إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [5]

شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [5]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مسألة حكم استقبال القبلة واستدبارها عند البول أو الغائط من المسائل التي كثرت فيها الآراء وتعددت فيها الأقوال لظهور شيء من التعارض، واحتمال النسخ في أدلتها، ومن هذا الأقوال ما اشتهر من مذهب الإمامين أحمد وأبي حنيفة بالقول بالحرمة مطلقاً، وعلى العكس من ذلك قال عروة وربيعة وداود الظاهري بالجواز مطلقاً مرجحين أدلة الجواز في حين رجح الأوائل أدلة المنع، وهناك من جوزوا مطلقاً في البنيان ومنعوا في الصحراء، وهذا هو أرجح الأقوال في حين أن الأول أحوطها.

    1.   

    أقوال العلماء في النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين!

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك! سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك!

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس الباب السادس والسابع من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي, عليه وعلى أئمتنا والمسلمين أجمعين رحمة رب العالمين.

    وهذان البابان يتعلقان بما جاء من النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وبما ورد من الرخصة في ذلك.

    وقد أورد الإمام الترمذي في هذين البابين أربعة أحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام, أولها حديث أبي أيوب رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله ).

    قال الإمام أبو عيسى : حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح.

    والأحاديث الأخرى إخوتي الكرام! ذكرتها ويأتي الكلام عليها مع هذا الحديث ضمن فقه الحديث, وهو المبحث الثاني الذي كنا نتدارسه، وأخذنا قسماً منه في موعظة البارحة بعد أن انتهينا من المبحث الأول من دراسة رجال إسناد هذه الأحاديث الشريفة الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    أما المبحث الذي كنا نتدارسه في فقه الحديث إخوتي الكرام! فقلت: إن هذه الأحاديث دلت على أمرين: على النهي والتحريم من استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول، وعلى الترخيص في ذلك. فما هو التوفيق بين هذه الأحاديث وبين هذين الحكمين المتقابلين؟

    قلت: لأئمتنا البررة في ذلك أربعة أقوال معتبرة، وألحق بها كما قلت ثلاثة أقوال, ومجموع الأقوال في ذلك سبعة كما ذكرت البارحة, وأفصل الكلام عليها في هذه الموعظة إن شاء الله.

    ولعلنا بعون ربنا ننتهي من الكلام على فقه الحديث في هذه الليلة لنتدارس المبحث الثالث والرابع فيما يتعلق بتخريج الأحاديث, وبيان الروايات التي أشار إليها الإمام الترمذي في قوله وفي الباب.

    القول بحرمة الاستقبال والاستدبار مطلقاً ومناقشته

    إخوتي الكرام! بدأت بالقول الأول, وقلت: هو أحد القولين القويين في هذه المسألة, والرابع أقوى كما سيأتينا. وتقدم معنا أن هذا القول هو المشهور في مذهب الإمامين المباركين أبي حنيفة وأحمد بن حنبل عليهم جميعاً رحمة الله، وقال بذلك بعض السلف كـأبي ثور , ورجحه كما تقدم معنا الإمام أبو بكر بن العربي وابن حزم ، وخلاصة هذا القول: أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها لحاجة البول أو الغائط مطلقاً في البناء أو في الصحراء.

    وقلت: أيدوا هذا بثلاثة أمور معتبرة:

    أولها: النصوص الصحيحة الصريحة التي تنهى عن ذلك, وقد تقدم ذكرها.

    وثانيها: قالوا: العلة من المنع والتحريم حرمة القبلة ومكانتها وشرفها، وإذا كان كذلك فينبغي أن يستوي المنع سواء كنت في البنيان أو في الصحراء.

    الأمر الثالث: قالوا: لا يجوز أن نجعل البنيان مرخصاً لنا لاستقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء حاجتنا؛ لأن هذا لو اعتبر فإنه ينبغي أن يعتبر في الصحراء أيضاً، وعليه لا يوجد هناك حالة ننهى عن استدبار القبلة أو استقبالها لحاجة البول أو الغائط.

    ووجه هذا التعليل تقدم معنا مفصلاً, وأشير إليه باختصار: قالوا: الذي يقضي حاجته في الصحراء بينه وبين الكعبة أشجار وجبال وعمارات وأودية كثيرات. إذاً: بينه وبين الكعبة حواجز، فإذا رخص له أن يقضي حاجته في البنيان فليرخص له أيضاً أن يقضي حاجته في الصحراء سواء استقبل القبلة أو استدبرها، وإذا منع من قضاء حاجته مستقبل القبلة أو مستدبرها في الصحراء فينبغي أن يمنع في البنيان، ولا ينبغي أن نفرق بين هذين الأمرين.

    ثم بعد ذلك التفتوا إلى الأحاديث التي فيها الإباحة والترخيص في ذلك، فقالوا: لنا نحوها موقفان, يتفرعان إلى ثلاثة مواقف مفصلة:

    أولها: قالوا: ما هو ضعيف فلا نشتغل به, ولا يقوى على معارضة النهي الصريح الصحيح، وحديث أبو أيوب كما قلت في الصحيحين, بل في الكتب الستة كما سيأتينا, عدا عن إخراج الإمام أحمد وغيره له أيضاً, فهو من أصح الأحاديث, واتفق الشيخان على إخراجه.

    فإذاً: ما فيه ضعف لا يقوى على المعارضة، وما ليس فيه ضعف أيضاً له حالتان: إما أنه قبل النهي والتحريم, فهو منسوخ, فلا إشكال أيضاً فيه، وإذا ثبت أنه بعد النهي كما في حديث جابر يقول: بعد النهي رضي الله عنه وأرضاه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يبول مستقبل القبلة. فإذا كان الأمر كذلك قلنا: هذه حالة خاصة، حكاية فعل حكاه جابر رضي الله عنه وأرضاه عن نبينا عليه الصلاة والسلام. وحكاية الأفعال تقبل الاحتمال، ويتطرق إليها العذر والترخيص الخاص لسبب معين والاحتمالات، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.

    وعليه؛ لا يجوز أن نعارض بأحاديث الترخيص أحاديث النهي الصريح؛ لأن هذا القول شرع مبتدأ وجه إلى الأمة لتلتزم به. ولذلك اتفق أئمتنا بلا نزاع أنه إذا تعارض القول مع الفعل يقدم القول, فهو أقوى؛ لأنه موجه إلى الأمة لتعمل به، فلا يجوز أن نتركه وأن نقيد إطلاقه بما يحتمل أما الفعل فكما قلت: يتطرق إليه احتمال التخصيص، واحتمال وجود عذر من أجله استقبل أو استدبر.

    حقيقة أدلتهم في منتهى القوة والوجاهة. وكما قلت: قال بذلك الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد في المشهور من مذهبهما. نعم للإمام أحمد في ذلك ثلاثة أقوال، وللإمام أبي حنيفة قولان, لكن سيأتي تفصيل بقية الأقوال.

    القول بجواز الاستقبال والاستدبار مطلقاً ومناقشته

    أما القول الثاني وقلت: سأبدأ بعد ذلك بالأقوال التي اعتبارها قليل مع أنها معتبرة، وأختم بالقول الرابع الذي هو أقوى الأقوال فيما يظهر لي والعلم عند الله، ثم نستعرض الأقوال الثلاثة التي تزيد على الأربعة, فالقائل بها قليل, وهي خارجة عن المذاهب الأربعة المتبعة؛ لذلك أخرت الكلام عليها، أما هذه الأقوال فهي مقولة, ولها شيء من الاعتبار أكثر من تلك, ومنقولة عن بعض السلف الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    القول الثاني لم يقل به أيضاً أحد من المذاهب الأربعة، إنما قال به بعض السلف, قال به عروة بن الزبير , وهو من التابعين، وقال به ربيعة شيخ الإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله، وقال به داود بن علي الظاهري ، فقالوا عكس القول المتقدم، أي: بالجواز مطلقاً في البنيان أو في الصحراء، فيجوز عندهم أن تستقبل وأن تستدبر القبلة لحاجة البول أو الغائط سواء كنت في البناء أو في العراء والصحراء. لم؟ قالوا: لأمرين معتبرين:

    الأمر الأول: قالوا: أحاديث الرخصة دلت على النسخ؛ لأن الأصل الجواز والبراءة الأصلية، وأنه لا يحرم أن يستقبل الإنسان القبلة أو يستدبرها، فطرأ النهي، ثم جاءت أحاديث الترخيص, فأحاديث الترخيص بعد النهي قطعاً وجزماً؛ لأن الترخيص هو الأصل، الأصل البراءة الأصلية, ولا يحرم عليك أن تتوجه إلى أي جهة عند قضاء حاجتك. هذا الأصل. ثم جاء النهي بالمنع من قضاء الحاجة في حال استقبال القبلة أو استدبارها، ثم جاء الترخيص, فالترخيص بعد النهي قطعاً وجزماً، وإذا كان بعد النهي فهو ناسخ، وعليه يجوز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان وفي الصحراء.

