إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [12]

شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [12]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كانت حادثة الإفك بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة المريسيع، وذلك إثر تخلف أم المؤمنين عن الجيش بسبب بحثها عن عقدها الذي انقطع منها، ولم تعلم رضي الله عنها بما قذفت به إلا بعد شهر، وما أشار به علي رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عائشة ليس فيه قدح في عائشة كما فهمه النواصب، وإنما أراد تخفيف وقع الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    شرح حديث الإفك الطويل

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    فلا زلنا نتدارس ما يتعلق بالحديث الذي رواه الإمام الترمذي في سننه من طريق شيخه وسيد المسلمين وإمام المحدثين أبي عبد الله البخاري عليه وعلى جميع المسلمين رحمة رب العالمين، حيث ساق الحديث من طريقه إلى أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك)، قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ غريب، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث أمنا عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولا زلنا في المبحث الأول من مباحث هذا الحديث وهو فيما يتعلق بإسناده، وبعد أن انتهينا من دراسة رجال الإسناد وقفنا عند أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وتكلمت عليها بترجمةٍ مطولةٍ مختصرةٍ أيضاً، ولعلنا في هذا اليوم أن ننتهي من الكلام على ترجمتها الطيبة المباركة، وننتقل غداً إلى فقه الحديث وما يتعلق بمباحث الحديث إن شاء الله.

    إخوتي الكرام! قدمنا لكم أن ترجمة أمنا عائشة رضي الله عنها ستدور في مدارستنا على ستة أمور:

    أولها: فيما يتعلق بفضلها وأفضليتها.

    وثانيها: فيما يتعلق بحب النبي صلى الله عليه وسلم لها.

    وثالثها: فيما يتعلق بأسباب حب نبينا عليه الصلاة والسلام لأمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    والأمر الرابع: في زواج نبينا عليه الصلاة والسلام من أمنا الصديقة الحَصان رضي الله عنها وأرضاها.

    والأمر الخامس: في قيامها بأمور الدين على وجه التمام من تعظيم الله، والشفقة على خلق الله.

    والأمر السادس: وهو ختام الكلام على ترجمتها الطيبة العطرة المباركة، وكنا نتدارس حب الله لها، ودفاعه عنها، وغيرته عليها، وقلت: سأتكلم على حادثتين اثنتين في اختتام ذلك، وهاتان الحادثتان السبب الأول فيهما ضياع عقد أمنا عائشة رضي الله عنها المبارك، فهي مباركةٌ وما يتصل بها مبارك، وقد وسع الله على الأمة بسبب عقدها توسعةً عظيمةً طيبةً مباركة، فجزاها الله عنا خير الجزاء.

    أما التوسعة الأولى فليست خاصةً بها، بل توسعة لها ولغيرها إلى يوم القيامة وذلك فيما يتعلق بنزول آية التيمم.

    وأما الأمر الثاني الذي نزل أيضاً بسبب بركتها في فضل حب الله لها، ودفاعه عنها، وغيرته عليها، فذاك أن الله أنزل آياتٍ من القرآن تتلى إلى يوم القيامة، نتعبد بها ربنا جل وعلا، ونتلوها في صلاتنا في تبرئة أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها مما رميت به، وهي الطاهرة الطيبة المطهرة المطيبة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيبنا وحبيب ربنا رسولنا محمدٍ عليه صلوات الله وسلامه، فأنزل الله آياتٍ تتلى في براءتها، وهذه الآيات مع أنها تخصها أصالةً، لكن خيريتها عامة، إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11].

    وقد انتهينا في غالب ظني من دلالات الآيات الكريمات على منزلة أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ووعدت بختم الكلام بأمرين اثنين:

    أولهما: بما حصل لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه من المكانة العظيمة عند نزول هذه الآيات، وكيف كشفت عن معدنه وعن مكانته، وأنه هو خير هذه الأمة بعد نبيها على نبينا وآله وأصحابه صلوات الله وسلامه، والفضل حاصل له قبل نزول هذه الآيات.

    والأمر الثاني: سأقرأ عليكم حديث الإفك الطويل الذي ورد في رمي أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وسأبدأ به؛ لأنه حديث طويل، وليتصل الكلام أيضاً بما جرى لأمنا عائشة رضي الله عنها، وأختم الكلام بعد ذلك بختام المسك في بيان منزلة صديق هذه الأمة رضي الله عنه، كما كشفت عن ذلك آيات القرآن الكريم.

    أما حديث الإفك فرواه الإمام أحمد في المسند، وأخرجه الشيخان في الصحيحين، ورواه الإمام الترمذي والنسائي في السنن، وقد أخرجه الإمام عبد الرزاق في مصنفه، وعبد بن حميد في مسنده، ورواه أهل التفاسير الذين يروون الآثار بأسانيدهم في تفاسيرهم، كـالإمام ابن جرير الطبري ، وهكذا الإمام ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، ورواه الإمام ابن مردويه أيضاً، والحديث مخرجٌ في دواوين الإسلام وهو في أعلى درجات الصحة، فقد أخرجه الشيخان رحمهما الله وجميع علماء الإسلام.

    رواية الزهري قصة الإفك عن أربعة من التابعين الكبار

    ولفظ الحديث عن محمد بن شهاب الزهري إمام التابعين في زمنه، حدث عن أربعةٍ من التابعين أيضاً؛ لأن الإمام الزهري من التابعين الصغار.

    والتابعي الكبير: هو الذي أدرك الصحابة وأكثر روايته عن الصحابة، وأما التابعي الصغير: فهو الذي أدرك الصحابة، لكن أكثر رواياته عن التابعين؛ لأنه ما أدرك إلا قلةً من الصحابة الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين، وأدرك الصحابة بمعنى رآهم؛ لأنه لا بد من الرؤية، أما إذا أدرك زمانهم ولم تثبت له رؤيةٌ لصحابي فلا يكون تابعياً، كما أنه من أدرك زمن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يره لا يقال له: صحابي.

    لفظ الحديث: عن محمد بن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمة بن وقاص الليثي ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود . هؤلاء أربعة من التابعين الكبار يروي عنهم الزهري ، عليهم جميعاً رحمة الله، والزهري تابعي صغير في السن، وهو جليلٌ في القدر.

    إذاً محمد بن شهاب يروي عن أربعةٍ من التابعين حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا.

    قال الزهري : وكلهم حدثني طائفةً من حديثها، يعني: أنهم نقلوا هذا الحديث عن أمنا عائشة ، لكن لم ينقل أحدٌ منهم هذا الحديث بكامله، وبعضهم كان أوعى له من بعض، وأثبته له اختصاصاً، يعني: روايةً وذكراً وسرداً، وقد وعيت عن كل واحدٍ منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة رضي الله عنها، وبعض حديثهم يصدق بعضه، ولا يقولن قائل: إذاً فيه جهالة؛ لأن الذي حدثه بجزئيات لن يعينه في هذا الباب، والجواب أن هذا لا يضر؛ لأن الخبر إذا تردد بين أئمة ثقات ولم تجزم أنت بواحدٍ ممن روى لك عين الخبر فلا يضر، فإذا قلت: هذا الحديث حدثني به البخاري أو مسلم فلا يضر، هو في أحد الصحيحين صحيح، وهنا حدثه بهذا الحديث أربعة من أئمة التابعين الكبار، لكن ما ذكر -يعني- كل جزئيةٍ رواها له بعض هؤلاء عن أمنا عائشة ، فجمع رواياتهم إلى بعضها، وبعض الجزئيات لم يروها له الأربعة، لذلك يقول: وبعضهم كان أوعى له من بعض وأحب ألا يغيب عن أذهانكم ما ذكرته سابقاً وقلت: سأشير إليه في أول حديث الإفك، أنه في غزوة المريسيع؛ غزوة بني المصطلق جرت حادثتان منكرتان:

    إثارة المنافقين العصبية بين المهاجرين والأنصار

    الحادثة الأولى قبل الإفك، ألا وهي: إرجاف المنافقين من إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين في الغزوة وهم في سفر، وعندما حصل لبعض الصحابة من المهاجرين والأنصار ما حصل نحو بعضهم استغل المنافقون هذا الموقف وأرادوا أن يوقعوا العداوة بين المسلمين، وأن يفرقوا صفوفهم، وهذا حصل في نفس الغزوة التي قذفت أمنا عائشة رضي الله عنها فيها بعد انتهائها ورجوع المسلمين إلى المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه.

