم لا؟

    وقفة مع اجتهاد المتأخرين المعتبر في التصحيح والتضعيف

    عندما يأتي معنا الحديث، ومعه مثل هذه الشواهد وهذا الطرق وهذه الروايات التي في الباب، ولو قدر أن هناك شيئاً من الكلام حول رواية فإنه يزول بهذه الطرق المتعددة الكثيرة، موكولاً لاجتهاد الإنسان.

    ولكن أي اجتهاد؟ هل كل من يزعم أنه مجتهد يحكم على أحاديث حكم عليها أئمتنا نوافقهم أو نخالفهم؟

    عندما تقول لأحدهم: ماذا تفعل؟ يقول: المجتهد له أجران، والمخطئ له أجر، ولو تنزلنا عند هذا فأنا أريد أن أقول للألباني ولغيره: كلامك يحتمل الخطأ أم لا؟

    سيقول: قطعاً يحتمل، وإذا قال: إنه هو أو غيره معصوم فقد خرج من عداد العقلاء، نقول له: وكلام أئمتنا نسلم إنه صحيح يحتمل الخطأ، وكلامك صحيح يحتمل الخطأ، فأي الكلامين أقوى، كما قال الحافظ في الرد الإجمالي؟

    أريد أن أعلم، فأنت عندما نظرت لهذه التراجم لا يمكن أن تقول: أنا اكتشفت هذه التراجم وكلها نقلتها من تهذيب التهذيب أليس كذلك؟ ومن كلام الحافظ ابن حجر؟ فقد وقف عليها جهابذة أنت لا تأتي قطرة في بحارهم، وقفوا عليها ثم حكموا على الرجل، يعني: هو لو وقف على أقوال لا علم له بها، ما اطلع على هذا فأنت تنقل من كتبهم، وهم بعد أن وقفوا عليها قالوا: حكمنا في هذا الرجل كذا، وأنت تأتي وتقول في كتاب واحد في حديث واحد: ابن حجر مخبط، تلك الكلمة التي تشاع: من أخرج له الشيخان جاوز القنطرة، كل هذه لا حقيقة لها، وتأتي بعدها وتقول: ما قاله الحافظ ابن حجر بأن رواية يحيى بن سليم الطائفي مردودة إذا كانت عن عبيد الله بن عمر وفي هذا خلاف التحقيق، وأنت الذي قلته، فأنت المحقق إذا وجدت من كلامه شيئاً تتقيد به؛ لتتخلص من المعرة والمضرة قلت: ابن حجر يقول هذا، وابن حجر إنما يقرر صحة ما قرره أئمتنا، ومنهم البخاري ، وأنت تقول: هذا خلاف التحقيق، فأنا أريد أن أقول للتنزل معك ومع غيرك: كلامكم صحيح يحتمل الخطأ، وكلام أئمتنا صحيح يحتمل الخطأ، فهل نقدم كلام البخاري أو كلام الألباني ؟

    هذه تحتاج الآن لعاقل يعقل وإذا صعدت العقول من البشر فماذا نعمل؟

    كما أنكم تقولون: هذا اجتهاد، نسألكم: هل هو خطأ؟ قالوا: لا، هو اجتهاد ونحن إن أخطأنا فلنا أجر، وإن أصبنا فلنا أجران.

    نقول: يا جماعة! سدوا باباً ستتلوث به السنة، بهذا الاجتهاد الذي تزعمونه، كل واحد يأتي ويرد السنة ويقول: أنا مجتهد، ويقول ما لم يسبقه إليه إنس ولا جان وهو مجتهد، فلو نحن تنزلنا ضمن كلامكم، فكلامهم صحيح يحتمل الخطأ، وقد شهد الأول والآخر لرفعة قدر أولئك الأسلاف على من جاء بعدهم فلنقتد بسلفنا، أولسنا ندعو إلى السلفية؟ أنا أريد أن أعلم ألسنا نحن ندعو إلى السلفية؟

    ما صححه البخاري وأئمتنا المتقدمين هل هؤلاء من أهل البدع؟ أليسوا بسلف؟

    لم لا نقف عند كلامهم؟ حديث في صحيح البخاري ولا يوجد بعد ذلك من نماذج أخرى، ولا نعلم ضعيفاً، حسناً، يقرب من الحسن، يحتمل التحسين، يا عبد الله! أنت متردد في كلامك حتى ما تثبت على قول.

    هذا لابد من وعيه.

    وأقول حقيقة: عندما يقرأ الإنسان في هذه الكتب -التي كما يقال: ألفت لخدمة السنة وغربلتها- والله الذي لا إله إلا هو يرى من التسويف والتشويه ما يذهل الحليم، وسأقرر هذا بحديث واحد فقط ونعود إلى بحثنا.

    وأما معالجة هذا الموضوع بحيثياته، فسيأتينا الكلام عليه إن شاء الله في موعظة كاملة لنضع كل شيء في موضعه، ثم بعد ذلك: فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا [يونس:108].

    أنا أريد أن أعلم من هو السلفي؟

    أهو الذي يحافظ على ما قرره أئمتنا المحدثون في القرن الثالث والثاني للهجرة، أم الذي يخرج عن أقوالهم في هذا الوقت؟ هذا لابد من تحديده إخوتي الكرام!

    مثال على تناقض الألباني في التصحيح والتضعيف

    مثال على ذلك: حديث في هذا الكتاب -السلسلة- في صفحة اثنتين وتسعين وأربعمائة، برقم أربع وعشرين وثلاثمائة وألف: (أفشوا السلام، أطعموا الطعام، اضربوا الهام، تورثوا الجنان). يقول: ضعيف أخرجه الترمذي وتكلم عليه، ثم يقول بعد ذلك هنا: وللحديث طرق أخرى دون الفقرة الثالثة يرويه عن أبي ميمونة عن أبي هريرة رضي الله عنه: (قال: قلت: يا رسول الله! إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء، قال: كل شيء خلق من ماء، قال: قلت: يا رسول الله! أنبئني عن أمر إذا أخذت به دخلت الجنة، قال: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام).

    يقول: أخرجه ابن حبان وأحمد -انتبه للكلام!- وهذا إسناد ضعيف.

    قال الدارقطني : أبو ميمونة عن أبي هريرة وعنه قتادة مجهول يترك، لكن قوله: (أفشوا السلام) إلى آخره، قد صح من حديث عبد الله بن سلام (مرفوعاً) وهو مخرج في الصحيح.

