إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي- باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [9]

شرح الترمذي- باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [9]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المرأة في الإسلام جوهرة مصونة حماها الإسلام من عبث العابثين، فأمرها أن تستتر عن الذئاب البشرية بستر الوجه، وقد جاء الإباحيون وأرادوا من المرأة أن تخلع حجابها تحت مسمى تحرير المرأة، أو فهم القرآن بطريقة معاصرة، واستغل هؤلاء الإباحيون بعض الفتاوى الخاطئة التي تبيح كشف الوجه بأدلة لا تخرج عن أنها إما كانت قبل وجوب الحجاب، أو محتملة، أو كانت وقائع مخصوصة.

    1.   

    الرد على بعض من أنكروا وجوب ستر المرأة وجهها

    الرد على صاحب كتاب (تذكير الأصحاب) وبيان جهله

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً, وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين وخالق الخلق ورازقهم أجمعين: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3] .

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين, فشرح به الصدور, وأنار به العقول, وفتح به أعيناً عمياً, وآذاناً صماً, وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد: معشر الإخوة الكرام! قلنا: إن هناك كلاماً سفيهاً في هذه الأيام يثبت أن النقاب حرام، ولا يجوز للمرأة أن تستر وجهها، وإذا سترت وجهها فإثمها عند الله أعظم وأشنع مما لو كشفت عن فخذيها، وألف كتاباً سماه: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، وذكرت البارح تأويله وتلاعبه وافتراءه فيما يتعلق بأثر أسماء رضي الله عنها وأرضاها، وأريد أن أختم الكلام بما ذكره حول أثر حفصة، وهذا آخر شيء لننتقل بعد ذلك إلى غيره إن شاء الله.

    يقول هناك: إننا لا نعجب حين نجد في المرويات النادرة بعضاً مما يشتبه على المبتدئين في الثقافة الدينية أو المتسرعين في الفهم من غير رسوخ في علوم الدين مثل هذه الرواية التي أخرجها البيهقي بإسناده -يقول هذا في صفحة اثنتين وعشرين ومائتين- عن عاصم الأحول وتقدم معنا ذكره، قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا وتنقبت به، فنقول لها: رحمكِ الله، قال الله: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60]، يعني: لا داعي لهذا الجلباب، ولو وضع لا حرج؛ لأنها قاعد زاد عمرها على السبعين، فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60]، فتقول: هو إثبات الحجاب. يعني: إثبات الحجاب أفضل وأطهر للقاعد، هذا للقاعد، أما للشابة فيحتاج الإنسان أن يكون عنده عقل، يعني: القاعد رخص لها أن تضع جلبابها، وإذا استعفت خير لها، فكيف في حق الشابة؟ انتبه ماذا يقول؟!

    يقول: وهي رواية صحيحة الإسناد. ووالله أنت لا في العير ولا في النفير، ولا تعرف الصحيح ولا الموضوع، لكن تسرق من هنا وهناك، نريد تأويلك الذي لم يسبقك إليه أحد من خلق الله ولا البهائم التي كنت تعالجها؛ لو عرضت عليها تفسيرك لرفضته، تقول: لكنا نردها شأن غيرها إلى الكتاب والسنة، فما وافقهما قبلناه، وما خالفهما رددناه على العين والرأس، ما أحلى هذا الكلام، ولكن كل خبيث يقول كتاب وسنة بفهم أعوج، ثم يقول: كتاب وسنة؛ لكون الكتاب والسنة قاضيين على سائر الروايات وليس العكس.