    هذا قول -كما قلت- عروة وربيعة وداود عليهم جميعاً رحمة الله، هذا القول الأول قطعاً مردود، ويكفي في رده أنه لم يقل به أحد من أئمتنا الأربعة, لكن من ناحية المناقشة العلمية أيضاً نناقشه ونرده إن شاء الله.

    نقول: القول بالنسخ لا ينبغي أن يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، وإذا أمكن الجمع فلا يجوز أن نصير إلى النسخ باتفاق الأئمة؛ لأن إعمال الدليلين خيرٌ من إهمال أحدهما، وأنت بالنسخ ستلغي أحد النصين وتعمل بالنص الآخر، بينما عندما تجمع تعمل بالنصوص كلها، ولذلك يقول أئمتنا كما قال هذا شيخ الإسلام زين الدين عبد الرحيم الأثري في ألفيته:

    والمتن إن نافاه متن آخر وأمكن الجمع فلا تنافر

    والمتن إن نافاه متن آخر أي: عارضه، وأمكن الجمع فلا تنافر اجمع, وهذا يقبل على حالة وهذا على حالة, وأن تعمل بالنصين خير من أن تهمل أحدهما، فإعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما بالاتفاق؛ لأنك تصون كلام الشارع عن الإلغاء عندما تعمل بجميع ما ثبت عن خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه.

    أو لا، لا يمكن الجمع ماذا نعمل؟

    فإن نسخ بدأ فاعمل به أو لا فرجح واعملن بالأشبه

    هذه ثلاثة أحوال، لا ينبغي أن ننتقل للثانية إذا أمكن الأولى، ولا للثالثة إذا أمكن الثانية، وإذا لم يمكن الأولى ولا الثانية ولا الثالثة نتوقف ونعود إلى حكم الشرع في هذه المسألة دون هذه النصوص المعينة في هذه القضية، كأنها الآن ملغية. وهيهات أن يوجد نصان لا يمكن الجمع بينهما أو النسخ أو الترجيح. والمرجحات التي ذكرها أئمتنا زادت على ثلاثين ومائة مرجح، ولا يمكن ألا تجد مرجحاً من هذه المرجحات لترجيح نص من النصين أو النصوص.

    وعليه؛ هنا الجمع ممكن، فلا نلجأ إلى النسخ، ومن باب أولى ألّا نلجأ إلى الترجيح، ومن باب أولى ألّا نتوقف. واضح هذا يا إخوتي الكرام؟!

    وقلت سابقاً: إننا نقدم النسخ على الترجيح، لم؟ لأن المعتبر الذي قرره أئمتنا ذكرته سابقاً, وسألتكم عنه وما أجبتم، وما أعلم الآن أيضاً هل ستتصفون بالحالة السابقة؟! لم نقدم النسخ على الترجيح؟ الجمع مقدم هذا لا خلاف فيه, واضح، يعني: وجه تقديمه أننا عملنا بجميع النصوص، لكن عند النسخ سنهمل أحد النصين، ولا نعمل به. فلم نقدم النسخ على الترجيح؟ فيكم من يستحضر هذا إخوتي الكرام؟! لأن النسخ لا يكون إلا بدليل ونص، فنحن ننسخ كلام الشارع بكلام الشارع، فلا نخطئ في النسخ؛ لأن النسخ منه ما يكون نسخ حديث بحديث، بناء على ثبوت التاريخ، هذا متقدم وهذا متأخر، أو على قول صحابي, يقول: هذا متقدم وهذا متأخر، وإما بناء على الإجماع، أو بقول النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة, كقوله: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها). تنبيه: الإجماع كما تقدم معنا مراراً لا ينسخ ولا ينسخ, إنما يدل على وجود نص نسخ به الأمر. وإذا انعقد الإجماع فلا ينسخ؛ لأنه حكم شرعي قطعي إلى قيام الساعة. ولذلك الإجماع يكشف عن وجود نص يكون ناسخاً لنص من النصوص التي معنا كقتل شارب الخمر في الرابعة، والحديث في سنن الترمذي وغيره بسند صحيح كالشمس: ( من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه ). أجمع أئمتنا على أن شارب الخمر لا يقتل في الرابعة. هل الإجماع نسخ هذا الحديث؟ لا، إنما دل الإجماع على وجود نص نسخ هذا، ما هو؟ ثبت في ترجمة عبد الله بن النعيمان وغيره أنه جلد في الخمر أكثر من خمسين مرة، فلو كان القتل حداً لازماً لما جلد ولقتل بعد الثالثة. فإذاً: هذا الإجماع دل على أن فعل النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي نسخ هذا القول؛ لأن هذا الإجماع كما قلت قطعي. وعليه، فحكم شارب الخمر الجلد ليس إلا، سواء شرب أربع مرات أو أربعين مرة، ولا تضرب الرقبة، وليس قتل شارب الخمر حداً لازماً ثابتاً كما هو الحال في القصاص من قتل يقتل، وكما هو الحال في الرجم من زنى وهو محصن يرجم.

    يقول الإمام العراقي -عليه رحمة الله- عند مبحث النسخ.

    إذاً: نقدم -كما قلت- النسخ على الترجيح؛ لأن النسخ ترك بعض النصين بدليل، لا ندخل فيه عقولنا، إما بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، وإما بمعرفة التاريخ، وإما بقول صحابي، وإما بإجماع. أما الترجيح فهذا فيه مدخل للعقل، وأنت قد تزل وتخطئ، وترجح المرجوح وتترك الراجح، هذا جهد البشر. لكن ماذا تعمل؟ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    وعليه فقول ربيعة وعروة وداود : أحاديث الترخيص بعد أحاديث النهي فهي إذاً ناسخة لأحاديث النهي, نقول: هذا لا ينبغي أن يصار إليه؛ لأن عندنا خطوة قبل ذلك, وهي: الجمع, فإذا أمكن الجمع لم نلجأ إلى النسخ؟ والجمع ممكن بكل سهولة, كما سيأتينا في القول الرابع الذي هو قول الإمام الشافعي والإمام مالك , وهو أحد الأقوال الثلاثة للإمام أحمد في هذه المسألة, كما سيأتينا إن شاء الله.

    الدليل الثاني عندهم: قالوا: إن النصوص إذا تعارضت نرجع إلى أصل الإطلاق، نص يمنع ويحرم، ونص يرخص ويجيز ويبيح, إذا تعارضا فإننا نغض الطرف عنها ونرجع إلى أصل الإطلاق. أصل الإطلاق الإباحة، ولو لم يرد نص ينهانا لما كان هناك إثم في استقبال القبلة أو استدبارها لغائط أو بول.

    وهذا خطأ من باب أولى؛ لأنه صار إلى الحالة الرابعة، أوليس كذلك؟ قلنا: جمع ونسخ وترجيح ثم توقف وإلغاء النصوص والنظر إلى الحالة التي قبل ورود هذه النصوص ما حكمها في الشرع؟

    فإذا الحالة الثانية ما سلمناها لكم فكيف تذهبون إلى الحالة الرابعة؟! هذا في الحقيقة في منتهى البعد؛ لأنه لا كلفة في الجمع بين هذه النصوص.

    إخوتي الكرام! سنتوسع في هذه الأمور, وقد يقول قائل: ألا يمكن للإنسان أن يسرد الحكم ويمشي؟ يذكر قول الجمهور أو قول المذاهب الأربعة وينتهي، لكن أريد فقط أن نعرف مأخذ أئمتنا في استنباط الأحكام الشرعية من أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وأنه ما أخذ حكم شرعي من العقل البشري، ومن أخذ حكماً شرعياً من عقله فهو كافر مرتد, لا حظ له في الإسلام، فالله لا يشرك في حكمه أحداً، والحكم كله لله. وأئمتنا أعلى وأتقى لله من أن يقولوا في دين الله بآرائهم وعقولهم، لكن النصوص عندنا تتعارض في الظاهر؛ فلا بد من بحث ومعرفة هل نعمل أحاديث النهي كما هو القول الأول أم نعمل أحاديث الترخيص كما هو القول الثاني أم نفارق بين الأمرين كما هو القول الثالث أم نجمع بكيفية معينة كما هو القول الرابع؟ فكلها أقوال استندت على أدلة شرعية، ولذلك لا داعي لإثارة اللغط حول فقه أئمتنا، وأن يأتي سفيه في العصور المتأخرة ويقول: هذه آراء رجال، وهذه أهواء، وهذا ضلال، وينبغي أن نعود إلى الكتاب والسنة.

