إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [1]

شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أمر الله تعالى بتعظيم شعائره وجعل ذلك من التقوى، ومن أعظم الشعائر التي ينبغي أن نتأدب معها الكعبة المشرفة والبلد الحرام، وقد نهانا الشارع عن استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة ناهيك عن بقية الانتهاكات، وقد كان من سبق يعظمون هذا المكان ويحفظون له هيبته، ومما أمر الله بتوقيره وتعظيمه العلماء؛ لأنهم حملة الشريعة.

    1.   

    إشارات في تعظيم القبلة والبلد الحرام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فقد انتهينا من مدارسة الباب الخامس من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي عليه رحمة رب العالمين، وسنتدارس إن شاء الله الباب السادس والسابع، فأحاديث هذين البابين مرتبطة ببعضها.

    الباب السادس: قال أبو عيسى الترمذي : باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول.

    قال أبو عيسى رحمه الله: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا)، فقال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله.

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ، ومعقل بن أبي الهيثم ، ويقال: معقل ابن أبي معقل ، وأبي أمامة وأبي هريرة وسهل بن حنيف رضي الله عنهم أجمعين.

    قال أبو عيسى : حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح.

    وأبو أيوب اسمه خالد بن زيد ، والزهري اسمه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، وكنيته: أبو بكر .

    قال أبو الوليد المكي : قال أبو عبد الله -يعني محمد بن إدريس الشافعي رحمهم الله جميعاً-: إنما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها)، إنما هذا في الفيافي، وأما في الكنف المبنية له رخصة في أن يستقبلها، وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم .

    وقال أحمد بن حنبل -رحمه الله-: إنما الرخصة من النبي صلى الله عليه وسلم في استدبار القبلة بغائط أو بول، وأما استقبال القبلة فلا يستقبلها، فإنه لم ير في الصحراء ولا في الكنف أن يستقبل القبلة.

    الباب السابع: باب ما جاء من الرخصة في ذلك.

    قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، قالا : حدثنا وهب بن جرير ، قال: حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها).

    وفي الباب عن أبي قتادة وعائشة وعمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين، قال أبو عيسى : حديث جابر في هذا الباب حديث حسن غريب، وقد روى هذا الحديث ابن لهيعة عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن أبي قتادة : (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يبول مستقبل القبلة).

    قال الإمام أبو عيسى : حدثنا بذلك قتيبة قال: حدثنا ابن لهيعة ، وحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أصح من حديث ابن لهيعة ، وابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه.

    قال أبو عيسى عليه رحمة الله: حدثنا هناد ، قال: حدثنا عبدة بن سليمان ، عن عبيد الله بن عمر ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع بن حبان ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (رقيت يوماً على بيت حفصة ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة)، الشام -كما يأتينا- ضبطها الشام والشأم. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.

    هذان بابان فيهما أربعة أحاديث كما ترون، الباب السادس فيه حديث، والباب السابع فيه ثلاثة أحاديث، كلها مرتبطة ببعضها، نتدارسها بعون الله جل وعلا ضمن المباحث التي نتدارس بها أحاديث الإمام أبي عيسى الترمذي .

    المبحث الأول كما هي عادتنا حول رجال أسانيد هذه الروايات المروية عن خير البريات عليه صلوات الله وسلامه.‏

    علاقة تعظيم القبلة بعدم الاستقبال والاستدبار عند قضاء الحاجة

    وقبل أن نبدأ في دراسة أسانيد هذه الروايات المباركة أحب أن أقدم بين يدي الموضوع مقدمةً تنفعنا في بحثنا، وهي ضرورية لموضوعنا، مقدمة فيما يتعلق بالأذكار التي نقولها عند دخول الخلاء والخروج منه، وتلك الأذكار نغير بها العادات إلى عبادات، ولا يوجد أذكار في هذين البابين نقولها عندما نكون في الخلاء، وإنما يوجد أدب رفيع ينبغي أن يحرص عليه المسلم عندما يقضي حاجته، كما أنه يذكر الله عند دخوله الخلاء، وعند خروجه منه بأذكار مبينة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    أيضاً هناك أدب عندما يريد أن يجلس لقضاء حاجة البول والغائط، فسيأتينا هذا الأدب أنه لا ينبغي أن يستقبل الجهة المكرمة، جهة القبلة، جهة الكعبة المشرفة، فلا ينبغي أن نستقبلها ولا أن نستدبرها بغائطنا ولا ببولنا؛ لأننا نتجه إليها في صلاتنا، وهي جهة مباركة، فكيف نتوجه إليها عند قضاء الحاجة.

    سبحان ربي العظيم! الذي أدبنا وأحسن تأديبنا، فشرع لنا أذكاراً نقولها عند قضاء الحاجة؛ ليكون أجر قضاء الحاجة كأجر العبادة، ثم بعد ذلك شرع لنا كيفيةً عند قضاء الحاجة كأننا نريد أن نصلي، يعني: كما أنه يوجد كيفية للصلاة، فلا يجوز أن تصلي على حسب رأيك، فكذلك هناك كيفية لقضاء الحاجة، لا ينبغي أن تقضي الحاجة على حسب رأيك.

    إن من مميزات هذا التشريع الذي شرعه الله جل وعلا كتاب الطهارة، وأما هذه التشريعات والقوانين والأنظمة العفنة، فليس فيها في الأصل كتاب اسمه كتاب الطهارة، ولا يغسل وجهه بماء أو يتطهر من بول، ليس للأنظمة علاقة بهذا، ولا يوجد فيها كيف يقضي حاجته وإلى أي جهة من الجهات يتوجه، أو كيف يستنجي، وبيمينه أو شماله، أو لا يستنجي أصلاً، كل هذا ليس لهم علاقة به على الإطلاق، فسبحان من أكرمنا بنبينا عليه الصلاة والسلام، وشرع لنا ما نحتاجه لجميع حياتنا، بل لمماتنا الذي يتحقق به قول الله جل وعلا: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    كنت ذكرت في المباحث المتقدمة أن دين الله يقوم على خمسة أشياء: عقائد، وعبادات، ومعاملات، وأخلاق وآداب، وحدود وعقوبات، فنحن الآن في القسم الرابع من هذه الأقسام في قسم الأخلاق والآداب، فالأدب خير من الذهب، كما كان أئمتنا الكرام يقولون: الذي يميز المؤمن عن غيره في هذه الحياة أدبه، وليس أدبه مع الناس فقط، بل أدبه مع نفسه، وأدبه مع الحيوانات، وأدبه مع سائر المخلوقات، عندما يلتزم هدي رب الأرض والسموات، فهذا الأدب وهذا الخلق هو الذي ينبغي أن يتصف به المسلم في هذه الحياة.

    والأدب كما عرفه أئمتنا باختصار كما في فتح الباري لـابن حجر ، الجزء العاشر صفحة أربعمائة، وعمدة القاري للعيني الجزء الثاني والعشرين صفحة ثمانين، الأدب: هو استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، فالأشياء المحمودة الحسنة التي تفعلها وتقولها وتتخلق بها هي الأدب، وقيل أيضاً في ضبط الأدب وحده وتعريفه: هو الأخذ بمكارم الأخلاق، والوقوف مع المستحسنات بحيث تعظم من فوقك، وترفق بمن دونك، فهذا كله خلق وأدب، ينبغي أن تقوم به، وأن تتصف به في هذه الحياة.

    والإنسان عندما يريد قضاء الحاجة لا يستعمل اليد اليمنى لإماطة الأذى الذي يخرج منه، فإذا كانت اليد اليمنى مكرمة فالقبلة مكرمة من باب أولى، فلا يجوز أن تستقبلها، ولا أن تستدبرها عند قضاء حاجتك تعظيماً لشعائر ربك، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] .

