إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [5]

شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [5]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دين الإسلام شامل لكل مناحي الحياة وجزئياتها، وباب الآداب باب عظيم اهتم به الشارع أيما اهتمام، حتى إنه جعل ضوابط لقضاء الحاجة، فنهى من أتى البول عن مس ذكره بيمينه، تنزيها لها عن استعمالها في هذا الشأن؛ إذ أنها تستعمل في الأصل في الأكل والشرب والسلام وغير ذلك من الأغراض الحميدة.

    1.   

    حكم مس العورة والذكر باليمين والاستنجاء بها

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    فلا زلنا نتدارس ثلاثة أبواب من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا والمسلمين رحمة رب العالمين، وهذه الأبواب الثلاثة هي الباب العاشر فما بعده، وعناوينها: باب ما جاء في الاستتار عند الحاجة، وأورد الترمذي في هذا الباب حديث أنس وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض).

    والباب الذي بعده: باب ما جاء في كراهة الاستنجاء باليمين، فأورد حديث أبي قتادة رضي الله عنه وأرضاه (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه).

    والباب الذي بعده: باب الاستنجاء بالحجارة، فأورد حديث سلمان رضي الله عنه وعن الصحابة الكرام (أنه لما قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؟ فقال سلمان : أجل، نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم).

    وهذه الأحاديث الثلاثة في الأبواب الثلاثة، وقد انتهينا إخوتي الكرام من المبحث الأول المتعلق بها ألا وهو في ترجمة رجال الإسناد، وشرعنا في الموعظة الماضية في الكلام على فقه الحديث، وقلت: إن فقه الحديث يدور على ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: في حكم التستر عند قضاء الحاجة.

    والمسألة الثانية: في حكم مس العورة باليمين، والاستنجاء باليمين.

    والمسألة الثالثة: في حكم الاستنجاء بالحجارة أعني: الاستجمار.

    أما المسألة الأولى فقد مر الكلام عليها -إخوتي الكرام- وهي كما قلت ثلث مبحثها في فقه الحديث فيما يتعلق بالتستر عند قضاء الحاجة فالمعتمد عند أئمتنا الأربعة الكرام البررة أنه يستحب للإنسان ألا يرفع ثوبه إذا أراد حاجته إلا بمقدار الحاجة والضرورة، وعليه فلا يتجرد من ثيابه، ولا يرفع الثوب قبل أن يدنو من الأرض، وإذا انتهى من الحاجة فيستحب له أن يسدل ثوبه قبل أن ينتصب قائماً، وبينت أن هذا من باب الاستحباب؛ لأن ستر العورة في الخلوة مستحب وليس بواجب، نعم هو أدب رفيع ينبغي للإنسان أن يأخذ به، وقد ذهب بعض الشافعية كما تقدم معنا إلى وجوب ذلك، وبينت الأدلة التي تصرف الأمر عن الوجوب كما هو قول أئمتنا الكرام عليهم رحمة ربنا الرحمن، وقلت: إن المحافظة على ذلك الأدب تجعل في النفس حصانةً إيمانية بحيث يراقب رب البرية، ومن تأدب في الخلوة فهو من باب أولى سيتأدب في الحضور.

    مذهب الأئمة الأربعة في حكم مس الذكر باليمين وكذلك الاستنجاء بها

    ننتقل بعد ذلك -إخوتي الكرام- إلى المبحث الثاني في فقه الحديث ألا وهو مس الذكر والعورة باليمين، وحكم الاستنجاء والاستجمار باليمين.

    في هذا الحديث، أعني: حديث أبي قتادة رضي الله عنه (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل أن يمس ذكره بيمينه)، وهذا النهي أيضاً للاستحباب لا للإيجاب، ومخالفة هذا توقع الإنسان في كراهة التنزيه لا في ارتكاب الحرام.

    وقد نص على ذلك أئمتنا الكرام وهذا هو قول المذاهب الأربعة المتبعة، فيكره مس الذكر باليمين، وكذا يكره الاستنجاء والاستجمار بها، فيكره أن تمس عضوك بيمينك مطلقاً، ويكره لك أن تستنجي أو أن تستجمر باليمين، وإنما يكون الاستنجاء والاستجمار ومس الذكر بالشمال كما سيأتينا، وهذه الكراهة للتنزيه؛ لأن ذلك أدب من الآداب ينبغي أن يحافظ عليه أولوا الألباب، وليس في المخالفة معصية على الصواب.

    وقد قرر هذا أئمتنا الكرام وانظروا ذلك في كتاب المجموع للإمام النووي في الجزء الثاني صفحة تسع ومائة، وفي فتح الباري في الجزء الأول صفحة ثلاث وخمسين ومائتين، وهذا الحكم اتفقت عليه المذاهب الأربعة.

    مذهب الظاهرية في حكم مس الذكر باليمين وكذلك الاستنجاء بها

    وخالف فيه الظاهرية ولا يعتد بخلافهم فنص الإمام ابن حزم غفر الله له وللمسلمين أجمعين في المحلى في الجزء الأول صفحة خمس وتسعين: أن هذا النهي للتحريم، ولا يجوز للإنسان أن يمس عضوه بيمينه، وكذلك لا يجوز أن يستنجي بيمينه، فقال: ولا يجزئ أحداً أن يستنجي بيمينه، ولا وهو مستقبل القبلة، يعني: لا ينبغي ولا يجزئه فلو استنجى وهو مستقبل القبلة فلا يجزئ هذا الاستنجاء؛ وقد تقدم معنا هذا المبحث، وأننا نهينا عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، وقلت: هذا محمول على الفيافي والصحراء، لا على العمران والبناء على المعتمد فهذا كما قلت انفرد به ابن حزم فقال: لا يجزئ أحداً أن يستنجي بيمينه، فلو استنجى بيمينه فلا يجزئه، وقد عصى ربه، ولم يحصل الإنقاء، وينبغي أن يستنجي بشماله مرةً ثانية، وأن يتوب إلى ربه جل وعلا، وكما قلت: هذا انفراد منه بهذا القول وأئمتنا على خلافه، وما ورد في كتاب المهذب لحبر زمانه وإمام المسلمين في وقته أبي إسحاق الشيرازي عليه رحمة الله من أنه لا يجوز للإنسان أن يستنجي بيمينه، فكلمة: (لا يجوز) تحتمل أمرين كما قرر أئمتنا؛ تحتمل كراهة التنزيه، وتحتمل كراهة التحريم.

    تحقيق الشافعية في مسألة الاستنجاء باليمين

    فما قاله أبو إسحاق في المهذب: ولا يجوز أن يستنجي بيمينه، ليس فيه ما يدل على موافقة الظاهرية في قولهم: إنه يحرم الاستنجاء باليمين، وإن أشعر ظاهر اللفظ بذلك.

    قال الإمام النووي : فيحمل كلام المصنف -يعني: مصنف المهذب وهو أبو إسحاق الشيرازي - وموافقيه على أن (لا يجوز) معناه: ليس مباحاً مستوي الطرفين في الفعل والترك، -أي: فهذا ليس بمباح، يستوي فعله وتركه، بل الترك هو المقصود والفعل خلاف الأدب، وهو الاستنجاء باليمين -بل هو مكروه راجح الترك، وهذا أحد المذهبين المشهورين في أصول الفقه، أي: في استعمال كلمة (لا يجوز) فإنها تطلق على ما هو محرم، وعلى ما هو مكروه، ثم يقول: وقد استعمل المصنف- يعني أبا إسحاق الشيرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا -كلمة (لا يجوز) في مواضع ليست محرمة، وهي تتخرج على هذا الجواب، يعني: قوله: (لا يجوز)، ليس هذا مستوِ الطرفين في الفعل والترك، وإنما الترك راجح والفعل خلاف الأولى، وفيه كراهة تنزيه، ثم قال الإمام النووي : وحكي أن المصنف وهو أبو إسحاق الشيرازي ضرب على كلمة (يجوز) أي حذفها، فبقيت العبارة: ولا يستنجي بيمينه، وهو يصحح ما قلناه، والنهي هنا والمنع -كما قلت- للأدب ولكراهة التنزيه لا للتحريم، وهذا قول المذاهب الأربعة.

