إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب النهي عن البول قائماً وباب الرخصة في ذلك [1]

شرح الترمذي - باب النهي عن البول قائماً وباب الرخصة في ذلك [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإرجاء من البدع التي دخلت على هذه الأمة فغيرت عقيدتها، حتى ساوت بين الفاسق والمؤمن، وجعلت إيمانه كإيمان أبي بكر الصديق، وهذا النوع من الإرجاء لم يقع فيه أحد من أئمة أهل السنة، وإنما وقع بعض أئمة أهل السنة في تعريف الإيمان، فجعلوه قول اللسان واعتقاد القلب، وأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، ولكنهم متفقون على أن الإيمان يزيد وينقص بقدر الطاعة والمعصية.

    1.   

    معنى الإرجاء

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، (اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً)، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فكنا تدارسنا البابين الثامن والتاسع من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي رحمه الله، وهذان البابان يتعلقان بموضوع قضاء حاجة البول قائماً، وما ورد من النهي عن ذلك، وما ورد من الرخصة في ذلك، أما الباب الثامن فهو باب ما جاء في النهي عن البول قائماً، وأورد فيه الترمذي حديث أمنا عائشة رضي الله عنها، قالت: (من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً).

    قال أبو عيسى : حديث عائشة رضي الله عنها أحسن شيء في هذا الباب وأصح.

    وأما الباب التاسع فهو باب: ما جاء من الرخصة في ذلك، فروى فيه الترمذي حديث حذيفة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال عليها قائماً، فأتيته بوضوء فذهبت لأتأخر عنه فدعاني حتى كنت عند عقبيه، فتوضأ ومسح على خفيه).

    هذان الحديثان هما موضوع هذين البابين: فالأول: باب ما جاء من النهي عن البول قائماً، والثاني: باب ما جاء من الرخصة في ذلك، وكما هي عادتنا في مدارسة حديث نبينا عليه الصلاة والسلام، أن نبدأ بالمبحث الأول، وغالب ظني أننا قد انتهينا من دراسة رجال الإسناد، وأما المبحث الثاني: ففي فقه الحديث، وأما الثالث: ففي بيان درجة الأحاديث التي أوردها الترمذي ، وأما الرابع: ففي تخريج الأحاديث التي أشار إليها في هذين البابين.

    المبحث الأول: في بيان حال رجال الإسناد، وكنا قد انتهينا منه، وآخر شيء تكلمت عليه هو ترجمة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.

    وقلت: إنه يتعلق بترجمة رجال الإسناد أمر مهم ينبغي أن ننتبه له وهو: أن عندنا راويان في هذين البابين رميا بالإرجاء.

    أولهما: شيخ الترمذي وهو: الجارود بن معاذ السلمي الترمذي ، وهو ثقة رمي بالإرجاء، توفي سنة أربع وأربعين بعد المائتين، ولم يخرج حديثه إلا الترمذي وهو من شيوخه.

    والثاني: حماد بن أبي سليمان وقد رمي بالإرجاء، وهو فقيه صدوق، وحديثه في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري ، وصحيح مسلم ، والسنن الأربعة.

    وهذه البدعة أعني: بدعة الإرجاء، سيأتي معنا وصف كثير من رواة الحديث بها، فلا بد من بيان حالها لنكون على علم بذلك.

    الإرجاء معناه في اللغة: التأخير، ومنه قول الله جل وعلا في سورة الشعراء حكايةً عن سحرة فرعون عندما قالوا للعاصي فرعون: أَرْجِه وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:36]، أرجه يعني: أخر نبي الله موسى عليه صلوات الله وسلامه وأخاه هارون، ثم ابعث في المدائن حاشرين من أجل أن يأتوا من كل جهة فتحصل المبارزة والمحادة بين السحرة وبين نبي الله موسى.

    ومنه قول الله جل وعلا أيضاً في سورة التوبة: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة:106]، مرجون، أي: أنهم مؤخرون، وأمرهم إلى ربهم جل وعلا.

    ويأتي الإرجاء بمعنى: إعطاء الرجاء، وسيأتينا وجه تسمية فرقة المرجئة بالمرجئة، وانطباق هذين المعنيين: معنى التأخير، ومعنى إعطاء الرجاء على هذه الفرقة.

    أما هذا اللقب -أعني لفظ الإرجاء وفرقة المرجئة- فهو يطلق بإطلاقين اثنين:

    الأول: إطلاق مذموم، والمتصف به ضال مبتدع، والثاني: إطلاق متنوع لكنه لا يصل إلى درجة الذم، فتارةً يكون إطلاق هدى، وتارة يكون إطلاق ورع، وتارة يكون إطلاق على أمر وفيه خطأ في اللفظ.

    فلا بد إذاً من استعراض هذه الحقائق لنكون على بينة من الأمر، ولنعلم نوع الإرجاء الذي نسب إليه الجارود ، وحماد بن أبي سليمان ، وأبو حنيفة النعمان وغيرهم رحمهم الله جميعاً.

    1.   

    الإرجاء المذموم وأنواعه

    إذاً: الإرجاء أنواع:

    فالإرجاء الأول: المذموم وهو إرجاء بدعي، والمتصف به ضال بلا خلاف، وله نوعان:

    لا يضر مع الإيمان معصية

    النوع الأول: أن يقول صاحب هذه البدعة: لا يضر مع الإيمان معصية، وما دون الشرك مغفور، والإيمان هو نطق الشهادة، لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فمن أقر بذلك فهو صديق، والنار محرمة عليه، وسواء فعل المأمورات أو تركها، أو اجتنب المحظورات أو ارتكبها، فهو مع الصديقين والنبيين والشهداء والصالحين في جميع أحواله، والنار محرمة عليه، بمجرد نطقه بكلمة التوحيد، وهذا ينطبق عليه ما تقدم معنا من أنه الإرجاء بمعنى التأخير، وبمعنى إعطاء الرجاء، فهم أخروا العمل عن الإيمان وأخرجوه منه فعلاً وتركاً، اكتساباً واجتناباً، فقالوا: من ترك فعل الطاعات، ومن ارتكب الموبقات لا يضره؛ لأن هذا ليس من الإيمان، الإيمان: أن تعتقد بجنانك وأن تنطق بلسانك، وأما بالنسبة للعمل فإن فعلت فلا حرج، وإن تركت فلا حرج، وهذا النوع من الإرجاء بدعة، وهو إرجاء الغلاة، والمتصف به مبتدع، وهذه البدعة مكفرة، كبدعة القدرية الغلاة، ولا ينسب إليها أحد من أئمتنا الهداة، فكونوا على علم، فعندما يقال مثلاً: إن حماد بن أبي سليمان مرجئي، فهل يعني هذا أنه يقول: إن الزاني والعفيف عند الله بمنزلة واحدة؟ أو أن الصادق والكذاب بمنزلة واحدة؟ أو أن المصلي وتارك الصلاة بمنزلة واحدة؟ حاشاه من ذلك.

    إذاً: هذا النوع من الإرجاء بدعي، والمتصف به ضال ولا خلاف في ذلك، وهذه بدعة مكفرة، وقد قال بهذا القول اليونسية وهم من المرجئة الغلاة، وقال به العبيدية، كما ذكر ذلك الشهرستاني في كتابه الملل والنحل.

    وهذه فرق ضالة وجدت في هذه الأمة، ويقولون: الإيمان إقرار واعتقاد، وأما العمل فوجوده وعدمه سواء، فمن نطق بكلمة التوحيد فالنار محرمة عليه، سواء فعل المأمورات أو لا، وسواء ارتكب المحظورات أو لا، فما دون الشرك مغفور له، فلا يدخل النار أحدٌ إلا من لم يوحد الله.

    لا يدخل أحد العصاة النار

    النوع الثاني للإرجاء البدعي والمرجئة المبتدعة الضالة: هم القائلون بأنه لا يدخل أحد من العصاة النار.

    وهؤلاء يقولون: إن الله فرض علينا المأمورات، وأمرنا أن نترك المحظورات، لكنه لم يرد للعصاة أن يعملوا المأمورات فلا يضرهم تركها، ولا أن يتركوا المحظورات، فلا يضرهم فعلها، لكن الله أمرنا بأن نطيعه، ونهانا أن نعصيه، فالإيمان على قول الفرقة الأولى: إقرار واعتقاد فقط.