    قال الإمام القرطبي في تفسيره عند تفسير هذه الآية في الجزء الثاني عشر صفحة ست وخمسين: الشعائر جمع شعيرة، وهي كل شيء لله فيه أمر أشعر به وأعلم، فكل شيء لله فيه أمر توجيه وإرشاد، أشعر به وأعلم فينبغي تعظيمه والأخذ به، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، والمراد من الشعائر المذكورة في هذه الآية تسمين البدن التي ستنحر في منى تعظيماً لله جل وعلا عندما يقدم بها الحاج هدياً قرباناً وتعظيماً، فتعظيم البدن تسمينها، والمغالاة في ثمنها، هذا كله من شعائر الله، فلا يأخذ أدنى ما يجزئ، وإنما يأخذ أكمل ما يستطيع، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، فهذه من شعائر الله، كما قال الله جل وعلا: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الحج:36].

    إذاً: هذه من شعائر الله، والقبلة من شعائر الله فينبغي أن تعظم وأن تكرم، فلا يجوز أن نستقبلها ولا أن نستدبرها بغائط أو ببول.

    تأدب عبد الله بن عمرو بن العاص مع البلد الحرام

    إن بيت الله الكريم في البلد الأمين واجب تعظيمه حتماً على المسلمين، وقد ذكر أئمتنا كيف كان من قبلنا يعظمون بيت الله جل وعلا، عندما يقتربون منه يريدون زيارته، وشرع الله لنا تعظيمه في حال الاقتراب منه، وفي حال الابتعاد عنه، فصارت البلد الحرام لا تغيب عن الأذهان في يوم من الأيام، فكلما دخلت الخلاء تقول في نفسك: لا أستقبل القبلة ولا أستدبرها، وإن بعدت أجسامنا عن ذلك المكان نعيش معه على الدوام، فاستمع لما كان يفعله سلفنا، وما كان يجري أيضاً من الأمم قبلنا من التعظيم لبيت ربنا ولحرم الله جل وعلا.

    روى الإمام الأزرقي في أخبار مكة، وهو من علماء القرن الثالث للهجرة، توفي بحدود عشرين ومائتين للهجرة أو قبل ذلك بيسير، أو بعد ذلك على خلاف يسير، في الجزء الثاني صفحة إحدى وثلاثين ومائة، قال: كان لـعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فسطاطان -والفسطاط هو: الخيمة التي ينزل الإنسان فيها- فسطاط في الحل وفسطاط في الحرم، فكان إذا أراد أن يذكر الله وأن يتعبد يكون في الفسطاط الذي في الحرم، وإذا أراد أن يعاتب أهله في أمر من الأمور أخرجها من هذا المكان الذي في الحرم إلى الفسطاط الذي في الحل وعاتبها هناك، وتكلم معها، ولا يحصل معاتبة منه لزوجه ضمن حرم الله وحول بيته، كأنه يرى هذا فيه شيء من الامتهان لبلد الله الحرام؛ لأن الله قال فيه: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97]، فكأنه يقول لزوجه: سلمت من العتاب ما دمت في الحرم، فهو مكان العبادة والذكر وتعظيم الله جل وعلا.

    مكانة البلد الحرام عند الأمم السابقة

    انتبه لهذا الشعور نحو البلد الحرام، وهكذا كان من قبلنا يعظمون ذلك المكان، وقد شرع لنا تعظيمه نحن هذه الأمة المباركة سواء كنا فيه أو بعيدين عنه.

    روى الأزرقي في الموضع المشار إليه آنفاً عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، قال: بلغني أن الأمة من بني إسرائيل إذا جاءت لزيارة بيت الله الجليل، لزيارة مكة وحرم الله، ووصلت إلى ذي طوى -الطاء مثلثة كما قال أئمتنا، وبعضهم رجح الضم، وبعضهم رجح الفتح، وهو موضع قريب من مكة، وقيل: إنه واد فيها يقال له الأبطح والعلم عند الله، إذا وصلت إلى ذلك المكان نزعت خفيها وحملته بيديها، ومشت حافيةً؛ تعظيماً لحرم الله جل وعلا، كأنها ترى دخول مكة بالنعال من عدم تعظيم حرم الله جل وعلا.

    وثبت أيضاً في موطأ مالك في صفحة سبع وثلاثين ومائة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: (حج الحواريون -وهم أصحاب عيسى- مع نبي الله عيسى -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- فلما وصلوا الحرم خلعوا أحذيتهم، ومشوا حفاةً؛ تعظيماً لربهم جل وعلا)، هذا هو حال الأمم السابقة في تعظيم هذا البيت، وكذلك شرع لنا تعظيمه ولو كنا في أي مكان، ولو في الصين فما يجوز لك أن تستقبل القبلة ولا أن تستدبرها عندما تقضي الحاجة، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    تعظيم القبلة والبلد الحرام.. بين زماننا وزمن السلف الصالح

    كان سلفنا يتهيبون غاية التهيب من المقام والمكث في بلد الله الحرام، ويرون أن الاختلاف إليه والتردد إليه ما بين الحين والحين أسلم من البقاء فيه على الدوام، ذكر هذا الإمام المحب الطبري المتوفى سنة (694هـ) في كتابه القرى لقاصد أم القرى في صفحة واحدة وستين وستمائة، فنقل عن إبراهيم النخعي وهو من التابعين، وعزا الأثر إلى سنن سعيد بن منصور ، قال: كانوا يرون أن الاختلاف إلى مكة أحب إليهم من المجاورة فيها، وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم لا يرون أن يقيموا في مكة المكرمة لعظم حرمتها، وحقوقها التي لا يمكن لإنسان أن يأتي بها.

    ثم روى أيضاً المحب الطبري أثراً عن السعدي وهو من أئمة التابعين، وعزاه إلى سنن سعيد بن منصور أيضاً، قال: لم يكن أحد من المهاجرين والأنصار يقيم بمكة، إنما يأتي من أجل النسك ثم بعد ذلك يرحل ولا يستقر، حتى رووا في ترجمة الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه أنه عندما جاء إلى العمرة وكان أميراً وطلبوا منه أن يمكث في مكة من أجل أن يتداول أمور المسلمين وأحوالهم، وأن يرفعوا إليه في حاجاتهم، فقال: خارج الحرم، حتى ذهب إلى الطائف، ثم قال: من له حاجة فليأت هناك، أما هذا الحرم فينبغي أن يعامل معاملةً خاصة.

    وإذا كان المسلم في أقصى الدنيا نهي عن أن يستقبل القبلة بغائط أو ببول، فنحن أولى ألا نجلس فيه لمنازعات وخصومات وعرض أحوال، ونظر في قضايا، فهذا لا يصلح، بل نخرج إلى الطائف، هذا الذي فعله هذا الخليفة الراشد رضوان الله عليه.

    وحقيقةً يتعجب الإنسان غاية العجب من المنكرات التي تعج بها مكة في هذه الأيام، والله الذي لا إله إلا هو لأن يصاب الإنسان بالعمى أيسر عليه من أن يرى هذه التلفزيونات التي هي أعلام الشيطان في بلد الله الحرام، ثم عندما يتجول أحدنا في شوارعها التي ينبغي أن تكون ذكراً وتهليلاً وصلاةً على النبي عليه الصلاة والسلام، وكل شيء فيها خشوع وتذكير للرحمن، إذا به يفاجأ ويرى الغناء وقلة الحياء والمقاهي وغير ذلك، هذا في بلد الله الحرام، حقيقةً إن الأمر عجيب عجيب عجيب، ولذلك كان أئمتنا يرون أن البعد عن مكة أسلم حتى لا يقع الإنسان في هذا الدنس، فيا ويحه عند الله من دنس هذه البقعة المباركة الطيبة المطهرة، التي كان من قبلنا إذا وصلوا إلى ذي طوى نزعوا أحذيتهم؛ لئلا يدخلوا بها إلى هذا البيت بصورة ليس فيها تعظيم لشعائر رب العالمين.