    وقد ثبت في الصحيحين وسنن الترمذي وغير ذلك عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم -يريد بذلك غزوة المريسيع بني المصطلق- يقول: وقد ثاب معه أناسٌ من المهاجرين حتى كثروا، يقول: فلما رجعنا بعد ذلك وكنا في إيابنا وطريقنا كان معنا رجلٌ من المهاجرين لعاب، وفي بعض الروايات: بلال، ولعاب يقصد به أنه ليس عنده الرزانة والكمال، وهو جهجاه ، وكان أجيراً عند عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، أي: غلامٌ صغير، لكن ينطبق عليه أنه من عداد المهاجرين عنده أحياناً ما عند الشباب من تصرفاتٍ غير موزونةٍ ولا مضبوطة، فاختصم مع بعض الأنصار فكسعه، والكسع هو الضرب باليد أو بالرجل على الدبر، وهذا عند العرب من أشنع أنواع الضرب، أن تضربه على دبره بيدك أو برجلك، ولا يتحملونه، وفي بعض بلاد العجم من البلاد الإسلامية عندهم التحية الضرب على الدبر، هذا رأيته بعيني يمسح دبره ويضربه عليه، فاستنكرته غاية الاستنكار وقلت: بعضكم ما يستحي أن يفعل بداية اللواط أمامنا، فقال: يا رجل! ماذا حصل؟ قلت: كيف يضربه على هذا المكان؟ فقال: هذا عندهم تحية إكرام، ما فيه شيء أبداً، يعني: الأمر المريب، أعوذ بالله من كلامه، أعوذ بالله من السفاهة التي يعيشها البشر في هذا الحين، وفي بعض البلاد العربية تحية ما بينهم التلاعن -وقد سمعت هذا مراراً- لما يحييه يقول له: كيف حالك؟ ثم يعطيه اللعنة، وذاك يقول له: بخير، ويعطيه اللعنة، كل واحدٌ يلعن الآخر هذا في حال الكلام، فكيف في حال الخصام؟! نسأل الله حسن الختام.

    فهنا كسعه، ولما كسعه وضربه على دبره اشتد عليه ذلك، وقال: يا للأنصار! وهو سنان بن وبر الجهني ، وقيل: وبرة ، من الأنصار، وقال جهجاه البخاري وهو من المهاجرين! يا للمهاجرين! وجاء الشيطان -اسم جنس لشيطان الإنس والجن-؛ ليصد الفريقين على بعضهما في هذه الغزوة بعد قفول الجيش ورجوعه، فكادت أن تقع بين المهاجرين والأنصار فتنة، فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام بذلك قال: ما هذا؟ قالوا: كسع مهاجريٌ أنصارياً، فقالوا: يا للمهاجرين! يا للأنصار! فقال عليه الصلاة والسلام: (دعوها، فإنها خبيثة)، وفي روايةٍ للحديث كما في الصحيحين: (دعوها فإنها منتنة)، والخبيث: هو ما يكره رداءةً وخسةً ونذالةً وحقارة، أي: هذه دعوى الجاهلية خبيثة منتنة عفنة وسوء مكروه.

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) إن كان أخوك ظالماً فانصره، بأن تنهاه عن الظلم، فإنه نصرٌ له، وإن كان مظلوماً فانصره، أي: قم معه، أما أن يتحزب كل واحدٍ إلى حزب أو وطنية أو قومية أو شعارات جاهلية فهذه خبيثة منتنة. قال عمر رضي الله عنه عندما استغل المنافقون هذا الموقف، وقال عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين: أو قد قالوها؟ يعني: قال المهاجرون هذا؟ يعني نحن أتينا بهم، ووسعنا لهم في بلادنا، وقاسمناهم أموالنا، ثم يقولون: يا للمهاجرين! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ويقصد بالعزيز نفسه الخبيثة، وبالذليل نبينا الكريم المكرم العزيز عليه صلوات الله وسلامه، فقال عمر لما سمع هذه المقالة: يا رسول الله -عليه الصلاة والسلام!- دعني أضرب عنق هذا الخبيث، هذا يريد أن يفرق بين المسلمين، ويستغل ما حصل من سوء تصرف من قبل جهجاه مع سنان بن وبرة ؛ ولأنه أيضاً يطعن فيك وسيخرج المسلمين ويفرق بينهم، ألا نقتل هذا الخبيث، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (يا عمر ! لا يتحدث الناس أن محمداً عليه الصلاة والسلام يقتل أصحابه)، هذا الآن في عداد المسلمين في الظاهر، وقتله سيفتح علينا خرقاً وبلاءً، وأننا بدأنا نزجر بمن معنا ونقتلهم، فنترك إذاً قتله؛ درءاً لأعظم المفسدتين بارتكاب أيسرهما وأهونهما، وإذا اجتمعت المحاذير فادفع الكبير بالصغير، قتله مطلوب، وتركه محذور، لكن يترتب على قتله محذورٌ أكبر، فإذاً نتركه؛ لندفع ما هو أشنع من هذا المحظور، وهو القالة التي ستنتشر بين الناس أن محمداً عليه الصلاة والسلام يقتل أصحابه.

    وقد ذهب المنافقون إلى هذا المنافق اللعين في تلك الموقعة وقالوا له: كنت ترجى وتدفع، فصرت لا تضر ولا تنفع، لم يبق لك وزن ولا اعتبار، فلما علم ولده عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول -كل منهم اسمه عبد الله- حمل السيف على أبيه وقال: لا تنقلب راجعاً، ولا تدخل المدينة حتى تقر أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز، ولو أمره النبي عليه الصلاة والسلام بضرب رقبة والده لأتى برأسه إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    هذه الموقعة وهذا الضجيج جرى في حال قفول الجيش واستراحته، فلما حصل أمر النبي عليه الصلاة والسلام الجيش بمواصلة السفر والجد في السير؛ لئلا يستغل المنافقون فرصة الإشاعة والإرجاف وإيقاع الفتنة بينهم، وستأتينا الإشارة إلى هذا في حديث أمنا عائشة رضي الله عنها.

    خروج عائشة في سفر النبي بعد القرعة

    قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفراً )، يعني: في سفر ( أقرع بين أزواجه )، مع أنه عليه وعليهن صلوات الله وسلامه لا يجب عليه القسم في حال الإقامة، ولا يجب القسم على غيره في حال السفر، يعني إذا أردت أن تذهب في سفر فلك أن تأخذ من شئت من الزوجات، ولا يجب عليك بعد ذلك أن تعوض المقيمة إذا رجعت، هذا في حالة السفر يسقط القسم فيها، فانتبه لعدل نبينا عليه صلوات الله وسلامه، يقول تعالى في حقه: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ [الأحزاب:51]؛ لأنك لا تتصرف إلا على حسب ما يرضي الرب، فليس في فعلك ما يحصل في فعل غيرك، أنا قد أتصرف في حاجة نفسي وأحبها أكثر من هذه فأميل إليها، ولذلك نهانا الشرع وأمر بالقسم، وأما النبي عليه الصلاة والسلام فإنه إذا قدم واحدةً، فالتقديم لحظ الشرع لا لحظ نفسه؛ لأجل العصمة، وأما الذي يلبس الشيطان عليه فيقول: هذه أصلح وأتقى، وليس كذلك، وإنما يفعل لحاجةٍ في النفس.

    ولذلك القسم عليه عليه الصلاة والسلام ليس واجباً في الإقامة، وكان يقسم في الإقامة وفي السفر، وتقدم معنا: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) مال قلبه إلى أمنا عائشة وذاك بالإجماع مرفوعٌ عن المكلفين أجمعين؛ لأن القلوب بيد علام الغيوب، يضاف إلى هذا أن حب نبينا عليه الصلاة والسلام لأمنا عائشة كان بأمرٍ إلهي، لا باختيارٍ نفساني.