    إذاً: فالله ما أراد للعاصي أن يطيع، ولا أراد له أن يترك المعصية، وعليه فإنه إذا لم يطع، ولم يترك المعصية فقد تحققت إرادة الله فيه، فلا يضره ترك الطاعة، ولا يضره فعل المعصية؛ لأنه مغفور له.

    ولا نعلم أحداً من العصاة يعذب في النار، ببدعة كتلك، فأولئك اختصروا الطريق وهونوا الأمر، وأظهروا عن معتقدهم بلا لف أو دوران، وقالوا: إن الإيمان إقرار واعتقاد، وما عداه فليس منه، فعلته أو تركته لا يضرك.

    وأما هؤلاء فزادوا في الكلام واللغط وقالوا: أمرت بفعل الطاعة ونهيت عن ترك المعصية، لكن الله ما أراد لك أن تطيع، وما أراد لك أن تترك المعصية، وعليه فإذا تركت المأمورات وارتكبت المحظورات فهذا لا يضرك، وهو مغفور لك، وفي النهاية فإن هذا القول كالقول الأول، وهذا -كما قلت- إرجاء بدعي.

    قال ابن تيمية رحمة الله في مجموع الفتاوى في الجزء السابع، صفحة واحدة وثمانين ومائة، بعد أن حكى قولهم الذي ذكرته: هذا قول الغالية منهم -يعني: قول الغلاة من المرجئة- ويقوله من لا خلاق له.

    قلت لكم: إن المتصف بذلك صاحب بدعة، وبدعته مكفرة كبدعة القدرية الغلاة الذين نفوا علم الله الأزلي للأشياء كما تقدم معنا عند دراسة تلك الفرقة الردية.

    إذاً: فهو إرجاء بدعي المتصف به ضال، وهذا قول لم يقل به أحد من أئمتنا الأبرار فكونوا على علم بذلك، ولم يرو عن أحد من أهل السنة، في كتب السنة أنه يقول بأحد هذين القولين، فهو قول باطل بلا شك، وقد تواترت الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام بدخول العصاة نار جهنم، وخروجهم منها بعد ذلك بشفاعة الشافعين، ورحمة أرحم الراحمين، فالقائل: بأنه لا يعذب أحد من العصاة يرد على نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذه الأحاديث المتواترة ترد على المرجئة.

    مقابلة الخوارج والمعتزلة للمرجئة

    لقد قابل قول المرجئة قول الخوارج والمعتزلة، وهذه الأحاديث أيضاً تبطل قولهم؛ فالخوارج عندهم صاحب الكبيرة كافر ويخلد في النار، والمعتزلة والإباضية وافقوهم على هذا القول الضال المبتدع: بأنه مخلد؛ لأنه ليس بمؤمن، لكنهم خالفوا الخوارج في الدنيا فقالوا: فاعل الكبيرة ليس بكافر وليس بمؤمن، ولكنه في منزلة بين المنزلتين، فاتفق الخوارج والمعتزلة والإباضية على تخليد فاعل الكبيرة في نار جهنم، سواء ترك مأموراً أو ارتكب محظوراً.

    إذاً: هم على طرفين اثنين: أولئك يقولون: يدخل النار ولا يخرج منها، والمرجئة يقولون: لا يدخلها أبداً، وهؤلاء وأولئك على ضلال، وهم من أتباع الشيطان.

    ثبت في المسند، والصحيحين، وفي سنن الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير)، وهي حبة القمح، أو حبة الحنطة وهي: البر، ( ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة -بضم الذال- من خير).

    إذاً: هذه ثلاثة أوزان: وزن برة، وزن شعيرة، وزن ذرة -بضم الذال-، واللفظة الثالثة صحفها أبو بسطام وهو: شعبة بن الحجاج تقدم معنا، صحفها إلى ذرة؛ فلعله لما ذكرت قبلها حبة القمح، وحبة الشعير قال: ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة بضم الذال من خير، وتصحيفه ثابت في صحيح مسلم ، وقال الإمام مسلم : صحف أبو بسطام ذَرة -بفتح الذال- إلى ذُرَة -بضم الذال- والصواب أنها وزن ذرة -بفتح الذال- من خير، والذرة -بفتح الذال- ذكرت فيها أقوال ومنها: ما قاله أئمتنا: هي أقل شيء، وقيل: هي الهباء الذي يرى في شعاع الشمس عندما تسطع أشعة الشمس في الحجرة، فأنت ترى هذا الهباء يتطاير، فهذا يقال له: ذره، وهذا هو أحد الأقوال في معنى قوله: ذرة -بفتح الذال- ويكون المعنى: إذا كان في قلبك وزن ذرة من هذا الذر الذي يتطاير عند شعاع الشمس تخرج من النار بعدما يشاء العزيز القهار سبحانه وتعالى.

    وقيل: الذرة هي النملة الصغيرة، وقيل: الذرة -كما نقل عن ابن عباس -، وهذه الأقوال الأربعة ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح.

    قال: الذرة أن تضع يدك على التراب ثم تنفخها فما تطاير هو الذر.

    خلاصة القول في الإرجاء المذموم

    إذاً: فخلاصة الكلام في الإرجاء هنا أنه إرجاء بدعي، والقائل به ضال، وبدعته مكفرة، ولم يقل بهذا الإرجاء أحد من أئمتنا البررة، سواء بالإرجاء الأول وهو: أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

    قال بعضهم:

    مت مسلماً ومن الذنوب فلا تخف حاشا المهيمن أن يري توكيدا

    لو رام أن يصليك نار جهنم ما كان ألهم قلبك التوحيدا

    وهذا كلام في الحقيقة كما يقال: حق يراد به باطل؛ لأن من علامة توحيد الله أن تطيع الله عز وجل، والله لا يسوي بين من وحده وبين من جحده، كما لا يسوي بين من أطاعه وبين من عصاه، فلا يمكن أن يجعل الصادق كالكذاب، أو أن يجعل التقي كالسقيم، فأنت إذا لقيت الله بكلمة التوحيد فلا تخلد، وبالمقابل لن تكون أيضاً مع النبيين والصديقين، فلا بد من وضع الأمر في موضعه في الشرع.

    والإرجاء الثاني قلنا: بأنه قريب منه لكنهم قالوا: إن الله أمر الناس بالطاعة ونهاهم عن المعصية، لكن الله لم يُرد للعصاة أن يقلعوا أو أن يتركوا المعصية، فإذا وقعوا في ترك المأمور، أو في فعل المحظور فسيغفر الله سبحانه لهم؛ لأن الله أراد منهم ذلك، ولا نعلم أحداً يعذب في نار جهنم.

    قلت: ومآل القولين إلى شيء واحد، والذي يقول بهذا لا خلاق له، ولقد قال بهذا غلاة المرجئة: كاليونسية والعبيدية وغيرهما من الفرق الضالة، ولا نعلم أحداً من أئمتنا قال بهذا الإرجاء.

    1.   

    الإرجاء الممدوح

    الإرجاء الثاني: تارةً يطلق على ما يعدل الهدى، ولا خير فينا إذا لم نكن مرجئة بهذا المعنى، وتارةً يطلق على ما يعدل الورع، وتارةً يطلق على من هو على خطأ، فلا بد من تحقيق الأمر.

    الإرجاء بمعنى الهدى

    النوع الأول: الإرجاء الذي هو هدى هو ما يطلقه المعتزلة السفهاء على أهل السنة الأتقياء، من معشر أهل السنة مرجئة بهذا الاعتبار لماذا؟ قال العلماء: لأننا نفوض الحكم في صاحب الكبيرة إلى رب الأرض والسماء، والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ففاعل الكبيرة مستحق للنار، لكن هل يكفر؟ نحن نقول: أمره إلى ربه، إن شاء عذبه عدلاً منه، وإن شاء غفر له فضلاً منه، وإن عذب لم يخلد؛ لأنه لا يمكن أن يسوى بين من وحد الله تعالى وبين من جحده.

    لذلك فإن المعتزلة يقولون: أنتم ترجئون الحكم في صاحب الكبيرة، أي: تؤخرونه عن النار، فلو قيل مثلاً: إن فلاناً يشرب الخمر، ومات وهو يشرب الخمر، فنحن المعتزلة نقول: هو في النار، وأنتم تقولون: لا، نحن نخشى عليه من النار، كما نرجو للمحسن الجنة، فلا نجزم للمحسن بالجنة، ولا نجزم للمسيء بالنار؛ لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فإن عذب الله العاصي فهذا عدل، وإن غفر له فهذا فضل، ومن الذي يمنعه وهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين! فكل من جاء بالتوحيد وعصى فدخل النار يعذب ولكنه لا يخلد فيها، فالمعتزلة السفهاء يطلقون على أهل السنة الأتقياء لفظة الإرجاء؛ لأنهم كما قلت: يؤخرون الحكم في صاحب الكبيرة إلى رب الأرض والسماء، ويقولون: لا هو في النار ولا في الجنة، بل أمره موكول إلى الله.