    صحيح، أن الإمام البخاري عليه رحمة الله في صحيحه ما أعطى حكماً قاطعاً لهذه المسألة لفقهه ولاحتياطه ولورعه رضي الله عنه وعن أئمتنا، فقال في كتاب الوضوء: باب النهي عن الاستنجاء باليمين، والنهي شامل للتنزيه وللتحريم، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قال: باب النهي وهنا قال: باب التحريم أو باب الكراهة عن الاستنجاء باليمين، إشارةً إلى أنه لم يظهر له -أي: للبخاري - أن النهي للتحريم أو للتنزيه، فأطلق النهي، لأنه لم تظهر له القرينة الصارفة عن التحريم إلى كراهة التنزيه، على القول بأن النهي يفيد التحريم في قوله: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل أن يمس ذكره بيمينه، وأن يستنجي بيمينه) وعبر عن فقهه بظاهر الحديث دون أن يستنبط منه حكماً، والحكم استنبطه أئمتنا، وبذلك يظهر علو قدرهم في الفقه على الإمام البخاري ، ولا ينكر قدره رحمة الله ورضوانه عليه وعلى أئمتنا، لكنه في الفقه دونهم، ولا شك أن فعله هذا احتياط وورع منه، لكن لا بد من فصل في المسألة، فأئمتنا -كما قلت- ذكروا أن النهي هنا لكراهة التنزيه لا للتحريم، وابن حزم قابلهم في الطرف الثاني فقال: للتحريم وجزم بذلك لكن الجزم هناك في غير محله، والبخاري توقف ولم يجزم بشيء، وأئمتنا -كما قلت- الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين جزموا بأن النهي للكراهة فقط وليس للتحريم، والعلم عند رب العالمين، وهذه الكراهة تكون إذا كانت يده الشمال سليمةً وبإمكانه أن يمس العضو بها وأن يستنجي بها، أما إذا كانت يده مقطوعة أو فيها آفة فيباح له أن يمس بيمينه، وأن يستنجي بيمينه بالاتفاق من أجل الضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، وإذا ضاق الأمر اتسع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    كلام الخطابي حول مس الذكر باليمين والنهي عن الاستنجاء بها عند البول ورد الفقهاء عليه

    إخوتي الكرام! عند هذا المبحث أورد الإمام الخطابي سؤالاً في منتهى الغرابة ثم أجاب عنه بما هو أغرب، فتعقبه الحافظ ابن حجر رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    يقول: إذا نهينا نحن عن مسح العضو بيميننا، ونهينا عن الاستنجاء والاستجمار بيميننا، فمن أراد أن يستجمر من حاجة البول فسيقع في أحد المحظورين ولا بد، فإن أمسك الحجر أو الورق بيمينه فقد استجمر باليمين، وإن أمسك الحجر أو الورق بشماله فقد مس العضو بيمينه، فأنت إذاً بين محظورين فماذا تفعل؟

    ثم للتخلص من هذا الإشكال أورد الإمام أبو سليمان الخطابي عليه رحمة الله -توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة للهجرة- صورة يحار الإنسان في فعلها قبل أن يكشف عورته، وكان يمتحن بها بعض العلماء -يعني: المتقدمين- بعض طلبة العلم، وكلام الخطابي موجود في معالم السنن في شرح سنن أبي داود في الجزء الأول صفحة ثلاث وثلاثين وفي تهذيب سنن أبي داود للإمام المنذري ، وعليه شرح الخطابي وتعليق الإمام ابن القيم عليهم جميعاً رحمة الله، ونقله عنه البغوي في شرح السنة في الجزء الأول صفحة تسع وستين وثلاثمائة، وخلاصة ذلك ذكرت في فتح الباري في الجزء الأول صفحة ثلاث وخمسين ومائتين، وأربع وخمسين ومائتين، يقول: ولا يتمسح بيمينه أي: لا يستنجي بها، وقد أثار الخطابي هنا بحثاً وبالغ في التبجح به، العبارة في الحقيقة خشنة، وهو قرر ما قرر وإن كانت تقريراته في هذه المسألة مردودة وحكي عن أبي علي ابن أبي هريرة وهو من أئمة الشافعية الكبار، توفي سنة خمس وأربعين وثلاثمائة للهجرة، قبل الإمام الخطابي وهو الحسن بن الحسين أبو علي انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي في زمنه، وترجمته في طبقات الشافعية الكبرى في الجزء الثالث صفحة ست وخمسين ومائتين، وفي سير أعلام النبلاء في الجزء الخامس عشر صفحة ثلاثين وأربعمائة، وكان أبو علي ابن أبي هريرة : ناظر رجلاً من الفقهاء الخرسانيين من أصبهان، فسأله عن هذه المسألة فأعياه جوابها، وكان قبل أن يسأله سأله عن مسألة في الوضوء فتحرج لذلك، وقال: تسألني عن مسألة في الوضوء وأنا فقيه أصبهان، فقال: والله لن أسألك إلا عن مسألة في الطهارة؛ إذا قضيت الحاجة وقد نهيت عن مسك العضو بيمينك ونهيت عن الاستجمار بيمينك فماذا تفعل؟ قال: فاحتار وما استطاع أن يرد؛ لأنه إن قال: أمسك الحجر باليمين فقد استجمر بها، وإن قال: أمسك الحجر بالشمال فقد مس العضو بيمينه، ومحصل الجواب عند أبي علي ابن أبي هريرة والخطابي أن يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره وهذه لا إشكال فيها، لكن إذا لم يكن هناك جبل أو جدار ماذا يفعل؟ قال: فإن لم يجد فليلصق مقعدته بالأرض، أي: يجلس على إليتيه ويلصق ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه -والعقبان: مؤخر القدم- فتأتي بالحجرة الصغيرة وتضعها بين العقبين، وأنت جالس على الإليتين، ثم تمسك العضو بشمالك والحجر بين العقبين وتمسح هذا العضو بهذا الحجر الذي بين عقبيك، وهذه المسألة بمنتهى الكلفة، وأما وضع الحجر بين إبهامي الرجلين فهذه أشد وأشد، كيف سيصل إلى ذلك المكان، والإبهامان تبعدان عن المقعد وعن العضو قرابة ذراع؟

    يقول: ويستجمر بيساره فلا يكون متصرفاً في شيء من ذلك بيمينه، الحافظ ابن حجر علق على ذلك -ونعم ما علق- قال: وهذه هيئة منكرة، بل يتعذر فعلها في غالب الأوقات، وقد تعقبه الإمام السندي بأن النهي عن الاستجمار باليمين مختص بالدبر، قال: وأما فيما يتعلق بالاستجمار نحو القبل أي: البول فلا يمنع من أن يستجمر بيمينه، فلا يمسك الذكر باليمين لكن يستنجي باليمين، يمسك الحجر باليمين، هذا يقوله الإمام السندي ، فلا حرج عليه أن يمسك الحجر بيمينه والعضو بشماله ويستجمر في حالة البول، والمنهي عنه هو الاستجمار في حالة الغائط بيمينه، وأما هنا فلا حرج عليه، وهذا قاله ابن حزم في المحلى في الجزء الأول صفحة ثمان وتسعين قال: مسح البول باليمين جائز؛ لأنه لم يرد فيه نهي في البول، وإنما النهي في الاستنجاء فقط، لكن علق الحافظ ابن حجر أيضاً على كلام الإمام السندي عليهم جميعاً رحمة الله.