    يا عبد الله! هل نحن الآن نتكلم بهوى أو بكتاب وسنة؟! هذه أربعة أحاديث عندنا في جامع الإمام أبي عيسى الترمذي ، وكلها صحيحة كما سيأتينا، حديث ابن عمر في الكتب الستة الذي فيه الترخيص لاستدبار نبينا عليه الصلاة والسلام القبلة لقضاء حاجة الغائط، وهو في الكتب الستة كما سيأتينا، وحديث أبي أيوب في الكتب الستة وفيه نهي عن ذلك، وحديث جابر فيه ترخيص في استقبال القبلة لحاجة البول, وهو في الكتب الثلاثة كما سيأتينا, في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والمسند وصحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم ، وسنده صحيح كالشمس. فماذا ستفعل يا أخي؟! أحاديث صحيحة وصريحة على هذا الأمر وعلى هذا الأمر. فكل واحد يبذل ما في وسعه للوصول إلى مراد الله، إن أصاب فبها ونعمت, وله أجران، وإن أخطأ فبها ونعمت, وله أجر, ورحمة الله واسعة، وتبقى صدورنا متسعة لبعضنا، ولا داعي بعد ذلك أن أقول: أنت الآن تتبع الهوى، وأنت من أصحاب الرأي؛ لأنك تتبع الإمام أبي حنيفة , عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    لا بد -إخوتي الكرام- من أن نتقي الله في علماء الإسلام، فإذا كنا نعظم كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فلنعظم أيضاً ولنحترم من نقل إلينا هذين الأصلين ومن فهمهما خير فهم, وهم سلفنا الكرام رضوان عليهم أجمعين.

    لكن كما قلت: هذا لا يمنع أن ينظر الإنسان في هذه الأقوال كما تقدم معنا مراراً. وأئمتنا قلت ولا أزال: شراح حديث، ومفسرو قرآن، فتنظر في أقوالهم، وترى بعد ذلك ما الذي يلوح لك؟ وفيما يبدو لي -والعلم عند ربي- أن القول الرابع هو أظهر الأقوال جميعاً، والأول أولاها بالعمل, فهو أحوط، فهذا يرجح من جهة, وهذا من جهة، ولكن كلها معتبرة، لا سيما كما قلت إذا كانت ضمن المذاهب الأربعة البررة.

    القول بجواز الاستدبار مطلقاً وحرمة الاستقبال مطلقاً .. نسبته وأدلته والجواب عنها

    القول الثالث: ذهب إليه الإمامان أيضاً المباركان أبو حنيفة والإمام أحمد في الرواية الثانية عنهما، وأما الرواية المشهورة في المذهب فقد تقدمت معنا, وهي في التحريم مطلقاً، والآن رواية ثالثة عن الإمام أحمد وهي الرواية الثانية عن أبي حنيفة؛ ولأنه ليس له رواية ثالثة، وأما الإمام أحمد فله ثلاث روايات وثلاثة أقوال في هذه المسألة.

    خلاصة هذا القول: التفريق في كيفية حالة الإنسان عند قضاء الحاجة مع التساوي في جميع الأماكن، سواء كان في الصحراء أو في البنيان، لكن التفريق في أي شيء؟ في كيفية قضاء الحاجة، قالوا: لا يجوز الاستقبال مطلقاً في الصحراء أو في البنيان، ويجوز أن تستدبر القبلة في الصحراء أو في البنيان، تستدبر بحيث تكون مؤخرتك وظهرك إليها عند قضاء الحاجة، لا أن تستقبلها بفرجك لحاجة البول.

    إذاً: يحرم الاستقبال كما قلت في البناء وفي الصحراء، ويجوز الاستدبار فيهما.

    إذاً: لا فرق بين الأماكن، لكن التفريق في كيفية قضاء الحاجة، فإن استدبرت جاز مطلقاً، وإن استقبلت نهيت مطلقاً.

    ودليلهما في ذلك الأثر الثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله.

    أما الحديث القولي: حديث سلمان , وتقدم معنا, وقلت: هو في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربعة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ). قالوا: الاستقبال تمنع منه، وأما الاستدبار فلا تمنع منه.

    وهذا الدليل الأول الذي هو حديث قولي في الحقيقة فيه نظر؛ لأن مجموع الأحاديث كما صرحت بالمنع من الاستقبال صرحت بالمنع من الاستدبار.

    الأمر الثاني: نص الحديث: ( نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول )، كيف سنستقبلها في حالة الغائط؟ هذا استدبار, أوليس كذلك؟ لأن الاستقبال يكون من الجهة الأمامية، لكن لعلة تجَّوز في العبارة وأطلق عليها استقبال، وعليه ليس في ذلك أي إشكال؛ لأنه ما يمكن أن تستقبل القبلة بحاجة الغائط, فالاستقبال يكون عندما توجه وجهك إليها، وهذا في حاجة البول.

    وعليه نقول: هذا فيه نظر من وجهين:

    الأول: أن مجموع الأحاديث منعت من الاستقبال والاستدبار.

    ثانياً: أن نص الحديث وإن كان فيه الاستقبال لكن في الحقيقة ذكر معه ( نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ). وحاجة الغائط ما يمكن أن يفعلها الإنسان مستقبل القبلة، بل لا بد من أن يكون مستدبراً.

    هذا الذي ذكروه في الاستدلال.

    لكن حقيقة لما نظرت للتوجيه الثاني وجدت أن أئمتنا -كالحافظ ابن حجر والإمام النووي - ذكروا الأول، وقالوا: مجموع النصوص دلت على المنع من الأمرين، فكيف لنا أن نفرق بين الاستقبال والاستدبار؟ لكن الأمر الثاني لا بد من ذكره أيضاً, وهو ورود حاجة الغائط في الحديث، وهي لا يمكن أن تقضى إلا في حالة استدبار القبلة. هذا الذي يبدو لي إلا إذا كنت واهماً في التصور، يعني: أحد يتصور قضاء حاجة الغائط مستقبلاً القبلة؟ حقيقة ما أعلم, فقد جلست أفكر في هذا وقتاً طويلاً, يعني: بما استدلوا به من حديث يمنع من الاستقبال ولا يمنع من الاستدبار، وهو: لفظ: ( نهانا أن نستقبل )؛ لأنه ليس في حديث سلمان أن نستدبر، لكن ذكرت حاجة البول وحاجة الغائط، والمعلوم أن حاجة البول استقبالاً، وحاجة الغائط استدباراً، إلا إذا كان هناك إنسان يستطيع أن يبين لي أنه يمكن أن تستقبل القبلة لحاجة الغائط، أما أنا فما دخلت في عقلي. والعلم عند ربي جل وعلا.

    الدليل الثاني: فيه تصريح للاستدبار من فعل النبي عليه الصلاة والسلام حسبما ورد في حديث عبد الله بن عمر , وقلت: إنه صحيح في الكتب الستة، وتقدم معنا آخر الأحاديث من سنن الإمام الترمذي : ( رقيت يوماً على بيت حفصة أم المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين، فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة ). فقالوا: هذا دليل يرخص الاستدبار، وأما الاستقبال للقبلة عند قضاء حاجة البول فيمنع منه مطلقاً في الصحراء وفي البنيان، والاستدبار جائز مطلقاً؛ لأنه ما ورد تخصيص هذا في خصوص البنيان، وعليه فالاستدبار جائز عند قضاء الحاجة، والاستقبال ممنوع.

    هذا القول الثاني الدليل الثاني الذي ذكروه قلت: دليل من قوله عليه الصلاة والسلام وفعله.

    والدليل الفعلي ينبغي أن نقول هذا أيضاً حوله نظران:

    النظر الأول: نقول: ضموا إليه ما ورد في حديث جابر . فلم خصصتم الاستدبار بالجواز وقد ورد في حديث جابر الاستقبال؟! فعليه إما أن تقولوا بالقول الأول, أعني: الذي قبل هذا, وهو القول الثاني, قول عروة وربيعة وداود ؛ لأن أولئك أعملوا حديث جابر الذي فيه استقبال النبي عليه الصلاة والسلام للكعبة المشرفة عند قضاء حاجة البول، وحديث ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين الذي فيه استدبار الكعبة.

    هذا أيضاً في الحقيقة فيه شيء من عدم الانسجام نحو الأدلة على التمام.

    النظر الثاني: تقدم معنا في القول الأول أن قلنا: هذا حكاية فعل، وحكاية لا تصلح أن تكون دليلاً في المسألة مع القول؛ لأن القول مقدم، وعليه لا يجوز أن نعارض حكاية فعل النبي عليه الصلاة والسلام بقوله؛ لتطرق الاحتمال إلى الفعل. وقلت: إذا تطرق الاحتمال سقط الاستدلال.