    قال الناظم:

    ومن يمت ولم يتب من ضله فأمره مفوض لربه

    وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في حديث مبايعة الصحابة لنبينا عليه الصلاة والسلام، وأول الحديث: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله -أي مات على حاله- فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، ثم ستره الله) وهذا فيما إذا كان بدون توبة منه؛ لأنه لو تاب من هذا فبالإجماع ذنبه مغفور، فالمعنى: ستره الله ولم يقع منه توبة، فهذا أمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، وكما قلت: النصوص في ذلك قطعية من كلام الله وأحاديث نبينا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وقلت: إن هذا يبطل قول الخوارج والمعتزلة والإباضية ومن يقابلهم وهم المرجئة، ودائماً الحق بين طرفين متقابلين متناقضين، فأهل الإرجاء قالوا: لا يدخل أحد من العصاة نار جهنم، والخوارج والمعتزلة والإباضية قالوا: العاصي سيدخلها ولا يخرج منها، فهو وأبو جهل سواء، والصواب وسط بلا إفراط ولا تفريط، ولا تهوين ولا تهويل؛ لأن دين الله وسط بين الغالي والجافي، فلا نقول للعاصي: إنك تقي، ولا نقول له: إنك مخلد في النار كالكافر الشقي، بل نقول: إنك مؤمن بإيمانك، فاسق بعصيانك، وأمرك إلى ربك، إن غفر لك فذلك فضل منه، وإن عذبك فذلك عدل منه، ولن تخلد في نار جهنم؛ لأنه لا يخلد فيها إلا المشركون الكافرون.

    إذاً: الإرجاء الأول: إرجاء هدى، ويطلق على أهل السنة، أطلقه عليهم المبتدعة ونبزوهم به، ونحن نفتخر به، ورحمة الله على الإمام الشافعي عندما يقول:

    إن كان نصباً حب أصحاب النبي فليشهد الثقلان أني ناصبي

    وإن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي

    يقول: إذا كان حب آل النبي عليه الصلاة والسلام يعتبر رفضاً عندكم فأنا أول الرافضة، وإذا كان حب الصحابة عندكم يعتبر نصباً فأنا أول الناصبة، ولكن الأمر ليس كذلك، الناصبة هم من يناصبونا آل البيت العداء، فيدعون أنهم يحبون الصحابة ويعادون آل البيت، والرافضة على العكس يدعون محبة آل البيت ويبغضون الصحابة.

    ونحن نقول نحن أولى بحب آل البيت من الرافضة، ومع هذا نحن لا نبرئ من الصحابة بل نحبهم، ونحن أولى بحب الصحابة من النواصب، ومع هذا نحب الصحابة بلا بغض لآل البيت، ونحب لآل البيت دون بغض للصحابة، وإطلاق المعتزلة والخوارج والإباضية علينا لفظ الإرجاء، ونقول لهم: هذا لا يضرنا؛ لأن هذا إرجاء هدى، فنحن فوضنا الحكم في فاعل الكبيرة إلى الله؛ لأن الله أمرنا بذلك، فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، ومن الذي أعلمكم أن هذا العاصي سيعذب؟ حتى تألهتم على الله وقلتم: إن هذا العاصي في نار جهنم ولا يخرج منها، فهل أطلعكم على غيبه؟ وهل وقفتم عند آيات الله عندما أوقفكم الله كما في الآية السابقة؟

    ولذلك نقول: إن المشرك هو الذي لا يخرج من النار، وهذا قول الله وليس بقولنا، أما العاصي فنقول له: أمرك إلى الله: إن غفر لك فهذا كرم منه، وإن عذبك فهذا عدل منه، ومآله إلى الجنة، ولا يسوي الله بين المؤمنين وبين الكافرين سبحانه وتعالى، فهو أحكم الحاكمين، وهو العليم الحكيم.

    الإرجاء المقابل للورع والزهد وكيفية التعامل معه

    الإرجاء الثاني: يطلق لفظ الإرجاء على ما يقابل الورع والزهد، وهذا لا حرج في إطلاقه على من يطلق عليه، ولا يعتبر هذا من ألفاظ البدعة، ويطلق هذا النوع من الإرجاء على تأخير الحكم، أو تأخير القول بالحكم في تفويض إحدى الطائفتين المتقاتلين بعد عثمان رضي الله عنه، ومنه: الخلاف الذي جرى بين الصحابة الكرام، كالذي جرى بين علي ومن خالفه من الصحابة الكرام في موقعة الجمل مع طلحة والزبير ، وفي موقعة صفين مع معاوية وعمرو بن العاص رضوان الله عليهم أجمعين، هذا الخلاف الذي وقع بينهم، وجعل أهل السنة الكرام في هذا على أقسام:

    الأول: من قالوا: لا نتكلم فيما وقع بين الصحابة ونمسك عنه، فلا نقول: فلان مصيب، أو فلان مخطئ، إنما نفوض أمرهم إلى الله جل وعلا، فهو أعلم بمن كان على صواب منهم، وبمن كان على خطأ.

    والثاني: وهو قول لأهل السنة: أن نبحث في هذه القضية بإنصاف وقد قالوا عندما بحثوا: الحق كان مع علي ومن قاتله كان مخطئاً لكنه معذور وهو مأجور؛ لأنه كان متأولاً في خطئه ورحمة الله واسعة، وعلى الحالتين يجب علينا أن نصون ألسنتنا عن الوقوع في صحابة نبينا عليه الصلاة والسلام.

    والإمساك منهم على قسمين: الأول: إمساك بلا بحث، فلا نقول: هذا مصيب وهذا مخطئ، فالله هو الذي يحكم بينهم وهو أعلم بحكمهم.

    والثاني: إمساك من بحث من أهل السنة وقال الصواب: كان مع علي ، ومن عاداه أو خالفه كان مخطئاً متؤولاً وهو معذور ومأجور، ولا نخرج عن حب واحترام الصحابة، وعن سلامة الألسن نحوهم، ومن أخطأ منهم نلتمس له عذراً، ونرجو له المغفرة والرحمة ونمسك.

    فمن سكت منهم أخذ بالورع والاحتياط، فلا يقولون: أخطأت، ولا أصبت، والأمر إلى الله جل وعلا، وتلك الأمور صان الله عنها أيدينا فلنصن ألسنتنا عنها ، ونفوض أمرهم إلى ربنا جل وعلا، فقالوا: ومن أخر الحكم فيهم ولم يبحث ولم يخض فيه، نطلق عليه بأنه مرجئ؛ لأنه أخر الحكم فيهم إلى الرحمن، وإطلاقهم على تأخيره إرجاء لا يضره ذلك الإطلاق، ولا يعني أنه صاحب بدعة، إنما هذا إرجاء ورع واحتياط، وهذان لا حرج فيهما على الإطلاق.

    1.   

    إرجاء الفقهاء

    الإرجاء الثالث: أيضاً ليس ببدعة لكنه خطأ في اللفظ، وقد قال به بعض أئمتنا المهتدين، منهم حماد بن أبي سليمان ، ومنهم أبو حنيفة النعمان رضوان الله عليهم أجمعين، ومنهم صاحبا أبي حنيفة محمد بن الحسن ، وأبو يوسف ، وجم غفير من السلف قالوا به وهو وخطأ، وليتهم لم يقولوا به، لكنه خطأ باللفظ، وليس بخطأ في الحكم والمعنى، وشتان بين أن يخطئ الإنسان في لفظه وبين أن يخطئ في حكمه وقصده، وما يترتب على لفظه من معنى.