    يقول هنا: وقد تقدم تفصيل ما لا معنى لإعادته، وهذا راسخ عندنا وبالغ مبلغ اليقين، يعني: الكتاب والسنة، فضلاً عن أن حفصة بنت سيرين يقول: رحمها الله، وهي تابعية فاضلة عابدة من العابدات، لم يعرف لها رسوخ في علوم الدين في أي فرع من الفروع، فضلاً عن انعدام القصور، فلا هي رضي الله عنها من أصحاب الفقه أو التفسير أو الحديث أو شيء من هذا القبيل، بل هي عابدة فاضلة فحسب، والعابد ليس عالم بأحكام الدين كالعلماء الراسخين، يعني: لم اعترفت بأنها عابدة؟ نقول له: لكنك أنت لست عالماً ولا عابداً وإنما أنت طبيب بيطري، فما دخلك في العلم وليس عندك لا عبادة ولا تقى، وقد قلت لكم: هي من رجال الكتب الستة، ثقة فقيهة عالمة كما تقدم معنا هذا، وكان شيخ الإسلام أخوها إذا أشكل عليه شيء يقول: اسألوا حفصة .

    يقول: ولذا فإن مثلها أهل لئلا تبلغ مناط الحكم الشرعي الصحيح في بعض الأمور، وأن يبلغ بها احتياطها الشديد في العبادة أن تخرج النص القرآني العظيم عن مدلوله الأصلي بحسن نية منها، ولعلك تلحظ شيئاً من ذلك في إنكار الذين دخلوا عليها وفيهم عاصم الأحول، وهو الذي أثنى عليه سفيان الثوري وعده من الحفاظ، فقد أنكر عليها ما فعلت بنفسها، وتذكيرهم لها بالآية الكريمة وفهمهم لها هو الوجه الصحيح، لكنها رحمها الله مضت في زعمها حتى قالت بقول شاذ لم يسمع بمثله في الأولين والآخرين، وهو قولها عن عجز الآية الكريمة بأنه إثبات الحجاب في حق مثلها، فأوجبت بذلك النقاب على القواعد من النساء، فانظر ماذا تفعل العبادة دون الرسوخ في العلم بأصحابها، فلم يقل أحد من أهل العلم الثقات بذلك أبداً.

    ألست أنت الذي تقول: الحكم للكتاب والسنة؟ هب أنه لم يقل أحد من الثقات بذلك وأنت تكذب عليهم، فإنَّ الكتاب قد جاء فيه: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60]. انتهى.

    يقول: ولو كان النقاب ثابتاً في حق القواعد من النساء فبالله عليك! أي تقصير يكون في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام التي لم تشر إلى ذلك من قريب أو بعيد؟ يعني: النبي عليه الصلاة والسلام قصر عندما لم يقل القواعد ينبغي أن يتبرقعن ويتحجبن، فإن سنته عليه الصلاة والسلام في ذلك معروفة وجلية وثابتة، فلا مرد لها من أقوال الصحابة أنفسهم لو وجدت، فما بالنا بمن هو دونهم، ومن ثم فلنا أن نقول: إن فعلها ليس حجة إلا في حقها، أما نحن فقد كفانا الله بقرآنه العظيم وبسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، كل الأفعال والأقوال الخاصة مهما قال بها فضلاء وفعلها عباد، ولعلك تلحظ بجلاء مبلغ اعتراضهم عليها بقولهم: رحمكِ الله، الذي يفيد حدوث فعل يستوجب طلب الرحمة لفاعله، وقد تكرر هذا منها كثيراً وكانوا يدعون لها في كل مرة بقولهم: كنا ندخل فنقول: رحمكِ الله، يعني: كل مرة نسأل الله لها المغفرة لجهلها، ثم يذكرونها بما لا خلاف عليه في حكم القواعد من النساء وهو مفتتح الخطاب دائماً بين المتحاورين: رحمكِ الله.. حتى يخلص منه إلى ما بعده من أحكام، لكنها كانت تصدهم في كل مرة، رحمها الله وعفا عنا وعنها إنه هو الغفور الرحيم.

    ولو فرق عوام الناس بين كلام العلماء الراسخين وأفعال العباد المتبعين -لعلهم المتعبدين على كل حال- لكفاهم ذلك الشيء الكثير، ولميزوا بين ما هو من الكتاب والسنة فيلتزمون به ويرتقون، وما هو من عند الناس فيخطئون فيه ويصيبون، ولانعدمت بذلك مشاكل كثيرة، وقد كتبنا في ذلك شيئاً مفصلاً. نسأل الله أن يكفينا شرك وشر كتابتك.