    تقول: ( أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ) هذا الآن على حسب تقدير الله، هو ليس له اختيار، حتى لا يقال كذا وكذا. القرعة: أن يُكتب، مثلاً: في تسع ورقات إذا كن تسعاً، أو في أربع إذا كنا أربعاً، وكل واحدةٍ تأخذ ورقة، فمن خرجت ورقتها فهي التي تخرج، هذا ليس فيه محاباه، وليس فيه ميل، وكل واحدة يطيب خاطرها تمام الطيب.

    قالت: ( فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها، فخرج فيها سهمي رضي الله عنها وأرضاها، فخرجت معه بعدما أنزل الحجاب وأنا أحمل في هودجي ) الذي يوضع على ظهر البعير، صندوقٌ تكون فيه بمثابة بيتٍ يستر المرأة، ( وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل )، في رواية: أذَّن، والروايتين بمعنىً واحد، يعني: أعلم وأخبر بالرحيل، وهذا الإنذار والإخبار والإعلام سببه ما حصل من الخلاف، فأطفأه النبي عليه الصلاة والسلام وألف بين الصحابة الأبرار وقال: (دعوها، فإنها منتنة، إنها خبيثة، ثم قال: الرحيل الرحيل!)، نمشي ولا نبقى ليلتنا في ذلك المكان؛ لأن المنافقين اللئام سيستغلون هذه الفرصة، فلنواصل السير.

    ترك عائشة للجيش وفقدانها لعقدها

    قالت: ( فقمت حين آذنوا بالرحيل )، يعني هذا إعلامٌ مفاجئ، تجهزوا لنرحل، وهي في حاجة إلى قضاء الحاجة الطبيعية، قالت: ( فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت )، هي علمت بالرحيل، لكن تريد أن تقضي حاجتها، قالت: ( فمشيت حتى جاوزت الجيش )، امرأة تقضي حاجتها بعيداً عن الجيش، ( فلما قضيت من شأني أقبلت إلى رحلي )، جاءت مقبلة؛ لأجل أن تركب في الهودج رضي الله عنها وأرضاها؛ لتمشي مع الجيش، قالت: ( فلمست صدري فإذا عقد لي )، هذا كعقدها رضي الله عنها وأرضاها، ما هذه البركة التي فيها هي وعقدها الذي استعارته من أختها؟! من أجل هذا العقد آيات تتلى في تبرئتها بعد ذلك، وخيرات تحصل لها ولأبيها وهكذا من أجل مكانتها ومنزلتها ومنزلة زوجها عليه الصلاة والسلام، تأتي آيات وفيها -كما قال أئمتنا- وعيدٌ شديدٌ للقاذفين، وفيها عقابٌ بليغٌ للمتهمين، وفيها زجرٌ عنيفٌ للمؤمنين الذين خدعوا وتكلموا، وفيها استعظام القول وتشنيعه بطرقٍ مختلفة، قال أئمتنا: لم يرد وعيدٌ شديدٌ في القرآن كما ورد في قذف أمنا الحَصان، وما توعد الله عبدة الأوثان بمثل ما توعد به من قذف أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها؛ لمنزلتها في الإسلام، ولمكانتها من نبينا عليه الصلاة والسلام، وقارن بين وعيد الله للمشركين، ووعيده لمن قذف أمنا رضي الله عنها وأرضاها الطيبة المطيبة، ترى أن وعيد قذف أمنا عائشة أكبر من وعيد ممن كفر به وعبد غيره.

    هذا هو العقد الذي حصل بسببه ما حصل، نزلت آيات في التيمم؛ توسعة لهذه الأمة إلى يوم القيامة؛ لمكانتها ومنزلتها ودفاع الله عنها، بحيث غار الله لها أكثر من غيرته على نفسه سبحانه وتعالى، فما توعد من أشرك به بمثل ما توعد من قذف زوجة نبيه عليه الصلاة والسلام، ذاك وعيده أقل، وأما وعيده فيمن قذفها فهو أكثر وأفظع وأشنع، ولذلك قال: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]، ثم في تمام الآيات بعد ذلك يقول الله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:14-15].

    والله لو وضعت هذه الآيات على الحجارة لفتتتها في الدفاع عن أمنا عائشة رضي الله عنها، والانتصار لها، وإعلام الله بحبها، فكيف سيكون حال من يقعون فيها في العصور المتأخرة أمام الله في الآخرة؟! كيف حال من يطعن فيها؟! ويخبر أنها في النار، وأن النبي عليه الصلاة والسلام انفصل عنها، وأن علياً طلقها من النبي عليه الصلاة والسلام بعد موته، وإذا أراد أن يذبح شاةً يسميها عائشة وينتف صوفها؛ كأنه يشفي كفره من هذه الشاة التي اسمها عائشة ، نعوذ بالله من هذا الضلال، وحقيقةً: إذا كان النواصب اشتطوا وآذوا من كان يسمى باسم علي فالروافض أشنع وأخبث؛ لأنهم اشتطوا أيضاً وآذوا من يكنى باسم عائشة رضي الله عنها وأرضاها، بل وضعوا على بعض الحيوانات اسم عائشة ثم جاءوا؛ ليشفوا غليلهم وحقدهم من هذه الشاة المسكينة.

    قالت: ( فإذا عقدٌ لي من جزع أظفار ) أو ظفار كما تقدم معنا في ضبطها، وفي روايةٍ: ( من جذع ظفار -بلدة من بلاد اليمن المباركة- قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي )، وتقدم معنا في آية التيمم أن شراح الحديث قالوا: هذا شأن الحرص، وأنا أقول: في الحقيقة العبارة خشنة، هذا شأن الحرص فينا، لكن في أمنا عائشة رضي الله عنها أقول: هذا بركة العقد، قدر الله عليها أن يسقط عقدها في الحالتين؛ من أجل أن يوقع خيرات، ويغدق على هذه الأمة بركات بسبب هذا العقد في هذين الموطنين؛ لتعلموا منزلة صاحبة العقد، يقول: ( من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه )، يعني: قيدني طلب العقد عن الذهاب إلى الهودج والركوب فيه.

    ( وأقبل الرّهط الذين كانوا يرحلون لي )، أي: يحملون الهودج، ( فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الّذي كنت أركب، وهم يحسبون أنّي فيه )، ما انتبهوا لأمرين اثنين:

    الأمر الأول: الفتنة العامة التي كادت أن تصدع صفوف المسلمين، فإذاً كل واحدٍ في ذاك الوقت عنده هم، وذهنه فيه شيء من عدم الوضوح من أجل السرعة.

    الأمر الثاني: تخبر عن وضع النساء، وأنهن كن خفيفات في الوزن، فقد يحمل الرجال الأقوياء الهودج ولا يشعرون أنها ليست فيه؛ لما عندهم من الغم، ولما عند النساء من خفةٍ وقلةٍ في الوزن، فهي ذكرت الأمر الثاني، والأمر الأول ذكرته لكم، وهو السبب في الرحيل في ذلك الوقت من الليل، قالت: ( وهم يحسبون أني فيه، وكان النّساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهنّ )، ومنهم من قال -يعني من الأربعة الذين حدثوا الزهري رضي الله عنه-: لم يهبلن، إذاً لم يثقلن، لم يهبلن، وضبط لم يهبَلن، وضبط لم يهبُلن، وضبط لم يهبِلن، والمعنى واحد، أي: ليس عليهن لحمٌ كثير، وليس لهنّ وزنٌ كبير في الجسم؛ لا في القدر، النساء بالذات وليس هي فقط، هي تخبر عن حال النساء جميعاً، وذلك لقلة المطعومات في تلك الأوقات، والشدة التي كان يعانيها الصحابة الكرام في أول الهجرة رضي الله عنهم وأرضاهم، والحادثة كانت في العام الخامس من الهجرة، أي: بعد زواج نبينا عليه الصلاة والسلام بأمنا بثلاث سنين، فقد تزوجها في العام الثاني، يعني عمرها اثنتا عشرة سنة، لا زالت صغيرة والنساء يأكلن شيئاً قليلاً كما تقول: ( ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة )، يعني: البلغة والشيء القليل الذي يقوم بالأود، وهو القوت الضروري دون توسع، ( إنما يأكلن العلقة من الطّعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج )، وقلنا: لديهم مشكلة تترك الحليم حيراناً، ومنهم من قال: خفة الهودج، يعني: لم يستنكروا خفة الهودج، ومنهم من قال من الأربعة التابعين الذين حدثوا الزهري بما رووه عن أمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، قالت: ( فحملوه، وكنت جاريةً حديثة السن، وبعثوا الجمل وساروا )، وسار الجيش، ولم يخطر ببالها عندما كانت تلتمس عقدها أن النبي عليه الصلاة والسلام سيذهب.