    والإرجاء الذي يقول به أبو حنيفة ، وكثير من أئمة المسلمين، هو قولهم: الإيمان اعتقاد بالجنان، وإقرار باللسان فقط، والعمل ليس من مسمى الإيمان، لكن إن فعلته فأنت تقي، وإلا فأنت فاسق شقي، إذا فعلته كنت من الصديقين الذين يدخلون جنة النعيم، وإذا تركته فأنت تحت مشيئة أرحم الراحمين إن شاء عذبك، وإن شاء غفر لك، هذا الإرجاء، تأخير للعمل عن مسمى الإيمان، وإخراج له من أركانه، وهذا وإن كان خطأ في اللفظ، لكنهم لم يوافقوا أهل بدعة الإرجاء في الحكم، أما جمهور أهل السنة فقالوا: الإيمان يقوم على ثلاثة أركان: اعتقاد بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان وهو الجوارح، ونقول له: إن ترك اعتقاد الجنان أو قول اللسان فهو كافر مخلد في النيران، وهذا قول أبي حنيفة ومن معه، إن ترك إقرار اللسان واعتقاد الجنان فهو كافر مخلد في النيران، أما قول أبي حنيفة ومن معه في العمل أن ترك العمل أي: تارك المأمورات ومرتكب المحظورات، ليس بكافر إنما هو مؤمن عاصٍ، مؤمن فاسق أمره إلى الله.

    إذاً هم عند التحقيق على قول واحد، لكن اختلف تعبيرهم فقط عن الإيمان، فجمهور أهل السنة: أن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل، وأما أبو حنيفة ومن معه فقالوا: اعتقاد وإقرار أما العمل فليس من مسمى الإيمان، وليس من أركانه، إنما إذا وجد فأنت تقي، وإلا فأنت فاسق شقي، فالحكم واحد، ولا خلاف بين أبي حنيفة وجمهور أهل السنة، إلا في اللفظ، فأُطلق على هذا إرجاء من قبل جمهور أهل السنة، ومن قبل المحدثين على أبي حنيفة ومن قال بقوله قيل له: إنه مرجئ، وهذا هو الذي نعت به بعض الرواة ممن روي لهم في كتب السنة كـالجارود ، وحماد بن أبي سليمان ، فهؤلاء الأئمة الذين رموا بالإرجاء، فإرجاؤهم من النوع الثالث، والقسم الثاني منه الذي هو إرجاء جائز، وهدى، وخطؤهم في اللفظ فلا يترتب عليه محظور، ولا يترتب عليه بدعة، ولا يترتب عليه مخالفة لحقيقة شرعية، مع أنه لو لم يقل هذا القول لكان أحسن، وقول جمهور أهل السنة: أشد وأقوى، كما نطقت بذلك آيات القرآن وتواترت الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، بأن العمل من مسمى الإيمان.

    والحديث في الصحيحين وغيرهما: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فجعل العمل من الإيمان.

    سبب إخراج مرجئة الفقهاء العمل عن مسمى الإيمان

    وسبب إخراج مرجئة الفقهاء للعمل عن مسمى الإيمان أنهم يقولون: لو أدخلنا العمل في مسمى الإيمان فقد يصبح هناك شيء من الإيهام، يتعلق به أهل البدع في الغالب، من المعتزلة والإباضية، فيقولون: إذا قلتم: العمل من الإيمان فينبغي أن تحكموا بالكفر على تاركه، وخروجه من الإيمان، وخلوده في نار جهنم كما لو ترك الاعتقاد والإقرار؛ لأننا نقول في تعريف الإيمان: ما لو ترك لكفر صاحبه وخلد في نار جهنم، وأما مرجئة الفقهاء فيقولون: العمل من مكملات الإيمان، إذا وجد صار الإنسان تقياً وإلا فهو فاسق، وهذا خطأ في التعبير، لكن لا يترتب عليه خلاف في الحكم على الإطلاق، ولذلك لا يحكم على فاعله بأنه مبتدع ضال.

    قال ابن تيمية عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى في الجزء السادس، صفحة سبع وتسعين ومائتين مقرراً هذا وأعاده في صفحة سبع وخمسمائة: ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا فالقائلون: بأن الإيمان قول باللسان، مع اعتقاد الجنان، يلزمهم هذا ولا بد منه؛ لأنه لو لم يعتقد فهو كافر بلا شك، كـحماد بن أبي سليمان وهو أول من قال بذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيره، مع أنهم جميعاً متفقون على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانه كامل؛ لأنهم يقولون: من أقر واعتقد فإيمانه كامل لكنه مع ذلك عاصٍ وداخل تحت الوعيد؛ لأن الإيمان إقرار واعتقاد، مؤمن عاصٍ، ومؤمن فاسق، ومؤمن كامل؛ لأنه لو لم يكن كاملاً لكان كافراً مرتداً.

    إذاً هم يقولون: إن الإيمان بدون العمل يكون صاحبه مستحقاً للذنب والعقاب كما تقوله الجماعة، ويقولون أيضاً: بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة، والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار، وأهل السنة لا يطلقون على فاعل الكبيرة اسم الإيمان المطلق، وهؤلاء هم الجمهور، فلو قيل لهم: هل تقولون للزاني: إنه مؤمن؟ يقولون: لا نقول ذلك بإطلاق؛ لأن هذا الاسم المطلق لا ينطبق ولا يطلق إلا على المؤمن الكامل الذي فعل المأمورات وترك المحظورات، فلا نطلق عليه الإيمان إلا بقيد، فنقول: مؤمن عاص، ويجوز أن ننفي عنه الإيمان فنقول: إنه ليس بمؤمن بمعنى أنه انتفت عنه بعض الأمور الواجبة وهي العمل من فعل الطاعة وترك المعصية، فالذين ينفون عنه اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار، فليس بين فقهاء الملة نزاعاً في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرون باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وما تواتر عنه أنه من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم بدخوله إليها، ولا يخلد منهم فيها أحد، ولا يقولون: بأنهم مرتدين مباحي الدماء، خلافاً لأصحاب الأقوال المنحرفة الذين يقولون بتخليدهم في النار كالخوارج والمعتزلة، وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: لا نعلم أن أحداً منهم يدخل النار، بل يقف في هذا كله، وحكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي العام، يعني: لن يدخل أحد من العصاة نار جهنم، أما ما حصل بين فقهاء الكوفة وبين جمهور أهل السنة فهو نزاع لفظي، ومع ذلك نقول: إنه خطأ، ولو لم يقله أبو حنيفة ومن معه لكان أولى، لكن ينبغي أن نزنه بالقسطاس المستقيم، فنقول: هذا الخطأ لا يلزم منه المحظور، ولا يلزم منه بدعة، ولا يلزمه منه ضلال، ولا يلزم منه مخالفة لحكم شرعي، خطأ في التعبير، ولو قالوا: إن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل كما هو قول جمهور السلف رضوان الله عليهم أجمعين لكان أولى وأسلم والعلم عند الله جل وعلا، لكن هذا الإرجاء -كما قلت- ليس بإرجاء بدعة، ولا يجوز أن نحكم على قائله بأنه مبتدع، وعليه من رمي من أئمتنا بالإرجاء يراد منه هذا النوع من الإرجاء.

    جواب أبي حنيفة على من اتهمه بالإرجاء

    قيل لـأبي حنيفة وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين: إنكم تقولون بهذا فأنتم مرجئة؛ لأنكم وافقتم الإرجاء، والمرجئة فيما يقولونه من أن الإيمان قول واعتقاد، فأجاب أبو حنيفة رحمه الله في رسالته إلى عثمان البتي ، وكان قد توفي قبل أبي حنيفة بسبع سنين، سنة ثلاث وأربعين ومائة للهجرة، وهو: عثمان بن مسلم البتي أبو عمرو البصري ، صدوق قال الحافظ ابن حجر في التقريب: عابوا عليه الإفشاء في الرأي، حديثه مخرج في السنن الأربعة، وهو من رجال الترمذي وسيأتينا ترجمته وذكره.

    كتب عثمان البتي إلى أبي حنيفة رسالة يقول له فيها: إنك توصف بالإرجاء فاترك قولك ، فأجابه أبو حنيفة يقول: وأما ما ذكرت من وصفنا بالمرجئة فما ذنب قوم تكلموا بعدل وسماهم أهل البدع بهذا الاسم، ولكنهم أهل العدل وأهل السنة، وإنما هذا اسم سماهم به أهل شنآن، يعني: أهل بغض، يعني: إطلاق هذا الاسم علينا ليس في محله، نحن أهل عدل وما قلنا شيئاً نخالف به الشرع، فلو جعلنا العمل لمسمى الإيمان لجاءتنا بعد ذلك بدعة القدرية والخوارج وقالوا: ينبغي أن تقولوا: إن الذي يرتكب معصيةً خرج من الإيمان فيخلد في النيران، ونحن إذاً: لا نقول له: إلا بالحق، قلنا: الإيمان إقرار واعتقاد، فإن فعل صار تقياً، وإن ترك صار شقياً، فهذا لا علاقة له بإيمانه، وهل زال عنه الإيمان أو بقي فيه؟ نقول: الإيمان باقي في حال طاعته وفي حال معصيته، لكنه مع الطاعة تقي، ومع المعصية شقي فقط، هنا مؤمن عاصي وهنا مؤمن بلا معصية فهو مطيع، أما الإيمان فموجود فيه في الحالتين، ما دام نقياً ومعتقداً.