    الآن يقول: الحديث ضعيف، عزاه إلى أحمد وابن حبان ويقول في تخريج هذا الحديث في الجزء الثاني من الإرواء صفحة ثمان وثلاثين ومائتين: وله حديث آخر يرويه عنه أبو ميمونة -نفس الحديث السابق ذكره- وفيه لفظة: (وصلوا بالليل والناس نيام) ثم قال: أخرجه أحمد وهو في ابن حبان أيضاً في صفحة ثمانٍ وستين ومائة في موارد الظمآن، والحاكم أيضاً في المستدرك في الجزء الرابع صفحة تسع وعشرين من طريق قتادة عن أبي ميمونة .

    قلت -الألباني-: وإسناده صحيح رجاله رجال الشيخين غير أبي ميمونة وهو ثقة كما في التقريب وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

    يقول: أبو ميمونة عن أبي هريرة وعنه قتادة مجهول يترك. وحكم على الحديث بالضعف.

    هذا الآن حديث واحد في سلسلة الأحاديث قلت عنه: ضعيف، وفي الإرواء قلت: هو حديث إسناده صحيح، في الأول قلت: أبو ميمونة مجهول يترك، وفي الثاني قلت: أبو ميمونة كما في التقريب، في الأول حسنت وصححت وفي الثاني ضعفت، وما أعلمه تراجع؛ لأن التراجعات ما أكثرها.

    أقول: هذه التراجعات إذا كنتم تصححون وتتراجعون، وتصححون وتضعفون، وتضعفون وتصححون، فهلا أنصفتم من أول الأمر، ووقفتم عند الذي وقف عليه أئمتنا، أي: هلا وقفت من البداية، ضعفت هذا الحديث في سلسلة الأحاديث الضعيفة، وصححه بعض المعاصرين.

    وانظر لكلامه وهو يصححه في الإرواء يقول بعد أن عزاه لـأحمد وابن حبان: ثم رأيت الحديث في المستدرك في الجزء الرابع صفحة تسع وعشرين ومائة هو هنا من الوجه المذكور، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي مع أن أبا ميمونة ورد في الميزان، ونقل عن الدارقطني ما ذكرته آنفاً من التجهيل وأقره، يقول: وأما الحاكم فلعله ظن أن أبا ميمونة هذا هو الفارسي وليس أبا ميمونة الأباط، أو أنه ظن أنهما واحد، والراجح التفريق، وإليه ذهب الشيخان وأبو حاتم وغيره كـالدارقطني فإنه وثق الفارسي كما قال الحافظ في التهذيب عقيبه، فهذا مما يؤيد أنه غير الفارسي ، ووقع في ابن حبان هلال بن أبي أمية وهو خطأ مطبعي أو من النساخ والله أعلم.

    ثم رأيت ابن كثير جرى في التفسير على عدم التفريق فقال عقب الحديث: وقد ساقه من رواية أحمد في المسند، وقال: هذا إسناد على شرط الصحيحين إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن واسمه سليم والترمذي يصحح له، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً والله أعلم.

    قلت: وهذه علة أخرى وهي الإرسال.

    يقول: والحديث مما صححه الرفاعي في مختصره، والرفاعي هو الشيخ محمد نسيب الرفاعي الذي كان مع الألباني أكثر من ربع قرن كما يقول عن نفسه، وكما قلت: هذا يحتاج إلى كلام يوضح فيه هذا الأمر، وإلى حجم المرض الذي ينتشر في هذا الوقت في الأمة، كان معه أكثر من خمس وعشرين سنة وعلى طريقته، وكما قلت سابقاً في النصيحة التي وجهتها إلى الشيخ قلت: إن من معك تفرقوا عنك، وبدأ التخاصم بينك وبينهم، فهذا أول أصحابه وعاش معه أكثر من خمس وعشرين سنة وهو الذي اختصر تفسير ابن كثير ، وهذا في الأصل ما كان له في العلم، مع أن الشيخ محمد نسيب عندما يخاطب شيخه الألباني -مع أنه يرد عليه- كان كما يقال: يعطيه رقبته ليذبحه يقول: أنا لا أنازعك في علمك وفي كذا، لكنني أرى قسوة بهذا الكلام، وصرنا مع السلفيين أضحوكة يكفر بعضنا بعضاً، ويلعن بعضنا بعضاً، هذا في رسالة مطبوعة موجودة ضمن كتاب التوصل إلى حقيقة التوسل للشيخ: محمد نسيب الرفاعي ، قلت له: تلاعن ويكفر بعضنا بعضاً، ونحن كنا نحذر من الشرك، وصرنا نتهم بعضنا بالشرك، أنا لا أنازعك فيما أنت عليه، وأنا لا أصل إلى درجتك فلم تقسو عليّ؟

    ثم ختم الأمر وقال: على كل حال إذا ندمت على كلامك في، وأنني قد تكلمت بما هو شرك أو كفر وخروج من الملة، إذا ندمت فالندم توبة، وسامحك الله، وإلا فسأتقاضى حقي أمام أحكم الحاكمين، هذا آخر الرسالة المطبوعة.

    وهنا يقول: والحديث مما صححه الرفاعي والرفاعي لا يصحح ولا يضعف، بل نقل عن ابن كثير حيث يقول: إسناده على شرط الشيخين، اختصر كلامه وقال: الحديث صحيح.

    استمع ماذا يقول الألباني ! يقول: فما أكثر تعديه وظلمه لنفسه وقرائه.

    لو قلنا هذه العبارة للألباني؛ لأنك ضعفت الحديث في سلسلة الأحاديث الضعيفة، وصححته في إرواء الغليل فما أكبر ظلمك لنفسك وقرائك، وما أكثر تعديك وعدم وعيك، فما الحال حينئذ؟

    يقول: وشاركه في ذلك الصابوني الذي اختصر أيضاً تفسير ابن كثير وزاد عليه أنه عزا التخريج إلى نفسه حيث جعله في الحاشية، وذلك من ديدنه كما كنت نبهت عليه في مقدمة المجلد الرابع من الصحيحة، فعد إليه إن شئت أن تعرف حقيقته -لتسمع السباب والمخاصمة والمشاتمة-.

    إخوتي الكرام! هذا حديث هنا يصحح وهنا يضعف، وعندما يضعفه يرد على من صححه.

    يا عبد الله! أنت صححته أيضاً، فهل توجه تلك العبارات إلى نفسك؟

    إن الواجب أن ما صححه أئمتنا فلنقف عند حدنا ولا نتجاوز قدرنا ولا نعتدى على أئمتنا ولا نظلم أنفسنا.

    يقول الإمام الترمذي عليه رحمة الله: وكلا الحديثين مرسل، فكيف وقفنا على رواية بعد ذلك: بأن هذا الإرسال فيه ضعف؟ فلنحمد الله، وليس في ذلك رد على أئمتنا ولا خروج عن أقوالهم، وهذا مسلكنا، وأما من صحح، فنقول له: قف عند حدك لا سيما إذا كان في الصحيحين.

