إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [3]

شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دين الإسلام مبني على خمسة أمور منها: الآداب والأخلاق التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها، ومن أفضلها تعظيم المصحف الذي لا يجوز امتهانه ولا وضعه على الأرض ولا مد الأرجل نحوه. وسفيان بن عيينة أحد أئمة الإسلام، وقد رمي بالتدليس عن الثقات واختلاطه في آخره.

    1.   

    أهمية الآداب في الإسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فلا زلنا نتدارس الباب السادس والسابع من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي وعنوان الباب السادس: باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول. والباب السابع: باب ما جاء من الرخصة في ذلك.

    وقد أورد الإمام الترمذي في هذين البابين أربعة أحاديث، أذكر الحديث الأول متبركين بتلاوته وقراءته، ثم نفصل الكلام على ما يتعلق بهذه الأحاديث إن شاء الله.

    الحديث الأول: يقول الإمام أبو عيسى الترمذي عليه رحمة الله: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا)، فقال أبو أيوب رضي الله عنه: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله، قال الإمام أبو عيسى : حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح.

    إخوتي الكرام! إن الأحكام التي تتعلق بهذين البابين تدخل في دائرة الأدب الذي أدبنا عليه نبينا صلى الله عليه وسلم.

    والأدب باختصار: هو فعل ما يحمد ويستحسن، وترك ما يستقبح ويسترذل قولاً أو فعلاً، ويترتب على ذلك أن نحترم الكبير، وأن نرحم الصغير، وأن نأخذ بمكارم الأخلاق، كما تقدم معنا في تعريف الأدب.

    تعريف الأدب وتخريج حديث: (أدبني ربي فأحسن تأديبي)

    والآداب والأخلاق العالية الرفيعة: هي أحد أمور خمسة يقوم عليها دين الله جل وعلا: العقائد، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق والآداب، والحدود والعقوبات. وقد أدب الله نبينا صلى الله عليه وسلم الأدب الحسن فأحسن تأديبه، فقال في نعته وفي وصفه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، على نبينا صلوات الله وسلامه، وما يروى: (أدبني ربي فأحسن تأديبي) فهو صحيح المعنى، ولكن الإسناد لا يثبت في رواية هذا الأثر كما حقق ذلك الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في المجلد الثامن عشر صفحة خمس وسبعين وثلاثمائة، حيث قال: إسناد الأثر غير ثابت ولا يصح، لكن معناه صحيح.

    وقد تتابع أئمتنا على اتباع ابن تيمية فيما حكم به على إسناد هذا الحديث، ومنهم: السخاوي في المقاصد الحسنة، والعجلوني في كشف الخفاء، وخلاصة قولهم ما ذكرته: أنه لا يثبت إسناده، حيث روي من طرق شديدة الضعف، ولكن معناه ثابت حق.

    قاعدة الحكم على الآداب شمولية

    أشرت فيما مضى إلى أمر؛ ألا وهو أن أفراد صور الأدب والجزئيات التي نتصف بها يكفي في الدلالة عليها أنها أدب ينبغي أن نقوم به، وأنها أشياء محمودة ينبغي أن نتصف بها، وأن الرذائل أشياء قبيحة ينبغي أن نتنزه عنها، وعليه فلا داعي أن تقيم على كل جزئية دليلاً بخصوصها، فإذا نهينا عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو ببول تأدباً مع هذه الجهة المباركة المكرمة، فنقول أيضاً: لا ينبغي أن تمد رجليك إلى جهة القبلة إلا لضرورة وعلة وآفة، ونزه هذه الجهة عن هذا الامتهان، وهكذا لا ينبغي أن تمد رجليك نحو كلام الرحمن نحو المصحف، وهكذا لا يجوز أن تتكئ عليه.

    فإن قيل: ما الدليل؟ نقول: يكفي في الدلالة على ذلك أن فعله أدب، وإذا كانت هذه الصور كما قلنا: تدخل في دائرة الأدب، فعندنا دليل على الأدب، وأنه هو أحد أمور خمسة يقوم عليها دين الله، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    عندما يأتي إنسان ويسأل عن معاشرة زوجته، يعني: هل يجوز أن يقبل مثلاً إبطها، صدرها، ظهرها، ركبتيها، مكاناً آخر يريد أن يقبلها من رأسها إلى رجليها؟ فإننا نستدل على جواز ذلك بعموم الآية، وليس عندنا خصوص على تلك المحال التي يسأل عنها، قال تعالى: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، بعد ذلك يُقبل الرجلين، يُقبل الركبتين، يُقبل الرأس، فهذا كله دخل تحت عموم هذه الآية.

    وكذلك صور الأدب إذا دخلت تحت هذا الركن المتين ألا وهو الأدب، فلا يأت أحد يمشي بين يدي شيخه أو بين يدي والده، يقال له: هذا لا ينبغي، فيقول: ما الدليل؟ الدليل: أنك لا تتأدب، وفعلك هذا يدل على ذلك، وأنك الآن لا تتصف بالأدب، تريد أن نأتيك بحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام يقول فيه: لا يمشين أحدكم بين يدي والده، فإذا كان كل جزئية لابد أن يوجد فيها نص، فمعنى ذلك أن الأحاديث لا تتسع لها بيوت الناس، ولكن عندك قاعدة وهي أن هذا أدب وفعل حسن ينبغي أن تفعله، كإجلال الكبير، وتوقير الأب، وتوقير الشيخ فكل هذا أدب، فاتصف به وامتثله.

    ضياع الأدب في زماننا

    ولكن نحن في زمن ضاع فيه الأدب، وما بقي عندنا إلا قشور من العلم ولعاعة منه، وأما الأدب فقد ذهب مع السلف الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وقد وصل الشطط ببعض السفهاء وهو من المسئولين الكبار في بعض البلاد التي تسمي نفسها عربية أو إسلامية وأمرها عند رب البرية، وهو حاكم دولة أيضاً، ولما أصدر هذا الكلام صار في البلاد الإسلامية ضجيج ورد عليه، وكنت رددت على ضلاله وخبثه في بعض محاضرات التفسير في رأس الخيمة، بلغ الشطط بهذا السفيه الضال أنه يقول في احتفال رسمي على رءوس الأشهاد: المسلمون يغلون في النبي عليه الصلاة والسلام، ويرفعونه إلى درجة الألوهية؛ لأنهم كلما ذكروه صلوا عليه، عليه صلوات الله وسلامه، قصمك الله وقصم ظهرك، هذا غلو في النبي عليه الصلاة والسلام؟ يقول هذا عبر وسائل الإعلام بأسرها، ثم ينشر مقاله في الصحف! ماذا ينتظر من هذه القبائح التي يفوح نتنها هنا وهناك، صارت الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام غلواً؟ لا إله إلا الله! حقيقة: إن هذا زمن قلة الأدب.

    وكنت مرة في المدينة المنورة، وأرى من يحرسون الحجرة المشرفة؛ لئلا يقع إيذاء حولها، ولكن ما ينبغي أن نمنع البدع ببدع، وأن نمنع إساءة الأدب بإساءة أدب، ترى من يحرسون الحجرة يقف أحدهم بلباس الشرطة، وإدخال مثل هذا المنظر إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام يبعث في الناس شيئاً من الفزع وهذا لا ينبغي، ثم البلية تهون عند هذا، لكن ما بعدها أشنع، فإنه يلصق ظهره ومؤخرته بجدار الحجرة المشرفة، وإلى الشبك -وأراه بعيني- ثم يجعل رجله على الشبك المبارك بحيث يكون عقب الرجل على الشبك وهو يستقبل الناس ورجله إلى الحجرة المشرفة على نبينا صلوات الله وسلامه.