    ثم يقول: خاتمة

    تبين أن كل الذين يدعون إلى غطاء الوجه والتمسك به عوام جهلة، ولبس النقاب لا يدل عليه ويقرره إلا من كان من نقلة الصحف الذين لا يفقهون ما ينقلون، ولا يعقلون ما يكتبون، وفي أقلهم حفظة يرددون ما يحفظون دون أن تترسخ لهم قدم، فيحسبون أنهم على شيء من العلم بدقائق الشرع الحنيف وهم واهمون؛ لأنهم عادة متحمسون... إلى آخره.

    يقول بعد ذلك: المنقبة تحتاج أن نستغفر لها مرتين والمتبرجة مرة واحدة؛ لأنها أقل ابتلاءً وأقرب إلى سواء السبيل، والسبب في ذلك: أن المنقبة التي غطت وجهها متكبرة وعاصية، وأما السافرة التي كشفت عن فخذيها فهي عاصية وليست متكبرة.

    ثم قال بعد ذلك: إذا قلنا بالنقاب فإنه يمكن للنساء المنحرفات أن يسرن مع غير أزواجهن ويسافرن معهم دون خوف أو كشف لأمرهن، فتزيد إمكانات الراغبات في الانحراف. وعجباً لهذا الكلام مع أن الزنا في البلاد الغربية مباح وليس فيه منقصة ولا مسئولية أمام الحاكم، وأنت تقول: لو أن المرأة تحجبت فيمكن أن تخون ولا تكشف! أليست الخيانة مكشوفةً ظاهرة ولا أحد يراقب عليها؟ وفي البلاد العربية الآن إلا ما رحم ربك الزنا بالتراضي حلال أحل من الماء البارد ومن شم الهواء، وإذا أردت أن تعترض تضرب رقبتك، الزنا ممنوع إذا اغتصب فقط، أما بالتراضي طبعاً فهذا حرية، فله أن يزني ويشرب الخمر.

    السفيه الأول -كما تقدم معنا- يقول: النقاب ليس بمباح ولا بواجب لكن مكروه، أما هذا السفيه فيقول: حرام، وقد ختم مقاله وكتابه بالنقول عن ستة من العلماء، خلط -كما يقال- الصالح بالطالح، والبيض بالباذنجان، وإنما أريد أن أذكر هذا ليحذر العلماء أن يكونوا مطية للسفهاء في يوم من الأيام.

    يقول: من أقوال علماء المسلمين في النقاب، وذكر أقوال ستة:

    أولهم: قاسم أمين قصم الله ظهره وألقاه في سجين، الذي هلك سنة ست وعشرين وثلاثمائة للهجرة، وألف كتابه تحرير المرأة، يقول هذا الخبيث عن نفسه: عندما ذهب إلى باريس تعرف على صديقة عشيقة له هناك، يقول: وقد صاحبتها طول حياتي هناك لكن مصاحبة بريئة، ووجدت فيها الرشاقة ودماثة الروح وتخالطني ليل نهار لكن صلة بريئة، لعله يقصد بالبراءة: ما وطئها في دبرها أو في قبلها، العلم عند الله أي الوطأين عنده صلة بريئة، إنما هو يقول: صداقة بريئة يعيش معها طول حياته، واستمد منها هذه الأفكار، وأن المرأة في الشرع متخلفة ينبغي أن تتحرر.