    وهذا القول سيأتينا ما يتعلق ببحثه إن شاء الله ضمن مباحث الإيمان في سنن الترمذي لكن نريد فقط أن نعلم معنى الإرجاء، وأما تحقيق القول في قول جمهور أهل السنة وأنه هو الذي ينبغي أن يعول عليه، وأن الإيمان قول واعتقاد وعمل، تواترت بذلك الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام فهذا هو الصحيح.

    1.   

    أئمة أهل السنة المنسوب إليهم الإرجاء

    لقد نسب عدد من أئمتنا إلى الإرجاء، وكان يغلب على كثير من جمهور أهل السنة مع أنه خطأ في اللفظ لكن جمهور أهل السنة أرادوا أن لا يتوسع الأمر؛ لأنهم كانوا يخشون إذا فتحنا هذا الباب أن ينجر الناس من هذا الإرجاء الذي هو خطأ في اللفظ، إلى الإرجاء الذي هو ضلال وبدعة.

    نسبة الإرجاء إلى مسعر بن كدام

    سفيان الثوري كان ممن يقول بقول جمهور أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ومسعر بن كدام كان يقول بقول أبي حنيفة ، وهو مسعر بن كدام أبي سلمة الكوفي ثقة ثبت فاضل، وحديثه في الكتب الستة، توفي سنة ثلاث وخمسين وقيل: خمس وخمسين بعد المائة، قال الذهبي في الميزان في ترجمته: هو حجة إمام ولا عبرة بقول السليماني : بأنه كان من المرجئة، يقول السليماني : وكان من المرجئة مع النعمان بن ثابت يعني: أبا حنيفة ، وحماد بن أبي سليمان ، وعبد العزيز بن أبي رواد ثم سرد عدداً من أئمة المسلمين ممن كانوا على الإرجاء. يقول الذهبي : هو حجة ولا عبرة بقول السليماني .

    ثم قال الذهبي : قلت: والإرجاء مذهب لعدة من جملة من العلماء ولا ينبغي التحامل على قائله، أي: لا يجوز أن نبدعه، ولا أن نضلله، نعم نقول: إن هذا أخطأ بالتعبير كـمسعر بن كدام انظر لحاله كما قلت ولمعاملة الثوري له عليهم جميعاً رحمة الله.

    يقول الأعمش : شك مسعر كيقين غيره، يعني: لو شك في الرواية لكان كيقين غيره، من ضبطه وإتقانه، وكان شعبة بن الحجاج يسمي مسعراً بالمصحف، يقول: مسعر مصحف، فكما أن المصحف لا يتطرق إليه خطأ ولهو وهو حق وصدق فهذا كذلك ما أخطأ ولا وهم.

    وقال أبو حاتم كما نقله عنه ابنه يقول ابن أبي حاتم : سألت أبي إذا اختلفا مسعر وسفيان فبقول من نأخذ؟ قال: بقول مسعر يقدم عليه فهو أحفظ منه وأضبط، وكان يقرأ كل ليلة نصف القرآن، وكان شيخ الإسلام في زمنه عبد الله بن المبارك يقول: من كان ملتمسأ جليساً صالحاً فليأت حلقة مسعر بن كدام ، فيها السكينة والوقار وأهلها أهل العفاف وعلية الأقوام، توفي سنة ثلاث وخمسين أو خمساً وخمسين بعد المائة، يعني بعد أبي حنيفة بثلاث سنين أو بخمس سنين عليهم جميعاً رحمة رب العالمين، لما مات يشهد الثوري جنازته، وقال: استحي من الله أن أصلي على من يقول: العمل ليس من الإيمان.

    أراد سفيان بهذا تحذير الناس من الخطأ، وهو قوله: إن العمل ليس من الإيمان، وأنه أخطأ وإن كانت المخالفة في اللفظ لا في الحكم، لكنه قابل هذا الخطأ بخطأ، يريد أن يحذر من ذلك الخطأ فحذر منه بخطأ، ورحمة الله عليهم جميعاً، فترك الصلاة على هذا الإمام المبارك خطأ، فإذا كنت تريد أن تحذر من الخطأ صل عليه وبعد الصلاة قل: هذا العبد أفضى إلى رحمة ربه، وكان يقول: كذا، وهذه زلة منه وخطأ في التعبير، ولا يلزم منها أي محظور، لكن تركها أسلم والحق مع الجمهور وانتهى الأمر، أما أن تترك الصلاة عليه وتقول: استحي من الله أن أصلي على من يقول: العمل ليس من الإيمان، فهذا من باب مقابلة الخطأ بالخطأ، وهذه الحوادث التي وقعت ليتنا اعتبرنا بها لئلا تتكرر منا.

    نسبة الإرجاء إلى عبد العزيز بن أبي رواد

    وهكذا فعل الثوري مع عبد العزيز بن أبي رواد وهو الصدوق العابد كما قال أئمتنا في ترجمته يقول الحافظ ابن حجر : ورمي بالإرجاء، وقد أخرج حديثه البخاري في صحيحه معلقاً، وأهل السنن الأربعة.

    وتأمل لإنصافه وديانته وخشيته من ربه، في قول الإمام أحمد : عبد العزيز بن أبي رواد كان مرجئاً صالحاً، وكان أعبد أهل زمانه، وكان مفتي أهل مكة، وتقدم معنا أنه أحد رجال الإسناد الذي فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطلب الماء من المطاهر ليشربه يرجوا بركة المسلمين، في معجم الطبراني الأوسط قلت: رجاله ثقات، وإسناده حسن، وفيه عبد العزيز بن أبي رواد وهو من رجال السنن الأربعة، وحديثه في صحيح البخاري معلقاً، وهو صدوق عابد، لما مات لم يصل الثوري عليه ثم قال: والله إني لأصلي على من هو دونه، لكن أردت أن يعلم الناس أنه مات على بدعة، ليتك قلت على خطأ لكان أحسن؛ لأن إطلاق القول بأن هذا القول بدعة لا يستقيم؛ لأنه يفهم منه أنه بدعة، وأنه ارتكب محظوراً والأمر ليس كذلك، إنما هو أخطأ في اللفظ فقط وإن مات على خطأ.

    عبد العزيز بن أبي رواد يقول عنه عبد الله بن المبارك كما في سير أعلام النبلاء في الجزء الثامن، صفحة أربع وعشرين وأربعمائة رأيت أعبد الناس عبد العزيز بن أبي رواد ، ورأيت أورع الناس الفضيل بن عياض ، ورأيت أعلم الناس الثوري ، ورأيت أفقه الناس أبا حنيفة ، ما رأيت مثله.

    أعبد الناس عبد العزيز بن أبي رواد أورع الناس الفضيل بن عياض ، وكان يعد كلامه من الأسبوع إلى الأسبوع، الكلمة إذا تكلم بها يكتبها، وكان يقول: إني لأعلم من يعد كلامه ما بين الجمعتين، يكتب أي كلمة يتكلم، هذا حال الورع.

    ورأى أعلم زمانه سفيان الثوري، ورأى أفقه الناس أبا حنيفة والناس عيال في الفقه عليه، وحبه دين نتقرب به إلى رب العالمين، وسيأتينا عما قريب في ترجمة بعض رجال الإسناد أبي معاوية الضرير -الذي كان هارون الرشيد يصب على يديه الماء إذا أكل الطعام- يقول أبو معاوية : حب أبي حنيفة من السنة، وهو فقيه الملة رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    عبد العزيز بن أبي رواد قال أئمتنا: ما رفع طرفه إلى السماء أربعين سنة حياءً من الله وخشيةً منه، وأصيب في آخر حياته بالعمى فبقي عشرين سنةً أعمى وأهله لا يعلمون به، يكتم هذه المصيبة.