    لا يجوز أن نطوف بالحجرة، ولا شك أن هذا بدعة، ولا يجوز أن نتمسح بها، وكذلك لا يجوز أن نضع الأقدام عليها وأن نمتهنها، فلا هذا يجوز ولا هذا، فكيف نمنع قلة الأدب، ثم نبيح أن يفعل عند حجرة النبي عليه الصلاة والسلام قلة الأدب؟ فالتمسح بها قلة أدب، وامتهانها إلى هذا الحد قلة أدب.

    وأنا أعجب لهؤلاء عندما يمر بهم موكب المسئول يقفون بحركة استعداد، وبعد ذلك في أتم تحية، وبعد ذلك يجعل رجله موجهة إلى القبر الشريف!

    هل هذا يفعل ذلك مع أميره أو مع مسئوله في يوم من الأيام؟ هل يوليه ظهره ويرفع رجله بعد ذلك إلى وجهه؟ نعوذ بالله من قلة الأدب التي ابتليت بها الأمة في هذه الأيام.

    كنت مرة في بعض الكليات التي تعد كليات شرعية في جامعات إسلامية، وبعض من يكون طالباً عندما يتخرج يصير له منصباً ومسئولية، فيكون بجواره بعض المشايخ وإلى الله المشتكى، عندما امتهنا أنفسنا امتهننا هؤلاء الصعاليك، بجواره بعض المشايخ وهو جالس واضعاً رجلاً على رجل، وهذه جلسة الجبابرة، وجلسة الفراعنة، وليست جلسة عباد الله الأخيار المتواضعين، جالس هذه الجلسة بحيث يكون باطن قدمه باتجاه وجه من بجواره، ثم إن هذا الذي بجواره زاد نفسه امتهاناً عندما بدأ يلتقط الخيطان والشوائب التي على جورب هذا المسئول، أهذه نتيجة العلم؟! إذا لم يتأدب هذا المسؤول فلم أنت لم تصن نفسك وتخرج من هذا المكان الذي لا يلتزم فيه بالأدب؟

    صار عنوان الحياة في هذه الأيام قلة الأدب، ولم يبق من العلم كما قلت إلا لعاعة منه نطنطن بها وندجل بها هنا وهناك.

    إن الأدب من لم يتصف به دب إليه الهلاك والعطب، وتقدم معنا كلام الشافعي عليه رحمة الله: اجعل علمك ملحاً وأدبك دقيقاً.

    1.   

    من أحكام المصحف

    حكم تقبيل المصحف

    تكلمت في السابق على صورة من صور الأدب أكثر بعض الناس اللغط حولها، وهي آخر ما ذكرته من الصور، سأنهي الكلام بها؛ لأنتقل إلى مدارسة حديث نبينا عليه الصلاة والسلام.

    هذه الصورة هي تقبيل المصحف، وكم نسمع هنا وهناك أن تقبيل المصحف منهي عنه، وتقبيل المصحف بدعة، وتقبيل المصحف حرام، أما إذا قلنا: نقبل جبهتك، قال: هذا حلال، يعني: صارت جبهتك أعلى وأكرم من المصحف؟ عندما نقبل جبهتك فهو حلال، أو نقبل المصحف فبدعة وحرام؟ نعوذ بالله من هذا الضلال ومن هذا الهذيان، لكن كما قلت: زمننا زمن قلة أدب.

    عندما ذكرت في مواعظ سالفة في بعض صور الأدب والاحترام والإجلال من أئمتنا لبعضهم ما تقدم في فعل العبد الصالح أبي داود صاحب السنن الذي توفي سنة خمس وسبعين ومائتين للهجرة، عندما جاء إليه بعض المسلمين من أئمة الإسلام، وقال: أخرج لسانك الذي تحدث به حديث النبي عليه الصلاة والسلام لأقبله، فأخرج له لسانه فقبله، فصار لغط من قبل من لا أدب عندهم حول هذه المسألة، وأقول: لا أدب عندهم؛ لأنهم لو اتقوا الله لما نسبوا الضلال إليّ، وإنما نسبوه إلى أبي داود، الذي هو المخرف الضال، يقول: أبو داود ضال؛ لأنه فعل هذا، حتى يعرف الناس قدرك عندما تضلل أئمتنا، وما أخرجت لساني لأحد يقبله فكلي نتن من رأسي إلى رجلي حتى تقول عني: ضال لأنه فعل هذا، فقصة أنقلها وقعت لأئمة المسلمين، ورواها أئمتنا في ترجمة هذا العبد الصالح، ثم بعد ذلك يحصل اللغط حولها، ويقال في التعليق عليها واحد يقول لكم: إن تقبيل اللسان كتقبيل الرأس، لا يعرفون ولا يميزون بين الفروع والأصول!

    أين الأصول والفروع يا مخذول؟ أين هي؟ عندنا جبهة، وعندنا لسان، ما الأصل وما الفرع؟ حتى لا يميزون بين فروع وأصول، ولم قلة الأدب حول أفعال فعلها أئمتنا ونقلت، ثم نكثر من اللغط حولها والسفاهة؟

    إن أردت أن تتأدب فقل: من فعل هذا فهو ضال، والذي ينقله عنه هو ضال، هذا من أجل أن تتضح الصورة، أما أن تأتي وتضلل الناقل فقط وتترك من فعل، فهذه هي قلة الأدب التي يتصف بها الناس في هذه الأيام، فعنوان حياتنا قلة الأدب.

    وعندما تكلم بعض السفهاء في رؤية المؤمنين لربهم في جنات النعيم، وزعم أن الذي يقول بالرؤية كافر، وجاء ليرد عليّ وليسبني وليلعنني.

    أقول: هو أنصف عندما لعن أئمة المسلمين قبلي، فقلت: اللهم لك الحمد، عندما قرنت مع هؤلاء، فإذا لعن الإمام الشافعي وابن تيمية وابن القيم ولعن عبد الرحيم فهذه رفعة قدر له، أما أن تحمل اللعن لـعبد الرحيم فقط، وتقول: هو مبتدع لهذا القول، فأنت تلبس على الناس، وتوهمهم أن هذا القول هو من مبتدعاته ومخترعاته، فأنت إذا أنصفت قلت: من فعل هذا فهو ضال، فـأبو داود صاحب السنن ضال، فقل هذا لتكشف عن حقيقة نفسك، وليظهر بعد ذلك السلفي من البدعي، أما أن تأتي وتقول: الذي يقول هذا ضال، فهذا في الحقيقة -كما قلت- هو قلة الأدب التي نعيش فيها، فلا إنصاف ولا أدب، ولا خلق لا مع الله ولا مع أنفسنا، صار عنوان حياتنا قلة الأدب، وديننا من أوله إلى آخره أدب، فينبغي أن نتصف به.

    موضوع التبرك بآثار الصالحين الذي جرى حوله كلام، قال مرةً بعض الإخوة وكان قد شد الرحل إلي من مسافات قال: يا شيخ !كثر الكلام حول هذا الموضوع، واللغط والقيل والقال، وأنت تقول بهذا؟! قلت: يا أخي الكريم! أنت سمعت ما ذكرت؟ قال: نعم، قلت: ماذا عندك؟

    قال: أنا أعلم أنك لا تعتقد هذا، ولكن تقول هذا دفاعاً عن الصالحين من أئمة المسلمين الذين قرروا هذا، كالإمام النووي ، وابن حجر ، والخطابي وغيرهم، فأنت تتابعهم، وأنا لا يبدو لي في قرارة نفسك أنك تقول به.