    قال: وقد تعقبه السندي بأن النهي عن الاستجمار مختص بالدبر، والنهي عن المس مختص بالذكر، فبطل الإيراد من أصله، فيمسك الحجر بيمينه وليس عليه حرج وإن استجمر بيمينه؛ لأنه لم يمس العضو بيمينه، كذا قال، وما ادعاه من تحقيق الاستنجاء بالدبر مردود، والمس وإن كان مختصاً بالذكر لكن يلحق به الدبر قياساً، يعني: يحرم عليك أن تمس باليمين ذكرك ودبرك، -والتحريم هنا قلنا: من باب كراهة التنزيه، وليس التحريم، كما يكره لك أن تستجمر في حالة البول أو الغائط بيمينك.

    اشتراك النساء مع الرجال في حكم مس العورة باليمين

    فإذاً قوله: إن هذا خاص بالذكر يقول: هذا ليس كذلك بل يلحق به الدبر قياساً، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون، والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خص المرأة، فتستوي مع الرجل في التكليف، وفي الإمكانية، وفي الجزاء، نعم كل واحد له بعض الأحكام الخاصة من ذكر أو أنثى -وهذا أمر آخر- لكن لا فضل لذكر على أنثى في الأحكام الشرعية، وأما موضوع التفضيل في الدنيا وأن جنس الذكور في الأصل أفضل من جنس الإناث فهذا موضوع آخر، كما أن الكريم من الذكور مثلاً أفضل من الدنيء ولا دخل له في أجر أو عقوبة عند الله، يعني: كون الناس يرون أن الذكر أعلى من الأنثى في أعراف البشر، من مؤمنين وكافرين كما يرون أن الصحيح أحسن من العليل، وأن الجليل أحسن من الدنيء، وأن الطويل أحسن من القصير مثلاً هذا موضوع آخر، وليس معنى هذا أن ذاك عليه منقصة عند الله، ولذلك ليس في النساء منقصة من هذه الحيثية والناحية، إن كانت مكلفة تثاب وتعاقب، كما هو الحال في الذكر تماماً، ولذلك فالنساء شقائق الرجال، أي: هي تساويه في الحكم، وما يكلف به الرجل تكلف به المرأة، فلا يمس ذكره بيمينه، يعني: ولا تمس فرجها بيمينها أيضاً.

    لكن وجه الخطاب إلى جنس الذكور لحكم كثيرة منها أنهم المخاطبون في الأصل والنساء يلحقن بهم تغليباً.

    الأمر الثاني: جرت العادة الشرعية والعرفية أن جنس النساء يطوى الحديث عنهن، كما قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43] و كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183] كل هذا خطاب للذكور العقلاء ويدخل في ذلك النساء، بل أضاف الله ما هو خاص بالنساء إلى الرجال لهذا الأمر، وهو أن المرأة ينبغي أن يطوى الحديث عنها، وألا يكثر ذكرها بين الناس، وهذا الأدب الرفيع يشير إليه في سورة النحل كما قرر أئمتنا المفسرون عند قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [النحل:14]، فـ(تلبسونها) ضمير للذكور العقلاء، ولم يقل: حليةً يلبسها نساؤكم بل (تلبسونها) فأضاف اللبس إلى الرجال، مع أن الذي يلبس الحلية التي تستخرج من البحر -وهي اللؤلؤ- النساء، فلم يضيفها إلى الرجال؟ قالوا: كما أن المرأة إذا لبست الحلي لا ينبغي أن يراه الرجل فلا نضيف لبس الحلي إليها لئلا يحصل شيء ببال الرجل، ولذلك من دناءة الإنسان أن يضع في المجلس الذي يدخله الرجال شيئاً من ملابس النساء، هذه من دناءته وحقارته، وعدم مروءته وشهامته، فكما سترت فليستر كل ما يتعلق بها، فهي إذا لبست اللؤلؤ مطالبة بإخفائه وعدم إبدائه، ولهذا لم يضف اللبس إليها مبالغة للصيانة والستر، انظر لهذا الأدب الرباني، ولذلك ينقل عن علي رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: جنبوا مجالسكم ذكر الطعام والنساء، فكفى بالرجل ذماً أن يكون وفاقاً لبطنه وفرجه. يعني: لا تتكلم إلا في الطعام والنساء، ولذلك أضاف الله الأحكام إلى الرجال، والنساء تبع؛ لأنه إما أن يذكر النساء أيضاً فتتضاعف الآيات، وإما أن يضيف الحكم إلى النساء ويصبح الرجال تبع يعني وهذا لا يصلح؛ لأن الرجال هم الذين يبرزون ويخرجون من البيت؛ وعليه فلا يمس الرجل ذكره بيمينه، ولا تمس المرأة فرجها بيمينها، فالحكم واحد؛ لأن النساء شقائق الرجال.

    وقد ثبت الحديث بذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام في المسند وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي ، والحديث حسن من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وروي الحديث في مسند البزار ومسند الدارمي وصحيح أبي عوانة من رواية أنس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يرى بللاً ولا يذكر حلماً؟ فقال: عليه الغسل، وعن الرجل يذكر حلماً ولا يرى بللاً؟ فقال: لا غسل عليه)، الأمر يتعلق بخروج المني، فإذا رأيت هذا في سراويلك وجب عليك الغسل تذكرت الحلم أو لم تتذكر، وإذا تذكرت حلماً ولم تر شيئاً في السراويل فلا غسل عليك، (فقالت أمنا أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! والمرأة ترى ذلك؟) يعني: إذا رأت بللاً ولم تذكر حلماً هل عليها غسل؟ فقال عليه الصلاة والسلام:( نعم، النساء شقائق الرجال)، وفي رواية (إنما النساء شقائق الرجال)، فما ينطبق على الرجل ينطبق على المرأة في كل شيء إلا ما قام عليه الدليل وعلى أن هذا خاص بالرجل وهذا خاص بالمرأة وما عدا هذا يستوون فيه، فالمرأة تساوي الرجل في الإنسانية والتكليف والثواب عند رب البرية، فأي شيء يتفضل بعد ذلك الرجل عليها؟ هو فضله الله ببعض الأحكام، وهي فضلها ببعض الأحكام، وكون المرأة تجلس في البيت مع ما يترتب على خروج الرجل من فائدة، لكن حقيقةً وظيفتها أسلم وأنقى لو اتقت الله بهذه الوظيفة وهي قاعدة في البيت، ويكفي أنها لا ترى من يتمنى الإنسان أن يكون أعمى حتى لا يراه، لما قيل للإمام الأعمش سليمان بن مهران رضي الله عنه وأرضاه: (إن الله إذا ابتلى عبده بحبيبتيه عوضه عنهما الجنة)، فأنت يعني ماذا عوضك الله في العاجل عندما ذهب بصرك؟ قال: عوضني عدم النظر إلى الثقلاء، فيكفي أنني ما أرى ثقيلاً نتأذى به، وحقيقةً هذا مطلوب.

    والمرأة أميرة بل أعلى رتبةً من الأمراء والحكام في هذه الأيام، أميرة في البيت تقول لزوجها: هات كذا والمطلوب كذا وهو يقول: سمعاً وطاعة، وهذا حال الأمراء في هذه الأيام، لا أحد يراهم ويصدرون الأوامر والنواهي، ثم بعد ذلك تريدون منها أن تزج في الشوارع لتختلط مع البشر لتنزل إلى أقل من درجة الحمير، لا يصلح هذا، والمرأة لا كرامة لها إلا في بيتها، درة مصونة وجوهرة مكنونة، فإذاً هي شقيقة الرجل في جميع الأحكام، إلا ما قام عليه الدليل -كما قلت- على التخصيص فهذا أمر آخر، وإذا كان الأمر كذلك فلا منقصة على أحد الصنفين.