    ونحن ينبغي أن نعلم -والله الذي لا إله إلا هو- أنه ليس بيننا وبين أحد مسألة نختصم عليها إلا لله وفي شرع الله، وأما ما عدا هذا فما نريد أن نختصم؛ لأنهم كلهم لنا إخوة، والكبير منهم لنا بمنزلة الأب والوالد، ونحترم الإنسان ما احترم أئمتنا، فإذا جاء ليخرج عن أقوالهم، والله مكانة أئمتنا أعلى من مكانتنا، ولأن تضرب هذه الرقبة بألف سيف مسلول أيسر علي من أن أقبل قول إنسان في هذا العصر بأن حديثاً في صحيح البخاري ضعيف.

    أقول: هذا الكلام ضعه في جيبك وانصرف عني، والأمة لو كان فيها من يرعى دين الله لأوقفكم عند حدودكم، لكن ماذا نعمل؟ هذا الكلام لا يمكن أن نقبله، ولا يمكن أن يقبل بحال من الأحوال، فنحن نحبكم ونحب المسلمين أجمعين، لكن ضمن الدائرة الشرعية، فإذا جئتم لتتقدموا على أئمتنا، وليرد المتأخر على المتقدم فنقول: قف عند حدك؛ لأنك جهلت قدرك، فمن باب أولى نحن لا نقدرك، وهذا الكلام مردود عليك، ومع ذلك نسأل الله لك الرحمة والمغفرة، وأن يلهمك رشدك، وأن تعود إلى الصواب الذي قرره أئمتنا أولو الألباب.

    الآثار السيئة لفتح باب الاجتهاد في باب التصحيح والتضعيف

    وقد ظهرت في كل مكان في هذه الأيام حملات منكرة حول حديث نبينا عليه الصلاة والسلام، بعضهم بسوء نية وخبث، وبعضهم حقيقة يبحث كما يقول بحثاً، فنقول: هذا مجتهد فيه، لكن هذا الذي هو -إن شاء الله- صادق في نيته ويبحث بحثاً قد مكن أولئك الزنادقة الذين طعنوا في السنة في هذه الأيام بسوء نية، وكنت ذكرت لكم عدداً من الأحاديث في كتاب الفرقان في رسم القرآن لبعض المخرفين ومنه حديث أنس : (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطوف على نسائه بغسل واحد) ويقول: هذا افتراء، وهذا هراء، وهذا لا ينبغي أن يقبل، وهذا قلة حياء، وغير هذا الكلام مما قرأته.

    إذاً: الأمر كما قلت: نحن فتحنا الباب، ونحن قلنا للناس: إن المسألة سهلة، فهي مجرد بحث إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأت فلك أجر، وهكذا الزنادقة يدخلون، فيا عبد الله! لابد الآن من النظر إلى المصلحة الشرعية.

    أنا أريد أن أعلم أين الذين يلوحون بين الحين والحين بسد الذريعة؟ قفوا الآن عن الكلام والطعن في أحاديث الصحيحين، فعملكم هذا ذريعة إلى التلاعب، لا أقول: تلاعب صغار طلبة العلم بل تلاعب الزنادقة بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا قيل لهم: ماذا تفعلون؟ قالوا: يا جماعة! نحن مجتهدون، إن أصبنا -والحمد لله- فلنا أجران، وإلا فنحن على أجر فلم تعيبون علينا؟! إن التصحيح والتضعيف كله اجتهاد فلم تنكرون علينا؟

    فانظر أي مفسدة عملنا في الأمة عندما جئنا لنقول: بحث علمي، ونحن نبحث، والقلب ما اطمأن لهذا الحديث وإن كان في صحيح البخاري ، أما اطمأن قلبنا لما فعله أئمتنا؟! سبحان ربي العظيم!

    يقول البخاري: عرضت هذا الجامع على أبي زرعة فما قال: فيه علة تركته، وما أودعت فيه إلا صحيحاً.

    نقول: لا، قلبنا لا يطمئن لهذا الكلام، ونحن سنحاكمك ونحاكم كل أحد على وفق الأقوال التي جاءت في هذه الكتب في تراجم الرجال، وبعد ذلك نقبل الأحاديث التي صححتموها أو لا، فلنا الخيار.

    وإذا قال أحد منهم: نحن مجتهدون، ثم كان منه التناقض فليس هذا مسلكاً جيداً، يقول: حسن، قريب من الحسن، يحتمل التحسين، ضعيف.

    يا عبد الله! أنت تحيرت وحيرت الناس أيضا، اثبت على قول.

    وهو عندما يريد أن يقول: إنه ضعيف يرتدع ويقول في نفسه: الآن الأمة سيحصل بها ما يحصل، فيأتي بعبارة سهلة يقول: حسن، قريب من الحسن، يحتمل التحسين.. على نحو هذه العبارة، والمسألة سهلة فنقول: إنه ضعيف، وفي الحقيقة عندما يأتي لحديث في الصحيحين يقول عنه: ضعيف، فهذا مثل الإنسان عندما يريد أن يعصي أول مرة مباشرة، تراه يختلج جسده ويقشعر جلده ويقف شعره، فهل تقول: هذا ليس مذنباً وليست هذه المعصية، إن هذا إذا استمرأ هذا وفعله، فإنه بعد ذلك يفعله دون أن يجد غضاضة ودون أن يتمعر وجهه.

    وهنا حديث في الصحيحين يقول عنه: ضعيف، نقول: هذه كبيرة، من يقول: حسن، قريب من الحسن، يحتمل التحسين، ثم بعد ذلك ضعيف، ليس هذا عمل المحدثين ولا هذا عمل العلماء، فإنه لا يوجد قواعد علمية تحكم بمثل هذه الأحكام الأربعة، فأرح نفسك والناس، أما أن تجمع هذه وهذه وهذه فهذا تناقض.

    وكنت ذكرت مثالاً على هذا في المحاضرة التي كنت تكلمت فيها حول ما أثير من لغط في الموضوعات السابقة:

    حديث أنس رضي الله عنه: (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم) وقلت: إنه ضعيف، يقول: ضعيف وفيه متهم، كما في ضعيف الجامع، فلم أنت إذا قلت شيئاً يعتبر منك، ونحن إذا قلنا لا يعتبر منا؟ وهنا محمد نسيب الرفاعي يقول: هذا الحديث صحيح كما في تفسير ابن كثير ، فتقول: ما أكثر تعديه وظلمه لنفسه ولقراء كتابه.