    قلت: والله لأن أوافق أئمة المسلمين على ضلال ترونه أنتم، أحب إليّ من أن أكون معكم على هدىً ترونه أنتم وهم على خلافه، وإذا كان أئمة المسلمين على ضلال وأنا معهم، والله هذا فخر لي، ثم من قال لك يا عبد الله: أنني لا أعتقد هذا؟ هذه ديانة، وهذا دين، أنت شققت عن قلبي؟

    قال: لأنني أعرف من حالك ونسبتك، ولكن عندما قابلتك هذه الأقوال المنقولة عن هؤلاء الأئمة الأبرار وأنت لا تريد أن ترد عليهم، قلت: هذا مشروع.

    قلت: يا أخي! على رسلك، أريد أن نطوي هذا البحث، هل لك ملاحظة أخرى أو ضلال آخر فيما قلته؟ قال: لا.

    قلت: يا عبد الله! تحمَّل هذه الزلة من أخيك، قال: نريد أن نتناقش فيها.

    قلت: تحملها، ما دام -كما ذكرت- أنه قال بها أئمة، وأنني من أجل الدفاع عنهم ملت إلى هذا القول.

    إذاً: المسألة لا زال فيها -كما يقال- سعة وبحبوحة، وليس هو أمر منكر مجمع على بطلانه، فلا داعي للقيل والقال، وأقصر عن البحث فيها، هل عندك مسألة أخرى لنبحثها؟ قال: لا.

    ويقول هذا الأخ لي: يعلم الله أنني شددت الرحل من مئات الكيلو مترات حتى أصل إلى هنا من أجل أن أؤدي النصيحة، قلت: جزاك الله خيراً، فهل عندك غير هذا تقدمه لي؟ قال: لا ليس عندي غير هذه المسألة، قلت: جزاك الله خيراً، والتمس لأخيك عذراً والحمد لله فرجت عني، ما دام الأمر وصلنا فيه إلى الاتفاق، وليتسع صدرك نحو أخيك ولا داعي للتشدد في هذا، ما دام في المسألة شيء من السعة، وكل له اجتهاده، فأنت لا تقول بالتبرك وإن شاء الله على هدى، وأنا أقول به: وإن شاء الله أنا على هدى، ولكن ليتسع صدرك لأخيك، ما دام قال بذلك أئمة من أئمة المسلمين، وهذا الأدب لا بد من أن نتصف به في هذه الحياة.

    كثيراً ما سمعت من أشرطة أو مشافهةً من ناس أن تقبيل المصحف حرام، أو ما يفعل هذا إلا مخرف.

    وإذا كان فعل هذا صحابي فماذا نقول؟ علينا أن نقف عند حدنا، ولو لم يفعله أحد الصحابة لدخل في عموم الأدلة التي تأمر بتعظيم شعائر الله، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    تخريج أثر عكرمة في تقبيل المصحف

    تقبيل المصحف وارد عن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، والأثر تقدم معنا أنه رواه الدارمي في مسنده، والحاكم في صحيحه، وصححه وأقره عليه الذهبي ، ورواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد في الجزء التاسع صفحة خمس وثمانين وثلاث مائة، ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب السنة، عن عبد الله بن أبي مليكة رحمه الله، قال: كان عكرمة يأخذ المصحف فيضعه على وجهه ويبكي ويقول: كلام ربي، كتاب ربي. يضعه على وجهه يقبله، ويتبرك به.

    والأثر إسناده صحيح، نعم ابن أبي مليكة من أئمة التابعين، وقد أدرك ثلاثين من أصحاب النبي عليه صلوات الله وسلامه؛ لكنه لم يدرك عكرمة ، ولذلك قال الذهبي: الأثر مرسل، وهكذا قال الهيثمي في المجمع مع أن الإسناد صحيح.

    و عكرمة مات في خلافة أبي بكر رضي الله عنه في فتوح الشام، وأما ابن أبي مليكة فقد توفي سنة سبع عشرة ومائة للهجرة، وحديثه في الكتب الستة، وقد ولد في أوائل خلافة علي، وقيل: في أواخر خلافة عثمان رضي الله عنهما، وبين موت عكرمة وولادة عبد الله بن أبي مليكة قرابة اثنتين وعشرين سنة. فالأثر مرسل وبينهما واسطة، ولكن كما قلت: ينقله عبد الله بن أبي مليكة عن أئمة المسلمين عن هذا الصحابي.

    غاية ما في أثر عكرمة الإرسال، والمرسل عند جمهور الفقهاء وهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد يعد حجة، هذا إذا كان أثر تابعي يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولو لم يعتضد بعاضد.

    أما الشافعي فقد جعله حجة بشروط، وإذا جاءنا حديث من الأحاديث المرسلة سنفصل الكلام -إن شاء الله- على الحديث المرسل ونتدارسه.

    و ابن أبي مليكة يروي هذا الأثر عن عكرمة بواسطة إما صحابي من الصحابة الثلاثين الذين أدركهم، وإما تابعي من التابعين الطيبين الطاهرين.

    وبناءً على هذا الأثر وغيره من الاعتبارات، قرر أئمتنا استحباب تقبيل المصحف، وهذا أحد أقوال ثلاثة للإمام أحمد ، وقول عنده: جائز، وثالث: توقف فيه، لكن ما أطلق القول بالكراهة ولا بالبدعة، والأقوال الثلاثة نقلها الزركشي في البرهان.

    والإمام أحمد عادته عندما ينظر في المسألة ويرى أن الأدلة تحتمل فيقول بما تحتمله الأدلة، أما القول بالاستحباب؛ فتعظيماً لشعائر الله، ولفعل هذا الصحابي وأما القول بالجواز؛ فلأن الأصل أنك إذا كنت تريد بالتقبيل تكريم المصحف فهو جائز، وأما القول بالتوقف؛ فلأنه لم يرد دليل بخصوصه، فالأصل أن نقف.

    وذهب جماهير علماء الأمة إلى استحباب تقبيل المصحف، قال الإمام النووي في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: يستحب أن يقوم للمصحف إذا أقدم به عليه؛ لأن القيام للفضلاء من العلماء والأخيار مستحب فالمصحف أولى.

    القيام عند تناول المصحف أو قدوم آدمي

    أما موضوع القيام فحقيقةً ينبغي أن نعيه في هذه الأيام؛ لأنه جرى حوله لغط كثير، والعصر الذي نعيش فيه عصر قلة الأدب، فللقيام الذي نهينا عنه للقادم صورتان:

    الصورة الأولى: أن تقوم تعظيماً له، وعبادةً له، وهذا منهي عنه.

    الصورة الثانية: أن تقوم وهو يجلس وتبقى أنت واقفاً على رأسه كما يفعل الجنود مع قائدهم، وهذا هو تعظيم الأعاجم.