    العثور على العقد ومغادرة الجيش لمكانه

    قالت: ( فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد )، ومنهم من قال من الأربعة رضي الله عنهم أجمعين: فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيب، جزاك الله خيراً، وأعانك على تلك المصيبة، فتاةٌ حديثة السن في صحراء في ليلٍ دامس، ليس معها إلا الله الذي يحفظها من شر كل منكر، ولو بقي الرجل في ذاك الوقت بنفسه لتقطع؛ رعباً ولمات فزعاً، فانظر ماذا حصل لها من سكونها وإنزال السكينة عليها؛ نامت، الذي يخاف لا ينام، يتقطع قلبه ولا يستطيع أن يغمض عينيه، ولكن انظر إلى هذا السكون الذي عندها، تعلم أن الله لن يتخلى عن حرم نبيه عليه الصلاة والسلام، وأن النبي عليه الصلاة والسلام عما قريب سيتفقد أحوال الجيش ولن يرسل من يأتي بها، بل سيأتي بالجيش بكامله؛ إكراماً لها، كما حبسهم عند نزول آية التيمم، لا تقل: الأمر يسير، واستمع لحالها، فالنوم عند الفزع دائماً سكينةٌ من الله، إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال:11]، في موقعة بدر، الذي ينام في المعركة شجاع، والذي لا ينام حاله كما قال الله: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [الأحزاب:10]، في حق المنافقين، وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب:10].

    يخبرني بعض أفراد الجيش برتبة ضابط عن التي يسمونها حرب النكسة أيام العرب، لا أقول: مسلمين؛ لأنهم حرمهم الله من الانتساب إلى الإسلام، حتى ما يسمون أنفسهم بالإسلام، يقول الأخ عن حرب النكسة التي هي حرب سبع وستين، يقول لي: يا شيخ! والله الذي لا إله إلا هو! نحن في الملاجئ تحت الأرض، ولو نزلت القنابل لما أثرت فيها، لأنها ملاجئ محصنة، يقول لي: كثيرٌ من أفراد الجيش كان يتغوط في ملابسه، لا يبول فقط؛ من الخوف، هذا جيش يقاتل؟! انظر في موقعة بدر وما خرجوا لقتال، خرجوا لركب عير، لكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً فينامون؛ لأن الله سيدافع عنهم، وانظر إلى إنسان في صحراء بمفرده وينام.

    في مرةٍ بعض الناس كان في سفر فسمع زئير أسد فرقي شجرة، فما استطاع أن ينام، جلس على الشجرة، وفي الصباح لم يجد في رأسه شعرة سوداء، صار كأنه ثلج كالثغامة؛ من فزعه ورعبه وخوفه، وما رآه، إنما سمع صوته فرقي الشجرة واختبأ، هل ينام هذا؟ هذا لو نام لسقط.

    قالت: ( فأممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسةٌ غلبتني عيني فنمت ) هنيئاً مريئاً، كأنك في قصور مشيدة، والحرس من الجهات الأربع، امرأة بنت اثنتي عشرة سنة تنام في صحراء وعراء، وبعض الناس يقول لي: أحياناً يا شيخ زوجتي تخاف، تخاف من أي شيء؟ أبواب وجدران وإغلاق من الداخل ومن الخارج، ومع ذلك تخاف! يقول لي: أحياناً لو ذَهَبت في الليل؛ لتقضي الحاجة إلى الحمام داخل البيت، ما تجرؤ أن تذهب بمفردها، لابد أن أكون معها في الحمام! هذا هلع الأمة الإسلامية وفزعها في هذا الزمن، أنا أتكلم عن واقع يذكر لي، يعلم الله لا أتكلم كما يقال: قصص مقروءة في كتاب، حتى يقال: ربما فيها خيال، هذا واقع، تقول: لا يمكن أن تذهب إلا وأنا معك.

    تعريس صفوان ولقياه لأم المؤمنين رضي الله عنها

    تقول: ( وكان صفوان بن المعطل السلمي ثمّ الذكواني عرس من وراء الجيش )، والتعريس: هو نزول المسافر في الليل ليستريح، وكانت عادة صفوان دائماً مثل المراقب للجيش، إذا الجيش سافر يجلس بعده ساعات يستريح ثم يمشي وراء الجيش ينظر من سقط منه متاع -ولا بد من أن يسقط من المسافر أمتعة- يحتملها معه فإذا وصل إلى المدينة وضعها في المسجد، فكل من له متاعٌ ضائع يأتي؛ ليأخذه ويبحث عنه فيما يحضره صفوان ، فأدلج، أي: وصل إلى مكاني قبيل الفجر، ( فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسانٍ نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت -وهي نائمة وصفوان على رأسها- باسترجاعه ) يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة نبينا عليه الصلاة والسلام، لا يتكلم إلا بهذا، يعني مصيبة تفتت الجبال، كيف بقيت هذه الطاهرة المطهرة؟! ما الذي حصل؟! إنا لله وإنا إليه راجعون، قالت: ( فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي )، انتبه للطهر والحصَانة والعفة. اتصل لي بعض الإخوة ما أعلم بأي شيءٍ أعبر عنهم، لكن نسأل الله أن يحفظنا من السفاهة في هذه الأيام، فقال: يا شيخ! بلغنا أنك تكلمت عن غطاء الوجه، أوليس الوجه فيه خلاف؟ قلت: أنت الآن تسأل عن ماذا بالضبط؟ قال: هل فيه خلاف هل هو عورة أو لا؟ قلت: يا أخي! تسأل عن موضوع العورة أو موضوع الستر؟ قال: الستر، قلت: أرى أن كشف الوجه نوعٌ من الدياثة، إن كنت تسأل عن كشف الوجه، فهذا الجواب، التي تكشف عن وجهها ويسمح لها محرمها بذلك، وليس معه وجهه، هذا نوعٌ من الدياثة، ونوعٌ من إقرار الخبث والسوء والمنكر في الأهل في هذا الزمان الفاسد العفن، الذي لا يوجد فيه تقوى بين الصنفين إلا من رحم ربي، وموضوع العورة دعونا منه، ليس من ورائه كبير فائدة. كل من بحث في موضوع عورة الوجه ثم لم ينقل اتفاق الأئمة على ستره إذا خيف عليها أو على غيرها منه فتنة فهو خائن لأئمة المسلمين؛ لأنه لا ينقل ما قرروه عند مبحث الوجه، فليس البحث الآن هل هو عورة أو لا، فهذا لا بد من أن نعيه، وهنا انظر إلى هذه الأم الطاهرة المباركة بمجرد أن تعرف الرجل ماذا تفعل؟ تقول: خمرت وجهي.