    هذا فيما يتعلق بالقول الثالث للإمامين الكريمين المباركين أبي حنيفة والإمام أحمد , يحرم الاستقبال مطلقاً في البنيان وفي الصحراء، ويجوز الاستدبار مطلقاً، وعليه فقد فرقوا في كيفية قضاء الإنسان للحاجة وتوجهه, وعمموا هذا الحكم في سائر الأمكنة، فقالوا: إن استقبلت يمنع في أي مكان، وإن استدبرت يرخص لك في أي مكان.

    القول باستقبال القبلة واستدبارها في البنيان ومنعه في الصحراء ... نسبته وبيان أدلته

    القول الرابع: وهو الذي ذهب إليه الإمامان الكريمان المباركان الإمام الشافعي وشيخه الإمام مالك , وكان من حق الإمام مالك علينا أن نقدمه في الذكر؛ فهو أقدم زمناً, وشيخ لهذا الإمام المبارك عليهم جميعاً رحمة الله. الإمام مالك والشافعي قالا بهذا، وهو رواية ثالثة عن الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله، وذهب إلى هذا إسحاق بن راهويه ، وذهب إليه الإمام الشعبي ، وذهب إليه من الصحابة العباس بن عبد المطلب عم النبي على نبينا صلوات الله وسلامه، ونقل هذا عن عبد الله بن عمر كما سيأتينا التصريح من قوله وفعله إن شاء الله, عدا ما حكاه عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وهذا القول عكس القول الأول الذي قبله, وهو الثالث, هناك فرَّق بين كيفية حالة الإنسان عند قضاء الحاجة مع تعميم الحكم في الأمكنة، وهنا فرَّق بين الأمكنة مع تعميم الحكم لحالات الإنسان كيفما كان مستقبلاً أو مستدبراً، فقالوا: إن كنت في الصحراء تمنع من استقبال القبلة واستدبارها لبول أو غائط، وإن كنت في البنيان يرخص لك الاستقبال والاستدبار مطلقاً.

    وحجة هذا القول خمسة أمور، وبعد سرد الحجج سيجيبون بعد ذلك عن بقية الأقوال, فاصبروا وما صبركم إلا بالله.

    الدليل الأول لهذا القول المعتبر الذي هو قول الجمهور: قالوا: ورود الرخصة في ذلك، والرخصة وردت في مكان معين، فلنقف عندها، وردت عند قضاء النبي عليه الصلاة والسلام حاجته في البنيان مستقبلاً ومستدبراً، مستقبلاً كما في حديث جابر كما سيأتينا، ومستدبراً كما في حديث ابن عمر ، لكن هذا في البنيان فلنقف عنده، ولنعمل أحاديث النهي على ما عدا هذه الحالة, أي: حالة البنيان، فإذا لم تكن في البنيان لا تستقبل القبلة لغائط ولا بول، وإذا كنت في البنيان فقد فعل هذا نبينا عليه الصلاة والسلام مما دل على الترخيص في البنيان، وأن هذه تستثنى من عموم النهي.

    قالوا: وهناك أحاديث صريحة وردت بالترخيص في قضاء الحاجة في البنيان استقبالاً واستدباراً. هذه الأحاديث وردت من طريق أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وكنت ذكرت لكم البارحة الحديث، وقلت: هو في المسند وسنن ابن ماجه ، ورواه أيضاً الإمام البيهقي في السنن الكبرى. والحديث تقدم معنا عند القول الأول عندما قالوا: وحديث أمنا عائشة ردوه, وقالوا: فيه ضعف، وسيأتينا عند تخريج الحديث إن شاء الله درجته. لكن خلاصة حديث أمنا عائشة : أنه قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: ( إن أناساً يتنزهون عن استقبال القبلة بفروجهم، فقال: أوقد فعلوها؟ فقالوا: نعم يا رسول الله! قال: حولوا بمقعدتي )، يعني: في المقعد الذي يقعد عليه عليه الصلاة والسلام عند قضاء الحاجة, ( حولوا بمقعدتي نحو القبلة )؛ من أجل أن يدلل على الجواز، وأن هذا مرخص فيه في البنيان. الحديث سيأتينا الكلام عليه, الذهبي في الميزان يقول: إنه منكر، والإمام النووي يحسنه, ويقول: إنه حديث حسن الإسناد، رواه هؤلاء الأئمة الكرام، وصحح إسناده كما قلت لكم، يأتينا هذا -بإذن الله- عند تخريج هذا الحديث الذي أشار إليه الإمام الترمذي بقوله: وفي الباب عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وليس فيه إلا خالد بن أبي الصلت ، وقد أخرج حديثه الإمام ابن ماجه فقط من أهل الكتب الستة، والإمام الذهبي اعترف في الميزان بأنه لم يتعرض أحد إلى تليينه. وإذا لم يتعرض أحد إلى تليينه علام حكمت على الحديث بالنكارة؟ والإمام ابن حجر في التقريب عندكم في ترجمته -كما سيأتينا- يقول: مقبول. ويأتينا الكلام على إسناده إن شاء الله فيما يأتي إخوتي الكرام! بعون الله. كما قلت الحديث في سنن البيهقي وابن ماجه أيضاً في الجزء الأول صفحة ثلاث وتسعين من سنن البيهقي عن خالد بن أبي الصلت قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته وعنده عراك بن مالك ، فقال عمر : ما استقبلت القبلة ولا استدبرتها ببول ولا غائط منذ كذا وكذا. فقال عراك : حدثتني عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه قول الناس في ذلك أمر بمقعدته فاستقبل بها القبلة ). ورواية ابن ماجه : ( حولوا مقعدتي نحو القبلة ).

    إذاً: حديث أمنا عائشة قالوا: يدل على الترخيص في البنيان.

    والحديث الثاني: حديث جابر ، وقلت: إنه حديث صحيح كالشمس سطوعاً, وهو في السنن الثلاثة والمسند وفي صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان والمستدرك, وسنده صحيح, وهو في غير ذلك من كتب الحديث كما سيأتينا.

    وحديث جابر تقدم معنا، وهكذا حديث ابن عمر ، وتقدم معنا في حديث جابر الاستقبال، وفي حديث ابن عمر الاستدبار، وحديث ابن عمر قلت: إنه في الكتب الستة، فأخرجه الشيخان وغيرهما.

    إذاً: إخوتي الكرام! دليل هذا القول: أحاديث صحيحة صريحة في ذلك، وقد روى الإمام أبو داود في سننه، والحديث رواه الدارقطني في سننه أيضاً، ورواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط البخاري , وأقره عليه الذهبي ، ورواه أيضاً الإمام البيهقي في السنن الكبرى عن مروان بن الأصفر ، هذا من فعل عبد الله بن عمر الآن لا حكاية فعل عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مذهبه, وكما قلت قال بذلك العباس رضي الله عنه وابن عمر من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    يقول: عن مروان بن الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن ! أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. فلا يقولن قائل: هذا الآن في صحراء, لا, هذا الآن وضع حاجزاً, وسيأتينا في المراد بالبناء، أن يكون بينك وبين القبلة حاجز يسترك, لا تتأخر عنه، ويكون مرتفعاً، ومن ناحية الارتفاع ضبطه أئمتنا بألا يزيد على ثلاثة أذرع؛ ليقال: أنت تستقبل الجدار الذي أمامك, لا تستقبل القبلة التي وراء الجدار، وأما إذا طالت المسافة فأنت تستقبل ما هو قبل الجدار جهة القبلة، ويدخل في ذلك الحاجز إذا كان أمامك في صحراء أو في غيرها يعني: ليس في خصوص البنيان, المقصود: أن تستتر بما له حكم البنيان, بحيث يصح القول: بأنك استقبلت هذا الشيء الذي جعلته سترة لك عندما قضيت حاجتك.

    وسوف يأتينا تخريج حديث أبي هريرة , وهو ضمن أحاديث الباب إن شاء الله. وحديثه تقدم معنا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي وغير ذلك, وحديث ابن عمر يحكي عن النبي عليه الصلاة والسلام الجواز، كيف الجمع بين هذين الحديثين بين ما رواه هذان الصحابيين المباركين؟

    عن عيسى الخياط قال: قلت للشعبي - وأنا أعجب من اختلاف أبي هريرة وابن عمر - قال نافع : عن ابن عمر : ( دخلت بيت حفصة رضوان الله عليهم أجمعين, يقول: فحانت مني التفافة, فرأيت كنيف رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة ). وقال أبو هريرة : ( إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ) -تقدم هذا معنا في صحيح مسلم ، وحديث ابن عمر في الكتب الستة- قال الشعبي : صدقا جميعاً. أما قول أبي هريرة فهو في الصحراء, ( إن لله عباداً ملائكة وجن يصلون فلا يستقبلهم أحد ببول ولا غائط ولا يستدبرهم، وأما كنفهم هذه - يعني: التي في البنيان والعمران- فإنما هو بيت يبنى لا قبلة فيه ).