    وعندنا صورتان: أن تقوم إكراماً له سواء صافحته أو لا، وهذه أقل ما يقال فيها الجواز، وإذا وجد فيه النية الحسنة من باب البر والملاطفة والاحترام فتنتقل إلى دائرة الاستحباب، وأما أن يصافحك وهو قائم فمن قلة أدبك أن تجلس وأن تمد يدك إليه، كما يفعل كثير ممن يزعمون أن هذا في السنة، أهذه سنة أو قلة أدب؟ أنت جالس وذاك جاء ليصافحك فتقول: نهينا عن القيام، ألا تدري ما هو القيام؟ هذا الذي تنسبه إلى السنة لو أراد أن يجلس كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله في المجلس يدخل ويسلم ويجلس، وما يريد أن يصافح، فهذا لا داعي أن تقوم له، وإذا قمت -كما قلت- احتراماً وإكراماً فهو جائز، أما هذا فجاء ليصافحك وهو ينحني إليك وأنت جالس وأحياناً متكئ على الوسادة تمد بيدك إليه هكذا، بل أحياناً يكون الجالس ابن خمس عشرة سنة والذي دخل ابن ستين، فإذا كنت كذلك وجاء ليصافحك وأنت بهذه الحالة هل تقول له: هذه سنة! من أين تعلمت هذه السنة يا صاحب الهمة؟ سبحان الله! صارت قلة الأدب في المجالس يطلق عليها سنة!

    يا إخوتي الكرام! الأدب والله خير من الذهب، يقول الإمام النووي : لأن القيام للفضلاء من العلماء والأخيار مستحب، فالمصحف أولى، وقد ألف الإمام النووي عليه رحمة الله كتاباً سماه: الترخيص للإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام على جهة البر والتوقير والاحترام، لا على جهة الرياء والإعظام، والكتاب مطبوع في حدود مائة صفحة، استقرأ فيه الأدلة التي تدل على الجواز، ورد لغط اللاغطين في هذا الحين، الذين يكثرون من مخالفة المسلمين باسم البدعة، هم أحدهم أن يخالف ما يفعله الأخيار في مجالسهم لينبزهم بالبدعة، وأول مخالفة يتصيدها يقول: هذه بدعة، وتراه جالساً متكئاً وذاك أكبر منه وأحياناً أكبر من والده، يمد يده إليه وينحني، فلا يتحرك ويقول: نهينا عن القيام.

    يا عبد الله! إن القيام الذي نهيت عنه هو قيام الأعاجم الذي يجلس فيه المسئول ويبقى أولئك حوله وقوفاً، فهذا الذي نهيت عنه، أما أن تكرم أخاك بالقيام فهذا من الأدب، وسيأتينا إن شاء الله بحثه ضمن كتاب الأدب من سنن الترمذي ، وكتب السنن والحديث كلها فيها كتاب يسمى: كتاب الأدب.

    الدليل على جواز تقبيل المصحف

    قال الزركشي في البرهان في الجزء الأول صفحة سبع وسبعين وأربعمائة، والسيوطي في الإتقان في الجزء الرابع صفحة ثمان وثمانين ومائة: وما قاله شيخ الإسلام النووي هو الصواب، أي: يستحب القيام للمصحف، فلو كنت في مجلس وأتاك إنسان بمصحف فقم احتراماً له، وتناوله بيمينك، وقبله وضعه على جبينك ثم اجلس، هذا هو الصواب، لما فيه من التعظيم وعدم التهاون.

    وهناك علة ثانية لتقبيل المصحف أشار إليها الإمام السبكي الكبير تقي الدين ، ذكرها عنه ولده تاج الدين في طبقات الشافعية الكبرى في الجزء العاشر صفحة تسع وستين ومائتين، يقول تاج الدين: سمعت سيدي الوالد سئل عن الدليل على تقبيل المصحف، هل يوجد دليل في الشريعة على تقبيل المصحف؟ فقال: دليله القياس على تقبيل الحجر الأسود، ويد العالم، والوالد، والصالح، أربعة أصناف: تقبيل الحجر الأسود، ويد العالم، والوالد والصالح، ومن المعلوم أن المصحف أفضل منهم، وهذه العلة أيضاً ذكرها الزركشي في البرهان في الجزء الأول صفحة ثمان وسبعين وأربعمائة، والسيوطي في الإتقان في الموضع المتقدم.

    ليس عندنا شك أن المصحف كلام الله، وأن القرآن كلام الله، وإذا قبل الإنسان كلام الله فما المانع؟ إن قال: ما الدليل؟ قل: ما الدليل على جواز تقبيل فخذ الزوجة؟ إذا قال الدليل: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، قل: والدليل: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، يعني: عندما نقبل المصحف هل هذا تعظيم لهذه الشعيرة أو امتهان؟

    حكم الحلف بالقرآن أو بالمصحف وكفارة الحنث

    وليس تقبيله فقط جائزاً، وإنما القسم به جائز واليمين منعقدة باتفاق أئمة المسلمين، فعندما تقسم بالقرآن أو بالمصحف الشريف فهذا يمين، واليمين منعقدة؛ لأنك أقسمت بكلام رب العالمين، والقسم يكون إما بالله أو بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى.

    قال ابن قدامة في المغني في الجزء الحادي عشر صفحة ثلاث وتسعين ومائة: الحلف بالقرآن أو بآية منه أو بكلام الله يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيها، وإن حلف بالمصحف انعقدت يمينه.

    وكان قتادة يحلف بالمصحف؛ لأن الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه وهو القرآن، فإنه أي: القرآن كلام الله بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين، وهذا الذي قرره النووي في روضة الطالبين في الجزء الحادي عشر صفحة ثلاث عشرة، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة أيضاً، فهو إذاً مذهب الأئمة الأربعة، نعم جرى شيء من الكلام في هذه المسألة في مذهب أبي حنيفة ، ثم استقر المذهب على أن الحلف بالمصحف أو بالقرآن أو بآية منه يمين منعقدة، كما في رد المحتار على الدر المختار في الجزء الثالث صفحة ثلاث عشرة وسبعمائة.

    وسبب الخلاف الذي جرى في مذهب الحنفية أنهم في أول الأمر قالوا: نعم، إن الحلف بالقرآن حلف بصفة من صفات الله، لكن لم يجر العرف بذلك، والأيمان مبناها على العرف فليست يميناً منعقدة، ثم بعد ذلك استقر المذهب قاطبةً على أن اليمين بالقرآن أو بالمصحف يمين منعقدة.

    قال محمد بن مقاتل الرازي كما في رد المحتار: القسم بالقرآن وبالمصحف يمين به أخذ جمهور مشايخنا، وقال العيني من أئمة الحنفية، وهو شارح صحيح البخاري في عمدة القاري: اليمين بالمصحف وبالقرآن يمين لا سيما في زماننا، أي: بجريان العرف، يعني: إذا كان الحنفية المتقدمون قالوا: ليست بيمين؛ لأن العرف ما جرى القسم بها فهي صفة من صفات الله، فكونه لم يجر العرف بها لا اعتبار لهذا التعليل، لكن إن صرنا معكم فعند المتأخرين جرى عرفهم على القسم بالقرآن وبالمصحف. وإذا حلف أحد بالمصحف وحنث فما عليه؟ هذه المسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل:

    عند الجمهور عليه كفارة يمين كما لو حلف في أي يمين.

    وللإمام أحمد قولان: قول كالجمهور، وقول: عليه كفارة بعدد آي القرآن، وآي القرآن ستة آلاف ومائتا آية وكسر، أي: أن كل آية منه تعتبر يميناً فليكفر بمقدار آيات القرآن إذا حنث، ذكره عن أحمد ابن هبيرة في كتابه الإفصاح، وهذا من باب تعظيم القرآن؛ لأنه كلام الله، ويأتيك بعد ذلك من يثير اللغط إذا قبلت المصحف فيقول: بدعة، وهو من أجل دنيا لا من أجل تعظيم الله، يُقبل رءوس المسئولين في كل حين، وإذا جاء مسكين مستضعف في بيت الله يقبل المصحف يقيم عليه الدنيا قائلاً: يا مبتدع، يا مخرف!