    وقد نقل ابن الصلاح في منسكه عن سيد المسلمين وإمامهم في زمنه سعيد بن المسيب : أن بعض الناس استشاره في الإقامة بمكة من أجل طلب العلم وتلقيه عن العلماء هناك، فقال له سعيد : كنا نسمع أن ساكن مكة لا يموت حتى يكون الحرم عنده بمنزلة الحل. وأنا حقيقةً أعجب لأئمتنا، فهل أطلعهم الله على غيبه، والله كأنهم ينظرون إلى أحوالنا عن طريق الغيب، وكأنهم ينظرون إلى الغيب من ستر رقيق، أعرف بعض المشايخ الذين يقال لهم مشايخ يدرسون في مكة في كليات شريعة قال: أنا أسرتي لا يمكن أن تصبر عن التلفاز وعن هذا البلاء، وهو خارج مكة في جدة، ويأتي للتدريس في مكة ولكن سكنه في جدة، وبعد فترة خف عليه الأمر، ونقل أسرته إلى مكة وبدلاً من التلفاز الواحد جعل في كل حجرة تلفازاً، فما أعلم سعيد بن المسيب وغيره من أئمتنا عندما يقولون هذا الكلام! فهل أطلعهم الله على أحوالنا عندما يقول: كنا نسمع أن ساكن مكة لا يموت حتى يكون الحرم عنده بمنزلة الحل؟

    هذا بيت الله، هذا حرم الله، من أراده بسوء جعل الله كيده في نحره، وعذبه عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، ثم يأتي بعد ذلك بعض الناس يفسد فيه ويجلس على الغناء وقلة الحياء في حرم الله بجوار الكعبة المشرفة! ودخان يشرب في كل مكان، وبنوك ربوية وتسجيلات غنائية، نعوذ بالله من هذا البلاء.

    مرة تكلمت على الغناء في بعض الأمكنة، فأرسلت سفيهة من السفيهات، وهي مدرسة في كلية التربية ورئيسة علم النقص الذي يقال له: علم النفس، تقول: أنت تقول: الغناء حرام، وأنا اشتريت أشرطة الغناء من أمام الحرم في مكة المكرمة، فلو كان حراماً لما بيع في مكة!

    فقد وصل الأمر إلى أن بعض المهابيل أو بعض الشياطين يقولون للحجاج: نريد أن تحضروا لنا دخان سجائر من عند النبي عليه الصلاة والسلام، أو سجائر من بلد الله الحرام، من هذه البركة، ويا للعجب من هذا الانحطاط الذي أصيبت به الأمة الإسلامية في هذه الأيام، وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56]، يعني: من أراد أن يفسد فليخرج إلى بلاد أخرى تسع فساده، وليس الفساد بمرخص فيه في أي مكان، ولكن وجود الفساد في الحرمين الشريفين خزي يندى له جبين الإنسان، كيف أن الناس توسعوا في الغناء وفي قلة الحياء، وفي السجائر، وفي الربا، وفي.. إلخ؟! أما كفاكم أنكم ملأتم جدة وغيرها بهذه البلية، فهل لا بد من وجود هذه البلية في مكة، في بلد الله الحرام التي طهرها نبينا عليه الصلاة والسلام، وكذا المدينة المنورة، فهذا المكان المعصية فيه أشنع، فاتركوا هذا المكان؛ لكي يأتي إليه المسلمون فيجدوا لذة الطاعة، ويجدوا البركة في هذه البلاد المباركة، لا لتدنس من هذه القاذورات، وهذه الرديات.

    إخوتي الكرام! إن مكة لها شأن عظيم، فإذا حرم علينا أن نستقبل القبلة عند قضاء الحاجة ولو كنا في الصين، فكيف لو كنا في مكة؟ كيف إذا سُمع الغناء، وفُعِل فعلُ الشياطين؟ نعوذ بالله من هذا الضلال المبين، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    وقد كره فقيه الأمة، وكل من تفقه بعده فهم عيال عليه أبو حنيفة النعمان بن ثابت كره الإقامة في أحد الحرمين الشريفين: مكة أو المدينة، وسبب كراهته أنه لورعه رضي الله عنه يعلم ما يترتب على ذلك، فقال:

    الأمر الأول: إن الذي يجلس هناك قد يصيبه ملل، ولا يبقى عنده النشاط والعمل الذي يكون عند الإنسان، فإذا اعتراه الملل في ذلك المكان فهذه منقصة ومرذلة في الإنسان ليس بعدها منقصة ولا مرذلة.

    الأمر الثاني: قال: قد يؤدي به مكثه في هذين البلدين المباركين إلى قلة احترامهما، وهذه قاصمة الظهر، وقد أخبرني بعض الناس فقال: يا شيخ! تقام صلاة الجمعة في المسجدين الطاهرين المباركين، وبعض الناس يعكفون في بيوتهم على رؤية أفلام تبث من إسرائيل فيها نساء عراة كما ولدن، كل هذا بواسطة أَعلام الشيطان التي نصبت في هذه الأيام على بيوت المسلمين في بلد الله الحرام.

    الأمر الثالث: يقول: يكره الإقامة خوف ارتكاب ذنب ووزر في ذلك المكان، وهذا قاصمة الظهر، إن البعيد عن الحرمين يحن ما بين الحين والحين؛ يريد أن يذهب إليهما للطاعات، ومن كان فيهما فإن شوقه يتناقص وقد ينعدم، وأنا أدركت بعض الشيوخ الكبار إذا أتى موسم الحج ولم يتيسر لهم أن يحجوا -يعلم الله أدركتهم- ومنهم والدي رحمة الله عليه، يجلس ليلة العيد يبكي حسرة على ما فاته من تعظيم لبيت الله، ولا يعرف النوم، ولا يرقأ له دمع، ثم بعد ذلك في يوم العيد لا يسلم على الناس إلا من باب الإقامة لتعظيم شعائر الله، وبعض من أقام بالحرم تراه لا يبالي يمرح ويلعب ويضحك ويفخر، ولو ابتعد عن حرم الله وتعلق قلبه به لكان خيراً له.

    بلغ من احتراس بعض أئمتنا وهو الإمام أبو عمرو الزجاجي محمد بن إبراهيم بن يوسف ، توفي سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة للهجرة، وكان في بلد الله الحرام الطاهر مكة المكرمة، قال عنه أئمتنا: صار رئيسها والمنظور إليه فيها، أي: هو من العلماء العاملين، صار هو الرئيس في مكة والذي ينظر إليه، بلغ من احتراسه كما روى أبو نعيم في الحلية في الجزء العاشر صفحة ست وسبعين وثلاثمائة، والفاسي في العقد الثمين في أخبار البلد الأمين، في الجزء الأول صفحة أربعمائة وثمانين، عن هذا الإمام الصالح أنه أقام في مكة أربعين سنة ما بال فيها ولا تغوط، فإذا جاءته حاجة الإنسان يخرج إلى الحل، وقد يقول قائل: كيف؟ الجواب: أولاً حاله ليس كحالنا، فأحدنا لازم أن يأكل ثلاث وجبات، بخلافه هو يأكل قليلاً، ثم بعد ذلك عندما يريد أن يقضي الحاجة يكون في اليوم مرة أو في اليومين مرة فيذهب إلى الحل، إلى جمرة العقبة -مثلاً- أو إلى التنعيم.

    ولا يقولن قائل: إن هذا تنطع وبدعة، فالذي يتهم هذا بذلك هو المتنطع والمبتدع، ولا نقول: إن من لم يفعل هذا فقد أساء، فقضاء الحاجة في ذلك المكان مرخص فيه، قد فعله نبينا عليه الصلاة والسلام والسلف الكرام، لكن لو قدر أن الإنسان أراد أن يأخذ بشيء من الاحتراز الزائد كما نقل عن عبد الله بن عمرو : أنه كان له فسطاطان، فسطاط في الحل وفسطاط في الحرم، وقال: أنا لا أمنع قضاء الحاجة في هذا المكان، ولكن يكفينا ما عندنا من ذنوب وعيوب، فلا أريد أن أترخص في هذا الأمر بل أخرج إلى الحل فأقضي حاجتي هناك وأعود، أما هذا المكان المبارك فإني أنزهه عن خروج فضلات ونجاسات مني تقع على أرضه الطيبة، وهذا -كما قلت- زيادة أدب منه واحتراس من أجل أن يخفف ما عنده من تقصير، وعدم إجلال على وجه التمام لهذا المكان المبارك العظيم.