    يخبرني أحد الشيوخ الكبار فيقول: أيام فرنسا في بلاد الشام ما كان يوجد امرأة تكشف عن وجهها حتى نساء النصارى، ويلبسن حتى نساء النصارى ملحفة خراقة، ومن التي تستطيع أن تخرج سافرة، ولما حصل ما حصل، نسأل الله أن يفرج عن المسلمين أجمعين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، والبلاد العربية ومعها البلاد الأعجمية التي تنتسب إلى الإسلام في أشنع صور الاستعمار لا في اسم الاستقلال، الاستقلال هذا اسم، لكن الحقيقة في استعمار العقول، والغزو الفكري للأمة أشنع من الاستعمار المادي، وأن يكون الكافر فوق صدورنا، إنه إذا اغتصبنا مالاً أهون من أن يغتصبنا حساً، هناك أثر المصيبة، وأما هنا فأصير تابعاً له أدافع عنه وأضرب رقبة من يريد أن يخرج عن هذا النظام الكافر الذي جثم على صدور الأمة باسم الاستقلال، أي استقلال؟! لا إله إلا الله! رأيت هذا في نساء البادية: القرى لما تعمل في المزرعة مع زوجها حتماً ستعمل كاشفة الوجه، والمزرعة ليس فيها إلا هي وأسرتها، ثم إن الإنسان في بيته مع أسرته، لكن بمجرد ما يقترب رجل في الطريق يأتي يريد مثلاً: أن يمر بجوار المزرعة، وأحياناً يأتي إلى البيت؛ ليكلم الزوج، أو يأتي؛ ليأخذ خضرة من هذا البستان، فبمجرد ما تراه مباشرةً تأخذ ثوبها وتلف به وجهها.

    طهر أم المؤمنين ونزاهة صفوان في تصرفه

    وانظر هنا للطهارة ( فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني بكلمة، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه: إنا لله وإنا إليه راجعون ) ما قال: يا أم المؤمنين! يا أماه! ما الذي حبسك؟ ما الذي أجلسك هنا؟ ماذا تنتظرين؟ هؤلاء على دين محمد عليه الصلاة والسلام، هؤلاء الصحابة الكرام تربية النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا احرصوا عليه أحياناً، يتصل إنسان بالتلفون، وقد تجيبه المرأة، وأنا أرى أن الأولى ألا تجيب، لكن قد، فإن أجابت ليكن عندها حياء وعفة وطهارة وحصانة، ولا تستمتع في الكلام بقلة الحياء، وتبدأ تسأل أين زوجك؟ وأين ذهب؟ ومتى يأتي؟ وكأنك صرت من رجال المخابرات، مثلاً: كلمتها أين فلان؟ قالت: غير موجود، لا تنتظر أن تنهي المكالمة، أنت مباشرةً ضع السماعة دون أن تقول: لها السلام عليكم، أو بأمان الله، أو أنا فلان أو علان، أو تعرِّف بنفسك لهذه المرأة، هي ستتزوجك؟ فصفوان ما قال: يا أم المؤمنين! ما أجلسك؟ ماذا تعملين؟ ما الداعي لهذا؟ كلمةٌ لها حاجةٌ تكلم بها، وكلمة ليس لها حاجة لا داعي لها، ما قال لها: ماذا تعملين؟ يحقق معها، ما الذي أجلسك؟ حتماً هي ما جلست إلا لعذرٍ طرأ عليها؛ أنا الآن أفصل عنه؟! قالت: وهوى حتى أناخ راحلته، هوى بالراحلة بالبعير الذي يركبه حتى أناخه، فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، يقودها من الأمام ومن الوراء، يسحبها، وإياك أن تمشي بحذاء امرأةٍ أو وراءها هذا يدل على خيانتك، إذا كنت مع امرأة -لو قدر أنها ستدلك على شيء- فتقدمها؛ لئلا يقع نظرٌ منك على ما ستر، ولئلا يقع في نفسها ريبة، تقول: هذا ورائي، أنا الآن في سفر، قد يحسر عن ثوبي فيبدو ساقي أو يبدو وجهي أو رأسي أو شعري، فيقودها حتى تأمن من وقوع نظر الرجل إليها على الإطلاق، ليولها ظهره، هذه هي الشيم الإسلامية، وهذا هو الحياء الرباني الديني الإسلامي.

    إدراك أم المؤمنين وصفوان الجيش ظهراً

    قالت: ( حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا معرسين )، وفي رواية: ( موغرين في نحر الظهيرة )، أي: شدة الحرارة عند الظهر، أي: دخلوا المدينة في وسط النهار، هذا الدخول لا يدخله صاحب الريبة، لا يدخله إلا من وجهه يتلألأ كالقمر صفاءً وطهارةً وطيباً وعفةً، والستر دون الفاحشات وما يلقاك دون الخير من ستر، قال أحد رواته: والوغر: شدة الحر، قالت: ( فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول )، وما قيل من أن الذي تولى كبره هو علي بن أبي طالب غير صحيح. لعنة الله على قائل هذا القول، ولا يقوله إلا ناصبيٌ خبيث، يبغض آل البيت الطيبين الطاهرين، وما قيل من أنه حسان بن ثابت فللقول توجيهٌ، وأثر عن بعض أئمتنا: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]، والحدُّ في هذه الحياة يطهره ورحمة الله واسعة، ثم عمي بعد ذلك في آخر عمره، عمي وحد، وأما عقوبة الآخرة فهي حتماً ساقطةٌ عنه بفضل الله ورحمته؛ لتوبة هذا العبد الصالح وإنابته. أمنا عائشة تقول: (الذي تولى كبره) هو عبد الله بن أبي ابن سلول ، وصاحب الشأن أدرى بحاله، وأهل مكة أدرى بشعابها، والعذاب العظيم فضيحة في الدنيا وعذاب النار في الآخرة.

    مرض أم المؤمنين وفقدها اللطف النبوي

    قالت: ( فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرًا، والناس يفيضون من قول أصحاب الإفك ): وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ [النور:14]، يفيضون ولا أشعر، والسبب: هو أنها وصلت محمومةً مريضةً من السفر رضي الله عنها وأرضاها، قالت: ( وهو يريبني في وجعي )، يعني: أجد شيئاً من الريبة والعلامات من جفوة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لا أعلم الحقيقة، ( وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من النبي عليه الصلاة والسلام اللطف الذي كنت أرى منه، حيث أمرض ) كان في حال صحتها يعطيها الماء ثم يشرب من المكان الذي شربت، يعطيها العرق ثم يتعرق من حيث أكلت رضي الله عنها وأرضاها، فكيف عندما تشتكي! من باب أولى يكون لها تلك العناية عند اشتكائها ومرضها، بل يكون لها عنايةٌ مضاعفة، كانت تجد غاية الدلال والحنو والخدمة والمحبة، أما الآن قالت: ( فإنما يدخل فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم )؟ ولا يمد يده إليها، ولا يسألها ما بك؟ ولا ماذا تريدين؟ ولا يتعرض لها بشيء، (السلام عليكم، كيف تيكم)؟ إشارة إلى المؤنثة كما تقول: كيف هذا؟ والحبيب يشعر بهذه الجفوة من حبيبه، قالت: ( فذلك الذي يريبني منه، ولا أشعر بشيء )، وأنه يوجد حولي إفك وافتراء، ( حتى نقهت )، أي: قاربت الشفاء في الأيام الأخيرة من المرض.

    أم مسطح تكشف لأم المؤمنين حديث الإفك

    قالت: ( فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع )، وهو مكانٌ واسعٌ فسيح خارج المدينة كان أهل المدينة يقضون فيه حاجاتهم: الحاجة الإنسانية من الغائط، ولم يكن في بيوت الصحابة في أول الأمر كنف، وكانت النساء لا تذهب لقضاء الحاجة إلا مرةً واحدة فقط، ليس كحالنا اليوم. ذهب إلى الحمام على الدوام من كثرة الطعام، تقول يذهبن بعد المغرب، عندهن ترتيب، لا تذهب النساء إلى المناصع لقضاء الحاجة إلا مرة واحدة في كل أربع وعشرين ساعة.