    ما يشرع من الآداب نحو المصحف

    ينبغي أن نلتزم بالأدب، كان أئمتنا -انظر لأدبهم- يكرهون أن يعامل شيء من الأشياء بمعاملة القرآن، فكتب الحديث، وكتب الفقه على جلالتها لا تعامل كمعاملة المصحف الشريف، قالوا: لا ينبغي أن نتخذ لها كراسي ككراسي المصحف، هذا نص عليه أئمتنا، المصحف له درج خاص، كرسي خاص، وضع خاص؛ لأنه كلام الله فإذا أخذ أخذ بتوقير وإجلال.

    ورد في كتاب المصاحف لـابن أبي داود صفحة خمسين ومائة عن الضحاك ومجاهد وإبراهيم النخعي -ثلاثة من أئمة التابعين-: أنهم كرهوا اتخاذ الكراسي للحديث ككراسي المصحف، وموجود الآن في عرف المسلمين أجمعين اتخاذ كراسي للمصحف لا لكتب أخرى، هذا منقول عن سلفنا؛ ليتميز القرآن الذي وضع على كرسي، مع أن الحديث كلام النبي عليه الصلاة والسلام؛ لكن يبقى القرآن من أجل نظمه ولفظه له قداسة، ومن أجل التعبد بتلاوته الذي لا يحصل لغيره، ولعلك لو قلت هذا لبعض السفهاء في هذه الأيام لقال: هذه بدعة، تبرز المصحف بكراسي، يا عبد الله! هذا يقرره أئمتنا التابعون الذين تلقوا الأدب عن الصحابة، الذين تلقوا الأدب عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وكان إبراهيم النخعي يقول: كان يقال: عظموا المصاحف، قال: وكانوا يكرهون تصغيرها، أي: دقة الكتابة وتكون المصاحف بحجم صغير، من أجل أن خط الحروف فيها غير واضح، فقد يحصل فيها لبس، ثم إن هذا كلام الله فكيف تجعله بهذا الحجم؟ ينبغي أن يكون له شكل خاص، بحيث تكون له هيبة في حجمه، وفي ورقه، وحقيقةً هذه المعاني كانت في نفوس سلفنا، ولذلك عرفوا كيف يتأدبون مع القرآن، ولما وصلت إلينا السفاهة رأيته في كثير من البيوت طبع من أوله إلى آخره في ورقة واحدة، وتعلق ولا تستطيع أن تميز آية إلا بمجهر! لم؟ قال: للبركة؟

    ألا تستحون من الله تمتهنون القرآن ثم تقولوا: للبركة؟ وهل يعلق القرآن في مكان للبركة؟ أو تضعه في مكان محترم ككرسي في درج خاص، إن امتهان القرآن عمل السفهاء، ليس عمل من يتبركون بكلام رب الأرض والسماء.

    ونقل عن علي رضي الله عنه أنه كان يكره أن يكتب المصحف بالشيء الصغير.

    ويكره مد الرجلين إلى المصحف، ولا يجوز أن نضع المصحف فوق الأحذية كما فعل ذاك السفيه في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ولما أخذ المصحف من فوق الأحذية مد يده وهو ساجد وأخذ المصحف منه وطرحه فوق الأحذية، ثم بعد أن سلم قال: ما الدليل على أنه لا يجوز وضع المصحف فوق الأحذية؟ حقيقة: أمة مسخت إلا ما رحم ربك، لقد ابتلينا بقلة أدب وانعدام صفاء وعدم تعظيم لشعائر الله، هذا المسخ لبس في هذه الأيام بمسميات كالالتزام بالنصوص وطريق سلف الأمة، ولا نريد أهواءً ولا بدعاً، ولا نريد قولاً يقوله النووي ، ولا الشعبي ، ولا النخعي ، هاتوا حديثاً على أنه يحرم أن نتوسد المصحف، أو أن نمد الرجل إليه؟ وهاتوا دليلاً على أنه يحرم القعود عليه؟ إلى آخر هذا الباب، وما قال ذاك السفيه: إن الأمة تغلو في النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنها كلما ذكرته صلت عليه، قال مقالته هذه إلا بعد أن سمع هذه النغمة، أن كل مسألة لا بد عليها من دليل، فقال: أنتم هاتوا الدليل، فكلما يذكر الرسول تصلون عليه، هذا غلو!

    إن جزئيات الأدب وأفراده يكفي أن تقيم الدليل عليها على أنها شيء مستحسن محمود، دلت قواعد الشرع العامة على حسنه، وعلى توقيره، وعلى تعظيمه، وعلى تقديره، فما ينبغي أن آتيك على كل جزئية بدليل خاص فيها.

    فلو أن إنساناً جاء وقال: ما حكم أكل الطين والتراب وأكل الزجاج والخشب؟

    نقول: حرام، يقول: هاتوا دليلاً على تحريم أكل التراب؟ ما عندنا حديث: لا تأكلوا التراب، لكن عندنا أن هذا ضار، وكل ضار نهينا عنه بأدلة قطعية لا شبهة فيها ولا شك، فلا يلزم أن نأتيك بحديث خاص في تحريم أكل التراب قال إذا: بما أنه لا يوجد دليل على تحريم أكل التراب فأكله جائز، هذه سفاهة، وهذه هي السفاهة التي نعيش فيها، لكن ليست سفاهة عرفت شناعتها ووقفت عند حدها، سفاهة جاءت باسم الالتزام، ومن فعل شيئاً من ذلك الإكرام قالوا: إنه مبتدع متنطع مخرف يقبل المصحف، وسمعت بهاتين الأذنين -يعلم رب الكونين- من يقول: فلان وفلان مخرفون؛ لأنهم إذا ذكروا النبي عليه الصلاة والسلام يقولون: سيدنا، وأي تخريف أيها المخرف! إذا قلنا عن حبيبنا، عن سيد ولد آدم، ولا يقولن قائل: إنه يعني من قال في الصلاة أو في الأذان، لا لا، هو يقول: من ذكر النبي عليه الصلاة والسلام وقال: سيدنا رسول الله فهو مخرف، هذه السفاهة التي نعيش فيها، صار الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام تخريفاً وبدعة.

    إن الأدب جحده كثير من الناس، وليتهم عرفوا ذلك الجحود وقالوا: قصرنا في الأدب، ونحن اتصفنا بهذه النقيصة، لا، بل قلة أدبهم جعلوها في هذه الأيام شريعةً محكمة، من خرج عنها رموه بأنه قليل الأدب.

    هذه هي نصوص أئمتنا في هذا الأمر وفي غيره، فانتبهوا لذلك، وأسأل الله أن يرزقنا الأدب معه ومع عباده، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    1.   

    تراجم رجال أسانيد باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وما جاء في الرخصة من ذلك

    بعد هذا ندخل في المبحث الأول من مباحث الحديث، في دراسة رجال أسانيد الأحاديث للبابين المباركين.

    ترجمة محمد بن بشار بندار

    حدثنا محمد بن بشار ، تقدمت معنا ترجمته عند الحديث الثالث، وقلنا: هو الملقب بـبندار ، ومن عظيم اللطائف والموافقات أن الإمام الترمذي في هذا الحديث قرن بين شيخين: بين محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، وكلاهما بصريان، وولدا في عام واحد، وماتا في عام واحد، وكانا كفرسي رهان، لكن محمد بن بشار كان أرغب عند الغرباء، فمن جاء إلى البصرة ليطلب العلم يذهب إلى محمد بن بشار ، وأهل البصرة كانوا أرغب لـمحمد بن المثنى ، ولدا في السنة التي مات فيها حماد بن سلمة سنة سبع وستين ومائة للهجرة، وتوفيا في سنة واحدة، ولم يذكرها الحافظ ابن حجر، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين للهجرة، وحديثهما مخرج في الكتب الستة.