    كان يوماً يطوف وكان أبو جعفر المنصور وراءه، فلما اقترب منه طعنه في خاصرته، فالتفت فرأى الخليفة أبا جعفر قال: قد علمت أنها طعنة جبار، يعني: هذه الغلظة لا تكون إلا من إنسان ممتلئ من الطعام والشراب.

    قال الحافظ الذهبي في السير في ترجمته: قلت: هو كثير المحافل لكنه مرجئ، وإرجاؤه كما قلت إرجاء لا يترتب عليه أي محظور إنما هو خطأ في اللفظ، وهذا يقرره أئمتنا في كتب التوحيد.

    قال ابن تيمية هذا نزاع لفظي، كما في شرح الطحاوية صفحة خمس وثمانين ومائتين.

    يقول: النزاع بين أبي حنيفة ومن معه وجمهور أهل السنة في تعريف الإيمان نزاع لفظي، ولذلك غاية ما نقول: للمخالف أنه أخطأ ولا يترتب أي حكم يختلف فيه هؤلاء عن هؤلاء.

    محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة من المرجئة، رد شهادته شريك النخعي عندما شهد، وهذا لا ينبغي، وإن كان شريك رحمه الله مجتهداً في ذلك، لكن إذا ردت شهادة محمد بن الحسن فشهادته لن تقبل، محمد بن الحسن الشيباني توفي سنة تسع وثمانين ومائة للهجرة، ومات في تلك السنة الإمام الكسائي أحد القراء السبعة إمام العربية، قال هارون الرشيد : دفنت الفقه والنحو في عام واحد.

    محمد بن الحسن العلامة فقيه العراق، أخذ الفقه عن أبي حنيفة وأبي يوسف ثم عن مالك ، وتتلمذ عليه الشافعي وأخذ عنه كثيراً، وكان مع تبحره في العلم والفقه يضرب بذكائه المثل، وليس له في الفصاحة نظير في زمنه، يقول تلميذه الشافعي : لو أشاء أن أقول: إن القرآن نزل بلسان محمد بن الحسن -أي: لفصاحته ولغته ولهجته- لقلت، وقد كتب عنه الشافعي وقر بعير أي: حمل بعير من العلم، ولما قال إبراهيم الحربي للإمام أحمد : من أين لك هذه المسائل الدقاق التي تفرعها وتأتينا فيها بجودة الاستنباط؟ قال: هذا من كتب محمد بن الحسن .

    كان شريك شديداً على المبتدعة كما في ترجمته شريك النخعي ، فلما جاء محمد بن الحسن ليشهد عند شريك النخعي رد شريك شهادته كما في لسان الميزان في الجزء الخامس، صفحة واحدة وعشرين ومائة، وقال: لا تجوز شهادة المرجئة، وأستحي من الله أن أقبل شهادة من يقول: إن الصلاة ليست من الإيمان، والله يقول في كتابه: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143] يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس، وهذا يرد به على المرجئة الغلاة فإنه ينطبق عليهم بالنص والاتباع، وأما هؤلاء فغاية ما جرى منهم خطأ في اللفظ.

    ولذلك الجارود شيخ الترمذي رمي بالإرجاء، وحماد بن أبي سليمان رمي بالإرجاء أي إرجاء من أنواع الإرجاء السابقة؟ أما الإرجاء الأول من القسم الثاني فلم يرمى به أحد؛ لأن أهل السنة كلهم يردون عليه، والإرجاء الثاني لم يرمى به أحد وهو ورع واحتياط، بقي الإرجاء الثالث الذي هو خطأ وجمهور المحدثين رموا بعض علمائنا به ممن أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان.

    إذا أردت أن تتحقق من ذلك فانظر من عد من رجال المرجئة ، يقول الشهرستاني في الملل والنحل وهو مطبوع على هامش الفصل في الجزء الأول، صفحة إحدى وخمسين ومائة يقول: وهو يحكي ويذكر الأئمة الذين اتهموا بالإرجاء فقال: كـسعيد بن جبير وأبي حنيفة وصاحبيه ثم يعدد، ويقول: وهؤلاء كلهم أئمة الحديث لم يكفروا أصحاب الكبائر بالكبيرة، ولم يحكموا بتخليدهم في النار خلافاً للخوارج والمعتزلة، وأطلق عليهم لفظ الإرجاء، ولا حرج في ذلك.

    وانظروا هذا المبحث للتفرقة بين الإرجاء البدعي في النوع الأول، والإرجاء بأقسامه الثلاثة الذي هو هدى وورع وغير ذلك في مقالات الإسلاميين للشيخ أبي الحسن الأشعري في الجزء الأول، صفحة سبع وتسعين ومائة، وفي الفصل في الملل والنحل للإمام ابن حزم في الجزء الثاني، صفحة ثمان وثمانين، وفي الفرق بين الفرق لـأبي منصور البغدادي في صفحة اثنتين ومائتين، وفي منهاج السنة النبوية في الجزء الأول، صفحة ثلاث وستين وفي درء تعارض العقل والنقل في الجزء الأول، صفحة سبع، وغير ذلك من الكتب.

    هذا فيما يتعلق معنا بمبحث الإرجاء الذي وصف به الجارود شيخ الإمام الترمذي ، ووصف به حماد بن أبي سليمان .

    1.   

    معنى (السباطة) المذكورة في حديث حذيفة: (أتى سباطة قوم...) وما يؤخذ منه

    ننتقل بعد ذلك للمبحث الثاني: وهو: فقه الحديث، الذي تقدم معنا: (من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً)، والحديث الثاني وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام: (بال قائماً) فيما رواه عنه حذيفة وهكذا المغيرة بن شعبة رضوان الله عليهم أجمعين، فما يؤخذ من هذين الحديثين من أحكام سأجملها في أربعة أحكام بعد أن أبين لفظةً لغويةً في الحديث الثاني في حديث حذيفة أن النبي عليه الصلاة والسلام: (أتى سباطة قوم) وهو معنى السباطة.

    السباطة: فعالة، وهي الموضع الذي يرمى فيه التراب بالأفنية، وتكون مرفقاً لأهلها، وكانت بالمدينة المنورة فسباطة القوم هي كان في أفنية الناس، والأفنية: ما يحيط بالبيوت من مكان يكون مرمىً للفضلات، وقيل: السباطة هي الكناسة نفسها.

    إذاً إما المكان الذي تلقى فيه الكناسة والذي يكون في أفنية البيوت، أو في الساحات المحيطة بها، أو المكان الذي تلقى فيه الأوساخ يقال له: سباطة أي: كناسة.

    إذاً إما المكان الذي يلقى فيه الكناسة نفسها، وهي الساحات أو الأفنية التي تحيط بالدور والتي يرمى فيها الكناسة أو هو الكناسة نفسها، وتكون في الغالب رخوةً سهلةً لا يرتد فيها البول على البائل، كما في فتح الباري، في الجزء الأول، صفحة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وفي عمدة القاري في الجزء الثالث، صفحة أربع وثلاثين ومائة.

    وقال النووي في المجموع في الجزء الثاني، صفحة خمس وثمانين: السباطة: هي ملقى التراب والكناسة ونحوه، تكون بفناء الدور مرفقاً للقوم، أو المكان الذي يلقى فيه الكناسة والأوساخ تكون مرفقاً للقوم، أي: يرتفقون بها ويضعون فيها فضلاتهم وما يخرج منهم إلى آخر كلامه.

    أما فقه الحديث ففيه أربعة أحكام:

    قال أئمتنا الكرام: يؤخذ من الحديثين: حديث أمنا عائشة ، وحديث حذيفة ومن معه كحديث المغيرة بن شعبة رضوان الله عليهم أجمعين يؤخذ منه أنه يكره أن يبول الإنسان قائماً من غير عذر، لماذا؟ محافظةً على الطهارة والستر؛ لأنه إذا بال وهو قائم قد يرتد إليه رشاش البول، كما أن الجلوس أستر له فكلما جلس ستر نفسه، فهو أستر وأطهر، فيكره للإنسان أن يبول قائماً من غير عذر، وأما المعذور فالضرورات تبيح المحظورات ولها أحكامها، وقولنا: إنه يكره أن يبول قائماً من غير عذر من أجل المحافظة على طهارة نفسه، قرره أئمتنا قاطبةً جمعاً بين الحديثين، فذكره النووي في المجموع في الجزء الثاني، صفحة خمس وثمانين، وابن قدامة في المغني في الجزء الأول، صفحة ست وخمسين ومائة، والعيني في عمدة القاري، في الجزء الثالث، صفحة خمس وثلاثين ومائة، وهؤلاء من أتباع أئمة المذاهب الثلاثة: فالنووي شافعي، وابن قدامة حنبلي، والعيني حنفي، وهكذا في كتب أئمة الإسلام، أطلق كثير من أئمتنا هذه العبارة ولفظها: عامة العلماء -يعني: جميع العلماء- على أن البول قائماً مكروه من غير عذر، وهذا تعبير العيني وغيره عليهم جميعاً رحمة الله.