    فجاء أول ما أثاره موضوع الوجه، وقلت لكم: كل خبيث يريد أن يفتح باب الزنا يدعو إلى كشف الوجه؛ فلو قال: أخرجوا النساء ليزنى بهن، لضربه كل أحد، فهو يريد أن يصل إلى الزنا لكن على مراحل، وأول هذه المراحل مرحلة كشف الوجه، ومتى ما كشف الوجه سيقع الزنا شاء الناس أم أبوا، ولذلك قاسم أمين الذي تبنى دعوة إخراج المرأة إلى الجحيم في هذا الحين وخرجت، كان أصل دعوته كشف الوجه فقط، يقول: المرأة تكشف عن وجهها وتخرج وتزاول الأعمال، ويقول كما يقول الضالون في هذه الأيام، إذا جلست المرأة في بيتها ولم تعمل فنصف الأمة مشلول، نسأل الله أن يشل جميع بدنك وأعضائك. أما تقوم هذه المرأة بأعمال يعجز عنها الرجال؟ من الذي سيربينا في بيوتنا؟ ثم بعد ذلك عندنا شهامة وكرامة؛ نستطيع أن نكفي نساءنا عن العمل، ولن نزج بهن في مصنع أو نحوه طلباً للكسب ونحن في البيوت، أعوذ بالله من النذالة والسفاهة عند من يدعون أنهم دعاة في هذه الأيام.

    وهذه هي دعوة قاسم أمين ، فما دعا إلا إلى كشف الوجه، وقال: غطاء الوجه جاءنا من عادة الأتراك، والذي ذكر في القرآن خاص بزوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يعلم علم اليقين أنه إذا كشف الوجه سيكشف ما هو أشنع، وهذا الذي حصل.

    والثاني: بهي الخوئي، والثالث: العقاد، وهؤلاء كلهم ينقل عنهم أن الوجه ينبغي أن يكشف وليس في الإسلام دليل على ستره، والرابع: محمد رشيد رضا، والخامس: الألباني في كتابه: حجاب المرأة المسلمة، والسادس: القرضاوي في كتاب الحلال والحرام، ستة من العلماء فيهم من هو -كما قلت- زنديق، وفيهم من فيه غفلة لا يدري ماذا سيترتب على كلامه، فيأتي دعاة الإباحية والفجور يستدلون بكلام قاسم أمين وبكلام الألباني، أوليس من العار أن يقرن الألباني بـقاسم أمين ؟ لكن هو الذي عرض بنفسه لهذا؛ فعندما شذ عما عليه المسلمون قرن بكتب الإباحيين مع قاسم أمين، ومن لا يكرم نفسه لا يكرم.

    إخوتي الكرام! بالنسبة للشيخ الألباني وما ذكره حول حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة المطهرة فهذا حسبما فهم، ولا يوجد في القرآن ولا في السنة دليل يقرر ما قال، بل ما في الكتاب والسنة يبطل ما قال وسأشرح ذلك، لكن قبل أن ننتهي من هذا البحث أريد أن أختم الكلام بسفيه رابع ثم أعود بعد ذلك للبحث الذي ذكره الشيخ الألباني .

    تفسير محمد شحرور للقرآن بما يدعو إلى السفور والفجور والرد عليه

    السفيه الرابع الذي يدعو أيضاً إلى كشف الوجه بل إلى ما هو أكثر الدكتور المهندس محمد شحرور ، ألف كتاب: الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، والكتاب في حدود تسعمائة صفحة، وما رأيت أخبث ولا أفسد ولا أكفر ولا أشنع ولا ألعن من هذا الكتاب، ما قرأت في حياتي ألعن منه، وعلى طريقته هو يقول: قرآن نفهمه على حسب الأذهان، والسنة نأخذ منها ما يتفق مع القرآن، أما الصحابة رضي الله عنهم من أبي بكر إلى علمائنا في هذا الزمان كلهم ما لنا علاقة بهم.

    ثم ذكر لآية الحجاب تفسيراً والله الذي لا إله إلا هو! لو أنه عرض على الشيطان لما قبله؛ لما فيه من ضلالات وكفريات كثيرة، يقول في صفحة سبع وستمائة في قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31]، يقول: الزينة الظاهرة: ما ظهر من جسد المرأة بالخلق، أي: ما أظهره الله من جسدها حين خلقت كالرأس والبطن والظهر والرجلين واليدين، ونحن نعلم أنه سبحانه خلق الرجل والمرأة عراة بلا ملابس، فهو يقول: المرأة لها حالتان: حالة أمرت أن لا تكشفها وأن لا يطلع عليها إلا المحارم: الزوج فمن دونه، فيقول هنا: قسم غير ظاهر بالخلق، أي: أخفاه الله في بنية المرأة, وهذا القسم المخفي هو الجيوب الذي قال الله فيه: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31]، هذه الجيوب لا تبديها إلا لبعولتهن أو آبائهن.