    ترجمة محمد بن المثنى الزمن

    قال الحافظ ابن حجر في التقريب: محمد بن المثنى بن عبيد العنزي -بفتح العين والنون- وبفتح الزاي العنزي، وهو أبو موسى البصري المعروف بـالزمن -بفتح الزاي المشددة وكسر الميم- والزمن هو: الذي يصاب بالشلل والفالج، ثقة ثبت من العاشرة، ع، أشار إلى أن حديثه مخرج في الكتب الستة، أي: أخرج حديثه الجماعة.

    وأما ما يتعلق بقوله: بـالزمن ، فقد أصيب هذا العبد الصالح بالشلل والفالج في فترة من حياته، وكان في ليلة باردة فجثى على يديه وركبتيه وتوضأ ثم صلى وسأل الله أن يطلق أعضاءه، وأن يكشف ضره وكربه، فاستجاب له، وزال ما به من زمانة وشلل وفالج، ولذلك كان بعض المحدثين إذا روى عنه لا يصفه بـالزمن ، فيقال له: لم لم تقل بالزمن؟ يقول: ما رأيته زمناً، أي: ما فيه هذه الآفة، حلت به ثم زالت عنه.

    في كتب أهل المصطلح عند مبحث التصحيف جنوا على هذا الإمام، وكنت أتلقى هذه الجناية على التسليم والقبول، وهي في ذهني حتى أزال الإمام الذهبي في هذا اليوم هذه الجناية من ذهني، فرحمه الله ورضي عنه، هذه الجناية أنهم قالوا: إنه صحف الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما من رواية أبي جحيفة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر في سفره ركعتين عندما كان في مكة وبين يديه عنزة) وهي: الرمح الصغير، عصا في أسفلها زج رمح تنصب، فيجعلها النبي عليه الصلاة والسلام سترة له، ذكروا أن محمد بن المثنى ظن أن المراد من العنزة قبيلته عنزة، وهو العنزي ، فكان يقول: صلى إلينا النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن قوم لنا شرف. وفي الحقيقة ليس كذلك، والقصة مروية في سائر كتب المصطلح، ففي فتح المغيث للسخاوي عليه رحمة الله أوردها في الجزء الثالث صفحة ثلاث وسبعين، وعزاها للإمام الدارقطني ، وفي فتح الباقي في شرح ألفية العراقي للشيخ زكريا الأنصاري في الجزء الثاني صفحة تسع وتسعين ومائتين، عند كلام العراقي :

    وصحف المعنى إمام عنزة ظن القبيل بحديث العنزة

    وبعضهم ظن سكون نونه فقال شاة خاب في ظنونه

    نعم ذاك أعرابي من الأعراب، ففهم من الحديث صلى النبي عليه الصلاة والسلام إلى عنزة -بفتح النون- ظنها إلى عنْزة -بسكون النون- أي من فصيلة الضأن، وهي المعروفة بالشاة، فكان هذا الأعرابي إذا أراد أن يصلي يجعل العنزة -بسكون النون- أمامه ويستقبلها ويصلي إليها.

    والإمام السخاوي في فتح المغيث ينقل معيبةً عن أهل اليمن، كما كنا نذكر عنهم فضائل ومحامد كثيرة، يقول عن بعض المحدثين: إنه ذهب إلى اليمن فصلى معهم صلاة العيد، فرآهم قد أتوا بعنزة -بسكون النون- وربطوها بالمحراب وصلوا إليها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج إلى صلاة العيد تنصب بين يديه العنزة، فقال لهم: علام تفعلون هذا؟ قالوا: هذه هي السنة، وظنوا أنها الشاة المعروفة، وفي الحقيقة هذا تصحيف فعله بعض الأعراب.

    وأما أن محمد بن المثنى شيخ المسلمين يصحف ويظن أن العنزة هي قبيلته فلا، نعم إنه كان يقول هذا من باب الدعابة والفكاهة مع أصحابه.

    قال الإمام الذهبي : مزح محمد بن المثنى مرةً، أي: من باب المزاح، وقال: نحن قوم لنا شرف، صلى النبي عليه الصلاة والسلام إلى عنزة، يعني: إلى قبيلتنا، فليس هذا من باب التصحيف الحقيقي فانتبه لهذا، وما وجد في كتب المصطلح من أن محمد بن المثنى صحف وظن أن المراد من العنزة هي قبيلة عنزة، هذا في الحقيقة جناية على هذا الإمام.

    وصحف المعنى إمام عنزة ظن القبيل بحديث العنزة

    وبعضهم ظن سكون نونه فقال شاة خاب في ظنونه

    فذاك تصحيف وهذا تصحيف، ذاك صحف المعنى وهذا صحف اللفظ والمعنى، عنزة -بفتح النون- ضبطها عنزة -بسكون النون-، ثم فهم منها الشاة المعروفة، فذاك تصحيف في المعنى مع إبقاء اللفظ على ما هو عليه، وهذا تصحيف في الأمرين وكلاهما وهم وخطأ.

    على كل حال نعود للحديث الأول لنتدارس إسناده على حسب الترتيب.

    الحديث الثامن من الباب السادس: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي تقدم معنا ذكره، وهو سعيد بن عبد الرحمن بن حسان أبو عبيد الله المخزومي ثقة، من صغار العاشرة، توفي سنة تسع وأربعين، أي: بعد المائتين، من رجال الترمذي وسنن النسائي.

    1.   

    ترجمة سفيان بن عيينة

    قال: حدثنا سفيان بن عيينة ، وهو سفيان بن عيينة أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة، ليته نعته بشيخ الإسلام، أو بسيد الحفاظ كما كان ينعت أمثاله، فيستحق هذا كما سيأتينا في وصفه، ولا ينزل عن درجة سفيان الثوري ومالك ، ولولا أن الله أكرم أهل الحجاز بـمالك وسفيان بن عيينة لضاع علم الأثر منهم.

    اختلاط سفيان بن عيينة في آخره

    وقد نعته الحافظ بهذه النعوت المتتابعة: ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة، إلا أنه تغير حفظه بآخره، وهذا ما سلم به الإمام الذهبي في السير، ولما نقل هذا عن المزي أنه تغير في آخر حياته قال: أقم الدليل؟ ما دليلك؟

    والتغير له حالتان: تغير بحيث يهذي الإنسان ويخلط ويفسد عقله ووعيه قبل أن يموت، فهذا هو التغير الذي يوصف به الإنسان أنه تغير.

    وتغير أحياناً في مرض الموت الذي يمتد بالإنسان أسبوعاً أو أياماً ثم يموت، وهذا لا يقال له: تغير، لأنه قد انتهى، ودخل في أول برزخ من برازخ الآخرة، وسفيان بن عيينة إذ طرأ عليه ما طرأ قبيل وفاته فلا يقال له: تغير بحيث إنه إذا حدَّث خلط وهذى وما ميز.

    وهذا التغير الذي طرأ على هذا الإمام الهمام لا ينبغي أن يوصف به وأن ينعت به؛ لأنه تغير يعتري الإنسان قبيل موته.