    قالت: ( وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل )، في الليل مرة واحدة إلى الليل الآتي، ( وذلك قبل أن نتخذ الكنف )، جمع كنيف: وهو الخلاء والمرحاض والمكان الذي تقضى فيه الحاجة، ( قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط )، يعني: قبل المكان الفسيح المطمئن، نذهب إلى جهته، يعني: أمرنا هو أمر العرب نكره أن نقضي الحاجة في البيوت من أجل ألا تخرج روائح وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، ( فأقبلت أنا وأم مسطح ) وهي: ابنة أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف ، وأمها ريطة بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، ولذلك مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب ابن خالة أبي بكر رضي الله عنهم وأرضاهم تقول: ( فأقبلت أنا وأم مسطح نمشي )، بعد أن قضتا الحاجة ليلاً أقبلتا إلى البيوت تمشيان رضي الله عنهما، ( فعثرت أم مسطح في مرطها )؛ لأنه ظلام والمرط طويل، ولا يوجد أنوار وسقطت، ( فقالت: تعس مسطح )، أي: بعد وشقي، ( فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً )، أنت أمه تدعين عليه، ( فقالت: يا هنتاه! ) يعني يا امرأة، وقيل: يا بلهاء! وهذا ذكره كثيرٌ من أئمة اللغة ومنهم الإمام ابن الأثير : يا بلهاء! والمراد من البله هنا نقاء القلب من أمور الشر، وبه فسر قول الله: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ [النور:23]، الغافلة قالوا: البلهاء، يعني: هي في غفلة عن جميع أسباب الشر، لا تدري به فضلاً عن أن تفعله، والبله في المرأة من الصفات المستحسنة، يعني أن معرفتها بأمور الشر من الصفات المستهجنة، وليس معنى بلهاء مجنونة، بل كلما كانت بلهاء، أي: سليمة الصدر لا تعلم ما يجري في الزمن من منكرات من آفات فضلاً عن فعلها، فهو من علامة الصلاح فيها، يقول بعض العلماء من أئمتنا:

    ولقد لهوت بطفلةٍ ميالةٍ بلهاء تطلعني على أسرارها

    يعني: من نقاوة صدرها تخبرني ما في قلبها، ماذا يقع؟ تقول: الأمر كذا وكذا، هذا البله في المرأة محمود، وفي الرجل أيضاً نحو أمور الشر.

    وورد في الأثر: (أكثر أهل الجنة البله)، والحديث رواه الإمام البزار في مسنده كما في مجمع الزوائد في الجزء العاشر صفحة اثنتين وأربعمائة.

    والحديث رواه الإمام الطحاوي أيضاً في شرح مشكل الآثار في الجزء الرابع صفحة واحدة وعشرين ومائة، وانظروه أيضاً في شعب الإيمان للبيهقي ، ومسند الإمام الديلمي ، ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق، عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أكثر أهل الجنة البله)، والحديث في إسناده ضعف، ففيه سلامة بن روح أبو روح ، وثقه ابن حبان وغيره، لكن ضعفه غير واحد، كما قال الهيثمي في المجمع في المكان المشار إليه، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء في الجزء الرابع صفحة خمسٍ وعشرين وثلاثمائة: رواه البزار وغيره وهو ضعيف، وقد وصف الإمام ابن حجر في تقريب التهذيب سلامة بن روح وحكم عليه بأنه صدوقٌ له أوهام، وحديثه في سنن النسائي والبيهقي ، وروى له البخاري تعليقاً في صحيحه.

    والحديث ذكره الإمام السخاوي في المقاصد الحسنة صفحة أربعٍ وخمسين وقال: فيه سلامة فيه لين، أي لين الحديث، كما حكم أئمتنا بأنه ضعيف، ثم ذكر للحديث بعض الشواهد، وخلاصة كلام أئمتنا على الحديث أنهم قالوا: هو الأبله في دنياه الفقيه في دينه، كما كان أئمتنا الجهابذة يقولون: نرد رواية أناسٍ ونرجو شفاعتهم، يعني إذا روى حديثاً لا نقبله؛ لأنه أبله، لكن نرجو شفاعته عند الله لصلاحه، فهو فقيه في دينه، أما في أمور الحياة فليس عنده وعي، يأتي إليه العتاة المفسدون ويقولون له كلاماً فمن عدم وعيه واحترافه ويقظته يروج عليه ذلك الكلام، وفي مقدمة صحيح مسلم :لم نر الصالحين في شيءٍ أكذب منهم في الحديث. أي: هم أكذب الناس في الحديث، قال أئمتنا: أي يحدثهم الكذابون بأحاديث موضوعة عن النبي الميمون عليه الصلاة والسلام، فيظنون صحة ما نعلم كذبه، وفي الحقيقة هذه منقصة، لست بالخب ولا الخب يخدعني، فلا ينبغي أن تكون خداعاً، ولا يسري عليك خداع الخداعين، لا بد من اليقظة والوعي في هذه الحياة.

    على كل حال قالوا: هو الأبله في دنياه الفقيه في دينه، وقال بعض علمائنا: الأبله هو الأعمى عن الشر، البصير بالخير، المقصود أن البله في المرأة محمود، ولذلك ماذا تقول أم مسطح لأمنا عائشة ؟ يا هنتاه! يعني: يا بلهاء يا مسكينة، وهي عمرها اثنتا عشرة سنة، كأنها تقول: أنت فيك شيء من الغفلة، غفلة الصالحين والصالحات عن أمور الغيبة، وعن الفساد الذي يجري في الحياة، فمن طهارة قلبك الناس يتحدثون بالإفك شهراً وأنت ما عندك خبر عنه، ( يا هنتاه! ألم تسمعي ما قالوا ) قلت: وما قال؟ ( فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي )، وكانت في وقت النقاهة، قاربت على الشفاء فانتكست وعادت إلى المرض.

    ذهاب أم المؤمنين إلى أبويها للتأكد من قصة الإفك

    قالت: ( فلما رجعت إلى بيتي دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم وقال: كيف تيكم )؟ على عادته المباركة عليه صلوات الله وسلامه.

    وأنا أجزم جزماً أنه يعلم براءتها وطهارتها، لكن قال: نترك الأمر لله يوجهنا في هذه القضية، وإذا عاملتها على أنها زوجة ربما كثر اللغط وزاد، سأتوقف وأمنع نفسي عنها حتى يحكم الله في ذلك وهو خير الحاكمين، فقلت وهذا بعد أن علمت: لا بد من أن تذهب من هذا البيت الذي يقال: (كيف تيكم)؟ من أجل أن ينزل الله جل وعلا في ذلك شيئاً، أي: يعلم نبيه عليه الصلاة والسلام بشيء وتنتهي هذه القضية، والنبي عليه الصلاة والسلام يشعر بحرجٍ نحوها، لا بد إذاً من الخروج، قلت: ( ائذن لي إلى أبوي )؛ لأجل أن أمرض عندهما، وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، يعني كأنها ما صدقت تماماً كلام أم مسطح، الناس يتكلمون من شهر وعندها علامة جفوة النبي عليه الصلاة والسلام لها وتريد أن تتحقق من أبويها، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ( فأتيت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه! ما يتحدث الناس به؟ قالت: يا بنية! هوني على نفسك الشأن، فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها )، وأي حب، ما أحب أحدٌ من الخلق كحب أمنا رضي الله عنها وأرضاها، إذاً عند رجلٍ يحبها ( ولها ضرائر إلا أكثرن عليها )، ما تكلم عليها ضرائرها رضي الله عنهن وأرضاهن، لكن تريد أن تطيب خاطرها، كأنها تقول: هذا شأن النساء، والمسألة تزول، فهوني على نفسك، وتريد أن تنفي هذا الذي تريده أم رومان أم عائشة ، لا تريد اتهام أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام، وإنما تريد أن تخفف وقع القصة على أمنا عائشة ، وأن هذا حديث نساء ليس هناك حديث بين الرجال، ولا يوجد قضية كما تتوهمين مستعرة في المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، حديث ينسى فقط، فمن أجل هذا ترخصت في ذلك الكلام.