    وهكذا رواه موسى بن داود وغيره عن حاتم بن إسماعيل , إلا أن عيسى بن أبي عيسى الخياط هذا هو عيسى بن ميسرة ضعيف.

    وهذا الحديث رواه البيهقي في هذا المكان في الجزء الأول صفحة ثلاث وتسعين, ورواه الإمام ابن ماجه أيضاً في السنن في الجزء الأول صفحة مائة وسبع عشرة في الترخيص في قضاء الحاجة في البنيان عند استقبال القبلة واستدبارها.

    وفي رواية سنن ابن ماجه قال الشعبي : صدق ابن عمر وصدق أبو هريرة ، ثم ذكر ما ورد في رواية البيهقي .

    قول الإمام البيهقي : عيسى بن ميسرة ضعيف, هو عيسى بن أبي عيسى الحناط , ويقال: الخياط , ويقال: الخباط ، وقد زاول المهن والصنائع الثلاثة كما قال الحافظ ابن حجر . حكم عليه البيهقي هنا بأنه ضعيف، وحكم عليه الحافظ ابن حجر بما هو أشد من ذلك, فقال: متروك، وانفرد الإمام ابن ماجه بإخراج حديثه, وهو من الطبقة السادسة, توفي سنة واحدة وخمسين, يعني: بعد المائة, عليهم جميعاً رحمة الله.

    وحديث ابن عمر الذي تقدم معنا يحمل على حالة الصحراء إذا كان هناك شيء يسترك عن القبلة، فلا حرج عندما جعل راحلته بينه وبين القبلة, قلت: وهو في سنن أبي داود والدارقطني والبيهقي والحاكم بسند صحيح كالشمس.

    الدليل الثاني عندهم: قالوا: يختلف في حال الإنسان عندما يكون في البنيان عن حاله في الصحراء.

    ووجه الاختلاف: أنه في البنيان قد يشق عليه التحرز والامتناع من استقبال القبلة واستدبارها, قد يكون الكنيف في ناحية معينة، فلا يمكن أن ينحرف عن القبلة، وأما في الصحراء فالاتجاهات كلها عنده سواء، يعني: لم استقبلت القبلة أو استدبرتها؟ ما المشقة عليك في أن تتوجه إلى هذه أو هذه أو هذه أو هذه وأنت في صحراء؟ هناك لا يشق عليك التوجه إلى أي جهة، فالجهات كلها عندك سواء، وأما في العمران فواقع الأمر حصول شيء من المشقة، يعني: إما أن يشتري الإنسان بيتاً فيه كنيف على طراز معين، وإما أن يبني بيتاً كذلك, يعني: يلزمه التخطيط البنائي والعمراني على أن يجعل الكنيف في حالة ليس فيها استقبال أو استدبار، وعندها يكون قد أصلح في البيت شيئاً من عدم الترتيب عند بنائه، أو لو قدر أحياناً أن الإنسان عنده في بيته مكان معين وأراد أن يجعله خلاء, ولا يتأتى إلا إذا حصل فيه استقبال أو استدبار، ما عدا هذا قد يكون موجهاً لحجر أو لغير ذلك. فإذاً: هنا قالوا: قد يلحقه مشقة، فبما أنه يلحقه مشقة والنصوص وردت بالترخيص, مما يدل على أن النصوص الشرعية اعتبرت هذه المشقة, فرخصت الاستقبال والاستدبار في البناء, دون أن يكون ذلك جائزاً في الصحراء. يعني: ليست المشقة هي العمدة في الترخيص، لكن النصوص دلت على أن المشقة معتبرة، وحقيقة قول الله: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]. ودين الله يسر، وإذا كان كذلك فإذاً هذا القول فيه تسهيل على العباد، وفيه دفع للمشقة عنهم, مما يدل على اعتبار هذا القول.

    فإن قيل: إذا كان في العمران مشقة في التحرز عن الاستقبال والاستدبار، فليخص هذا الحكم بمن عليه مشقة، لمن أنتم أطلقتم؟ أنتم أطلقتم الحكم لمن عليه مشقة ولمن ليس عليه مشقة، فقيدوا هذا بمن تلحقه مشقة، فقولوا: إن اضطر في البنيان فلا حرج, كما قال أبو أيوب رضي الله عنه وأرضاه: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة, فننحرف عنها ونستغفر الله.

    فإذاً: إذا وجدت مشقة فرخصوا، وإذا لم توجد مشقة فامنعوا. فأنتم لم أطلقتم وعممتم؟

    قال الإمام النووي : الرخصة ترد في أول الأمر لسبب معين, ثم تعم، كالرخصة في السفر، يعني: رخص للإنسان أن يقصر ورخص له أن يجمع ورخص له أن يفطر، هذا الأصل فيه من أجل تخفيف الله عن عباده؛ لما يلحق المسافر من مشقة وعنت، فلو قدر أن الإنسان سيسافر سفراً في منتهى الراحة ولا يتعب فيه، وهذا السفر قد لا يأخذ منه إلا نصف ساعة في طيارة مريحة أو في السيارات التي تشابه الطائرات في هذه الأوقات إلى مسافة ستين كيلو متراً بسيارة مكيفة فنحن نبيح له أن يقصر وأن يجمع وأن يفطر وأن وأن, أي مشقة ستلحقه؟ نقول: كما قال الإمام النووي : الرخصة ترد لسبب معين, ثم تعم. فمن وجد فيه ذلك الوصف نال ذلك الحكم سواء لحقته العلة الأصلية لذلك الحكم الذي شرع هذا الحكم من أجله أو لا.

    وعليه؛ هنا ترخص في الأصل في الاستقبال والاستدبار في البناء من أجل المشقة، بما أن الرخصة وردت من أجل مشقة فهي تعم بعد ذلك سواء حصلت مشقة أو لم تحصل.

    هذا تعليل شيخ الإسلام الإمام النووي لهذا الاعتراض الذي قد يرد على الدليل الثاني.

    الدليل الثالث عندهم: قالوا: نحن عندما نجعل حاجزاً بيننا وبين القبلة في البناء، فما استقبلنا القبلة ولا استدبرناها عندما نتوجه إليها، لم؟ قال: أنتم افهموا مدلول الحديث الشرعي، ما هو مدلوله؟ ( إذا أتيتم الغائط ). الغائط معناه في اللغة -وهذه الحقيقة اللغوية التي ينبغي أن نعيها, وأن نفهم الحديث على حسبها- المكان المنخفض المطمئن الذي يقضي الإنسان حاجته فيه، وقلنا: يكون في الصحراء وفي العراء. إذاً: هذا الحديث مسوق أصالة للنهي عن قضاء الحاجة في حالة التوجه للقبلة استدباراً أو استقبالاً، وما عدا هذا يرخص لك إذا لم تكن في الصحراء, فيرخص لك أن تستقبل أو أن تستدبر؛ لأننا نحن عندما نقضي الحاجة في الكنف ما قضيناها في المكان الذي نهانا النبي عليه الصلاة والسلام عن استقبال القبلة أو استدبارها فيه. وهذا هو الذي أشار إليه الإمام البخاري في صحيحه, وكأنه يميل إلى هذا القول. وسأذكر وجه الإشارة بعد الدليل الرابع؛ لأن الدليل الثالث والرابع استنبطهما أئمتنا من ترجمة وضعها الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء.

    إذاً: قال أئمتنا: حقيقة الغائط هو: المكان المطمئن من الأرض في الفضاء, فيختص النهي بالحقيقة اللغوية, كما ذهب إلى ذلك الإمام الإسماعيلي في توجيه كلام البخاري وترجمته التي سأذكرها بعد الدليل الرابع.

    أما الدليل الرابع: قال أئمتنا: لا يتحقق استقبال القبلة إلا في الفضاء، وإذا استقبل الإنسان القبلة أو استدبرها في العمران فهو في الحقيقة يستقبل الجدر والأبنية، وليس هو بمستقبل للقبلة, وليس هو بمستدبر للقبلة.

    وهذا الذي أشار إليه الإمام الزين بن المنير وهو من أئمة المالكية الكبار، وهو الذي له حاشية الإنصاف فيما تضمنه كتاب الكشاف من الاعتزال, ويرد عليه فيها.