    تدليس سفيان بن عيينة

    وقال الحافظ ابن حجر: وربما دلس لكن عن الثقات، ولا يعلم هذا الوصف لأحد من المدلسين إلا لهذا الإمام الشريف.

    وتقدم معنا عند مراتب المدلسين وذكرت طبقاتهم الخمس، التي ذكرها الحافظ ابن حجر في تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، وأول مرتبة: من لا يدلس إلا نادراً كـيحيى بن سعيد القطان .

    والثانية: من اشتمل أئمتنا تدليسه كـسفيان الثوري أو لا يدلس إلا عن ثقة، كـسفيان بن عيينة ، ولذلك قبل أئمتنا رواياته وإن ذكرها بالعنعنة؛ لأنه علم عندهم قطعاً بعد السبر أنه لا يدلس إلا عن ثقة، وقال ابن حبان في صحيحه: أما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووه مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق، وغيرهم من الأئمة المتقين المتقنين وأهل الورع والدين؛ لأنه متى قبلنا خبر مدلس لم يبين السماع فيه، وإن كان ثقة لزمنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها؛ لأنه لا يدرى لعل هذا المدلس دلس هذا الخبر عن ضعيف يهم الخبر، أي: يوهمه ويضعفه بذكره إذا عرض، اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلس قط إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع، وهذا ليس في الدنيا لأحد إلا لـسفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لـسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة.

    إذاً: سفيان بن عيينة يدلس لكن كما قال الحافظ ابن حجر: عن الثقات، وهو من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان من أثبت الناس في عمرو بن دينار ، توفي في رجب سنة ثمان وتسعين بعد المائة وله إحدى وتسعون سنة، أخرج حديثه أهل الكتب الستة أي: الجماعة.

    تقدم معنا أن من أدب شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك مع شيخه سفيان بن عيينة عندما سئل عن مسألة فقال: إنا نهينا أن نتكلم بحضرة أكابرنا، وتقدم معنا أن سفيان بن عيينة سبق ابن المبارك بالولادة، وابن المبارك سبقه بالوفاة، توفي سنة مائة وواحدة وثمانين.

    وقد حج ابن عيينة ثمانين حجةً متتابعة، وفي آخر حجاته قال: شهدت هذا الموضع ثمانين مرة، وفي كل مرة أقول: اللهم لا تجعله آخر العهد ببيتك العتيق، وقد استحييت من ربي أن أسأله طول العمر، وما سأل في آخر حجة له فقبض بعد ذلك، والله إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه، فمنعه أن يدعو بقوله: لا تجعله آخر العهد، أي: لأحج سنةً أخرى؛ لأن الأجل قد انتهى، وأنه سيموت في رجب، فما أدرك بعد ذلك أشهر الحج.

    وهذا يعني أنه بدأ يحج وعمره إحدى عشرة سنة، ولا إشكال في ذلك، فلا أحد يستغرب من هذا، وسيأتينا خبر في منتهى الطرافة في طلبه للعلم عندما كان يطلب العلم وعمره عشر سنين وآذانه صغار كأنها آذان الفأر سيأتينا بكلام حلو عذب يقوله عن نفسه رضي الله عنه وأرضاه.

    يقول الإمام الشافعي : لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، وإذا نعت الإمام مالك بأنه شيخ الإسلام ونجم السنن فـابن عيينة ينبغي أن ينعت كذلك.

    من بدائع كلمات ابن عيينة

    ومن كلامه المحكم، وتعطيراً للمجلس بما يخرج من هذا العبد الصالح من حكم، كان يقول: من كانت معصيته في الشهوة فارجُ له، أي: الفيء والإنابة والتوبة، ومن كانت معصيته في الشبهة فاخش عليه، هذا نعوذ بالله منه؛ لأن المعاصي إما شهوات، وإما شبهات، فإذا كانت معصيته في شهوة تغلبه نفسه في الوقوع في اللذائذ المحرمة، فإنه يرجى له الفيء والتوبة، ثم استدل بحال أبينا آدم، وبحال اللعين إبليس، معصية آدم كانت من قبل الشهوة، ومعصية إبليس من قبل الشبهة، ولذلك أيهما أعظم خطراً على المسلمين العاصي أو المبتدع؟

    إن العاصي لا يضللك في يوم من الأيام، بل إذا رآك ذل وتواضع لك ويقول: يا شيخ! أنا عاصي وأنا أحبكم، ونعالكم على رأسي، وأما هذا المبتدع فليته اقتصر على بدعته وسكت، وإنما يصول ويجول على أهل الحق.

    أعرف بعض الناس من العصاة لا يرفع الخمر من رأسه طرفة عين، وهو نائم في ليل أو مستيقظ في نهار، ولما كنت أقابله أقول له: يا شيخ! يا عبد الله! أما آن لك تتوب إلى الله؟

    فيقول: يا شيخ! أنا أعلم أن الخمر حرام، ولكن ليس معنى هذا أنني كافر، والله أنا لو رأيت الكافر فإني أريد أن أذبحه وأشرب دمه، ولكن يا شيخ! أقداح معلومة من الأزل لا بد من أن تنتهي، إذا انتهى ما قدر علي، انتهى نصيبي من الخمر.

    فأقول: يا عبد الله! جاهد نفسك، فيقول: نعم، ثم يقول: يا شيخ! لا تظن أننا لا نحبكم، والله أنتم نعالكم على رؤوسنا، أنتم طلبة العلم وحملة الشريعة.

    انظر لمسكنته وذله مع إدمانه للخمر، ويسقي أولاده الصغار الخمر، لكن هو مع هذا يؤمن بالقدر ولا يستدل به على باطل، فإيمانه بالقدر حاصل، ولو قال: هذه الأقداح ليست معلومة ومقدرة لكفر، ولكن لا يجوز له أن يستدل ويحتج بالقدر من أجل تبرئة نفسه من سوء فعله، فهو أصاب وأساء، أصاب بأنها أقداح معلومة حتماً، وكل شيء بقضاء وقدر، ولا يقع شيء إلا بتقدير الله جل وعلا، ولكن أنت تمدح على فعل الطاعة وتذم على فعل المعصية، فانظر لهذا الشعور، ومن كانت معصيته في الشهوة فارج له، أما من كانت معصيته في الشبهة فاخش عليه سوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك، نسأل الله أن يحفظنا من الشهوات ومن الشبهات.

    ومن كلامه المحكم: العلم إذا لم ينفعك ضرك، حقيقةً: القرآن حجة لك أو عليك، فطالب العلم بين حالتين اثنتين: إما أن يكون خليفةً للنبي الأمين عليه الصلاة والسلام، أو للشيطان اللعين، ولا يوجد طريق وسط، فإذا انتفع هذا صار وارث النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا خلط وكدر واقتدى الناس بسوء فعله صار خليفةً للشيطان اللعين، فالعلم إذا لم ينفعك ضرك، والقرآن حجة لك أو عليك.