    تقول أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: ( فقلت: سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا ) ما رأيت أحداً ممن ذكر أمره في حادثة الإفك وأنه تكلم والتزم ما أشار الله إليه إلا أمنا عائشة ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16] ، يعني: هذا التكذيب. وكل من برأ أمنا عائشة ونفى عنها هذه التهمة عندما استشير ما ذكر هذه الكلمة، ما أحد فيما وقفت عليه نطق بها إلا هذه الصديقة التي وافقت ما عند ربها جل وعلا، قالت: قلت: سبحان الله، ينزه الله عن السوء، وأشنع سوءٍ يوصف به الله أن يجعل زوجة نبيه عليه الصلاة والسلام فاجرة، ففي ذلك طعن في نبيه وبالتالي رد الرسالة عليه، وبالتالي كيف اختار الله هذا النبي الذي فيه تلك الآفة في زوجه على نبينا وآله صلوات الله وسلامه؟!

    قالت: ( فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنومٍ، ثم أصبحت أبكي ).

    استشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن أم المؤمنين رضي الله عنها

    قالت: ( فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد )، والمعتمد أن هذا الذي حصل من نبينا عليه الصلاة والسلام كان قبل أن تذهب أمنا عائشة إلى بيت أبيها وأمها وقبل أن تعلم بما حصل رضي الله عنهم أجمعين، وعليه يصبح التقدير هنا، فدعا عطفٌ على محذوف، أي: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قد سمع ما قيل في أمر الإفك، فدعا علياً وأسامة بن زيد فاستشارهما ثم قال ما قال، وما استشار النبي عليه الصلاة والسلام علياً وأسامة بعدما ذهبت إلى أمها؛ لأنه بعد الذهاب ما بقي الأمر إلا هذه الليلة والليلة التي بعدها ونزلت البراءة كما سيأتينا، إذاً ( فدعا رسول الله عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي ) أي: تأخر، ويصح حين استلبث الوحي، فإما أن تجعل استلبث فعلاً والفاعل هو الوحي، أي: تأخر، أو تجعله مفعولاً بمعنى: استلبث رسول الله عليه الصلاة والسلام الوحي، أي: حين أبطأ الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام وتأخر الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام، فلما تأخر عنه واستلبثه النبي عليه الصلاة والسلام وانتظره، جاء بعد ذلك حين استلبث النبي الوحي.

    فدعا علياً وأسامة ( يستشيرهما )، أما علي فهو من أهل بيته، وأسامة كذلك؛ لأنه ابن ليس ابن صلبه فقط، هو في الأصل ابن يعني له ولاية عليه، ثم هو ابن حاضنته حاضنة النبي عليه الصلاة والسلام أم أيمن ، كان دائماً أسامة كثير الدخول إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام كأنه من أسرته وأولاده، عدا محبته له ومحبة أبيه وله عنده شأنٌ كبير، قالت: ( فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه من الود لهن، فقال أسامة : هم أهلك يا رسول الله!) عليه الصلاة والسلام، هم بضمير الجمع، كأن أسامة رضي الله عنه يريد بذلك أن يقول: هي وغيرها في ذلك سواء، وهؤلاء أهلك ولم يختر الله لك إلا ما يناسبك، فأتى بصيغة العموم يعني: هي كغيرها، ولا ينبغي أن يدور حول واحدةٍ منهن تهمة، كلهن محصنات، طاهراتٌ عفيفات، أو أنه أراد أن يخبر عنها بصيغة الجمع تعظيماً لها، والذي يظهر أن الأمر الأول أولى، وكأنه يريد أن يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: إذا قبلنا التهمة حول واحدة لم تسلم زوجة من زوجاتك من افتراء المفترين، فَسُد الباب، والله لم يختر لك إلا الطيبة الطاهرة، ( هن أهلك، ولا نعلم والله إلا خيراً )، قوله: ولا نعلم والله إلا خيراً، كأنه يريد أن يقول: هؤلاء أهلك الذين يناسبونك، وهم يليقون بك، ونحن ما علمنا إلا ذلك، وكما كان أئمتنا يقولون: ما رضي الله للنبي عليه الصلاة والسلام بالدنس في نعله، فكيف يرضاه في عرضه، أنزل جبريل من السماء من أجل أن يطرح نبينا عليه الصلاة والسلام نعله؛ لأن فيه أذى، ثبت الحديث بذلك في سنن أبي داود وغيره بسندٍ صحيح كالشمس، وبوب عليه أبو داود في كتاب الصلاة فقال: باب الصلاة في النعل، من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، قال: (بينا رسول صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه في نعليه إذ خلعهما، فوضعهما عن يساره عليه الصلاة والسلام، فألقى الصحابة نعالهم ووضعوها على يسارهم، فلما سلم النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما حملكم على أن خلعتم نعالكم في الصلاة؟ قالوا: يا رسول الله! رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، انظر إلى هذا الاتباع، وهذا الاتساء بخاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، يعني حتى في أمر ما أمروا به، وما يعلمون الحكمة من ورائه، خلع نعليه فخلعوا نعالهم، فقال عليه الصلاة والسلام: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً من الباطن وما رأيته، ثم قال عليه الصلاة والسلام: إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً، وفي رواية: أذى، وفي رواية: خبثاً فليمسحه ويصلي فيهما)، هذا عندما كانت المساجد غير مفروشة، أما في المكان المفروش فسيحرم على الإنسان أن يدخلها بنعليه من أجل التلويث، وبعض السفهاء يزعم أنه يريد أن يعمل بهذا الحديث. مرةً أحدهم كان في نعليه أذى، فدخل إلى المسجد فقيل له: في نعليك أذى فمسحهما بالسجاد، يا أغبى الأغبياء! كيف سيصلي الناس على السجاد؟ غائط تمسحه في السجاد؟! قال: لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (فلينظر في نعليه فإن رأى في نعليه قذراً خبثاً فليمسحهما)، فمن الذي سيضع جبهته على هذا الغائط بعد ذلك؟! هل تمسح الغائط في سجاد بيتك؟ وقال مرةً بعض السفهاء ممن لا يعرفون السنة وما عندهم من السنة إلا الانتساب فقط إليها أنهم أهل سنة وسلف، قال: الله أكبر، البدع ظهرت والسنن ضاعت، انظر لضيق عقله، ولسقم فكره، قال: الناس يدخلون إلى المساجد بغير نعالهم، هذه البدع التي ظهرت؟! والسنن التي ضاعت هي أن الناس يصلون من غير نعال؟! وبعد ذلك الحياة ليس فيها بدع وفيها كفر، أعمى الله قلبك عن هذا، ما رأيت إلا أن الناس تركوا الصلاة في نعالهم، وفي هذا الوقت كثرت الصلاة في النعال، الأمر جائز بلا شك، ويخالف أهل الكتاب، لكن لا بد من وضع الأمر في موضعه الشرعي، أما تثخين هذا الأمر وأن السنن تركت، يعني تركت الصلاة بالنعال، الأصل أن حياتنا كلها بدع وهوى وضلال.

    من لم يرض للأذى والخبث والقذر في نعل النبي عليه الصلاة والسلام فَيُنزِل جبريل من السماء على نبيه عليه الصلاة والسلام من أجل أن ينبهه ليطرح نعليه، هل يرضى لعرضه بالخيانة، ليوصف النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك بأنه زوج كذا، وقلنا: هذه أعظم سبة على وجه الأرض، هل يرضى وهل يختار الله لنبيه عليه الصلاة والسلام هذه الزوجة؟! وهل يوفقه لتزويجها؟! إذا صنت نعلي نبيك عليه الصلاة والسلام عن الأذى وأمرته بطرحهما في الصلاة وأنزلت جبريل عليه وهو في الصلاة، فكيف بعد ذلك ترضى أن يكون في أهله دنسٌ وخبث وعهر وفجور؟! تنزه الله وتعالى عن ذلك سبحانه، هم أهلك يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! ولا نعلم والله إلا خيراً.