    قال الحافظ ابن حجر : ويتقوى هذا الدليل الرابع بأن الأمكنة المعدة لذلك وهي الكنف والمراحيض ليست صالحة لأن يصلى فيها، فلا يكون فيها قبلة بحال. وهذان الدليلان أشار إليهما البخاري في كتاب الوضوء, فقال: لا تستقبل القبلة لغائط أو بول إلا عند البناء كجدار ونحوه.

    قال أئمتنا: ليس فيه دلالة على الاستثناء المذكور؛ لأنه ما أتى بما يدل على ذلك، عندما أورد حديث أبي أيوب رضي الله عنه ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول ولا تستدبروها ) هل في حديث أبي أيوب هذه الدلالة؟ فمن أين إذاً أتيت بها؟ يقول هنا: لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء كجدار أو نحوه، لم؟ قال: لأن حقيقة الغائط هو المكان المنخفض، وعليه كما قال الإمام الإسماعيلي : من قضى حاجته في البنيان لم يقضها في مكان منخفض, فلا يشمله النهي. هذا هو فقه البخاري . ومن قضى حاجته في البنيان فلا يقال: توجه إلى الكعبة واستقبلها واستدبرها؛ لأنه استقبل الجدر، ثم ليست الكنف والمراحيض مكاناً لأن يصلى فيه, فليس فيها قبلة، بخلاف الصحراء فيجوز أن تصلي لجهة القبلة، وعليه لا يجوز أن تقضي حاجتك إلا إذا جعلت ساتراً بينك وبين القبلة, بحيث يكون ذلك الساتر كالبنيان.

    الدليل الخامس - وهو خامس الأدلة عندهم-: قالوا: هذا القول يتعين المصير إليه ويجب؛ لأنه يجمع بين الأحاديث كلها, ولا يهمل واحداً منها. فالأول كما تقدم معنا المنع مطلقاً ألغى أحاديث كثيرة، ألغى حديث جابر ، ألغى حديث ابن عمر ، ألغى حديث أمنا عائشة , وإن أولها بأنها حكاية فعل, وهذه حكاية أحوال, وتحتمل كما قلنا الأعذار, ولا يصلح بها الاستدلال, لكنها ألغيت, وما عملت الأمة بها.

    القول الثاني: أيضاً عندما قال: بالجواز مطلقاً ألغى أحاديث النهي.

    القول الثالث: عندما فرق أيضاً ألغى بقية الأحاديث التي عممت الاستقبال كالاستدبار.

    وأما هنا فقد جُمع بين الأحاديث كلها، فقيل: ما جاء في النهي نأخذ به ولا نلغيه، لكن في الصحراء مطلقاً, كما قال: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول). انتهينا.

    وأما في العمران كما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في حديث أمنا عائشة وجابر وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين, مما يدل على التفريق, وهذا الذي فعله ابن عمر , وهو أدرى الناس بحال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا ما نقل عن الصحابة الكرام رضوان الله عنهم أجمعين. ففيما قلناه قالوا: يجوز التعارض، ولا يكاد يحصل هذا في قول غيره.

    أجوبة من قال باستقبال القبلة واستدبارها في البنيان دون الصحراء على المخالفين

    وحقيقة ما قالوه هو المعتمد، نقول لهم بعد ذلك: ماذا تجيبون عن تلك الأقوال؟ قالوا: عندنا جواب، إن شاء الله نلحق به بقية الأقوال، وهذا الجواب يرجح قولنا.

    قالوا: أما الأحاديث المانعة التي رجحها أهل القول الأول فهي محمولة على حالة معينة، وهي الصحراء.

    الأمر الثاني: أصحاب القول الأول قالوا: العلة من النهي عن الاستقبال والاستدبار لجهة القبلة أنها مكرمة مشرفة مباركة، وإذا نهينا عن ذلك في الصحراء فلننهى عنه في البناء. قال أصحاب هذا القول, وهم الجمهور، العلة كما قلت ولا ننازعكم ولا نخالفكم أنها حرمة القبلة ومكانتها وتشريفها، لكن ورد الشرع بالفرق بين كون الإنسان في البناء أو في الصحراء، فالشارع هو الذي فرق. قال: إذا كنت في بنيان فلا تمنع؛ لأنك لا تستقبل القبلة حقيقة، وإن قيل: إنك تستقبلها عرفاً, لكن حقيقة ما استقبلتها، بينك وبينها حاجز حقيقي أمامك منع من استقبال القبلة.

    قال الإمام النووي وابن حجر : وقد ورد الشرع بالفرق بينهما على ما قدمناه, فلا يلتفت إلى قياس ومعنى يخالفه. ومع هذا فالفرق بينهما ظاهر, للمشقة التي تقدمت معنا, وهي إحدى الأدلة المعتبرة من أدلتنا.

    إخوتي الكرام! حقيقة لو وعت الأمة فقه فقهاء الأمة المباركة المرحومة -كما قلت مراراً وتكراراً- لعرفت قدرهم، فالناس ما أتوا إلا بسبب جهلهم، ولذلك عندما يطَّلع بعض الناس في هذه الأيام على حكم قد يرى دليلاً شرعياً عليه، ويرى بعد ذلك أن الأمة تخالف هذا، فيطلق العبارة بلا أدنى توقف، ولو عرضت هذه المسألة على عمر رضي الله عنه لجمع أهل بدر للنظر فيها، وهو بلا أدنى توقف يقول: هؤلاء أهل بدع، فلان مبتدع، والسنة كذا، يا رجل! رفقاً بنفسك، يا رجل! اتق ربك فيما تقول. وبعض الناس من أيام عرض كتاباً وهو إن شاء الله من أهل الخير, لكن كما قلت الأمة تأثرت بهذه اللوثة التي ابتلي بها هذا الشباب الذي غرر بأنه في صحوة, وهو في أشنع أنواع البلوة، وما أعلم أن الأمة الإسلامية مر عليها ظلمات وضلالات كالأيام التي نعيش فيها، ثم يقال لنا: إنكم في صحوة, وأنتم على هدى. ونسأل الله أن يحسن ختامنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين!

    إخوتي الكرام! هذا الرجل من أهل الخير والصلاح, وأعرفه شخصياً, قدم كتاباً للنظر فيه, يعني: من أجل أمر من الأمور يكتبه بخط يده. أسأل الله أن يفيده ويفيد المسلمين أجمعين. لما جاء في موضوع الصلاة ذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يضع يمينه على يساره فوق صدره, ولا يصح غير ذلك، وكل ما عدا هذا لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    يا رجل! رفقاً بنفسك، هي العبارة يعني هكذا؟ المذاهب الأربعة من أولهم لآخرهم ما أحد قال: بوضع اليد فوق الصدر, ولا أقول: من وضع فهو مبتدع, لكن رفقاً بنفسك، ماذا تفعل بالرواية التي رواها الإمام البزار وهي صحيحة ( كان النبي عليه الصلاة والسلام يضع يده عند صدره )؟ يعني: فوق صدره, كرواية ابن خزيمة والتي أيضاً حولها كلام، لكن هي عند صدره, ماذا تفعل في عند هذه التي بمعنى فوق؟! وماذا تفعل بما ثبت عن علي بسند حسن أنه كان يضع يده رضي الله عنه وأرضاه في الصلاة اليمين على اليسرى فوق السرة؟ هذا صحابي يلازم النبي عليه الصلاة والسلام, ماذا تفعل بهذا؟ والإمام الترمذي -رحمه الله- لما حكى اختلاف الصحابة وأئمة المسلمين في هذه قال: بعضهم رأى أن يضع اليد فوق السرة، وبعضهم رأى تحتها، وقال: والكل واسع. لكن ما ذكرت فوق الصدر, هذا بسنن الترمذي التي سنتدارسها ونأتي عنده.

    يا رجل! هذا مقرر في كتب السنة، ثم تقليداً منك لواحد في هذه الأيام تطلق العبارة هكذا بلا نظر ولا تأمل ولا رجوع, يجزم فيقول: هذه ثابتة، ولم تثبت بعد ذلك كيفية أخرى عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    والله لو عرض هذا الأمر على إمام المسلمين وسيد المحدثين أبي عبد الله البخاري لقال: يا عباد الله! تحتاج إلى نظر, لعل عند غيرنا ما ليس عندنا. والأمر هكذا كتاب سينشر للعامة من أجل أن يتعلموا كيف يصلون، ثم تأتيهم بهذه الإطلاقات التي لا احتراز فيها، من قال: ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام وضع اليد فوق الصدر على العين والرأس، ولو خرجت عن المذاهب الأربعة, وإن كنت أقول ولا أزال: ما خرج عن المذاهب الأربعة ينبغي أن نحترز منه، وأن نتبين أمره غاية التبين, وهل الدليل مقبول عند أئمتنا أم لم يبلغهم, ولم تركوا العمل به؟ بعد هذه التحقيقات ما خرج عن المذاهب الأربعة نعمل به، لكن المذاهب الأربعة لم يعملوا فرأيت حديثاً في المسند على خلاف الأئمة فنعمل به! قف عند حدك. سنة النبي عليه الصلاة والسلام على العين والرأس, لكن هذه كتب السنة ما تحكي ما ذكرت هنا. وغاية ما في الترمذي بعد أن حكى -كما قلت لكم- خلاف الصحابة وأئمة المسلمين في هذا على أنهم يضعون فوق السرة أو تحت السرة, قال: الأمر كله جائز, وفيه سعة.