    والصواب في الصورة التي أوردها الخطابي ما قاله إمام الحرمين ومن بعده كـالغزالي في الوسيط والبغوي في التهذيب: أنه يمر العضو بيساره على شيء يمسكه بيمينه وهي ثابتة غير متحركة، فيمسك حجراً -ولا يحرك عضو- باليمين، فيصبح حاله كحال الإنسان عندما يصب الماء ويستنجي، فلا يقال له: أنه استنجى باليمين ومن ادعى أنه في هذه الحالة يكون مستجمراً بيمينه فقد غلط، وإنما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره حالة الاستنجاء، فهذا كلام الحافظ في الفتح، وكما قلت: هو كلمة الفصل في هذه المسألة.

    إذاً لا يستجمر الإنسان بيمينه، ولا يستنجي بيمينه، ولا يمس قبله أو دبره بيمينه، والنهي للأدب لكراهة التنزيه لا للتحريم.

    1.   

    الحكمة من النهي عن مس الذكر والاستنجاء باليمين

    تنزيه اليمين عن مباشرة العضو والنجاسة

    فإن قال قائل: ما الحكمة من النهي عن الاستجمار باليمين، وعن مس العضو باليمين؟ فالجواب: أن الحكمة تتحدد في أمرين اثنين معتبرين ينبغي أن يعيهما العقلاء وأن ينتبهوا لهما:

    الأول: تنزيهاً لليمين عن مباشرة العضو الذي يكون منه الأذى والحدث، وإلى ذلك أشار الخطابي في معالم السنن، والقاعدة الشرعية المقررة في الشريعة الإسلامية: أن كل مكرم محترم يباشر باليمين، وبها يبدأ، وأن كل ممتهن محتقر يباشر بالشمال وبها يبدأ، وهذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا العضو الذي يخرج منه الأذى والحدث ومباشرته بعد ذلك لإزالة النجاسة المغلظة هذا مما يمتهن ومما يستقذر، ومما يكره، فلا ينبغي أن تباشره بيمينك المكرمة المحترمة، إنما يباشر هذا بالشمال التي هي لكل ما يمتهن ويسترذل ويستقبح، فمثلاً إذا دخلنا المسجد فندخل بالرجل اليمين؛ لأن هذا مكرم، وإذا خرجنا منه فنخرج من فاضل إلى ما مفضول على أقل الأحوال إن لم يكن إلى أشياء فيها شوائب ومنكرات فنخرج بالشمال.

    وهكذا عندما تمسك شيئاً محترماً مكرماً تأخذه باليمين، وعندما يريد الإنسان أن يمتخط فبالشمال، والسواك إن كان من باب إزالة الفضلات فنستعمله بالشمال وهذا قال به بعض أئمتنا، وإن كان من باب التطيب صار حكمه حكم التطيب والتزين فباليمين فاحتمله الأمران، فلو فعل هذا مرة وهذا مرة لكان محسناً مصيباً، وقد يفعل الإنسان أحياناً السواك ويستعمل هذا من أجل الجمال كما يحصل هذا بالطيب الذي يستعمله الإنسان على بدنه ويأخذه بيمينه لا بشماله، وقد يفعله أحياناً لإزالة روائح كريهة، لكنه يحتمل الإزالة ويحتمل التكريم، وعليه فيتجاذبه أمران معتبران، فمن تسوك بشماله فهو على هدى، ومن تسوك بيمينه فهو على هدى، على حسب ملحظه الذي يلحظه عند تسوكه.

    ثبت في المسند وسنن أبي داود والحديث رواه ابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في السنن الكبرى في الجزء الأول صفحة ثلاث عشرة ومائة، ورواه البغوي في شرح السنة عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: (كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره) بضم الطاء، وهو الفعل الذي يفعله الإنسان ويتطهر به، فعندما يتوضأ يبدأ باليمين فهذا هو الطهور، ويغسل يديه فيبدأ باليمين (لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى)، والطهور بالفتح، هو الماء الذي يتطهر به فلا يوجد شمال ولا يمين نحوه، إنما فعل الطهارة تبدأ باليمين، ولو خالف وغسل الإنسان شماله قبل يمينه صح وضوءه لكنه أساء في كيفية الوضوء وارتكب كراهة التنزيه، والبداءة باليمين مستحبة فيما فيه عضوان ويمكن بدء اليمين فيه قبل الشمال، أما ما هو عضو واحد فلا يتصور ذلك كغسل الوجه مثلاً فلا يغسل الإنسان شقه الأيمن ثم شقه الأيسر بخلاف الغسل، فالغسل يفيض الماء على جانبه الأيمن ثم على جانبه الأيسر؛ لأنه يأخذ ماءً بوعاء فلو قدر أن يصبه من مصب أو نحوه فليكن على جانبه الأيمن ثم الجانب الأيسر، وهذا نقل عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    إذاً (يده اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى)، والحديث إسناده صحيح كما نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام النووي في المجموع في الجزء الثاني صفحة ثمان ومائة.

    وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود أيضاً، وكتاب المصنف لـابن أبي شيبة ، والحديث رواه البيهقي عن أمنا حفصة رضي الله عنها وأرضاها، هناك عن أمنا عائشة ، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه)، فإذا أكلت أو شربت أو لبست فتقدم اليمين، وتأخذ الطعام باليمين، والشراب باليمين، وتدخل الجانب الأيمن عند اللبس قبل الأيسر، واليد اليمنى قبل اليسرى وهكذا في السراويل، (ويجعل شماله لما سوى ذلك)، أي: لما هو ممتهن فيستعمله بيده اليسرى على نبينا صلوات الله وسلامه.

    وقد ثبت في المسند والكتب الستة والحديث رواه البغوي في شرح السنة عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن)، وفي رواية (يحب التيمن ما استطاع في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله)، (في تنعله): أي لبس النعلين اليمين قبل الشمال، ترجله: إذا أراد عليه صلوات الله وسلامه أن يدهن شعره يبدأ بالجانب الأيمن قبل الأيسر، وهكذا (في تنعله وترجله وطهوره) عندما يبدأ بالجانب الأيمن قبل الأيسر، (وفي شأنه كله) أي: مما هو مكرم فيبدأه باليمين.

    وقد ثبت في المسند وسنن أبي داود وابن ماجه وابن حبان والبيهقي والأثر رواه الإمام ابن السني في كتاب عمل اليوم والليلة بسند صحيح، ورواه الإمام البغوي في شرح السنة عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا لبستم وإذا توضأتم فابدءوا باليمين..).

    وتقدم معنا أن هذا من الآداب الإسلامية الرفيعة التي حثنا الإسلام عليها، وقلت مراراً:

    إن دين الله جل وعلا يقوم على خمسة أمور لا توجد بل ولا واحد منها على وجه التمام في نظام من الأنظمة العفنة الوضعية الملعونة فهي عقائد حقة، وعبادات حقة، ومعاملات حقة منصفة تقوم على العدل والفضل، وأخلاق وآداب، وحدود وعقوبات، فجانب الأخلاق والآداب مثلاً على وجه الخصوص لا يوجد في النظام البشري مثلها، يعني: لا يوجد في قوانين الولايات المتحدة الأمريكية مادة في كيفية قضاء الحاجة، أو كيف يمسك عضوه بيمينه أو بشماله أو يبول على فخذيه أو على ساقيه إلخ، فلا علاقة لهم بهذا حتى لو بال وأخذ يرشه على نفسه فليس لهم علاقة به على الإطلاق، ولا يأتي النظام إلا فيما يتعلق بالحالة العامة، أما ما عدا هذا فما لنا ولك، أما الإسلام فلا، أنت مكرم عند الله، والله خلقك لتسعد في هذه الحياة قبل الممات، فلا بد من أن ينزل عليك نظام لئلا تكون كالبهائم العجماوات فلا بد أن تتميز عنهم، حتى في كيفية قضاء الحاجة كالبول والغائط فلها هدي معين في شريعة الله المحكمة المتقنة.