    إشارة علي رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عائشة وسوء فهم النواصب لذلك

    قالت: ( وأما علي بن أبي طالب ) فما يفهمه النواصب عليهم غضب الله من أن علياً رضي الله عنه يميل إلى تهمة أمنا عائشة بناءً على كلامه في هذه المشورة فكلامٌ باطل، إنما كلامه ككلام أم رومان لأمنا عائشة ، هناك قالت: ضرائر، وهنا شيءٌ آخر، هناك أرادت أن تسلي عائشة ، وهنا يسلي النبي عليه الصلاة والسلام، ( فقال: يا رسول الله! لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك )، عندك أمران كلٌ منهما أصفى من الذهب وأحلى من العسل في كلام علي :

    الأمر الأول يقول: هون على نفسك يا رسول الله! يعني من أجل امرأة تنفعل غاية الانفعال، وشهر كامل وأنت مهموم مغموم، لم؟ والله ليت نساء الأرض كلهم يعدمن ولا تتأثر أنت، الأمر ليس فيه ضيق يجب عليك أن تفارقها والنساء ما أكثرهن، لم تضيق على نفسك؟ هون عليك الأمر.

    الأمر الثاني الذي أشير إلى مكانة أمنا عائشة ، لو قال علي : يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام هي طاهرة مطهرة، هي أهلك، يبقى كلام بشر، ويقال: أنت خبرتها، صحبتها، نمت معها، اطلعت على أحوالها، من أين لك هذا؟ فأشار بالأمر الثاني الذي هو أصفى من الذهب، يقول: يا رسول الله! أنت عندك دليل خريت ماهرٌ حاذق وهو من يصاحبها في البيت وهي الجارية، بريرة أمتك سلها تصدق، يعني لم تسأل أسامة وتسألني؟ نحن رجال لا علم لنا بأحوال النساء، فالجارية هذه التي تخالطها أعلم الناس بحالها، وهو يعلم طهارة أمنا عائشة وأنها أصفى من الذهب الخالص، لكن من الذي سيتكلم بهذا؟ يتكلم بهذا من اطلع عليه وخبره وعرفه ورآه بعينيه، وهي الجارية، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام الجارية هل في هذا اتهام؟ أعوذ بالله! والله الذي لا إله إلا هو إذا كان قذف أمنا عائشة كبيرٌ علينا ويفتت الجبال، فأيضاً القول: بأن علياً رضي الله عنه يميل إلى تهمة عائشة رضي الله عنها لا يقل عندنا عن تهمة أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فلنضع كل السبل في موضعٍ شرعي؛ هذا ابن عباس رضي الله عنهما، وأين هو من علي لا يأتي قطرة من بحر علي ، ويقول: ما بغت امرأة النبي عليه الصلاة والسلام، فهل هذا يخفى على علي الذي هو أقضى هذه الأمة، وهو مدينة العلم فيها، لا يمكن، لكن نحن أمام أمرين: أمام النبي عليه الصلاة والسلام وزوجه، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام هون عليك والنساء سواها كثير، يعني إذا فارقتها فالأمر ليس فيه منقصة، ثم أمر ثاني لئلا يحصل تسرع بالمفارقة، فيه حكم في القضية، وهو إسناد الأمر إلى الجارية ( وسل الجارية تصدقك ) مباشرةً.

    تعديل بريرة لأم المؤمنين رضي الله عنها

    قالت: ( فدعا رسول الله عليه الصلاة والسلام بريرة فقال: أي بريرة ! هل رأيت فيها شيئاً يريبك؟ ) هذه عائشة أنت تخدمينها وتكونين معها وتصاحبينها ليل نهار، تصاحبها أكثر من نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو يأتيها ليلة من الليالي، أما هذه فهي معها باستمرار في بيتها، ( قالت له بريرة : لا والذي بعثك بالحق! إن رأيت منها أمراً أغمصه عليها )، أي: ما رأيت منها أمراً أغمصه عليها ( أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فيأتي الداجن فيأكله )، ما أعلم عنها إلا هذا، هذه جارية حديثة السن عمرها -كما قلنا- اثنتا عشرة سنة، خالطتها ثلاث سنوات، من تسع إلى اثنتي عشرة سنة، تعلم حالها، إذاً هي صغيرة السن، رطبة البدن شابة، والشاب إذا نام ليس نومه كنوم الشيخ الذي عمره تسعون سنة، فهذا لو تنفست بجواره يستيقظ؛ لأن جسمه قد ذهبت الرطوبه منه، فأما الشاب فكم تتعب في إيقاظه، فكأنها تذكر عذراً باستغراقها في النوم كيف تأتي الداجن، والداجن: الشاة أو السخلة التي تعيش في البيت وتربى، لا ترعى في المرعى ولا تخرج إلى الصحراء، فتعجن العجين ثم تنام، فتأتي الداجن وتأكل العجين في النوم، وتستيقظ فلا ترى عجيناً.

    وفي بعض الروايات في الصحيح ( قالت: والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر )، لو أخذت ذهباً أحمر إلى الصائغ وقلت له: اختبر لي هذا الذهب، يقول: هذا جيد، وأنا ما أعلم عنها إلا ما يعلمه الصائغ عن تبر الذهب الأحمر، كأنها تقول: في دينها، فلا ينبغي لإنسان أن يتكلم في هذه القضية، هذا دعونا منه، لكن في أمورها الدنيوية هي فتاةٌ حديثة السن، أحياناً يجري منها نحو العجين ما يجري، وليس أيضاً تفريطاً في أمورٍ من أمور المنزل إلا العجين، هذا الذي أغمصه عليها يعني لو احترست لكان خيراً، وفي بعض الروايات غير الصحيحين إن بريرة عجنت، ثم قالت لأمنا عائشة : راقبي العجين لئلا تأكله الداجن، ثم خرجت بريرة وتأخرت ونامت أمنا عائشة ، فجاءت الداجن وأكلت العجين، فهذه القصة لم تمح من ذاكرة بريرة ، ولو لم تذكره لكان أحسن، فهي -كما يقال-: عثرة دنيوية في حياتها، معها ثلاث سنوات وهي محفوظة رضي الله عنهن أجمعين.

    استعذار رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أبي

    قالت: ( فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول )، وهذا كله قبل أن تذهب أمنا عائشة ، هناك ما حصل استعذار ولا مكالمة مع الصحابة، جاء في اليوم الثامن إلى أمنا عائشة فقال: إن ألممت بذنب فتوبي، وإلا فسيبرئك الله، وقبل خروجه من بيتها نزل عليه الوحي عندما اشتد عليه الكرب وضاقت عليه الأرض بما رحبت.

    قوله: ( فاستعذر ) كأنه يطلب العذر من الصحابة نحو عبد الله بن أبي إن عاقبه، كأنه يقول لهم: من يعذرني؟ يعني: من يلتمس لي عذراً ويقرني إذا عاقبت هذا المنافق الخبيث؛ لأنه يتكلم على أهلي وما علمت إلا خيراً، وقذف رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً؟! فاستعذر، يعني: طلب العذر من الصحابة، كأنه يستشيرهم، قام على المنبر، وقال: (من يعذرني)؟ بكسر الذال، أي: من يلتمس عذري ويقرني ويرى أنني على صواب فيما فعلت، الصحابة كلهم يعذرونك رضي الله عنهم وعلى نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، (من يعذرني من رجلٍ بلغني آذاه في أهلي)؟ ومن الرواة الأربعة للزهري : (من قال في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وهو ما كان يدخل على أهلي إلا معي، قالت: فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه أحد بني عبد الأشهل فقال: يا رسول الله! أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ) وهو سيدهم إن كان هذا الذي أرجف بهذا الحديث واختلقه منا ( ضربنا عنقه )، نوافق الآن نضرب رقبته وأنت على المنبر، نحن نعذرك ونوافقك، ولا أحدٌ يرضى أن يتكلم هذا الخبيث في عرض خير خلق الله عليه الصلاة والسلام، ( إن كان من الأوس ضربنا عنقه )، ما قال: تأمرنا، نحن مباشرةً الذين نضرب رقبته، ( وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا فيه أمرك )، وإنما قال: أمرتنا؛ لأنه لا إمرة له عليهم، وإمرته على الأوس فقط وهو رئيسهم.

    وأسأل الله أن يبارك لنا في وقتنا، وأن يحسن ختامنا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، واغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.