    1.   

    توجيهات العلماء لأسباب بول النبي صلى الله عليه وسلم قائماً

    أما سبب بول النبي صلى الله عليه وسلم قائماً فعدة أمور:

    السبب الأول: عدم تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من البول قائماً

    السبب الأول: عدم تمكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من البول قائماً، والسبب في عدم تمكنه أمران:

    أولها: أنه لم يجد مكاناً للجلوس، إما لامتلاء المكان بالفضلات والنجاسات والقاذورات، والجلوس يتطلب مكاناً أكثر من القيام؛ لأن القيام محل القدمين، وأما الجلوس يحتاج إلى مكان أوسع؛ لأن الإنسان إذا جلس تنزل ثيابه على الأرض، فلعله كانت النجاسات هناك متعددة، فما وجد مكاناً لجلوسه عليه الصلاة والسلام، فوقف قائماً منتصباً على قدميه المباركتين الشريفتين عليه صلوات الله وسلامه، وبال وهو قائم ووجهه إلى الجدار يستره، وخلفه حذيفة يستره، ولا يرى منه شيء عليه الصلاة والسلام من جميع أحواله.

    والثاني: لم يتمكن من الجلوس، بسبب أن المكان لم يكن مهيئاً ومناسباً للجلوس، لماذا؟ قيل: لأن ما يقابله من السباطة مرتفع فهو يقابل الجدار، وما وراءه منحدرة عليه صلوات الله وسلامه، فلو أراد أن يجلس على هذه الحالة، ووجهه للجدار وهو مرتفع، وخلفه للجهة المقابلة وهي منحدرة، لسقط أو لارتد عليه البول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الإنسان عندما يريد أن يبول لجهة الارتفاع، سينزل البول إلى الجهة النازلة، فسيعود إليه عليه صلوات الله وسلامه.

    والحالتان فيهما مضرة وفيهما محظور، فآثر النبي عليه الصلاة والسلام أن يبول وهو واقف عليه صلوات الله وسلامه، ووجهه للجدار وخلفه حذيفة يستره رضي الله عنه.

    السبب الثاني: كون النبي صلى الله عليه وسلم آثر القيام على القعود

    السبب الثاني: قيل: لأنه عليه الصلاة والسلام آثر تلك الحالة وهي البول قائماً؛ لأنها حالة يأمن معها من خروج صوت؛ لأن الإنسان إذا جلس تستريح مقعدته، فقد يخرج مع البول ريح من دبر الإنسان عندما يريد أن يبول، أما إذا كان قائماً فحلقة الدبر تكون مستمسكة، ولذلك يقول عمر : البول قائماً أحصن للدبر. والسباطة قريبة من البنيان، والجدران متقابلة ومتقاربة، ولو جلس وبجواره حذيفة لربما خرج من الإنسان ما يكره أن يخرج منه، ولذلك آثر هذه الحالة التي يؤمن معها خروج صوت عند قضاء حاجة البول، فلا يخرج صوت من المكان الآخر.

    ثبت في السنن الكبرى للبيهقي في الجزء الأول صفحة اثنتين ومائة، وأما مصنف عبد الرزاق فقد بحثت عن الأثر فيه فلم أجده؛ لأن أول المصنف مفقود ولم يطبع، وهذا الأثر سيكون في أول كتاب الطهارة، فلعله من جملة المفقودات، مع أن الحافظ أسند الأثر إلى مصنف عبد الرزاق فقط، كما في فتح الباري في الجزء الأول، صفحة ثلاثين وثلاثمائة، قلت: وهو في سنن البيهقي عن عمر رضي الله عنه قال: البول قائماً أحصن للدبر. يعني: أمسك له، وحلقة الدبر تكون مستمسكة، بل أحياناً الإنسان إذا بال وهو قاعد قد لا يريد حاجة الغائط فتخرج، وقد يكون بإمكانه أن يمسك هذا لفترة ولكن إذا استرخت مقعدته خرجت.

    إذاً البول وهو قائم أفضل له ولا سيما وهو بجوار بيوت، ولهذا بال وهو قائم عليه صلوات الله وسلامه.

    السبب الثالث: وجود علة في النبي صلى الله عليه وسلم

    السبب الثالث الذي من أجله بال النبي عليه الصلاة والسلام قائماً عندما أتى السباطة: قيل: لعله فعل ذلك لعلة كانت فيه عليه الصلاة والسلام، وهذه العلة فسرت بأمرين كما فسر الأمر الأول بأمرين:

    العلة الأولى: قيل: إنه كان به وجع في صلبه عليه صلوات الله وسلامه، والعرب كانت تستشفي من داء الصلب بالبول قائماً، فإذا أصيب أحدهم بوجع في صلبه يبول قائماً فيشفى بإذن الله جل وعلا، وكانت هذه عادة مجربة عند العرب، فلعل النبي عليه الصلاة والسلام كان في صلبه شيء من الإعياء والتعب، فأراد أن يستنشط وأن يستشفي وأن يتقوى فبال وهو قائم عليه صلوات الله وسلامه، وهذا ذكره البيهقي في السنن الكبرى في المكان المتقدم، والنووي في المجموع في المكان المتقدم، وقد كان أهل هراة يواظبون على هذا اقتداءً بنبينا عليه الصلاة والسلام يبول الرجل منهم مرةً في كل سنة قائماً من غير ضرورة، من أجل أن يقوى صلبه اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام، نقل ذلك القاضي حسين عن الأئمة الشافعية الكبار وقال: وصار ذلك عادةً لأهل هراة يبول الرجل منهم قائماً في كل سنة مرة اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام وتقويةً لصلبه.

    القاضي حسين هو حسين بن محمد بن أحمد أبو علي المروزي ، يقال له: حبر الأمة، توفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة للهجرة، وهو صاحب كتاب التعليق في فقه السادة الشافعية رضوان الله عليهم أجمعين، ومن تلاميذه إمام الحرمين، والبغوي صاحب شرح السنة وغيرهما عليهم جميعاً رحمة الله، جاء مرةً بعض الناس للقاضي حسين فقال: حلفت بالطلاق من زوجتي ثلاثاً أنك أفقه أهل الأرض وأعلمهم، فماذا أفعل هل زوجتي طالق أم لا؟ وهل أنت أفقه أهل الأرض وأعلمهم أم لا؟ فبكى القاضي حسين عليه رحمة الله وقال: هكذا يفعل موت الرجال، انظر لتواضعه يقول: عندما مات الرجال صرنا نحن أفقه أهل الأرض، كما سيأتينا في ترجمة عدد من أئمتنا، وفي ترجمة إبراهيم النخعي يقول: إن زماناً صرت فيه فقيهاً لزمان سوء.

    القاضي حسين أفقه أهل زمانه، لكن انظر لتواضعه قال: نعم الأمر كما قلت لكن لا لتقدمي، إنما لعدم وجود الرجال، لما خليت الساحة من الرجال تقدم مثلي، ويقول هذا تواضعاً رفع الله قدره في الدنيا والآخرة، أسأل الله أن يجعل قبره وقبور المسلمين روضةً من رياض الجنة، وترجمته الطيبة في طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي في الجزء الرابع، صفحة ست وخمسين وثلاثمائة، وفي سير أعلام النبلاء في الجزء الثامن عشر، صفحة ستين ومائة وغير ذلك من الكتب.