    ولذلك -إخوتي الكرام- هذا الدين الذي هدانا إليه رب العالمين نعمة عظيمة لا نستطيع أن نؤدي شكرها لله سبحانه وتعالى، نعمةً عظيمة، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17]، وتقدم معنا عند الأدب الأول: أن بعض الصحابة وهو أبو موسى وغيره رضي الله عنهم أجمعين أنه ما أقام صلبه في حال اغتساله منذ إيمانه بربه، من أجل ألا تظهر العورة، مع أنه يغتسل كما تقدم معنا في بيت مظلم، فيجلس منضماً على بعضه ويغتسل من أجل ألا يبدو شيء من العورة وهو في مكان خال مظلم حياءً من الله عز وجل.

    وتقدم معنا أيضاً عند بداية أحكام الغائط أثر عن سيدنا عثمان رضي الله عنه وأرضاه: أنه ما مس ذكره بيمينه منذ أن أسلم وبايع النبي عليه الصلاة والسلام، تكريماً لهذه اليمين التي مست يد النبي الأمين عليه الصلاة والسلام، والأثر في كتاب حلية الأولياء في الجزء الأول صفحة واحد وستين، وهو أيضاً في سنن ابن ماجه ، في كتاب الطهارة ورقمه ثلاثمائة وأحد عشر، عن عثمان رضي الله عنه قال: ما تغنيت، ولا تمنيت، ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت النبي عليه الصلاة والسلام، ومعنى ما تغنى أي: ما قال: الغناء لأنه قلة حياء، وهو الذي تستحي منه الملائكة فهل يقول هذه السفاهة، هذا الغناء الذي هو قرآن الشيطان، ولا تمنيت محرماً، أو الرجوع إلى الجاهلية -رضي الله عنه وأرضاه- ولا مسست ذكري بيميني منذ أسلمت وبايعت النبي عليه الصلاة والسلام.

    وفي رواية الحلية: ما أخذت ذكري بيميني منذ أسلمت، والإسناد فيه الصلت بن دينار ، وهو من رجال الترمذي وسنن ابن ماجه لكنه متروك كما قال الحافظ في التقريب، وقد روي من طريق آخر رواه الطبراني في معجمه الأوسط والكبير كما في مجمع الزوائد في الجزء التاسع صفحة ست وخمسين، وفي الإسناد عبد الأعلى بن أبي المساوى فقد ضعفه الجمهور، ووثقه ابن معين في رواية، والمشهور عنه تضعيفه، وقد حكم عليه الإمام ابن حجر في التقريب بأنه متروك أيضاً، وهو من رجال سنن ابن ماجه ، والأثر سواء ثبت بهذا الإسناد أو لم يثبت فمعناه ثابت عن الصحابة كما تقدم في موضوع الغسل، إذاً هذه هي الحكمة الأولى أن نصون اليمين عما فيه امتهان.

    اختصاص اليمين بالأكل والشرب والمصافحة

    الأمر الثاني يد اليمين معدة لتناول الطعام والشراب، ومعدة لمصافحة الأحباب، فهل يليق بك أن تمسك عضوك بها، وأن تباشر الأذى بها؟ ولو أن الإنسان جاء ليأكل واستحضر أنه مسح النجوة بيديه وغسلها بيده اليمنى، لربما عافت نفسه وكره الطعام، ولذلك لا بد من مراعاة هذا الأمر بل ربما لو تذكرت إزالة النجاسة باليمين وأنت تأكل لعافت نفسك الطعام، ولذلك كان أئمتنا يقولون: اللحم على المائدة.

    وهذا حصل في قصة لبعض الأغنياء المسرفين، شهد مرةً ذبح الشاة كيف تسلخ، ورأى الدم يسيل منها ليخرج منها بعد ذلك الفضلات، فلما وضع اللحم أمامه ما استطاع أن يأكله، نفسه كرهت هذا، فقال للجلساء: ما الأمر؟ قالوا: اللحم على المائدة، والنساء على الفرش.

    فإذاً: لو حصل من المرأة ما تراه في حال قضاء الحاجة لعافت نفسك ذلك، وقد اغتصب مرةً بعض الأشرار امرأة وأراد أن يعتدي عليها فمن خوفها تغوطت في ملابسها فهرب عنها من النتن الذي خرج منها، وواقع الأمر كذلك، فالله صانها بما حصل لها من أجل المحافظة على عرضها، ولو أن امرأة تأتي للإنسان لو كانت كما يقال في هذا الزمان: ملكة الجمال -وهي ملكة الضلال- وهي مطلوة بالغائط لفررت منها، لجريت منها قطعاً وجزماً، ولا تريد أن تجلس في البلدة التي هي فيها، فضلاً عن الحجرة التي هي فيها لو طليت بالغائط، وقيل لك: هذه هي ملكة الجمال عروستك، ولذلك من أمثلة العرب المشهورة التي يتناقلونها ويتدارسونها يقولون: أطيب الطيب الماء، ليس الطيب أن تضع البخور والورد والعود مع وجود النتن فيك، ففيك رائحة منتنة ثم تأتي وتتطيب، يا عبد الله! لو غسلت هذا بماء لكان أحسن من أن تتطيب؛ لأن رائحة الطيب بعد دقائق تزول، ثم يفوح منك ما يؤذي الحاضرين، فأطيب الطيب الماء.

    وسيأتينا هذا من أبواب الطهارة قول أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء)، فهذا هو الطيب، وهو أطيب من العود، والمرأة إذا استطابت بالماء أي: غسلت أثر المذي بالماء فهذا أطيب مما لو وضعت العود على نفسها، ولو استجمرت بحجارة فذهبت العين وبقي أثر الرائحة، ثم وضعت العود على نفسها عند مباشرتها؛ لعافت نفسك هذه الزوجة، فمن كلام العرب: أطيب الطيب الماء واللحم على المائدة، وهنا كذلك فإذا باشر الأذى بيمينه ثم جاء ليأكل يقول: هذه كانت قبل قليل تغسل فضلات، ثم آكل بها فنفسه تعاف ذلك، ويتأذى وقد يتقيأ ما أكله، فمن أجل مراعاة لهذا الجانب نهانا نبينا عليه الصلاة والسلام عن مسح ذلك العضو وعن الاستجمار والاستنجاء به، وقد ثبت في مصنف ابن أبي شيبة في الجزء الأول صفحة ثنتين وخمسين ومائة عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين قال: كان يقال: يمين الرجل لطعامه وشرابه، وشماله لمخاطه واستنجائه.

    لهاتين الحكمتين نهينا عن مس العورة المغلظة القبل والدبر باليمين، وعن الاستنجاء والاستجمار باليمين.

    1.   

    كلام ابن حزم في مس الذكر بالشمال واللعب به

    فائدة مهمة ينبغي أن ننتبه إليها، شذ نحوها ابن حزم غفر الله له ورحمه وتجاوز عنا وعنه، وشذوذه ينبغي أن يطرح، فانتبهوا لهذا الشذوذ.