    لم هذا يا عبد الله؟! هو الآن تابع مقلد يقول لنا كذلك.

    أنا الآن عندما آتي وأقول: ( ثلاثة أنا خصمهم ) في الحديث القدسي الصحيح كما في البخاري وأنا أقول: حديث صحيح، تأتي وتقول: عبد الرحيم ظالم لنفسه، ما أكبر ظلمه وتعديه!

    لقد صحح الحديث وهو ضعيف، اتق الله في نفسك أيها الإنسان!

    أنت تقول: الأمة ليس فيها في هذه الأيام من يعي علم الحديث، وليس فيها من يفهم هذا العلم.

    نحن راضون بما حكمت، وإذا كنا لا نفهم فلم تدعونا لتقليدك؟ فلنقلد أئمتنا الكرام.

    أقول: هذا الحكم ينطبق عليك قبل أن ينطبق عليَّ، لا نحن ولا أنت خرجنا منه، لكن أنت تقول: لا يوجد في هذا الوقت أحد يدرك علم الحديث ويعيه، والناس كلهم مخبطون ويمزقون من هنا وهناك، وأنا أقول: هذا واقع الأمة كلها وأنت من بينهم، لكن أنت لو خرجت وقلت: هذا وصف، فما العدالة وما هو عمل المقلد؟

    أن يقلد من هو حي ليصحح هنا ويخطئ هنا ويقول في حديث واحد: أربعة أحكام مختلفة، وأحياناً يقول: صححت الحديث وهو ضعيف، وسبق نظري إلى سند آخر في الكتاب، ونحو هذا.

    يا عبد الله! كيف سنتبعك؟! وكما يقال: هذا علمك لنفسك، وما دام الأمر أنه لا يوجد من يصلك إلى الموازنة، والأمة كلها مقلدة، ولا يوجد من يعي هذا العلم، والله الذي لا إله إلا هو إن العاقل من يقلد البخاري ولا يقلد الألباني ، ويقلد الحافظ ابن حجر والإمام الترمذي .

    سيأتينا أن الحديث يقول عنه: حسن، ويقول عنه: ضعيف، ثم يأتي يقول بعد ذلك: إن تحسين الترمذي غير مسلم؛ فإنه يوجد ألف حديث في الترمذي ضعيفة، هذا عدا عن الروايات الأخرى التي لها متابعات وشواهد، كل هذا الكلام لك فقط، ولا يخرج عنك أبداً، وستسأل عنه أمام الله، وهو لا يلزمنا، فنحن نوقن يقيناً أن الترمذي أعلم منك.

    الرد على من ضعف أكثر أحاديث سنن الترمذي

    فإن قيل: إن أئمتنا قالوا في الترمذي : لا يوثق بتحسينه أحياناً ولا يعتمد. نقول: هؤلاء جهابذة حذاق لا مثلك، هذا كلام جهابذة حذاق مثل ابن حجر يقول: هذا الحديث حسنه الترمذي وصححه، والأمر في الحقيقة بخلاف ذلك، نقول: الأمر إن اتسع للنظر فلنأخذ بكلام ابن حجر وبكلام الترمذي .

    أما أن يأتينا إنسان في القرن الرابع عشر للهجرة ويقول: سنن الترمذي فيها ألف حديث كلها ضعيفة، لا يستدل بها لا في أحكام ولا في الفضائل ولا يجوز ذكرها، وهذه ليس لها متابع ولا شاهد، وهي تعادل خمس كتابه، وقد قال الأئمة: تحسين الترمذي فيه تساهل، وبناءً على هذا الكلام فقد فتح باباً كما قلت: واسعاً، فيه تساهل.

    أنا أريد أن أقول: إن سنن الترمذي تداوله الأئمة الكرام، ما بين شارحين وما بين راوين، وما بين دارسين، فهل انتقدوا ما انتقدته؟ ليس كذلك، يبقى كما قلت: في النظر مجال، أما أن تأتي وتقول: قالوا كذلك، فأنا إذاً: أدخل حديثاً حديثاً وليس لي علاقة بأحد قبلي أبداً، فأنا أبحث فيها ثم بعد ذلك تبين لي أن فيها قرابة ألف حديث ضعيفة ليس لها متابع ولا شاهد.

    إن هذا هو ما يشاهد في هذه الأيام، والسبب في ذلك: أنه لا يوجد من يرعى الأمة، ولا من يملكها، ولذلك كل واحد يتكلم بما يريد، ولو كانت الأمور مضبوطة ما كانت هذه الأراجيف.

    وهذا التشوه ما كان يسمع به سابقاً، بينما الآن فتح الباب على مصراعيه، فكل واحد ما بين الحين والحين كتب كتباً لا تحصى في التصحيح والتضعيف، وكل واحد صار كأنه علي بن المديني رحمه الله.

    يا عبد الله! قف عند حدك، فالعلم الذي كان عندهم كما قيل: نور السلف وعلم السلف وأدب السلف وخلق السلف، وإذا نظرت إلى أحدهم تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويذكرك بالله، فليس عندهم مهاترات، وأما نحن فقد حولنا العلم إلى خصومات ومشاتمات، فلا بد من وعي هذا الأمر وأن نعرف قدرنا، فإذا كان أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه عندما يسأل عن الأسود بن يزيد -وغالب ظني- وعن علقمة أيضاً أيهما أفضل؟ فيقول: لسنا بأهل لأن نذكرهم فضلاً عن أن نفاضل بينهم.

    نحن نذكر هؤلاء الثلاثة وأبو حنيفة تابعي رضي الله عنهم أجمعين، وهم أقرب منه بقليل، يقول: لسنا بأهل أن نذكرهم، فكيف ندخل أنفسنا في المفاضلة بينهم.

    لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

    1.   

    روايات حديث: (التمس لي ثلاثة أحجار...)

    ندخل بعد هذا في الباب الثالث عشر من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    والباب الثالث عشر يتعلق بموضوعنا المتقدم وهو الاستنجاء بالحجارة، لكن في جذرية خاصة كنت وضحتها والكلام عليها عند الاستجمار بالأحجار، وبينت هل يشترط الإيتار؟ وأن أقله ثلاثاً، وهل يستحب الإيتار مطلقاً، وأنه لا يجب الثلاث، ولو نقى المحل وأنقاه بحجرين لا يجب عليه أن يضم إليهما ثالثة وإنما يستحب، وتقدم معنا أن الحنفية والمالكية يرون أن هذا للاستحباب، والشافعية والحنابلة يرونه للإيجاب.

    وذكرت أدلة الحنفية الثلاثة بأن الإيتار ليس بواجب:

    أولها: (ومن لا فلا حسن).