    والعلة الثانية: قيل: إنه كان في مأبضه جرح عليه صلوات الله وسلامه، والمأبض: باطن الركبة، مأبض، وجمعه مآبض مثل مسجد مساجد، وجاء حديث بذلك، ولكنه ضعيف وهو في مستدرك الحاكم في الجزء الأول، صفحة اثنتين وثمانين ومائة، وفي السنن الكبرى للبيهقي في المكان المشار إليه في الجزء الأول، صفحة واحد ومائة، وقال البيهقي : ولا يثبت مثله، وقد ضعف الحديث الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الأول صفحة ثلاثين وثلاثمائة وقال: ضعفه الدارقطني ، والبيهقي ، وضعفه النووي في المجموع في الجزء الثاني، صفحة أربع وثمانين، وفي شرح صحيح مسلم أيضاً في الجزء الثالث، صفحة خمس وستين ومائة، ولفظ الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (بال النبي صلى الله عليه وسلم قائماً من جرح كان بمأبضه) وهو: باطن الركبة، فكان يصعب عليه أن يجلس عليه الصلاة والسلام عندما يكون الجرح في باطن ركبته؛ لأنه إذا جلس سيحني ركبته، وهذا يشق على ركبته إن كان فيها جرح في باطنها، ولذلك بال النبي عليه الصلاة والسلام قائماً.

    والحديث في إسناده حماد بن غسان ، ضعفه الدارقطني كما في لسان الميزان في الجزء الثاني، صفحة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وهكذا قال الذهبي في تلخيص المستدرك مستدركاً هذا على الحاكم ، وقد صححه الحاكم فقال الذهبي : فيه حماد بن غسان قد ضعفه الدارقطني ، لكن قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان: نقل ابن عساكر أن الكرابيسي وثقه، أي: وثق حماد بن غسان ، ثم قال الحافظ ابن حجر : وقد أخرج حديثه الحاكم وغيره، ويفهم من كلام الحافظ ابن حجر في اللسان والعلم عند الرحمن تقويته لحال حماد بن غسان ؛ لأنه بعد أن نقل تضعيفه عن أبي حاتم وعن الدارقطني قال: وثقه الكرابيسي نقلاً عن ابن عساكر ثم قال: وأخرج حديثه الحاكم وغيره، فكأنه يريد أن يقول: مختلف فيه، والتضعيف ليس بمسلم، ولم يخرج حديثه أحد من أهل الكتب الستة.

    قال الحافظ في الفتح: لو صح هذا الحديث لكان فيه غنية عن جميع ما تقدم، يعني: من العلل التي ذكرت في سبب بول النبي صلى الله عليه وسلم قائماً.

    السبب الرابع: ليشرع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحكم لأمته

    السبب الرابع في سبب بول نبينا عليه الصلاة والسلام قائماً: قيل: إنه بال قائماً عليه الصلاة والسلام لا لعلة من العلل المتقدمة، لكنه بال قائماً ليشرع لأمته هذا الحكم، فغالب أحواله أن يبول قاعداً عليه الصلاة والسلام، فأراد أن يبين أن البول قائماً أيضاً مشروع وجائز ومباح ولا حرج فيه، لكن تركه أولى، والنبي عليه الصلاة والسلام يفعل أحياناً ما تركه أولى من أجل تشريعه للأمة لكنه لم يواظب عليه، نقل عنه هذا مرة أو مرتين عليه صلوات الله وسلامه، وما جعل هذا ديدنه، ولا كان يواظب عليه، ولذلك خلقه الثابت عليه الصلاة والسلام ما أشارت إليه أمنا عائشة من أنه يبول قاعداً: (ومن حدثكم أنه كان يبول قائماً فلا تصدقوه)؛ لأن هذه هي القاعدة المطردة، ثم تركها النبي عليه الصلاة والسلام أحياناً خارج بيته مع أصحابه من أجل أن يشرع لهم جواز هذا الحكم؛ لأنه لو لم يفعله وفعله من هو بعده لقيل له: إنك ارتكبت محظوراً، وما كان النبي عليه الصلاة والسلام يبول إلا قاعداً، فشرع البول قائماً ليبين الجواز، ولا سيما والسباطة رخوة يتخللها البول فلا يرتد إلى البائل منها شيء، ولا يوجد أي محظور من البول قائماً، وعندما ينزل البول على السباطة يغور فيها ولا يرتد على البائل، ولا ينجسه ولا يلوثه، فلا حرج، وأراد أن يشرع لأمته هذا الحكم عليه صلوات الله وسلامه فبال قائماً.

    1.   

    كيفية الجمع بين حديث عائشة وحديث حذيفة رضي الله عنهم في مسألة البول قائماً

    هذه التعليلات والأقوال مع أدلتها موجودة في فتح الباري وفي عمدة القاري، وفي المجموع، وفي شرح صحيح مسلم ، وفي كتاب المغني لـابن قدامة في الأماكن التي تقدمت الإشارة إليها في الأجزاء والصفحات.

    فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك فماذا تفعلون بإنكار أمنا عائشة رضي الله عنها؟ عندما قالت: (ما كان يبول إلا قاعداً، من حدثكم أنه كان يبول قائماً فلا تصدقوه)، وفي بعض روايات الحديث كما سيأتينا (ما بال قائماً منذ أنزل عليه القرآن) عليه الصلاة والسلام. وفي رواية (منذ أنزل عليه الفرقان)، وفي رواية (منذ أنزل عليه سورة الفرقان)، عليه صلوات الله وسلامه، مع ثبوت البول قائماً؟

    والجواب عن ذلك: أن أمنا عائشة رضي الله عنها أخبرت عما علمت، وما كان نبينا عليه الصلاة والسلام يبول في منزله إلا قاعداً؛ لأنها حالة اختيار يتمكن منها ويفعلها على أكمل الأحوال، وأما الذي حصل منه عليه الصلاة والسلام في السباطة هذا خارج البيت وما اطلعت عليه، واطلع عليه الرجال الذين نقلوه وهم صادقون فيما نقلوه وهي صادقة فيما نقلت وأخبرت، فهي قالت على حسب علمها من حاله صلى الله عليه وسلم في البيت ولا اطلاع لها على ما في الخارج، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ولذلك قال الثوري كما في سنن ابن ماجه عند حديث أمنا عائشة رضي الله عنها المتقدم، قال الثوري : الرجل أعلم بهذا منها، وقال أحمد بن عبد الرحمن المخزومي : وهو من شيوخ ابن ماجه من الطبقة الحادية عشرة، لم يخرج له إلا ابن ماجه ، قال: كان من شأن العرب البول قائماً.

    كما في حديث عبد الله بن حسنة إن النبي عليه الصلاة والسلام قعد يبول كما تبول المرأة عندما ابتعد عنهم وجلس عليه الصلاة والسلام يبول، فقال بعض الصحابة الكرام: قعد يبول كما تبول المرأة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يخالفهم في ذلك فيقعد لكونه أستر وأبعد عن مماسة البول، وهذا الحديث الذي أشار إليه أحمد بن عبد الرحمن المخزومي هو من ضمن الأحاديث التي معنا في الباب.

    رواه الإمام أحمد ، وأخرجه أهل السنن الأربعة إلا الترمذي ، والترمذي أشار إليه إشارة قال: وفي الباب عن عبد الرحمن بن حسنة وهذا حديثه، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في السنن، وإسناد الحديث حسن عن عبد الرحمن بن حسنة رضي الله عنه قال: (انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخرج ومعه درقة -والدرقة هي الترس من الجلد إذا لم يكن معه حديد- ثم استتر بها فجلس خلفها فبال إليها عليه الصلاة والسلام، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة)، ولا يقصدون بذلك التحقير وحاشاهم من ذلك، إنما يريدون أنه فعل عادةً لا يفعلونها هم، وأن هذه ما كانت عادتهم، فهل نقتدي به في ذلك عليه الصلاة والسلام؟ وهل هذا تشريع إذا أردنا أن نبول نجلس، أم ماذا؟ (قال: فسمع ذلك فلما عاد قال عليه الصلاة والسلام: ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم)، إذا أصاب البول ثيابهم قطعوه، وهذا من الإصر الذي وضع عليهم ونحن خفف عنا فأمرنا بغسله، ووضعت عنا الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157]، فكانت هذه الآصار والأغلال جزاءً وفاقاً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] ، ولذلك حرم عليهم كما تقدم معنا كثير من الطيبات جزاءً وفاقاً، ونحن لم يحرم علينا طيب إنما حرم علينا الخبيث الضار، ففرق بين الأمرين، فقال: (ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل، كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم فنهاهم فعذب في قبره)، يعني: يقول: لا تكونوا كصاحب بني إسرائيل؛ لأنه نهاهم، فصلوا بنجاسات يحملونها، فعذب في قبره.

    إذاً: كانت من عادتهم أن يبولوا قياماً فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فشرع هذا الأمر في قضاء حاجته أن يبول وهو قاعد عليه صلوات الله وسلامه.

    إلى هنا وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.