    الذي شذ به في هذه المسألة هو قولة: نبينا عليه الصلاة والسلام لم يرخص لنا أن نمسك الذكر باليمين، ورخص لنا أن نمسك الذكر بالشمال، فهل رخص لنا أن نلعب بذكورنا بالشمال؟ ابن حزم استعطف، فقال: يجوز للإنسان أن يلعب بذكره بشماله وأن يستمني لكن لا يستمن بيمينه؛ لأن مس الذكر بالشمال جائز، وليس في الاستمناء إلا تحريك هذا العضو، وإذا حركته وأخرجت منه ما يخرج فحالك كحال الامتخاط، فكما يجوز أن تمتخط من أنفك، يجوز أن تخرج تلك الفضلات من عضوك، لكن بالشمال، ولا تمسك العضو باليمين، هذا فقه من يخرج عن أئمتنا الأربعة.

    يقول الإمام ابن حزم ، في المحلى في الجزء الحادي عشر صفحة اثنتين وتسعين وثلاثمائة: لو عرضت المرأة على فرجها شيئاً دون أن تدخله حتى تنزل أي: من أجل أن تثير شهوتها وأن تخرج منيها يقول: فيكره هذا ولا إثم فيه، وكذلك الاستمناء للرجال سواءً بسواء؛ لأن مس الرجل ذكره بشماله مباح، ومس المرأة فرجها كذلك مباح بإجماع الأمة كلها، لكن المس شيء واللعب شيء آخر، فهذا مس لأجل الضرورة، أما أن يجلس ويلعب بذكره فمن الذي أباح هذا؟! يقول: فإنه مباح فليس هنالك زيادة على المباح إلا التعمد لنزول المني فليس ذلك حراماً أصلاً، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119]، أي: وهذا ليس مما فصل لنا تحريمه فهو حلال لقوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29] خلق لنا أن نستمني؟! خلق لنا هذا العضو لنلعب به؟! قال: إلا أننا نكرهه لأنه ليس من مكارم الأخلاق ولا من الفضائل، لكن ليس فيه شيء على الإطلاق، ثم جاء ابن حزم بشذوذٍ آخر رتبة على هذا الشذوذ وخالف به الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين، فقال في الجزء السادس صفحة ثلاث ومائتين: ولا ينقض الصوم استمناء -لكن لا تستمن بيمينك عنده فقط- ولا مباشرة الرجل امرأته أو أمته المباحة له فيما دون الفرج تعمد الإمناء أو لم يتعمد، لأنه لم يأت نص بأن الاستمناء ينقض الصوم، ولا إجماع، فالمباشرة مع تعمد الإنزال سنة مستحبة، أعوذ بالله من هذا الكلام، والحق أنه إذا استمنى فقد أفطر عند أئمتنا الأربعة، وإذا باشر زوجته وقذف المني فقد أفطر وبطل صومه عند أئمتنا الأربعة.

    رد الألباني على ابن حزم في مسألة مس الذكر

    جاء الشيخ الألباني في كتابه تمام المنة في التعليق على فقه السنة في صفحة ثمان عشرة وأربعمائة، فتذبذب بين المذاهب الأربعة وبين ابن حزم ، فوافق ابن حزم على أن الاستمناء لا ينقض الصوم، ولا يفطر، لكن خالفه بأن الاستمناء ليس بمباح إنما هو حرام ممنوع منه كما يقول أئمتنا، فيقول: الأصل عدم الإفطار يعني إذا استمنى، ولا يقاس الاستمناء على الجماع، ثم قال: إن الذين قاسوه على الجماع تناقضوا، فريق قال: عليه الكفارة، وفريق قال: عليه القضاء بدون كفارة، ثم قال: انظر إلى تناقض القياسيين.

    وأنا أقول للشيخ الألباني عند هذه المسألة: أخبرنا عن نفسك هل أنت تقول بالقياس أم لا؟ فإن كنت تقول به فأنت ترد على نفسك، فانظر إلى تناقض القياسيين، هل تقول به أم لا؟ وإذا كنت لا تقول بالقياس فالقول بعدم القياس ضلال ضلال، أنت بين أمرين اختر، تقول هنا: انظر إلى تناقض القياسيين، وأنا أسألك الآن: أأنت تقول بالقياس أم لا؟ إن قلت بالقياس كما هو قول الأمة إلا من شذ وهو ابن حزم والظاهرية، ولذلك قال أئمتنا: لا يعتد بهم حتى في مسائل الإجماع لإنكارهم القياس، وتعطيل كثير من أحكام الشريعة التي بنيت على القياس الصحيح المستقيم، فإذاً أنت إن كنت تقول بالقياس لم تقول: تناقض القياسيين؟ وأنا أريد أن أعلم أين تناقضوا، وأنت تقول معهم، فأنت أيضاً متناقض، وإن كنت لا تقول بالقياس فهذا ضلال مردود، فينبغي أن نعي هذا إخوتي الكرام، وأنا أريد أن أقول: أما ورد في الحديث القدسي في الصحيحين وغيرهما وتقدم معنا أن الصائم يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله جل وعلا؟ ما هي الشهوة؟ ألا يحصل لك تمام الشهوة عندما تستمني؟ يعني إذا أكلت أفطرت، وإذا استمنيت تفطر، فالنص هنا يدع طعامه وشرابه وشهوته، فإذا أكلت أفطرت، وإذا استمنيت أفطرت، لم هناك تقول: يفطر، وهنا لا يفطر، والله يقول: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصوم لي وأنا أجزي به)؟ فانتبه لفقه أئمتنا وفقه من خرج عنهم.

    نقد رد الألباني على ابن حزم

    ثم قال: ونرى أن الحق مع الذين حرموا الاستمناء، والله إن كلام ابن حزم قد يكون أوجه من كلام الألباني ؛ لأن ابن حزم قال: كل معصية عنده تفطر الصائم، فقال: لو كان الاستمناء حراماً لأفطر الصائم؛ لأنه مأمور بأن يمسك نفسه عن المعاصي، فقال قولاً يتفق مع مذهبه، فإذا استمنى عمل مباحاً، ليس عليه إثم ولا نقض لصومه، وأما الألباني فقال: حرام، وإذا استمنيت فلا حرج عليك من حيث الصيام، وهكذا لو باشر زوجته وتعمد الإنزال لا ينقض صيامه.

    هذا الفقه الذي يخرج عن المذاهب الأربعة المتبعة إخوتي الكرام، وكما قلت مراراً: كل من يخرج عن مذاهبهم سيعرج ويقع على وجهه، وانظر الألباني يريد أن يعيد الأمة للكتاب والسنة، وابن حزم طول حياته يسفه أقوال أئمتنا ويريد أن يعيد الأمة إلى الكتاب والسنة، فمن الآن على الكتاب والسنة في هذه المسألة؟ أريد أن أعلم، أنت تقول: الاستمناء حرام، وهو يقول: مباح مثل المخاط، فمن منكم على الكتاب والسنة؟ وكل منكما يصيح باستمرار: لا داعي لتقليد المذاهب، ولا داعي للتعصب لأقوالهم، كتاب وسنة، الكتاب والسنة معك أو معه؟

    الكتاب والسنة مع أئمتنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ووالله إخوتي الكرام إن الأمة ما ضلت إلا لعدم علمها بالكتاب والسنة وفقه أئمتنا الكرام.