    وثانيها: قياساً على الماء، فكما لا يشترط فيه الإيتار فكذلك لا يشترط في الأحجار.

    وثالثها: المقصود الإنقاء، فما ذكرت أيضاً حديث عبد الله بن مسعود وفيه الاقتصار على حجرين، وسيأتينا ضمن باب خاص فانتبهوا له.

    والإمام الترمذي أشار إلى هذه المسألة فقال: باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين.

    يعني: هل هذا يجزئ أم لا؟ وما جزم بشيء من ذلك، ولكن ظاهر الرواية الاقتصار على حجرين، فكأنه يقول: الأمر فيه سعة.

    قال الإمام الترمذي : حدثنا هناد وقتيبة قال: حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله يعني: ابن مسعود رضي الله عنه قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته فقال: التمس لي ثلاثة أحجار -في الطباعة: أبحار وهو غلط- قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: إنها رجس) قال أبو عيسى : وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله نحو حديث إسرائيل .

    وروى معمر وعمار بن رزيق عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله ، وروى زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه يعني: الأسود بن يزيد عن عبد الله ، وروى زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود بن يزيد عن عبد الله ، وهذا حديث فيه اضطراب.

    قال الإمام الترمذي : حدثنا محمد بن بشار العبدي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله -يعني: ابن عبد الله بن مسعود وهو أبو عبيدة وسيأتينا أنه قيل: اسمه عامر -: هل تذكر من عبد الله شيئاً؟ يعني: هل رويت عنه وسمعت منه؟ قال: لا. قال أبو عيسى : سألت عبد الله بن عبد الرحمن -وهو الإمام الدارمي كما سيأتينا في ترجمته- أي الروايات في هذا الحديث عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء، وسألت محمداً -وهو الإمام البخاري - فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله أشبه، ووضعه في كتابه الجامع، والذي خرجه في صحيحه حديث زهير عن أبي إسحاق .

    قال أبو عيسى : وأصح شيء في هذا عندي: حديث إسرائيل وقيس، يعني: وحديث قيس عن أبي إسحاق وهو قيس بن الربيع الذي تابع إسرائيل ، وإسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من غيره.

    قال أبو عيسى: وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم، قال أبو عيسى : وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بآخرة، قال الترمذي : وسمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبال ألا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق ، وأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود ، ولم يسمع من أبيه، ولا يعرف اسمه.

    وقد أطال عليه رحمة الله فيما يتعلق بالروايات وأسانيد هذه الروايات الأربع، كما تقدم معنا سابقاً في الاضطراب، وغالب ظني في الباب الرابع: باب ما يقول إذا دخل الخلاء، عندما قال: حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، وذكر ثلاث طرق ووضحتها وبينت الراجح منها، وأنه لا اضطراب في ذلك، ووقع وهم في بعض الروايات كما تقدم معنا في السنن.

    1.   

    ترجمة أبي إسحاق السبيعي

    وهنا أربع روايات أضبطها إن شاء الله واحدة واحدة.

    فـهناد تقدمت معنا ترجمته، وكذلك قتيبة تقدمت معنا ترجمته، قال: حدثنا وكيع تقدمت معنا ترجمته، هؤلاء الثلاثة كلهم في أول حديث من جامع الإمام أبي عيسى عليه رحمة الله.

    عن إسرائيل ، هذا أول مكان يرد فيه اسم إسرائيل . وقد تقدم معنا في الحديث السابع.

    قال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: حدثنا مالك بن إسماعيل عن إسرائيل بن يونس .

    قال: عن أبي إسحاق وهذا أول مكان يرد فيه اسم أبي إسحاق السبيعي ولم يتقدم له ذكر وترجمة.

    وهو عمرو بن عبد الله كما قال الترمذي في آخر الكلام الذي تقدم معنا: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني ولا ننسبه إلى ما هو أكثر من ذلك، وهذا عمل أكثر أئمتنا، نسبوه إلى أبيه ووقفوا عند ذلك، قالوا: عمرو بن عبد الله .

    اختلاط أبي إسحاق السبيعي

    وفي التقريب قال: عمرو بن عبد الله بن عبيد ، ويقال: علي - أبو إسحاق السبيعي - ثقة مكثر عابد اختلط بآخِره -ويصح بأخرة بالهمزة المفتوحة مع فتح الخاء بدون مد-، في آخر حياته، من الثالثة، توفي سنة تسع وعشرين يعني: بعد المائة، حديثه في الكتب الستة.

    وعندنا هنا تنبيهان حول ترجمة أبي إسحاق :

    التنبيه الأول: قول الحافظ : إنه اختلط، وفي الحقيقة: الحكم على أبي إسحاق بالاختلاط يحتاج إلى تحديد نوع علة الاختلاط، وكنت أشرت إلى هذا سابقاً وقلت: كل إنسان قبل موته يتغير ذهنه، فالاختلاط الذي يطرأ عليه قبل موته لا ينقصه ولا يحط من قدره، وما ينبغي أن يوصف بالاختلاط؛ لأنه يقف عن الرواية، ثم بعد ذلك يأتيه الموت وينسيه حفظه من أوله إلى آخره، ويذهب الحفظ، ونسأل الله حسن الخاتمة.

    فاختلاط أبي إسحاق كذلك ليس اختلاطاً في حال الصحة والوعي والشباب وأخذ الرواية عنه، وإنما اختلاط كما قلت: في آخر حياته قبيل وفاته، فهذا وإن سمي اختلاطاً فإنه لا يعتبر قادحاً في الإنسان؛ والإمام الذهبي عليه رحمة الله ينبه إلى مثل هذا كثيراً في سير أعلام النبلاء، انظر مثلاً الجزء العاشر في صفحة أربع وخمسين ومائتين في ترجمة العبد الصالح عفان بن مسلم الأنصاري الإمام الحافظ المحدث، حديثه في الكتب الستة، وأنه طرأ عليه اختلاط، وأطلق عبارة شديدة في مرض موته رحمه الله.

    يقول: سمعت إبراهيم الحربي يقول: قال لي أبو خيثمة : كنت أنا ويحيى بن معين عند عفان فقال لي: كيف تجدك؟ كيف كنت في سفرك؟ بر الله حجك؟ فقلت: لم أحج، قال: ما شككت أنك حاج، يعني: ظننت أنك ذهبت إلى الحج، ثم قلت له: كيف تجدك يا أبا عثمان؟ قال: بخير، إن الجارية تقول لي: أنت مصدع. أي: عندك صداع ومرض وأنت منهك وتعب، وأنا في عافية، فقلت: ماذا أكلت اليوم؟ يريد أن يفهمه، هل معه وعيه؟ وكما قلنا: إن مرض الموت إذا نسي بسببه لا يضر، فقال: أكلت أكلة رز، ولست أحتاج إلى شيء إلى غد، أو بالعشي آكل أخرى تكفيني لغد.