    لذلك إخوتي الكرام! لا بد من أن نعي هذه القضية، وهي أن ندرس فقه أئمتنا، وكما قلت في إحدى خطب الجمعة: ندرس أدلة الشرع؛ لنعتبر ونرى كيف أخذ أئمتنا أحكام الشرع من نصوص الكتاب والسنة. ووالله الذي لا إله إلا هو سنزداد بعد ذلك إيماناً بالله جل وعلا، وحباً لأئمتنا الكرام الذين ما عملوه هو من أكبر معجزات نبينا عليه الصلاة والسلام، فقه يعالج أمور الحياة إلى قيام الساعة، استنبطه أئمتنا وقرر في الكتب, يأتي سفيه في هذه الأيام ويقول: هذه الكتب كلها دعنا منها, آراء رجال. ماذا تريد؟ يريد آراء رجال من الحاضر، وعندما تراه يتبع - وكلمة يتبع استغفر الله منها- يقلد واحداً، يقول: أنت لم تفعل هذا وفلان قال؟ وهو ينهى عن التقليد, يعني: إذا قلدنا الإمام أحمد تنعى علينا تقليده، وأنت عندما تقلد بعض الحاضرين الذين يخطئون أكثر مما يصيبون أو يعني: كما يصيبون أو أقل, وأنا أولهم، فإذا جئت لتقلد واحداً من هؤلاء رخصت لنفسك, وأنك تتبع السنة, ولما نستدعي الإمام الشافعي يقول: لا, أنت الآن مقلد متعصب، بدأت تثير رائحة العصبية المذهبية. والله الذي يتعصب لأئمته بارك الله به، والذي لا يتعصب لأئمته فغضب الله عليه، إذا لم نتعصب لأئمتنا أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والله لا خير فينا، وهذا التعصب المحمود.

    لكن لفظ التعصب إخوتي الكرام! صار يطلق كما يقال لمن يرخي لحيته: متحجر .. متزمت، هذه الألفاظ ينبز أهل البدع بها أهل الهدى، لذا لفظ التعصب على الإنسان أن يتركه، لقد صار هذا الآن حتى بين الملل, فلو اجتمع مسلمون من دول مسلمة في بعض الدول الضالة من بلاد الكفر قالوا: أنتم متعصبون، تقول به: كلنا إخوة، ونحن لا نشرب خمراً ولا نزني، وما بيننا الآن اجتماعات!

    لكن لفظ التعصب إخوتي الكرام! لا بد من تحقيق معناه، التعصب لإمام من الأئمة الأربعة -كما قلت- هذا هدى وبصيرة وخير وفضيلة. نعم التعصب المذموم أن تقول: الإمام إمامي, والأئمة الآخرون جاهلون، أقول: لتقف عند حدك، هذا الذي نقول هو التعصب المذموم, هذا حقيقة صحيح، أن أقول: الإمام الشافعي وكفى, هذا خطأ، قف عند حدك واتق ربك، لكن قولك: أنا أريد أن أتعصب للإمام الشافعي فأنت على هدى.

    هذا -إخوتي الكرام- لا بد من أن نعيه, لا سيما وأن في هذه الأيام لغط كثير, وما يكفي أن دين الله نحي عن الحياة, حتى جاء هؤلاء بعد ذلك ليقضوا على البقية الباقية في نفوس المسلمين، مع أن هذه البقية كما قلت لا تحكم في هذه الحياة، إنهم يقضون عليها باسم اتباع السنة وعدم التعصب، والمذهبية مقيتة، ومن هذه الألفاظ المنكرة المذمومة. هذا فقه أئمتنا، مذاهب أربعة. الآن أسألكم بالله هل خرج قول مما ذكرته عن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام؟ وسأذكر بعد ذلك ما علق به بعض الناس على كلام الإمام الشافعي ومالك وإحدى الراويتين عن الإمام أحمد بعبارة حقيقة ينبغي أن نقف عند حدنا, ولنرى ورع أئمتنا، وتطاول السفهاء في هذه الأيام على أئمة الإسلام.

    إخوتي الكرام! إذاً قالوا: الأحاديث المانعة على العين والرأس كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن في الصحراء, العلة هي القبلة، لكن الشارع فرق بين وجودنا في البنيان ووجودنا في الصحراء، فلنعتبر ما اعتبره الشرع, فقال: هنا يرخص لكم وهناك تمنعون.

    الأمر الثالث - وهذا في الإجابة عن الأقوال الأخرى وتوجيهها-: قال أصحاب القول الأول وهو دليلهم الثالث: لو أجزنا ذلك في العمران فينبغي أن نجيزه في الصحراء؛ لأن الذي في الصحراء عندما يتوجه إلى القبلة بينه وبينها جبال وأشجار ووديان، فعليه ما استقبل القبلة على حسب اصطلاحكم، كما أنه لم يستقبلها في العمران لم يستقبلها في الصحراء, قال أئمتنا: لا يصح هذا؛ لأن ما في البنيان مكان معد لذلك، وأما هنا فليس كذلك.

    الأمر الثاني: لا يصح هذا، ليس الموضوع صحراء وبنيان، الموضوع كما قلنا وجود ساتر تقترب منه بحيث يقال: إنك استقبلته واستدبرته، أو يقال: إنك استقبلت القبلة واستدبرتها، فإذا كان هناك ساتر وما بعدت عنه أكثر من ثلاثة أذرع -يعني: لو أردت أن تسجد ما بقي مجال، سيضرب برأسك الجدار- فأنت الآن مستقبل للجدار, ليس بمستقبل للقبلة، لكن لو تأخرت فصار بينك وبينه أكثر من ثلاثة أذرع، والذراع إخوتي الكرام! طوله ثلاثين سنتي إلى خمس وثلاثين, يعني: ثلاثة أذرع مائة سنتي.

    وعليه؛ لو أراد أن يقضي الحاجة والجدار بينه ثلاثة أذرع لضرب رأسه, ما يستطيع، فهذا ما استقبل القبلة, إنما الآن استقبل الجدار واستدبره، ثم هذا الجدار مع أنه قريب منك ينبغي أن يكون ساتراً لك, أدناه كمؤخرة الرحل بحيث لو جلست لا يظهر الفخذ. فأنت بهذين الشرطين والاعتبارين أنت مستقبل ومستدبر لهذا الساتر الحاجز القبلة، وأما إذا قلت: بيني وبين القبلة حواجز بعيدة يا عبد الله! فأنت مستقبل حقيقة القبلة، ولو أردت أن تسجد لسجدت في هذه الجهة التي تقضي حاجتك فيها. فتمنع إذاً إذا لم تجعل ساتراً في الصحراء وفي العراء، وإذا جعلت ساتراً صار حكمه حكم البنيان، والعلم عند الرحمن.

    الأمر الرابع: قال: وأما قول أبي أيوب؛ لأنه اعترض عليهم بقول أبي أيوب، هو راوي حديث ( فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول )، وأبو أيوب الذي روى هذا الحديث قال: قدمنا الشام فوجدنا مراحض قد بنيت مستقبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله، قالوا: لأي شيء ينحرف ويستغفر الله إذا كان الاستقبال أو الاستدبار في الكنف والمراحيض وفي البنيان جائزة؟ فـأبو أيوب ما فعل معصية، فلم يستغفر؟ قال أئمتنا الكرام: لعل أبا أيوب رحمه الله ورضي الله عنه وعن الصحابة الكرام شك في عموم النهي, فاحتاط بالاستغفار، يعني: الحديث الذي رواه ( لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا ببول، ولكن شرقوا أو غربوا ), شك هل هذا خاص بالصحراء أو يشمل ما في البناء فاحتاط، ولذلك إذا رأى المرحاض يتجه إلى القبلة ينحرف عنه ويستغفر لما جرى منه من قصور. واضح هذا؟

    أو جواب ثاني: لعل مذهبه يرى أن المنع مطلقاً سواء كان في الصحراء أو في البناء، لكن لم ينقل هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام، هو ما قال: إنكم تمنعون من البنيان, إنما نقل فقط ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ).