    إخوتي الكرام! أما الاستمناء فكنت فصلت الكلام عليه في بعض المحاضرات المتقدمة في معاملة الإنسان لنفسه، والمحاضرة أيضاً غالب ظني أخذت على مرحلتين اثنتين، وكان السبب فيها رد على خبيث يدرس في كلية من الكليات، وكان يدرس مادة علم النقص المسماة بعلم النفس، وقد قرر للطلاب في المحاضرة أن الاستمناء لا حرج فيه، وأنه هو -هذا الذي يقال له دكتور- يستمني في الأسبوع مرة، ويقول ذلك للطلاب في المحاضرة علانية بلا حياء ولا خجل، فقال له الطلاب: يا أستاذ! ونحن أين نستمني؟ قال: تستمنون في أي مكان، تخرجون من المحاضرة إلى ساحة الكلية تحت الشجر، كل واحد يجلس تحت شجرة ويستمني، أعوذ بالله، هذا يقال في معاقل المسلمين وفي بلادهم، فبلغني هذا، قلت: هذا يقال في المحاضرة؟ قال طالب من الطلاب: نعم، ونحن على بينة، قلت: إذاً إن شاء الله نرد عليه كما يقال: في عقر داره، ويسر الله خامس محاضرة في تلك الكلية التي جرى فيها هذا البلاء، وقلت: أنا أعجب إخوتي الكرام من أمة انحطت إلى هذا الحد، وأتوقع من الأمة إذا قيل فيها هذا القول ليس أن يفصل القائل إنما أن يضرب بالأحذية حتى يقع مغمياً عليه، هو يستمني مرتين ويحض الطلاب على الاستمناء تحت الشجر في ساحات الكلية، وقال: لا داعي لإقامة محاضرات أخلاقية نحو هذه القضية، فالذي لا يستمني يصاب بالكبت والشذوذ والتحجر والتنطع، ويصبح مهلوساً، قال: إذاً يستمني من أجل أن يزيل هذه الهلوسة عن نفسه، فأقمت المحاضرة هناك، وناقشت هذه القضية.

    1.   

    حكم الاستمناء وأدلته

    قررت المنع من الاستمناء كما قرر أئمتنا الأتقياء في ستة أمور:

    أولها: كتاب الله، فالقرآن دل على تحريم الاستمناء، قال الله جل وعلا: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7] ، ذكر هذا في سورة المؤمنون وفي سورة المعارج، فأمر الله بحفظ الفرج حفظاً عاماً مطلقاً لم يستثن منه شيئاً، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون:5]، وعليه فقول ابن حزم مردود، فلا نلعب بفروجنا ولا يباح مسكه بالشمال بل أمرنا الله بحفظه، فلا يمسك إلا لضرورة؛ لأن الله استثنى حالتين اثنتين إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ [المؤمنون:6] النكاح، أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:6] السرية بملك اليمين، ثم أتى بعبارة أيضاً عامة تشمل المنع من غير هاتين الصورتين فقال: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7]، فالمستمني طلب وراء ذلك، فهو معتد بنص القرآن.

    والدلالة الثانية في سورة النور: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33] ، هنا أمر الله من لم يستطع النكاح والتزوج أن يستعفف، أي: يطلب لنفسه العفة، ومن يستعفف يعفه الله، ولم يقل له: وليستمن الذين لا يجدون نكاحاً، إنما أمره بمجاهدة نفسه والصبر حتى يهيئ الله له فرجاً ومخرجاً، دلالتان في القرآن تمنعان من هذا الفعل وتعده من الآثام.

    وأما دلالة السنة على تحريم الاستمناء فمن وجهين معتبرين:

    الوجه الأول: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين عن نبينا عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين والسنن الأربعة (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)، إذاً أنت بين أمرين لا ثالث لهما: إما نكاح إن وجدت القدرة والطول عليه، وإلا صيام فهو يكف نفسك عن الحرام، ولو كان الاستمناء جائزاً لأرشد إليه؛ لأنه حقيقةً أخف من الصيام على الشاب، فقال: إن استطعت أن تتزوج تزوج وإلا استمن من أجل أن تتخلص من هذه الفضلات التي تؤذيك وتلح عليك، إنما قال: اضبط نفسك واتق ربك، (فعليه بالصوم، فإنه له وجاء).

    والدلالة الثانية: وردت السنة بالتصريح بتحريم ذلك ولعن فاعله، لكن الحديث بذلك ضعيف وروي من طريقين اثنين، لكن دلالته العامة مشهوداً لها في الكتاب وفي حديث عبد الله بن مسعود المتقدم في الكتب الستة، والحديث أخرجه الإمام السمرقندي في تنبيه الغافلين في صفحة واحدة وسبعين وليس الكتاب أجزاء، ورواه أبو الشيخ من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، والحسن بن عرفة في جزئه، والجزء ما كان عندي وهو عندي الآن، جزء الحسن بن عرفة مشهور، وهو جزء صغير ينقل عنه أئمتنا بحدود ستين صفحة، جزء الحسن بن عرفة من رواية أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين.

    والحديث قال عنه الحافظ في التلخيص: إنه ضعيف، وأشار إلى ذلك الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، وذهب بعض الناس في هذه الأيام إلى تحسينه وتعدد طرقه؛ لأن الطريق الأول من رواية عبد الله بن عمرو ، والثاني من رواية أنس ، والضعف في كل منهما لا يصل إلى درجة الوضع، ففي الأول عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ، وهو ضعيف لا يصل إلى الترك ولا إلى الوضع، فالحديث ضعيف ولعله يتقوى بتعدد طرقه، ولفظه (سبعة لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، ويدخلهم النار مع الداخلين: الفاعل والمفعول به)، وفي هذه الرواية عدهما واحداً (الفاعل والمفعول به، والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، والجامع بين المرأة وابنتها والزاني بحليلة جاره، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه).

    والرواية الثانية: (سبعة لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم...إلخ)، الفاعل جعله واحداً وهو اللوطي، والمفعول به جعله صنفاً ثانياً، والناكح يده ثالثاً، والزاني بحليلة جاره رابعاً، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه خامساً، فحذف ثلاثة أمور هناك وأضاف إليه صنفين آخرين هنا، (ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا)، ولو نظرتم لهذه الأمور السبعة لقلتم: أنه لا توجد واحدة إلا وهي كبيرة، إلا التي هي محل الشاهد وهي الناكح يده، فلو صح الحديث لألحقت بتلك وكانت من الكبائر، فجميع الجزئيات الموجودة فيه ثابتة بأدلة قطعية أنها كبائر محرمة. إذاً: دلت عمومات القرآن وعمومات أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام مع هذين الحديثين الضعيفين على تحريم الاستمناء.

    الدليل الثالث: فتاوى السلف رضوان الله عليهم أجمعين في المنع من ذلك، ففي مصنف عبد الرزاق في الجزء السابع صفحة تسعين وثلاثمائة عن مجاهد قال: سئل ابن عمر عمن يستمني بيده فقال: ذلك نائك نفسه، أي هذا كالذي يفعل الفاحشة بنفسه.

    وفي إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين في الجزء الخامس صفحة ست وثلاثمائة ذكر الأثر عن أنس ولم يشر إلى من خرجه ولم يحكم عليه، ذكره معلقاً دون أن يضيفه إلى كتاب ولم يذكر له إسناداً.

    عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ملعون من فعل ذلك.

    وفي معالم التنزيل للإمام البغوي ومبادئ التأويل للإمام الخازن، انظروا الكتابين في الجزء الخامس صفحة اثنتين وثلاثين وهما مطبوعان في كتاب واحد الأول على هامش الثاني، لباب التأويل في الوسط ومعالم التنزيل على هامشه، عن ابن جريج قال: سألت عطاء رضي الله عنهم أجمعين فقال: (سمعت أن قوماً يحشرون وأيديهم حبالاً، فأظن أنهم هؤلاء) يؤتون يوم القيامة وأيديهم منتفخة، وهم الذين يستمنون.