    قال إبراهيم الحربي : فلما كان بالعشي جئت إليه، فنظرت إليه كما حكى أبو خيثمة ، وهو عنده وهو يتكلم. فقال له إنسان: إن يحيى يقول: إنك قد اختلطت، فقال: لعن الله يحيى.

    وهذا كلام لا يقصد منه حقيقته وإنما هو انفعال، هذا غاية ما نفهمه منه أنه رد كلام يحيى بن معين وانتهى الأمر، ولا تحمل الأمر أكثر من ذلك.

    قال: إنك قد اختلطت، قال: لا أختلط، أرجو أن يمتعني الله بعقلي حتى أموت، قال الحربي : يكون ساعة خَرِفًا وساعة عاقلاً. يعني: أحياناً وأحياناً، وكما قلت: هذه القصة في مرض الموت، فحين يقابله وهو على سرير الموت رغم تعبه الساعة أو بعد ساعة، هذا حتماً كل إنسان عندما تشتد به آلام المرض وسياق الموت، يذهل قطعاً وجزماً فإذا صحا استحضر الأمور على وجه التمام.

    يقول أحمد بن أبي خيثمة: سمعت أبي ويحيى يقولان: أنكرنا عفان في صفر في أيام خلون منه سنة تسع عشرة ومائتين، ومات بعد أيام.

    إن مثل هذا الاختلاط لا يضر، وهو يقع على غالبية.

    قلت: هذا الكلام الذي ينبغي أن نعيه نحو من رمي بالاختلاط في آخر حياته، فكل تغير يوجد في مرض الموت ليس بقادح في الثقة، فإن غالب الناس يعتريهم في المرض الحاد نحو ذلك، يعتريهم ذهول وغفلة وتضييع، ويتم لهم وقت السياق وقبله أشد من ذلك، وإنما المحذور أن يقع الاختلاط بالثقة فيحدث في حال اختلاطه بما يضطرب في إسناده أو متنه فيخالف فيه، فيعد قدحاً في الراوي وجرحاً في روايته.

    وذكر الإمام الذهبي نحو هذا -أيضاً- في الجزء الحادي عشر صفحة سبع وسبعين وثلاثمائة في ترجمة أمير المؤمنين في الحديث إسحاق بن راهويه ، فحكى عن أبي داود السجستاني قال عن إسحاق بن راهويه تغير قبل موته بخمسة أشهر، وسمعت منه في تلك الأيام فرميت به، هذا كلام في إسحاق بن راهويه شيخ الإمام البخاري عليهم جميعاً رحمة الله.

    قال الذهبي : هذه حكاية منكرة، وفي الجملة: فكل أحد يتعلل قبل موته غالباً ويمرض، فيبقى أيام مرضه متغير القوة الحافرة. فيموت إلى رحمة الله على تغيره، ثم قبل موته بيسير يختلط به هو ويتناسى علمه، فإذا قضى زال بالموت حفظه، فكان ماذا؟ أفبمثل هذا يلين عالم قط؟ كلا والله، ولا سيما مثل هذا الجبل في حفظه وإتقانه.

    إن قول أبي داود: بأن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي اختلط قبل موته، وأنه رمى بحديثه، مثل هذا الكلام لا يلين به إمام عادي، فكيف بجبل الحفظ وإمام الإتقان؟ وكونه طرأ عليه الاختلاط قبل موته فهذا هو حال الإنسان إذا تعلل، وإذا اشتد عليه المرض اشتد ضعفه وذهوله، فإذا مات ذهب الموت بحفظه ورجع الإنسان إلى ربه: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104]، إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:40] هذا الأمر الأول.

    وقوله: (اختلط بآخر) لابد من تحديد فترة الاختلاط، فـأبو إسحاق اعتراه ما اعتراه قبيل موته، فلذلك يقول الذهبي في التذكرة مقرراً اختلاط أبي إسحاق في الجزء الأول صفحة ثلاث وثلاثين ومائتين، في ترجمة زهير الذي روى عن أبي إسحاق وقيل: إنه روى عنه بعد الاختلاط، يقول الذهبي: ما اختلط أبو إسحاق أبداً، وإنما يعنى بذلك التغير نقص الحفظ، أي: ما اعتراه شيء، وإنما في آخر حياته قبل موته، أما أنه بدأ يخلط ويخرف ويهذي ولا يدري ما يقول فليس هذا كلام الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة زهير، وليس في ترجمة أبي إسحاق يقول: ما اختلط أبو إسحاق أبداً، وإنما يعمل ذلك التغير ونقص الحفظ، وعليه يحمل قول الحافظ: اختلط، على تغير في ذاكرة أبي إسحاق قبل موته رحمة الله ورضوانه عليه.

    تدليس أبي إسحاق السبيعي

    التنبيه الثاني: في تحفة الأحوذي في ترجمة أبي إسحاق قال: أبو إسحاق مدلس كما قال الحافظ ابن حجر في الكتاب الذي جمعه في طبقات المدلسين؛ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس.

    والذي يبدو لي -والعلم عند ربي- أن هذا وهم من الشيخ المباركفوري ، وأن هذا التدليس ليس لـأبي إسحاق وإنما هو لولده يونس الذي اعتراه الاختلاط، أما أبو إسحاق السبيعي فما وقفت على ذلك، ولا علم لي بذلك بعد البحث.

    لكن يقول الحافظ: يقال أنه روى عن الشعبي حديثه، وهو حديث عن الحارث الأعور .

    والحارث الأعور ضعيف، وممن اتهمه ابن معين والشعبي وكان يقول عنه: كذاب.

    على كل حال: روى يونس عن الشعبي حديثاً، وهو حديث عن الحارث عن علي : ( أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة)، فأسقط منه الحارث وجعله يونس عن الشعبي ، هذا يقال: دلسه ورواه بصيغة عن عن الشعبي .

    والحارث الأعور ما خرج له النسائي غير حديثين، وهو ضعيف بالاتفاق، وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجه في السنن، وعبد الله ولد الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه.

    ورواه الترمذي أيضاً، والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة عن أنس رضي الله عنه.

    وروي عن أبي جحيفة رضي الله عنه، انظر الجامع الصغير وفيض القدير في الجزء الأول شرح الجامع الصغير صفحة ثمان وثمانين، وقال أئمتنا: إن هذا الحديث صحيح: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة إلا النبيين والمرسلين).