    وعليه؛ هذا يكون -كما قلت- اجتهاداً له ومذهب له، فهو مذهب صحابي دل الحديث على خلافه, وعلى الترخيص في هذه الحالة، فلا حرج, على أنه يمكن أن يقال وكما سيأتينا هذا: أنه فعل هذا وإن كان جائزاً؛ لأن الأدب بالاتفاق حتى عند أهل هذا القول ألا نستقبلها ولا نستدبرها وإن كنا في البنيان، لكن إذا استقبلناها ليس علينا إثم، وأما في الصحراء فهو حرام, ارتكبنا إثماً ومعصية، وأما هنا فالأدب ألا تستقبل ولا تستدبر. فـأبو أيوب أراد أن يحافظ على هذا الأدب.

    1.   

    توجيه استغفار أبي أيوب بعد الانحراف من استقبال القبلة أثناء قضاء الحاجة

    فإن قيل: لم استغفر رضي الله عنه وأرضاه؟ قال أئمتنا: استغفار أبي أيوب يحتمل ثلاثة أمور:

    أولها: أن يستغفر من الاستقبال أو الاستدبار. فإن قيل: ورد أنه ينحرف، نقول: لعله كان يجري منه الاستقبال أو الاستدبار نسياناً وذهولاً وغفلة، فإذا تذكر انحرف، لكن هو إذا انحرف لم يستغفر؛ لأنه ما عمل خطأ، وما توجه إلى القبلة لا استدباراً ولا استقبالاً، إنما يفهم منه أنه أحياناً يسهو .. يذهل, يدخل إلى هذا المرحاض وهو متوجه إلى القبلة استدباراً أو استقبالاً، فعندما يقضي الحاجة يتذكر فينحرف، فبعد ذلك يستغفر الله مما حصل منه من استقبال أو استدبار غير مقصود وبلا تعد.

    فإن قيل: إذا فعل هذا سهواً وخطأ وذهولاً ليس بعاص, فعلام يستغفر؟ نقول: هذا حال الكمل, حال الصديقين, يستغفرون الله جل وعلا في كل حين، حتى لو عملوا الطاعات يعقبونها بالاستغفار؛ لما يجري عندهم نحوها من قصور, فهم لعظيم علمهم بربهم جل وعلا يعلمون أن كل أحوالهم فيها نقص وفيها قصور، ولا يرون لأنفسهم الكمال. هذا ما يتعلق بالسبب الأول لاستغفار أبي أيوب.

    إذاً: يقع أحياناً في الاستقبال, ثم ينحرف, فيعقب هذا بالاستغفار عندما يعود إلى الحالة الطبيعية.

    ثانياً: وقيل: إنه كان يستغفر لا من أجل استقبال القبلة, لا, ثم لا، كان إذا دخل ينحرف ويقضي الحاجة إلى غير جهة القبلة. فإن قيل: لم يستغفر؟ نقول: هو عندما يرى هذا الوضع الذي هو غير شرعي وإن انحرف عنه وما فعل مخالفة لكنه يذكره بذنوبه الأخرى، فالذنب يذكر بالذنب، فهو عندما يدخل إلى المرحاض ويراه قد وجه إلى القبلة يرى أن هذا خطأ، وأن هذا تقصيراً، وأن هذا نقصاً، فانحرف عنه, هو ما أخطأ ولا قصر، إذاً: لم استغفر؟ استغفر من ذنوبه الأخرى. ولذلك المؤمن إذا رأى عاصياً يستغفر؛ لأن معصية العاصي تذكره بمعصيته، وإذا ذكرتك معصية العاصي بطاعتك فاعلم أنك مغرور، وعصيانك أكثر من عصيانه؛ لأن ما تعلمه من حال غيرك قليل، وما تعلمه من حال نفسك كثير، ويصدق على كل أحد فينا قول الله: ( إنكم تخطئون في الليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم ). إذا كانت خطيئتك متتالية ليل نهار لم تغفل عنها؟ لم نبصر القذاة في عين غيرنا, ولا نبصر الجذع في أعيننا؟ لم؟ فمعصية العاصي تذكرنا بمعصيتنا, فنتوب إلى ربنا. فهذا الوضع الذي يراه أبو أيوب ليس بشرعي يذكره بأوضاعه التي يرى فيها تقصيراً مع الله جل وعلا, فيعقب ذلك بالاستغفار.

    الاحتمال الثالث ذكره الإمام ابن دقيق عليهم جميعاً رحمة الله، قال: ومن أدراكم أن أبا أيوب كان يستغفر؛ لأنه استقبل نسياناً ثم عدل وضعه وانحرف، أو أن هذا الوضع ذكره بذنوبه, من أدراكم؟ كان يستغفر لمن بنى هذه المراحيض على غير الوضع الشرعي، فينحرف عنها, ثم يستغفر الله لمن بناها. فأورد على قول ابن دقيق أن الذين بنوها الروم، وهم لا يؤمنون بالحي القيوم؟ فأجيب عن هذا الاعتراض: ومن أخبركم أن كل المراحيض في بلاد الشام بنيت من قبل الروم؟ عندما فتحت ودخل فيها الإسلام فأهل الشام لعلهم كانوا يرون سعة في الأمر، وأن هذا النهي لا ينصب إلا على من كان في الصحراء، فكانوا يبنون بيوتهم والمراحيض فيها جهة القبلة. فـأبو أيوب على حسب اجتهاده ومذهبه واحتياطه يرى أن هذا الوضع غير شرعي، فكان يستغفر لمن بنى هذه المراحيض على غير الوجهة الشرعية.

    خامس الأمور وهو آخرها: قال أئمتنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين الذين قالوا بهذا القول: لا يصح الاعتراض على هذا القول الذي ذكره أئمتنا بالتفريق بين حالة العمران وحالة الصحراء؛ لأن ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام هو حكاية فعل. فنعترض إذاً على هذا القول بأنه حكاية فعل، وحكاية الفعل يحتمل الخصوصية، فلا يصح هذا، يعني: لا يصح أن تقولوا لنا أنتم استدللتم بحديث جابر وبحديث ابن عمر وبحديث أمنا عائشة ، وهذه كلها حكاية أفعال للنبي عليه الصلاة والسلام، وحكاية الفعل كما تقدم معنا يتطرق إليها الاحتمال, فلا يصح بها الاستدلال.

    قال أصحاب هذا القول: لا يجوز أن يقال: هذا لا يجوز، لم؟ قالوا: لأن دعوى الخصوصية ينبغي أن يقوم عليها برهان جلي، والأصل لنا في نبينا عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة، إلا ما قام الدليل على تخصيصه. فإن قيل: عندنا ما يدل على التخصيص وعندنا النهي نقول: لا، عندنا ما يجمع بين فعله وقوله عليه الصلاة والسلام، لم نلغ الفعل ونأخذ بالقول؟ فلا يصح الاعتراض على هذا القول بدعوى أن فعل النبي عليه الصلاة والسلام حكاية حال، فلا يصح به الاستدلال، لا يصح هذا.

    يقول أئمتنا وهذا جواب الإمام النووي وابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله قالوا: دعوى الخصوصية لا تثبت بالاحتمال.

    إخوتي الكرام! حقيقة من نظر إلى حال الصحابة الكرام يرى أنهم كانوا يقتدون به عليه الصلاة والسلام بفعله كما يقتدون بقوله عليه الصلاة والسلام, وتقدم معنا الإشارة إلى ذلك عند حديث الإفك حديث أبي داود ، وقلت: هو في سنن أبي داود بإسناد صحيح من رواية أبي سعيد الخدري ، وبوَّب عليه أبو داود عليه رحمة الله باب الصلاة في النعل. ووجه الاستشهاد فيه: أنه في تبرئة أمنا عائشة رضي الله عنها, وهنا كذلك يعني إذا ما رضي الله بالقذر في خف النبي عليه الصلاة والسلام ونعله الشريف عليه صلوات الله وسلامه، كيف سيرضاه في عرضه وزوجه؟ عليه وعلى آل بيته صلوات الله وسلامه.

    الحديث فيه دليل الآن لمسألتنا, ألا وهو الاقتداء بفعل النبي عليه الصلاة والسلام دون معرفة وجه ذلك الفعل. وتقدم معنا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ( بينا نحن نصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام إذ خلع نعليه عليه صلوات الله وسلامه, فوضعهما عن يساره وهو في الصلاة، فخلع الصحابة نعالهم رضوان الله عليهم مباشرة أجمعين، فلما انصرف النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة قال: ما حملكم على خلع نعالكم؟ عليه صلوات الله وسلامه، قالوا: يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام رأيناك خلعت فخلعنا، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] ). فإذاً: هذا يدل على الخصوصية؟ لا, أنت خلعت ونحن خلعنا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذراً ).

    والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلَّم تسليماً كثيراً.