    وانظر لكلامه لبعض تلامذته لتعلم حالنا بعد ذلك، فإذا كان شيخ المسلمين يقول هذا عن حاله وعن حال طلبة علم زمانه، فقد جاء بعض طلبة الحديث ليتلقوا منه كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أراكم للحديث موضعاً، لستم بأهل أن يوضع الحديث عندكم، ثم قال: ولا أراني أن يؤخذ عني أهلاً، أي: لا أنا بأهل لأن أحدث، ولا أنتم بأهل لأن تتلقوا الحديث، وما مثلي ومثلكم إلا كما قال القائل: افتضحوا فاصطلحوا، أنا وأنتم عجر وبجر، وكل واحد يسكت عن عيوب صاحبه، رحمك الله ورضي الله عنك فضحت من بعدك، إذا كنت أنت تقول هذا عن نفسك، وعن شيوخ الدنيا في زمنك كـعبد الله بن المبارك والذين تلقوا عنك، وأنهم ليسوا للحديث موضعاً، ولا أنت بأهل لأن تحدث، فمن الذي سيكون أهلاً للطلب أو للتحديث بعدك؟ نسأل الله أن يتوب علينا، ولذلك كان كثير من أئمتنا يقول: لست بعالم ولا رأيت عالماً.

    ورحمة الله على الإمام الذهبي عندما يردد هذه العبارة في كثير من تراجم أئمتنا، يقول: لا أنا ولا أنت والسلام، ورحم الله امرئً عرف قدره، هؤلاء هم الأئمة، وإياك أن تظن أنهم كمحدثي زماننا، هذا عن زمانهم لا عن زماننا، هم لو رأوا أحوالنا ماذا يتكلمون علينا؟ ما أعلم، لكن الإمام الذهبي عندما يترجم لعلماء القرن الثالث من الهجرة للمحدثين في ذلك الزمن في تذكرة الحفاظ، يقول: إياك أن تظن أن هؤلاء الذين ترجموا في هذه الطبقات المتقدمة من علماء القرن الثالث للهجرة، إياك أن تظن أنهم كمحدثي زماننا، وأن واحداً من محدثي زماننا يشبههم، وإياك أن تقول: هم رجال ونحن رجال، إياك أن تظن هذا، فلا أنا ولا أنت والسلام، هذا يقوله بالعصر الذي يموج فيه أئمة الإسلام كثرةً في ذاك الوقت، من أمثال أبي الحجاج المزي ، وابن كثير ، وابن دقيق العيد ، وابن تيمية ، وابن القيم ، من أمثال شيوخ الإسلام هؤلاء، يقول: لا أنا ولا أنت في هذا الزمن، إياك أن تظن أن واحداً من محدثي زماننا يشبه أولئك، وإياك أن تقول بعد ذلك: هؤلاء رجال ونحن رجال.

    حقيقةً: لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذووا الفضل، من يتأدب مع أهل الأدب هو الذي عنده أدب، وإذا لم يكن عنده أدب فإنه يشتط على الناس.

    قصة سفيان بن عيينة في بداية طلبه للعلم

    وأما قصة ابن عيينة في موضوع طلبه العلم فهي بعبارات لطيفة ذكرها الذهبي ثم قال: في صحتها نظر، وإنما ذكرها لما فيها من فوائد وعبارات معسولة من هذا الإمام المبارك عليه رحمة الله، يقول: قال أحمد بن النضر الهلالي: سمعت أبي يقول: كنت في مجلس سفيان بن عيينة فنظر إلى صبي جاء ليحضر مجلس سفيان بن عيينة ، فكأن أهل المجلس تهاونوا به لصغره، وما وسعوا له، وما التفتوا إليه، فقال سفيان بن عيينة : كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم، وهذه الآية كان كثيراً ما يرددها بعض شيوخنا عندما يعلم الطلاب ويسأل فيقول: كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم، أي: كنت قبلكم أسأل وأنتم الآن تسألوني، ثم قال: يا نضر ! سفيان بن عيينة يقول للنضر والد أحمد بن النضر الذي ينقل القصة عن والده يا نضر ! لو رأيتني ولي عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفأر، اختلف إلى علماء الأمصار، كـالزهري وعمرو بن دينار -وقلت: هو أثبت الناس في عمرو بن دينار - أجلس بينهم كالمسمار، أي: كما لا يتحرك المسمار عندما يدخل في الخشب فهو لا يتحرك، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا أتيت -وهو ابن عشر سنين- قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير، ثم ضحك رحمه الله.

    1.   

    ترجمة محمد بن شهاب الزهري

    الزهري ، وما أدراكم ما الزهري ، هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري ، كنيته أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، من رءوس الطبقة الرابعة، توفي سنة خمس وعشرين، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين، حديثه مخرج في الكتب الستة، أخرج حديثه الجماعة.

    والحافظ ابن حجر كعادته في التقريب يوهم، وحقيقةً: إن الأئمة الجهابذة لو أن الإنسان وقف مع تراجمهم قليلاً كترجمة سفيان بن عيينة ، دون توسع كثير كحال الصحابي؛ ليظهر من هو الزهري عليه رحمة الله، فقد كان أحفظ من في عصره لحديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وأوثقهم في الرواية، وبلغ من حفظه وضبطه أنه كان يقول: ما قلت لأحد قط: أعد علي، أي: إذا سمعت حفظت.

    قال عمرو بن دينار : ما رأيت أنص للحديث من الزهري ، يعني: أحفظ وأضبط ويرويه بنصه وحروفه كما سمعه، وما رأيت أحداً أهون عنده الدراهم منه، هي عنده بمنزلة البعر.

    يتقن حفظ الحديث، وإذا رواه كأنه مصحف يتلى، وأما الدراهم والدنانير فهي مهينة عنده كأنها بعر.

    وكان الزهري يختم مجلسه بهذا الدعاء فكان يقول: اللهم إني أسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، يختم مجلسه إذا حدث بهذا الدعاء، وهو دعاء مبارك يجمع تحصيل كل خير، والاستعاذة بالله من كل شر.

    كان يقول: الاعتصام بالسنة نجاة.

    ومن كلامه المحكم: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب، فانتبه لهذا، مجالس الزيارة بمقدار مناصحة ومؤانسة، ومتى ما طالت كثر اللغط والقيل والقال والغيبة والنميمة، وأما مجالسات تأخذ ساعات وعندما يريد أن يقوم الزائر تقول له: ما زال الوقت باكراً، وقد يكون انتصف الليل وزيادة.

    وحقيقةً: لو كان يرخص في الكتابة على الجدران لكان ينبغي أن يكتب الناس في مجالسهم هذا، ولكن الكتابة على الجدران وتعليق شيء عليها من فعل أهل الهذيان، وليس فعل أهل النهى والأحلام، وإذا كنا لا نكتب على الجدران ولا نعلق عليها شيئاً فاكتبوها في القلوب.

    وكان يقول: ثلاث إذا كن في القاضي فليس بقاض، إنما يكون فاضياً: إذا كره الملامة، وأحب المحامد، وخشي العزل.

    فإذا كان يكره القاضي أن تلومه، وأن تعنفه، وأن تخطئه، ويحب أن يحمد، ويخشى من العزل فهذا لا خير فيه، وإذا كانت هذه الخلال في القاضي فهو شر القضاة.

    للإمام الزهري مكانة عظيمة في الإسلام، ومع ذلك بعض أئمتنا كأنه ارتاب لموقف وقفه الإمام الزهري أتكلم عليه فيما يأتي باختصار إن شاء الله، وأكمل دراسة بقية رجال الإسناد، وبقية المباحث، وهذا الموقف خلاصته أنه كان يتصل بالأمراء والسلاطين فجرى من أجل اتصاله بهم شيء من الكلام عليه من مكحول الدمشقي وغيره، وهو إمام علم ثقة عدل رضا، وسيأتينا كيفية ذلك الاتصال، وأنه عندما اتصل بهم لا دلس دينه ولا خدش مروءته، وإنما كان يقوم بواجب النصح، ولا حرج في ذلك إذا اتقى الإنسان ربه.

    اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.