    هذا هو حال سلفنا إخوتي الكرام نحو بلد الله الحرام، وكان هذا العبد الصالح أبو عمرو الزجاجي يقول كما في القرى لقاصد أم القرى: من جاور مكة وقلبه متعلق بغير الله فقد ظهر خسرانه، أفي هذا المكان الذي هو أشرف البقاع على الإطلاق لا زال قلبك يلتفت إلى مكان آخر وإلى بلاد أخرى، فقد ظهر خسرانك.

    ينبغي أن نعي الأدب، والأدب خير من الذهب، ومن لم يجالس ملوك الأدب أسرع عليه العطب، فكيف بملك الملوك ورب العالمين سبحانه وتعالى؟! ولذلك بلد الله الحرام والكعبة المشرفة بيت الله العتيق لها مكانة عظيمة وقداسة سليمة، تحرم علينا أن نتوجه إلى ذلك المكان بفضلاتنا، سواء استقبالاً أو استدباراً تعظيماً لشعائر الله، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    وقد ورد كما تقدم معنا الأحاديث في النهي عن ذلك، ولو لم يرد لكان الأدب يحتم علينا ألا نستقبل القبلة وألا نستدبرها ببول أو بغائط؛ إجلالاً لذلك المكان؛ لأن عندنا أدلة كثيرة في تعظيم شعائر الله، ولذلك ينبغي أن نراعي الأدب في جميع أحوالنا، ونحن في زمن ضيعنا فيه العلم النافع بعد أن ضيعنا الأدب، فقد فقد مع سلفنا.

    اتصل بي مرةً بعض الإخوة من قريب بعد موعظة لعله كان فيها حاضراً، وأنظر إلى وجهه كوجه الذي سأل في بلاد الشام قال: زوجتي تقول: الله فوقها، والذي فوقها ما فعلت كذا، هل هذا صحيح أو لا؟ وهذا الأخ اتصل في الساعة الحادية عشر والنصف وخمس دقائق من الليل، وأخذ في عرض ما عنده قرابة ربع ساعة إلى الثانية عشرة، وخلاصة أسئلته: أنت تقول: ينبغي أن نتقيد بالمذاهب الأربعة، فما الدليل على هذا؟ والحنفية عندهم تخليط وتفريق وأقوال لا دليل عليها منها وضوء النبيذ، والرجل يهمس بما لا يعرف.

    قلت له: يا أخي الكريم! أنا أريد أن أقول لك باختصار: إذا ضيعنا العلم فلنحافظ على الأدب على الأقل، لكن لا علم ولا أدب.

    قال: ماذا تقصد؟

    قلت: ليس الآن وقت مناظرات ومهاترات، بقي ثلاث ساعات لأذان الفجر.

    قال: لا أعلم أنك كنت نائماً، قلت له: هل من اللازم أن تعلم أي كلام بيني وبين زوجتي حتى تنظر هل أنا نائم أو لا؟ فإذا رأيتني صاحياً تتصل، وإذا رأيتني نائماً لا تتصل، إذا لم يكن عندك علم فليس عندك أدب، وأنت لك شأن ولك هذا المكان، ومع ذلك ليس عندك أدب، فقال لي بعض الأهل: أنت تقسو عليه في الكلام؛ لأنه شيخ فقلت: أريد أن أعلم هل هذه الأمة التي شوشت على الناس عقولها ودينها إذا ضيعوا علمهم أما عندهم أدب مع الله ومع خلقه، تتصل لإنسان في الساعة الثانية عشرة ليلاً لمهاترات، هذه أحوال الأمة الإسلامية التي نعيش فيها.

    1.   

    الأدب وبعض صوره عند السلف

    فهذا الأدب لا بد من ضبطه، ورحمة الله على الإمام الشافعي عندما يقول: اجعل أدبك دقيقاً، وعلمك ملحاً، يعني: إذا أردت أن تعيش في هذه الحياة فاجعل الأدب كالدقيق، والعلم كالملح، وإذا أردت أن تخرج الخبز وتعجن العجين فإنك تضع قليلاً من الملح مع دقيق كثير، لكن الأدب قليل منه لا يكفي، فالأدب لا ينبغي أن يخلو منه بشر، سواء كان عالماً أو لا، ذكراً أو أنثى، كبيراً أو صغيراً، أدب في جميع حركاتك، أما العلم فقليل منه يكفي كالملح، فنحن ضيعنا الدقيق، وحتى الملح ما بقي عندنا، فلا علم ولا أدب.

    أدب الإمام أحمد مع الشافعي

    الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله ورضوانه عليه ما مد رجليه إلى جهة بيت الشافعي، ولو كان بينه وبين بيت الشافعي أربع سكك، وأربع طرق فاصلة؛ لأنه أستاذه وإمامه، وقد يأتي السفيه من سفهاء هذه الأيام ممن لا يتأدبون مع الله ولا مع عباد الله يقول: ما الدليل على هذا؟ صار يقول كل سفيه لكلام أئمتنا ما الدليل؟

    رحمة الله على الإمام أحمد عندما ذكر مرةً مسألة، فقالوا: ما الدليل عليها؟ قال: إذا لم يكن عليها دليل فعندنا قول الشافعي ، الذي يقول الله فيه وفي أمثاله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83]، وهذا لا يكون بأهواء ولا بآراء، إنما آداب تستنبط من نصوص الشريعة الغراء.

    أدب الإمام أحمد مع ابن طهمان

    يروي أئمتنا -وهذا في جميع كتب تراجم رواة السنة المطهرة- في ترجمة إبراهيم بن طهمان، أنه ثقة عدل رضا من أهل الخير والصلاح والفلاح.

    ذكر بعد موته في مجلس الإمام أحمد ، قال: وكان الإمام أحمد متكئاً من علة أي: مرض، فاستوى جالساً، وقال: ما ينبغي أن يذكر الصالحون ونتكئ، يذكر إبراهيم بن طهمان في مجلسنا ونحن في حالة اتكاء، هل هذا أدب مع أئمتنا؟ وهل هذا احترام لهم؟ وكما قلت: ما أكثر سفهاء هذه الأيام، يأتي أحدهم ويقول لك: ما الدليل على أن ما فعله أحمد بن حنبل جائز؟ ولا يتورع سفهاؤنا عن أن يقولوا: هذا بدعة، ولا يتورعون -أيضاً- أن يقولوا: هذا يؤدي إلى الغلو وإلى الشرك الأكبر، فيرددون ما شاءوا، أفعال يفعلها أئمتنا الكرام الذين جاء الدين عن طريقهم، ثم يأتي سفيه في هذه الأيام يعترض عليها طالباً الدليل!

    أي دليل أقوى من قول الله: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، أوليس هؤلاء أولياء الله؟ أوليس هؤلاء أحباء الله؟ أوليس هؤلاء الذين اصطفاهم الله لحمل دينه وتبليغ رسالة نبيه عليه الصلاة والسلام؟ فإذا ذكروا أمامك كأنه ذكر أرسطو أو أفلاطون أو فرعون، أما ينبغي أن يكون لذكرهم في قلبك إحساس؟ فإذا كنت متكئاً تعدل هيئتك وتقول: هؤلاء أولياء الله، لنتأدب معهم، وكما نتأدب معهم في حال وجودهم نتأدب معهم في حال غيبتهم، هذا أحمد يفعله، كما في ترجمة إبراهيم بن طهمان في تذكرة الحفاظ في الجزء الأول صفحة ثلاثة عشرة ومائتين، وفي سير أعلام النبلاء في المجلد السابع صفحة واحدة وثمانين وثلاثمائة.