    وهذا الحديث ذكره في أسنى المطالب في صفحة ست وعشرين، وقال: رواه الشيخان، وهو وهم حتماً، لكن العجب من المعلق على الكتاب وغالب ظني أنه في لبنان، يحقق كتباً ما أكثرها! وجاء في التعليق: انظر كذا وانظر كذا وانظر كذا في بيان مصادر هذا الحديث.

    يا عبد الله! الآن أنت تقول: انظر وانظر، حسناً أنت ما نظرت عندما هو يقول: رواه الشيخان، وأنت تقول: انظر الجامع الصغير، وانظر صحيح الجامع الصغير، وانظر كشف الخفاء، أنا أريد أن أعلم صحة هذا الكلام عندما يقول: رواه الشيخان، وما عليه لو قال: وهم الشيخ، في كتابه أسنى المطالب في بيان أحاديث مختلفة المراتب، لو قال: وهم، انظر كذا وكذا لا بأس، لكن يقول: رواه الشيخان، وهذا يعطيك علامة في الحاشية، يقول: انظر وانظر، لترى هذا الكلام في هذه الكتب، وهذا عمل المحققين هذه الأيام، انظر وانظر.

    وهذا مصري صاحب الرسالة التي فيها ترجمة محمد بن إسماعيل أبي عبد الله البخاري الذي دخل بغداد بعد سنة خمسمائة للهجرة، هذه الترجمة المظلمة قالها في حق: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، ولذلك لما جاء ليترجم للبخاري قال: كذاب، وبدأ كما يقال: يذكر الذم في ترجمته، ولما قيل له: كيف تفعل هذا؟ قال: هذا موجود في الكتاب، قلت: الإمام البخاري تقول عنه: كذاب ومتهم، قال: هذا في لسان الميزان، وقلت: إن هذا الكتاب ما له عقل وأنت ما لك عقل، سبحان ربي العظيم! هذا كالذي يقرأ: فخر عليهم السقف من تحتهم، هذا إذا ما عندك عقل، السقف يكون من فوق أو من تحت؟! يعني: لا قراءة ولا عقل.

    إذاً: في كتابه خطأ، اضرب هذا الكتاب. وقلت له: نساء البادية تسمع بـالبخاري وتقول: هو شيخ المسلمين، ولكنها لا تعلم في أي عصر هو، وقل لها: يا خالتي! أسمعت بـالبخاري ؟

    فستقول: دائماً يقولون: رواه البخاري.

    وأنت تناقش رسالة في علم التوحيد، وتأتي بعد ذلك تتهجم على أئمتنا، وتقول: هذا في لسان الميزان، وهذا الكتاب لمن له ذكر مما ليس في الكتب الستة، ثم في الترجمة يقول: دخل بغداد بعد سنة خمسمائة، لكن انتحل اسم البخاري وكنيته ونسبته لأجل أن يدلس على الناس، ذكرنا هذه الترجمة في ترجمة صاحب حديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) رواه البخاري ، ثم يترجم للبخاري بهذه الترجمة المظلمة.

    هذا حاله وهو يقول: وكل هذه الكتب التي أحلت عليها ما أحد قال: إن الحديث في الصحيحين، ويأتي أحد يقول: صحيح وضعيف، والسؤال كيف صححته؟

    يقول: سبق نظري إلى سند الحديث الذي قبله، ما شاء الله على هذا العلم، وهذا الذي تنشره للأمة باسم غربلة كتب السنة -هذا سبق نظره- وإذا كنت تنظر فانظر إلى هذا الكلام، ولا أقول: نحن أحسن حالاً منهم لا، بل نحن أنزل، وهذا حالنا لنعرف قدرنا، وإذا عرفنا قدرنا فلنقف عند حدنا على أقل شيء، أما أنه بعد ذلك نجد بأنفسنا فيما لسنا له بأهل، والله هذه بلية وافدة، فأين الذين يتباكون على حفظ السنة في هذه الأيام؟ أريد أن أعرف أي سنة ستحفظ إذا فتحنا مثل هذا الباب؟ قلت لهذا: كيف تذكر هذه الترجمة؟

    قال: في الكتاب.

    حسناً: أما عندك عقل؟ قال: يا شيخ! هذا في الكتاب، قلت: يا عبد الله! والله الذي لا إله إلا هو ظننت أنك ستقول: الأمر انقلب عليَّ والتبس وما انتبهت، وأما هذا الجواب فهو أقبح عندي من خطئك، ومن عدم علمك.

    وذكر تلك الترجمة المظلمة في ترجمة البخاري ، وهذا أعجب بكثير، وأعوذ بالله أن نتكلم به، ولعل هذا المحقق الآن يناقش رسائل ويمنح لغيره، ونسأل الله الستر في الدنيا والآخرة.

    إذا كان الانحطاط الذي وصلت إليه الأمة إلى هذا الحد، فما ذنبهم حقيقة أن يعول على بحث باحث جديد كما أقول مراراً: لا نظلم أحداً، ونستفيد من كل أحد، لكن بعد التحقق والتمحيص والتدقيق، فكل كلام قاله وافق فيه أئمتنا على العين والرأس، وإلا يرد عليه وعلى غيره، كلام قاله وواهم فيه فلا يقبل.

    وحقيقة: من البلايا التي انتشرت في هذا العصر عكوف طلبة العلم على الكتب المؤلفة في هذا الوقت وانقطاعهم عن كتب سلفهم.

    وأنا أقول: إذا أردنا أن ندعو إلى السلفية -وهذا واجب علينا، ولا خير فينا إذا لم نتعلق بسلفنا في كل شيء- فلنعد إلى إحياء كتبهم والالتزام بها وعدم الخروج عنها، هذا لابد من وعيه، فلنرتبط بصحيح البخاري مباشرة، لا بصحيح الجامع، ولا بضعيف الجامع، بل ارجع لصحيح البخاري وارجع لصحيح مسلم وارجع لكتب السنة، وانظر ما قاله أئمتنا، أما أن تأخذ الكلام مبتوراً: صحيح وضعيف وانتهى، فهذا في الحقيقة هو التقليد الذي ينادي الناس بتحريمه، وأي تقليد بعد هذا التقليد، وأشنع من هذا التقليد؟ إذا كنتم لا ترون أن نقلد الترمذي عندما نقرأ كتابه وسنده وتكلمه على الرجال، ووزنه الأمور بالموازين الشرعية، وتريدون منا أن نعود إلى من يقول: صحيح، ضعيف، منكر، متروك، ضعيف جداً على حسب ما يقدر، وما يحتمل التحسين ضعيف فلهم فيها موازين دقيقة، وأنتم ستلزموننا بهذه الآراء.