    وروى ذلك البغوي والخازن في الكتاب المتقدم عن سعيد بن جبير رضي الله عنهم أجمعين قال: (بلغني أن الله عذب أمةً كانوا يعبثون بمذاكيرهم)، هذا الدليل الثالث فتوى السلف من صحابة وتابعين عليهم جميعاً رحمة رب العالمين.

    الدليل الرابع: ثبوت ضرر الاستمناء، وفي الحديث: ( ولا ضرر ولا ضرار )، يعني: لو جاء الإنسان وقال: سيأكل التراب والخشب والزجاج نقول: حرام، إن قالوا: لمَ؟ نقول: ضار، فإن قالوا: طيب هاتوا دليلاً على المنع من أكل التراب، نقول: لا يوجد، قالوا: إذاً أكل التراب مباح، نقول: ليس بمباح، بل ضار، وكل ضار تمنع منه، وأنت عندما تستمني تضر نفسك؛ لأنك تجهد مخك وهو مع القلب أشرف الأعضاء وتتلف خلاياه وتصاب بعد ذلك بضعف ذاكرة، من أجل إجهادك عند استمنائك، أول ما تتعب هذا المخ، ثم بعد ذلك ضعف في البدن، واصفرار في الوجه، ورعشة في الأعضاء قد تؤدي إلى الشلل، وقد يقذف الإنسان من كثرة استمنائه دماً ولا تطبخ الخصيتين الدم لتحوله إلى مني لكثرة الإجهاد، وقد يصاب بالعمى، وقد حصل في بعض البلاد أن عمي طالب فجأةً وهو في الجامعة، فأخذوه إلى المستشفى، فالطبيب عندما أجرى عليه الاختبارات والتحليلات قال: ليس به آفة، لكنه استمنى مرات تزيد على العشرة حتى أجهد نفسه فعمي، فيحتاج فترة ليستعيد قوته حتى تعود بعد ذلك قوة البصر إليه، اتركوه فقط في فترة نقاهة ومعالجة وسيعود إليه البصر.

    الأمر الخامس: عدم حصول المقصود به، أنت تستمني لم؟ يقال: ليتخلص من ضغط الشهوة، نقول: أنت لا تتخلص من الشهوة بل تزداد الشهوة، وحالك كالمستجير من الرمضاء بالنار، ودائماً الأدوية التي ليست شرعية يتداوى الإنسان بها من داء بداء، فهو كالذي يغسل العذرة بالبول، فلو أن هناك نجاسة عذرة ثم صببت عليها البول فإنها لا تزول، بل لعلك وسعت دائرة النجاسة؛ لأنها كانت بقعة صغيرة فجعلتها تمتد إلى أحجام مضاعفات. والإنسان عندما يستمني -نسأل الله العافية- خصيتاه تطبخان الدم ليخرج بعد ذلك إلى مني، وكل خصية من خصيتي الذكر هي من الأنابيب الدقيقة الملتوية بقرابة خمسمائة متر لو مدت، فمقدار الأنابيب التي في خصيتيك واحد كيلو متر، أي ألف متر، هذا فقط في هاتين الخصيتين وحجمهما بمقدار اللوزتين سبحان الخالق، تطبخان الدم ليتحول إلى مني، وأشرف أنواع الدم يطبخ ليصبح منياً:

    احفظ منيك ما استطعت فإنه ماء الحياة يصب في الأرحام

    فعندما يستمني الإنسان تكون هذه الخصيتان قد طبخت الدم وتحول إلى مني، فإذا جاء ليقذف لا يمكن أن يخرج كل ما طبخ إلا بشفاط يشفطه، ما هو الشفاط؟ هو الفرج، فإذا جامع الإنسان زوجته شفط ذلك الفرج كل ماء طبخ فتخرج بعد الجماع وأنت متعب ومستريح، ولو عرض عليك ما عرض ما بقي في نفسك شهوة بل تختفي، أما عندما يستمني فلا يحصل مقصوده؛ لأنه بقي شيء من المني الذي طبخ يلسعه كلسع العقرب ليخرجه مرةً ثانية، فيستمني فيخرج قسماً منه ويبقى قسم محتقن يلسعه فيستمني، حتى إنه قد يستمني عدة مرات والبلاء هو هو، وربما أو يعمى أو يصاب ببلادة في الذهن دون أن يحصل له المقصود، أما عند الجماع فإن عندك شفاط حرارة موجودة تجتذب الماء بكامله، يطبخ فإذا سحب الماء انتهى، ما بقي شيء يؤذيك، ولذلك بعد الجماع يشعر الإنسان باسترخاء وفتور وتعب، فإذا أراد أن يعود قلنا له: أن يغتسل ليجدد شيئاً من النشاط لأن الجسم فتر، أما هناك تراه في المجلس الواحد يستمني أحياناً خمس مرات ولا يحصل مراده، طيب ما حصلت مرادك وآذيت نفسك.

    الأمر السادس وهو آخرها: أن المستمني يغري نفسه بفعل الفاحشة؛ لأن الغالب على من يستمني مرة أو مرتين أن يستحضر صورة محرمة من أجل أن يساعده ذلك على القذف، وأحياناً قد يستمني دون استحضار صورة امرأة أو غلام لكثرة الماء نسأل الله العافية وحسن الخاتمة، وأن يجعلنا ممن يخشونه ويراقبونه في السر والعلن، -لكن حين يبقى شيء من منيه ولا يستطيع إخراجه تراه يستحضر صوراً محرمةً كأنه يباشرها من أجل أن يقذف هذا الماء، وفي ذلك إغراء لنفسه بالفاحشة وحث عليها، وهذا حرام، وليت ابن حزم حزم المسألة ووعى هذا الأمر، وقال: إن الاستمناء حرام، وإذا كان حراماً على أصله فهو يفطر الصائم، وينقض صومه.

    قال الإمام أبو بكر بن العربي وهو من علماء القرن السادس للهجرة في أحكام القرآن في الجزء الثالث صفحة عشر وثلاثمائة وألف، والأجزاء الأربعة مرتبة ترتيباً تسلسلياً، ليس كل جزء له أرقام مستقلة من الأول إلى الرابع، هذا في الجزء الثالث صفحة عشر وثلاثمائة وألف يقول: عامة العلماء على تحريمه، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يدان الله إلا به، وهي معصية أحدثها الشيطان، وأجراها بين الناس حتى صارت قيلةً، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها، ثم بين أن الاستمناء لا يوجد دليل صحيح يشهد له، بل الدليل عليه يقول: كيف وقد اجتمع فيها ضعف في الدليل، وهي عار في الرجل الدنيء فكيف في الرجل الكبير؟ وهذا والله هو الفقه، وهذا هو قول أئمتنا الكرام رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    هذا فيما يتعلق إخوتي الكرام بالمسألة الثانية من فقه الحديث في مسك العضو باليمين، وفي الاستنجاء والاستجمار باليمين.

    خلاصة الكلام في مس العضو باليمين أن ذلك مكروه كراهة التنزيه، فهذا من الآداب لحكمتين: اليمين بما يكرم، والشمال بما يمتهن، والأمر الثاني: هذه اليمين نأكل بها، ونصافح بها فلو باشرنا بها الأذى ربما حصل في نفوسنا شيء من الكراهة. فمن أجل ذلك منعنا من ذلك، وعليه إذا منعنا من مس العضو باليمين، ورخص لنا أن نمسه بالشمال للضرورة ليس معنى هذا أن الباب مفتوح على مصراعيه، وأن الإنسان يلعب بعضوه كما يريد، فنحن أمرنا بحفظ الفرج حفظاً عاماً مطلقاً، لا يستثنى من ذلك الحفظ إلا ما استثناه ربنا الحفيظ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:6].

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسيماً كثيراً.