    وإبراهيم بن طهمان هذا يقول عنه الإمام أحمد : كان شديداً على الجهمية لكنه كان مرجئاً، وسمعت لبعض السفهاء منذ عدة أيام شريطاً يقول: إن الحنفية كلهم مرجئة وأولهم أبو حنيفة فهم أهل بدعة وضلال.

    لم أيها السفيه الضال؟ قال: لأنهم يقولون: العمل ليس من الإيمان فهم مرجئة، أقول: انظر لكلام الإمام أحمد في إبراهيم بن طهمان .

    كنت قد حققت إرجاء أبي حنيفة ، ومن نسب إليه الإرجاء من سادات علماء هذه الأمة الكرام، فوجدته إرجاء لا محظور فيه، وغاية ما قالوا: إن العمل ليس من الإيمان، أي: ليس من مسماه، وليس من أركانه، ولكن إن فعلته صرت من الصالحين، وإن تركته صرت من الفاسقين، ليس معناه: أن وجوده وعدمه سواء، لا أحد قال هذا، وعليه فخلافهم مع جمهور أهل السنة خلاف لفظي اصطلاحي لا يترتب عليه أي فارق أو فرق ولا إشكال، فأهل السنة الذين قالوا: الإيمان قول واعتقاد وعمل، إقرار باللسان، تصديق بالجنان، عمل بالأركان، قلنا لهم: فإذا ترك تصديق واعتقاد الجنان، قالوا: يكفر، وترك إقرار اللسان قالوا: يكفر، وترك العمل بالأركان قالوا: قف عند حدك، ما يكفره إلا الخوارج، وما يخرجه من الإيمان إلا المعتزلة، ثم أنتم جمهور أهل السنة ماذا تقولون فيه؟ نقول: مؤمن بإيمانه، فاسق بعصيانه، هذا هو خلاف أبي حنيفة للجماهير.

    إذاً: أبو حنيفة يقول: إن ترك العمل ليس بكفر، حتماً إذا لم يستحل هذا بالاتفاق، وإنما ترك الواجبات كسلاً، وارتكب المنهيات شهوةً لا استحلالاً فالعمل من مكملات الإيمان لا من مسماه، ففي هذه الحالة ما يكفره إلا الخوارج، وما يخرجه من الإيمان إلا المعتزلة، وعليه يبقي الخلاف بينهم لفظياً، ولا يثيره لا سيما في هذه الأيام إلا من لعنه الرحمن.

    يقول بعضهم كما في شريط عندي أبو حنيفة والحنفية كلهم ضلال؛ لأنهم مرجئة.

    أقول: انظر لكلام الإمام أحمد الذي يعدل جلسته وكان متكئاً عند ذكر المرجيء، يقول: كان مرجئاً شديداً على الجهمية، ومعنى مرجئ أنه خالفنا في الاصطلاح فقط.

    إبراهيم بن طهمان جاء إلى نيسابور ولذلك نسب إليها؛ لأنه استوطنها فترة ثم استقر بمكة، ويقال له: النيسابوري المكي، وسبب إقامته في نيسابور أنه مر بهم وهم جهمية ينكرون صفات رب البرية، وكان ذاهباً إلى حجه، فقال: الإقامة مع هؤلاء أفضل من الحج، فترك الحج وجلس معهم سنين حتى غيرهم عن مذهب الجهمية، لكن قال الإمام أحمد : نقلهم من الجهمية إلى الإرجاء، إرجاء سني ليس بإرجاء بدعي لا محظور فيه، ثم بعد أن اطمأن أن ضلالات الجهمية زالت من أهل نيسابور شد رحله وذهب إلى مكة وقبض فيها رحمة الله ورضوانه عليه.

    أدب ابن طهمان وعدم خوضه فيما لا يعلم

    ومن لطائفه وجودة ذهنه أنه كان في مجلس الخليفة المهدي، فسأله الخليفة المهدي عن مسألة فقال: لا أحسن الجواب عليها، فقال: عطاؤك كذا وكذا في الشهر، وأنت لا تحسن الجواب على هذه المسألة، قال: وما دخل عطائي في هذه المسألة، يا أمير المؤمنين! أنا آخذ على ما أحسن، لا على ما لا أحسن، ولو أعطيتموني على ما لا أحسن لنفد ما في بيت المال ولم ينفد ما لا أحسن، ما أحسنه أتكلم فيه، وأما ما لا أحسنه أسكت عنه، فتجلى في عين المهدي، وزاد في إكرامه وتقديره واحترامه، ورحمة الله على الإمام الشافعي عندما يقول:

    كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي وإذا ما ازددت علماً زادني علماً بجهلي

    نحن نتعلم العلم لا لنصبح علماء، بل لنكشف جهلنا فقط، ونعرف الجهل الذي كنا عليه، وأننا كنا على جهل، وعلمنا خلافه، أما العلم هذا فإنه لله جل وعلا.

    العلم للرحمن جل جلاله وسواه في جهلائه يتغمغم

    ما للتراب وللعلوم وإنما يسعى ليعلم أنه لا يعلم

    إنك أنت ومن قبلك ومن بعدك حالكم كما قال الله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، وعلم الخضر وعلم كليم الله موسى على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه ليس في جنب علم الله إلا كما أخذ عصفور من البحر، كما قال الخضر لموسى: ماذا نقص العصفور من البحر عندما أخذ بمنقاره قطرةً من ماء؟ وهو الذي أخبر الله أنه آتاه رحمة من عنده، وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف:65]، يعني: أنت ستعطينا مكافأة على ما نحسن أو على ما لا نحسن؟ ما لا نحسن لا يمكن أن نكافأ عليه؛ لأنه لا يمكن أن يحصى ولا أن يعد.

    صورة أخرى من أدب أحمد بن حنبل مع الشافعي

    إن مد الرجلين في المجالس ينبغي أن نضبطه وأن نعتني به، فهذا الإمام أحمد كان يراعي نفسه فلا يمد رجليه إلى بيت شيخه أبي عبد الله الشافعي.

    وكان يقول: ما صليت صلاةً منذ ثلاثين سنةً إلا ودعوت للشافعي واستغفرت له، فقال له ولده عبد الله: ومن كان الشافعي؟ قال: كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل لهذين من خلف أو عنهما من عوض؟ يعني لا يمكن لإنسان أن يأتي ببدل عنهما.

    ولما كان الشافعي يركب بغلته كان أحمد يمشي بجوار دابته فاعترض يحيى بن معين عليه، وقال: أبا عبد الله! أما يكفى أنك تثني عليه حتى صرت تمشي أيضاً بجوار بغلته وهو يركب، فقال أحمد: ويحك، لو لزمت ذنب بلغته لانتفعت.

    أي: أنت لا تمشي بجنبه فحسب، بل امش وراء البغلة لتنتفع من هذا الإمام، ووالله لو لم يكن لنا إلا رؤية له لكفى، فكيف وكل حركة منه فقه وأدب شرعي يتأدبه الإنسان، وليس الأدب ما تسمعه من الكلام.

    إن ضعف الأمة واقع؛ لأنها تجد من يؤدبها بالكلام ولا يؤدبها بالفعل، فأنت لا تجد من تقتدي به، بل إذا نظرت إلى أحد فإنك لا ترى خشوعاً ولا ترى وقاراً، فيقال: متكلف فقط، كيف سيحصل لأمتنا في قلوبها خشية؟ وهذه هي أحوالنا.

    وأما أولئك الكرام البررة، والله لو لم تسمع منهم كلمة فإنه يكفيك أن تنظر إليهم لتستقر الخشية في قلبك، ثم إذا تكلم بالكلمة الواحدة تحيي الفئام من الناس.

    ولما أخبر الإمام الشافعي عليه رحمة الله بما يفعله أحمد نحوه، وبما يتحدث به الناس أن أحمد يدعو للشافعي، وأن أحمد يزور الشافعي، وأن أحمد تلميذ للشافعي، ففي هذا ثناء عظيم للإمام الشافعي، فأرسل إلى أحمد يقول له:

    قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تفارق منزله

    إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله فالفضل في كلا الحالين له

    يقول: هو الذي يتفضل علينا بالزيارة، ونحن إذا زرناه فإننا نزوره لما عنده من فضل.