    ذكر الشيخ المباركفوري عليه رحمة الله في تحفة الأحوذي: أن ابن حجر ذكر أبا إسحاق السبيعي من جملة المدلسين في كتاب: تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، وقلت: هذا فيما يظهر وهم، والمدلس هو ولده يونس ، ومع ذلك يقول الحافظ : يقال: إنه روى عن الشعبي حديثاً أسقط منه الحارث الأعور ورفعه إلى الشعبي عن علي رضي الله عنه: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين).

    إن أبا إسحاق السبيعي وهو الراوي الأول له مكانة عظيمة في العلم، وكان شيخ الكوفة وعالمها ومحدثها كما يقول الذهبي في السير، وهو يشبه الإمام الزهري في أهل المدينة، وقيل: إنه سمع من ثمانية وثلاثين صحابياً، ولم يتجاوز أباه، وكان يختم القرآن كل ثلاثة أيام، ولم ينم أربعين سنة متصلة، وكان يشغل ليله بمناجاة الرحمن.

    وقد ثبت في المستدرك بإسناد صحيح في الجزء الثاني صفحة سبع وعشرين وخمسمائة عن أبي إسحاق أنه قال: يا معشر الشباب! اغتنموا شبابكم، قل ما تمر بي ليلة إلا وأنا أقرأ ألف آية، يعني: ثلث القرآن، وإني لأقرأ البقرة في ركعة، وإني لأصوم الأشهر الحرم، وثلاثة أيام من كل شهر، والاثنين والخميس، ويقول: هذا من باب: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].

    ولذلك أورد الحاكم هذا الأثر عند قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11] فهو يتكلم بما من الله به عليه من نعمه، ثم يحث الشباب على اغتنام أعمارهم.

    ونقل الحاكم أيضاً في نفس الموضع عن عمرو بن ميمون الأودي ، وهو مخضرم متبوع من الأئمة الصالحين الربانيين، توفي سنة أربع وسبعين أنه قال: كان الرجل يلقى صاحبه فيقول: لقد رزقني الله البارحة من الصلاة كذا، ومن الخير كذا.

    وكان عمرو بن ميمون يقول هذا، ثم قال الحاكم معلقاً على هذين الأثرين: أثر أبي إسحاق وعمرو بن ميمون : رحم الله جل وعلا أبا إسحاق وعمرو بن ميمون فلقد نبها لما يرغب الشباب في العبادة.

    هذا أبو إسحاق مع منزلته التي ذكرتها كان يقول: وددت أني نجوت من عملي كفافاً.

    قال الذهبي : كان صلابة بالعلم، كبير القدر صواماً قواماً، عاش خمساً وتسعين رحمة الله ورضوانه عليه، توفي سنة تسع وعشرين ومائة للهجرة.

    1.   

    ترجمة أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود

    كما قلنا: عمرو بن عبد الله السبيعي عن أبي عبيدة وأبو عبيدة لم يتقدم لنا ذكره فيما مضى، وهو ولد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو مشهور بكنيته، كما في التقريب فقد ذكره في الكنى، والأشهر أنه ليس له غيرها، أي: اسمه كنيته، سماه والده أبا عبيدة ، ويقال: اسمه عامر ، كوفي ثقة من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه. مات بعد سنة ثمانين أي: لم يجاوز المائة بل هو دون المائة.

    وحديثه في الكتب الستة، وسيأتينا أنه اختلف في سماعه من أبيه، ورجح العيني في عمدة القاري سماعه من أبيه، وانتصر لهذه الرواية ولتقريرها من أجل أنها تشهد لمذهب الحنفية بأنه لا يجب الإيتار بثلاث، إنما هذا من باب الاستحباب، وأن الحجرين في الاستجمار يجزئان، وقال: وإن أبا عبيدة كان عمره عند موت والده سبع سنين، ومثل هذا يمكن أن يسمع ويحفظ من الغرباء فكيف إذا كان من سمع منه هو والده؟ وبما أن الصغير معتبر في مثل هذا فلعله سمع هذا الحديث منه، ولذلك يرجح ويرى أن حديث الترمذي في هذه الرواية عن أبي عبيدة عن عبد الله متصلة وليست منقطعة، وأن هذا الترجيح الذي فعله أولى مما فعله البخاري في رواية زهير بدل إسرائيل عن أبي إسحاق كما سيأتينا إن شاء الله.

    إذاً: أبو عبيدة قيل: اسمه عامر عن عبد الله ، أما عبد الله فهو ابن مسعود الصحابي رضي الله عنه وأرضاه، وترجمته موسعة وتحتاج إلى موعظة كاملة لجوامع الخير التي فيه، فأترك الكلام على ترجمته إن شاء الله حتى الانتهاء من الكلام على الحديث فقهاً وتخريجاً.

    1.   

    ترجمة قيس بن الربيع

    قال أبو عيسى : وهكذا روى قيس بن الربيع .

    يعني: أن قيس بن الربيع روى الحديث عن إسرائيل عن أبي إسحاق ، وكأنه يقصد بذلك أنه تابعه، أي: روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله ، وروى قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله ، فتابعه.

    وقيس بن الربيع تقدم معنا ذكره في تخريج أحاديث الاستجمار التي ذكرتها آنفاً، وهو قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفي صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس في حديثه فحدث به، من السابعة، توفي سنة بضع وستين يعني: بعد المائة، وحديثه في السنن الأربعة إلا سنن النسائي .

    وتقدم معنا حديثه وكلام الهيثمي في المجمع في الجزء الأول صفحة إحدى عشرة ومائتين: وثقه الثوري وشعبة وضعفه جماعة.

    وهؤلاء هم الرجال الذين سيذكرهم في هذه الروايات الأربعة المختلفة، وسأبين تراجمهم على وجه الإيجاز، ثم أزيل الاضطراب بإذن الله من هذه الروايات.

    وقول الترمذي : هذا اضطراب يعني: في الظاهر، ولذلك رجح عدم الاضطراب في الرواية، والبخاري رجح رواية أخرى، وذلك يزيل الاضطراب إن شاء الله.

    وكأنه قال: ما انفرد إسرائيل بهذا فضلاً أن إسرائيل في الأصل أضبط الناس وأحفظهم لحديث جده أبي إسحاق ، فإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق كما تقدم معنا، واسم أبي إسحاق : عمرو عبد الله السبيعي أي: ابن أبي إسحاق ، مع ذلك له متابع وهو قيس بن الربيع .

    هذه هي الرواية الأولى. وقد انتهينا منها.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، واغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.