    فأجاب أحمد عن ذلك:

    إن زرتنا فلفضل منك تأتينا أو نحن زرنا فللفضل الذي فيكا

    فلا عدمنا كلا الحالين منك ولا نال الذي يتمنى فيك شانيكا

    هذا هو أدب أئمتنا مع بعضهم.

    أدب الشافعي مع مالك

    وكما تأدب الشافعي مع أئمته تأدب التلاميذ معه، فالإمام الشافعي كان يقول: ما استطعت أن أشرب الماء بحضرة مالك، حاله: أنا تلميذ للإمام مالك أأشرب الماء ومالك ينظر إلي؟ ما استطعت ذلك هيبةً وإجلالاً له.

    ويقول الشافعي: ولما كنت أقرأ عليه الموطأ وأقلب الورق أقلبه قلباً خفيفاً.

    انظر للأدب: لئلا يتشوش بهم الإمام مالك ولئلا ينزعج، يراعي قلب الورقة حتى لا يخرج لها صوت، حقيقةً هذا هو الأدب الذي كان عليه أئمتنا.

    وأما إنسان تراه جالساً أمام بيت الله الحرام، أمام الكعبة المشرفة ورجلاه ممدودتان إلى الكعبة، والمصحف أخذه وطرحه على الأرض، فإذا قلت له: يا عبد الله! ضم رجليك، والمصحف ارفعه من الأرض، فيقول: ما الدليل؟ هات دليلاً على أنه لا يجوز أن نضع المصحف على الأرض؟

    الدليل أنك قليل أدب! ماذا تريد أكثر من هذا؟ تضع كلام الله على الأرض بدلاً من أن تضعه على رأسك، ثم تقول: ما الدليل؟ هل فعلك هذا تعظيم للمصحف أو امتهان له؟ إن وضعت المصحف على الأرض وقصدت الامتهان فقد كفرت بالرحمن، وإن وضعته جهلاً فأنت قليل أدب، فاختر الكفر أو قلة الأدب.

    وكنت مرةً في مسجد نبينا عليه صلوات الله وسلامه وبعض الناس يقرأ، فجاءت سجدة التلاوة فطرح المصحف فوق الأحذية، وبجواره رجل حمل المصحف ووضعه على ركبتيه ينتظر أن يرفع هذا من السجود، والله وأنا أنظر، ذاك وهو ساجد مد يده وأخذ المصحف من يد الرجل وطرحه فوق الأحذية مرةً ثانية وهو ساجد، ثم بعد أن رفع رأسه قال للرجل: لم أخذت المصحف؟ قال: يا أخي! أنت وضعته فوق الأحذية، قال: ما الدليل على أن هذا حرام؟ الدليل أنك تحتاج أن تضرب رقبتك، أعوذ بالله من غلظ الأكباد التي نعيش معها في هذه الأيام، أما عندك قول الله: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    وأرى أحياناً بعض الناس في بعض المساجد يأتي ليصلي السنة فيمسك المصحف من الدرج ويطرحه على الأرض ثم يصلي السنة حتى إذا انتهى أخذ المصحف، يا هذا صل السنة، ثم قم بأدب واستلم كتاب الله وقبله وامسح به وجهك، ثم اجلس واقر فيه، أما أن تضع المصحف على الأرض حتى تنتهي من السنة ثم تأخذ المصحف وتقرأ فيه، فهذا ليس من الأدب أوليس هذا كلام الله: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]؟

    لا بد من وعي هذا، ولا بد من ضبط هذا، فبيت الله القبلة، لا تمد رجليك إليها إلا إذا كان عندك تعب، وإعياء، وجهة القبلة لتكن مكرمة عندك، وما ذكر اجعله دليلاً لما لم يذكر، وإذا انتهيت عن امتهانها ببول أو بغائط، فينبغي أن تصونها عن أنواع الامتهانات الأخرى، وقد كان أئمتنا الكرام يحققون ذلك.

    هذه صورة من الصور التي يجري حولها لغط في موضوع الأدب، وسأذكر أربع صور ضرورية كما قلت.

    1.   

    الأدب مع الوالدين

    الصورة الثانية: المشي مع والديك أو مع شيخك، أو مع كبير في السن وقور، فتأدب معه، ولا أقول: امش خلفه، فهذا ذل لك وفتنة له، ولكن إياك أن تتقدمه، كما أن المشي خلفه مذموم، وما ينبغي أن يحصل هذا فالمشي أمامه أشد ذماً ونهياً، ولكن تمشي على جانبيه يميناً أو شمالاً، وأما أن تمشي بين يدي أبويك، أو بين يدي شيخك، أو بين يدي من هو كبير في السن يحتاج أن يوقر، فهذا حقيقةً قلة أدب، فإن قال: ما الدليل؟ قل له: لا أدب عندك، هذا هو الدليل، تعلم الأدب لتعرف الأدلة على أن هذا لا ينبغي أن يصدر منك.

    يقول عبد الله بن محيريز، وهو من أئمة التابعين كما سأذكر في ترجمته، والأثر في الحلية في الجزء الخامس صفحة اثنتين وأربعين ومائة، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد صفحة ثمان وثمانين وثلاثمائة: من مشى بين يدي أبيه فقد عقه، إلا أن يمشي فيميط الأذى عن طريقه، ومن دعا أباه باسمه أو بكنيته فقد عقه، إلا أن يقول في خطابه: يا أبت! وما عدا هذا فإنه عقوق.

    وعبد الله بن محيريز من العلماء الربانيين، يقول عنه الإمام الذهبي في السير: هو الإمام الفقيه القدوة الرباني، من العلماء العاملين، كان من سادة التابعين، وقد نشأ في حجر الصحابي الجليل أبي محذورة في مكة، ثم انتقل بعد ذلك إلى بيت المقدس، وهو ثقة، حديثه مخرج في الكتب الستة، توفي سنة تسع وتسعين للهجرة أو قبلها رحمة الله عليه ورضوانه.

    انظر لهذا الأدب، وهكذا من مشى بين يدي شيخه فما احترمه، أو بين يدي رجل كبير وقور ينبغي أن يجل فما احترمه ولم يجله.

    فإن قال قائل: ما الدليل؟ فقل له: إن الدليل دليل الأدب هو: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، ومتى احتاج الأدب إلى دليل؟ ولكن لما فقدنا الأدب في هذه الأيام صار كل شيء يأتيهم يقولون: هات الدليل على ذلك.

    سأل مرةً بعض الناس أخاً لي في الله، وخلاصة سؤاله: يقول: إن زوجته تذهب إلى مسبح مختلط رجالاً ونساءً لتسبح، وحتماً تكون عارية، فقال: أهذا حلال أم حرام؟

    قال له: هذا حرام.

    فقال: أعليّ إثم أم لا؟

    قال: عليك إثم، فأنت زوجها وأنت مسئول عنها، (وكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته)، وهذا نوع من الدياثة، فإن كانت الدياثة العظمى فعل الفاحشة، فهذه قريبة منها.

    قال ذلك الرجل: كل هذا لا يقنعني، ائتني بدليل على تحريم ذهاب زوجة الإنسان إلى المسبح، وأنها إذا ذهبت وسبحت في مسبح مختلط أن على زوجها إثم وأنه عاص.

    قال له هذا الأخ: أتريد دليلاً أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا ذهبت زوجة أحدكم لتسبح في مسبح مختلط رجالاً ونساءً فهو ديوث، والديوث حرام عليه رائحة الجنة؟ قال: نعم.

    قال: لا يوجد حديث مثل هذا، قال: إذا: لا يوجد دليل على التحريم، قال: أنت تريد دليلاً بهذه الشاكلة؟ قال: نعم، قال: لا يوجد، قال: إذاً: لا دليل على التحريم.

    وسفاهة هذا السفيه الديوث في شهوته، كسفاهة هؤلاء في تنطعهم وبدعهم وقلة أدبهم، فهي هي، ولكن المخارج تختلف فقط، والأوجه تتنوع، فذاك في شهوة وهذا في شبهة، وكل منهما قليل الأدب بعيد عن الرب جل وعلا.

    إن الأدب إخوتي الكرام! حقيقةً إذا فقده الإنسان فقد الحياة أجمل به.

    ما وهب الله لامرئ هبةً أجمل من عقله ومن أدبه

    هما جمال الفتى فإن فقدا فإن فقد الحياة أجمل به

    قيل لشيخ الإسلام عبد الله بن المبارك، ما خير ما يعطاه الإنسان؟

    قال: غريزة عقل، أي: يكون ذا عقلٍ واعٍ منورٍ نيرٍ.

    قالوا: ثم ماذا؟ قال: أدب حسن.

    قالوا: ثم ماذا؟ قال: أخ شقيق تستشيره وينصحك، قالوا: ثم ماذا؟ قال: صمت طويل.

    قالوا: فإذا انعدمت هذه الأمور، أي: لا عقل، ولا أدب، ولا أخ ناصح، ولا صمت؟ قال: فالموت خير للإنسان.

    حقيقة: إن من ليس عنده عقل يعلم به، ولا أدب يتأدب به، ولا أخ ينصحه ولا يقبل إن نصحه، وليس عنده بعد ذلك سكوت وصمت، بل ثرثرةٌ لا نهاية لها، والله لو مات لكان خيراً له وأحسن، أي أن الموت خير له من أن تنزل عليه صاعقة فتريله وتريح الأمة منه، فانتبه لهذا الأدب الذي كان يحرص عليه أئمتنا.

    عبد الله بن محيريز هذا يقول عنه الإمام الأوزاعي : ما تقاصرت نفسي عند أحد إلا عند عبد الله بن محيريز . أي: أنني إذا جلست عنده أشعر أنني أنا التلميذ وهو الشيخ، وكان يقول -أيضاً-: من كان مقتدياً بعالم فليقتد بمثل عبد الله بن محيريز ، هذا من يقوله؟ إنه شيخ الإسلام الإمام الأوزاعي.

    ولما جاء خبر وفاة عبد الله بن محيريز قال رجاء بن حيوة شيخ أهل الشام في زمنه: والله إن كنت أعد بقاءه أماناً لأهل الأرض، يعني: أن الله يحفظ الناس بهذا العبد الصالح التقي النقي.

    وفي الحلية وسير أعلام النبلاء، والكتب التي ذكرتها في ترجمته: أنه لما بلغه موت عبد الله بن عمر قال: والله كنت أعد بقاءه أماناً لأهل الأرض.

    1.   

    تأدب العلماء مع بعضهم في مجالسهم

    الأمر الثالث: الأدب الذي ينبغي أن نتأدب به السكوت لا سيما مع العلماء الأجلة الأحياء والأموات فإذا ذكروا فاسكت والتزم الأدب، ولا داعي لفضول كلام وثرثرة بحضرتهم، والذي لا يلتزم بهذا حقيقةً: لا أدب عنده، وقد غضب الله عليه، وانظر لحال أئمتنا وأدبهم، وسبحان من أدبهم ذلك الأدب الرفيع العال.

    أدب أحمد بن الحواري مع هشام بن عمار

    فهذا أحمد بن عبد الله بن أبي الحواري، الذي كان يقول عنه الجنيد : إنه ريحانة أهل الشام.

    وكان ابن معين سيد المحدثين يقول: إني لأحسب أن الله يمطر أهل الشام بـأحمد بن أبي الحواري ، أي: أن المطر ينزل هناك لوجود هذا العبد الصالح.

    وهو كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب: ثقة زاهد من العاشرة، توفي سنة ست وأربعين ومائتين للهجرة، وحديثه في سنن أبي داود ، وسنن ابن ماجه الذي هذا حاله، ويعد ريحانة أهل الشام، ويحسب أن الله يمطر أهل الشام بسببه، يقول: إذا حدثت في مكان فيه مثل هشام بن عمار ينبغي للحيتي أن تحلق، يقول: أنا إذا حدثت في بقعة أو في بلد فيها مثل هذا الشيخ الصالح هشام بن عمار -سأذكر حاله- وهو من شيوخ البخاري ، يجب أن تحلقوا لحيتي، وحلق اللحية أكبر منقصة في الرجل؛ لأنها علامة الرجولة والشهامة، كأنه يريد أن يقول: إذا حدثت بحضرة الكبار فأنا قليل الأدب، وإذا كان ذلك فهذه اللحية التي هي عنوان الأدب والرجولة أزيلوها، أزيلوها من أجل أن تظهر حقيقتي، فكيف يكون عندي لحية ولا أدب عندي؟ هذه بلية، ووالله لو عرف الناس هذا، ووقفوا عند حدهم لاستراحت الأمة، ولكن إنسان يخبط كما تخبط البهيمة لا يستطيع أن يقرأ آية، ولا أن يقرأ حديثاً، وإذا حفظ آيةً أو حديثاً لا يستطيع فهمهما، ثم يأتي بعد ذلك يلبس ويضلل ويزعم أن غيره لا يعرف الفروع من الأصول، وهو حقيقة لا يعرف الفروع ولا الأصول، والأمة شقيت لأمثال هؤلاء السفهاء الذين لم يسعوا إلى أن يوجهوا الأمة، ولا تركوا توجيهها لغيرهم.

    ورضي الله عن علي كما في كتاب الاعتبار للناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي عندما دخل -عليه الرضوان- مسجد الكوفة ورجل يحدث، فدعاه علي وقال: أتعرف ناسخ الحديث من منسوخه؟ قال: لا.

    قال: أتعرف محكم القرآن من متشابهه؟ قال: لا.

    قال: أتعرف عامه من خاصه؟ قال: لا.

    قال: أنت من؟ قال: أنا ابن فلان، قال: أنت ابن اعرفوني، اخرج من مسجدنا ولا تحدث فيه، أي: أنت تريد أن يعرفك الناس، ولا تعرف ما عندك من عدة، من الذي أدبك؟ من الذي ألزمك؟ ونسأل الله الستر والعافية وحسن الخاتمة.

    ولا أقول ما أقول تبريراً لنفسي في التحديث، والله الذي لا إله إلا هو! عندما آتي من أجل أن ألقي موعظة أقول وأنا في الطريق والله على ما أقول شهيد: ربي أسألك ألا تخسف الأرض بي، في زمن صار صعلوك مثلي يتكلم، ليس عندي شك أنه زمن سوء وضلالة، وهذه هي الأيام التي نعيش فيها ونسأل الله حسن الختام، لكن الإنسان عندما ينظر ويرى هذه البدع التي لا نهاية لها، والهرج والمرج الذي لا حد له فيقول: مع ما عندي من قصور وتقصير وضلال وأباطيل، ماذا يعمل هشام ؟ ونفوض أمرنا إلى ربنا جل وعلا.

    هشام بن عمار السلمي الدمشقي من شيوخ الإمام البخاري ، وقد حدث عنه في صحيحه، وأخرج حديثه أهل السنن الأربعة، وأما الإمام مسلم فلم يرو عنه؛ لأنه ما وصل إلى بلاد الشام ولا رآه، ولم يرحل الإمام مسلم إلى بلاد الشام، من أجل ذلك لم يتلق عن هشام بن عمار .

    توفي هشام سنة خمس وأربعين ومائتين للهجرة، وهو من أئمة الحديث، ومن أئمة القراءة، وهو أحد الراويين عن قارئ أهل الشام عبد الله بن عامر ، قال الشاطبي :

    وأما دمشق الشام دار ابن عامر فتلك بـعبد الله طابت محللا

    هشام وعبد الله وهو انتسابه لـذكوان بالإسناد عنه تنقلا

    فإذاً هشام بن عمار وعبد الله بن ذكوان هما الراويان عن عبد الله بن عامر قارئ أهل الشام من السبعة، هشام بن عمار مقرئ محدث، يقول أحمد بن أبي الحواري توفي بعد هشام بسنة، وهو من أقرانه.

    وانظر لهذا الإنصاف يقول: أنا إذا حدثت في بلدة فيها مثل هشام بن عمار ينبغي على الأخيار أن يحلقوا لحيتي، من أجل أن يظهر أمام الناس سوء أدبه.

    إن هشام بن عمار كان خطيباً في مسجد بني أمية أكبر المساجد في بلاد الشام، يقول: ما أعدت خطبةً منذ عشرين سنةً، وكيف تعيد وأنت الإمام العلم.

    سأل ربه سبعة أشياء أعطاه الله الستة الدنيوية، وأما السابع فعنه يقول: أرجو أن يغفر الله لي ولوالدي في الآخرة، هذه الأمور الستة مع ما فيها من طرائف أوردها الذهبي في ترجمته في سير أعلام النبلاء، وفي غاية النهاية في طبقات القراء للإمام أبي الخير شيخ الإسلام الإمام ابن الجزري عليهم جميعاً رحمة الله.

    حقيقةً إن هذا هو الأدب، وهذا هو الإنصاف، وهذا الذي كان يفعله أحمد بن أبي الحواري هو الذي يفعله أئمتنا، فانتبه لهذا الأدب العالي الرفيع الذي كان الأئمة يتناقلونه من بعضهم.

    أدب ابن المبارك مع سفيان بن عيينة

    هذا عبد الله بن المبارك شيخ الإسلام الذي توفي سنة إحدى وثمانين ومائة للهجرة، سئل عن مسألة في حضور سفيان بن عيينة ، وابن المبارك توفي قبل ابن عيينة كما سيأتي، ولكن ولد بعده، فـابن عيينة أكبر منه، وأقدم ولادةً كما تأخر عنه وفاةً، فـابن عيينة ولد سنة سبع ومائة، وابن المبارك ولد سنة ثمان عشرة ومائة، فبينهما إحدى عشرة سنة، وقد تتلمذ ابن المبارك على سفيان بن عيينة وروى عنه.

    فسئل عن مسألة بحضور سفيان بن عيينة ، فقال: معاذ الله أن أجيب، إنا نهينا أن نتكلم بحضرة أكابرنا، أي قلة أدب أتصف بها إذا تكلمت بحضرة هذا الشيخ المبارك، فإذا حضر الشيوخ الكبار فنحن نقف عند حدنا ولا نتكلم.

    أدب ابن المبارك مع حماد بن زيد

    ولما كان ابن المبارك في مجلس حماد بن زيد بن درهم وهو شيخ الإسلام، توفي سنة تسع وسبعين ومائة قبل ابن المبارك بسنتين، وهو أكبر ابن المبارك ، لما كان في مجلس حماد بن زيد ، طلب الحاضرون من حماد أن يتوسط لهم إلى ابن المبارك ليحدثهم بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: سل أبا عبد الرحمن يعني عبد الله بن المبارك أن يحدثنا، فقال له: حدثهم أبا عبد الرحمن فإنهم قد سألوني، حماد بن زيد يطلب، من ابن المبارك أن يحدث، قال: سبحان الله! يا أبا إسماعيل أحدث وأنت حاضر؟ ووالله إن عبد الله بن المبارك من ناحية التصنيف في العلم هو أعلم، ولكن بما أنه شيخه فينبغي أن يتأدب فانظر لهذا الإجلال، قال: يا أبا إسماعيل أحدث وأنت حاضر، قال: أقسمت عليك أبا عبد الرحمن لتفعلن، وما دام قسماً لا بد من إبرار المقسم، أقسم عليك بالله أن تحدث هؤلاء وأنا موجود، فقال شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك : خذوا عني معشر الحاضرين، حدثنا شيخ الإسلام الإمام الصالح أبو إسماعيل حماد بن زيد ، وما روى حديثاً في ذلك المجلس إلا عن شيخه حماد بن زيد ، ولم يرو عن شيخ آخر، فإن من قلة الأدب أن تقول لشيخك: الشيخ الآخر يقول كذا، الشيخ الآخر يخالفكم فما رأيك أنت؟ فهذا من قلة الأدب التي أصيب بها طلبة العلم في هذه الأيام؛ لأنهم ما تلقوا الأدب من أهله، وضيعوا العلم بعد أن ضاع الأدب؛ والأدب قد ضاع منا منذ زمن، وكان سلفنا يتلقون الأدب لا أقول وهم يرضعون، بل وهم في أصلاب آبائهم قبل أن تذهب النطف من أولئك الرجال إلى الأرحام الطاهرة، يتلقون الأدب وهم نطف في الأصلاب، لكن ماذا نفعل في هذا الزمن الذي صرنا فيه، ما حدث ابن المبارك في ذلك المجلس حديثاً إلا عن شيخه أبي إسماعيل حماد بن زيد بن درهم .

    1.   

    حكم تقبيل المصحف

    ما يتعلق بتقبيل المصحف، قد سمعت شريطاً من أيام أحضره إلي بعض الإخوة، ويقول ذاك المتكلم وهو متكئ على أريكته: تقبيل المصحف بدعة، وكأن لفظ البدعة في هذه الأيام صار أيسر من شم الهواء أو من شرب الماء؟

    أيها الرجل! رفقاً بنفسك، واتق ربك، لم تقبيل المصحف بدعة؟ أريد أن أعلم؟ هل تقبيل الحجر الأسود بدعة أو سنة؟ أيهما أشرف: المصحف أو الحجر الأسود؟ وقد فعله الصحابة الكرام فلنقف عند حدنا، إن تقبيل المصحف مستحب، وهو من تعظيم شعائر الرب، وهذا الذي نص عليه أئمتنا.

    يقول شيخ الإسلام الإمام النووي في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن صفحة خمسين ومائة: يستحب أن يقوم للمصحف إذا أقدم به عليه؛ لأن القيام للفضلاء من العلماء والأخيار مستحب فالمصحف أولى، وموضوع القيام للأخيار والفضلاء يأتي الكلام عليه، وقد أدركت بعض شيوخنا الصالحين الشيخ عبد الله سراج الدين رحمه الله، كان إذا أتي بالمصحف إليه وهو في الفصل أو في البيت أو في المسجد يقوم ويقبله، ثم بعد ذلك يجلس ويضعه بين يديه، حقيقةً هذا هو تعظيم شعائر الله، أما أن تمسك المصحف كأنك تمسك جريدة من هذه الجرائد الضالة التي تنتشر هنا وهناك، فهذا ليس من الأدب؛ لأن هذا كلام الله، ولذلك لا يجوز أن يمس إلا على طهارة، وإذا أخذته قبلته ووضعته على جبينك، ومسحت به وجهك، وتبركت بكلام ربك، ثم بعد ذلك جلست بأدب ووقار، وهذا فعله صحابة كرام.

    ثبت في سنن الدارمي في الجزء الثاني صفحة أربع وأربعين ومائتين، ومستدرك الحاكم في الجزء الثالث صفحة ثلاث وأربعين ومائتين، والحديث في معجم الطبراني الكبير بسند رجاله رجال الصحيح كما في المجمع في الجزء التاسع صفحة خمس وثمانين وثلاثمائة، ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب السنة في الجزء الأول صفحة واحدة وأربعين ومائة، عن عبد الله بن أبي مليكة ، قال: كان عكرمة بن أبي جهل وهو صحابي، يأخذ المصحف فيضعه على وجهه ويقبله ويبكي ويقول: كلام ربي، كتاب ربي، كلام ربي، كتاب ربي.

    يتعلق بهذا الأمر شيء من الإيضاح نوضحه فيما يأتي إن شاء الله، ثم نتدارس بعد ذلك رجال أسانيد الأحاديث المتقدمة، وهذا هو المبحث الأول من مباحثنا إن شاء الله.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.