    والجيوب يقول: طبقتان بينهما خرق، وعليه فالسوءتان وتحت الإبطين وما بين الثديين هذه جيوب، وهذه لا يجوز أن يراها إلا الزوج والمحارم كلهم بالتساوي، فالابن يرى سوءة أمه من أمام ومن وراء ولا حرج، ثم يقول: لا يجوز أن تقول: حرام كشف هذه الأماكن للمحارم، وإذا قلت: حرام، فستدخل النار، يقول: قد تقول له: عيب على حسب العرف لكن ليس بحرام، وغير الزوج والمحارم يطلعون على جميع بدن المرأة بشرط أن لا يروا الجيوب.

    قال زنقي الفنجلي : الخرق بين طبقتين كالأنف والأذنين، هذه جيوب ظاهرة، أما الجيوب المخفية التي تخفى تحت الإبط وما بين الثديين وفتحة الفرج وفتحة الدبر هذه لا يراها إلا الزوج والمحارم، ما عدا هذا يراه الناس قاطبة، فتكشف عن الفخذين وعن البطن وعن الصدر وعن الظهر كل هذا لا حرج. هذا في كتاب: تفسير القرآن قراءة معاصرة.

    يقول: فالجيوب في المرأة طبقتان مع خرق، وهي ما بين الثديين وتحت الثديين وتحت الإبطين والفرج والإليتين، هذه كلها جيوب يجب على المرأة المؤمنة أن تغطيها، لذلك قال: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31].

    ثم يقول: قد يقول البعض: يعني أن المرأة المؤمنة يحق لها أن تظهر عارية تماماً أمام هؤلاء: الزوج والأب والابن وللزوج والأخ وابن الأخ وابن الأخت؟ أقول: نعم، يجوز إن حصل ذلك عرضاً، وإن أرادوا أن يمنعوها فالمنع من باب العيب والحياء والعرف وليس من باب الحرام والحلال؛ لأنه شملهم مع الزوج، أي: إذا شاهد والد ابنته وهي عارية فلا يقول لها: هذا حرام؛ لأنه افترى على الشرع وارتكب إثماً، لكن يقول لها: هذا عيب.

    هذا تحت ستار تفسير، وما أكثر هذا في هذه الأيام، وسببه كما قلت لكم عدم التزامنا بمذاهب أئمتنا، فالخروج عن المذاهب الأربعة مضيعة؛ لأن المذاهب الأربعة تبلور فيها الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، ونقحت وهذبت أكثر من عشرة قرون، وإذا تركنا الأمر لاجتهادات معاصرة في هذه الأيام فكل واحد سيقول ما شاء.

    1.   

    وقفات مع الشيخ الألباني وبحثه حول الحجاب والرد عليه

    نعود بعد ذلك إلى الشيخ الألباني، ووالله يعز علينا غاية المعزة ويكبر علينا غاية الأمر أن يقرن اسم هذا الشيخ الكريم مع هؤلاء السفهاء من قاسم أمين وغيره، وهكذا أيضاً الشيخ القرضاوي يقرن مع قاسم أمين، وأريد أن أقول للشيخ الألباني نسأل الله أن يغفر لنا وله وللمسلمين أجمعين: أنت في كتابك قررت ما يرد قولك.

    فـالألباني سلم بأن غطاء الوجه ثابت، وهذا من محاسن الأمور ومكارم الأخلاق، وهذا خلق النساء الفضليات، وهو خلق أمهات المؤمنين الطاهرات، وله أصل في شريعة رب العالمين، وكان معروفاً معهوداً في عهد نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، هذه العبارات قررها في كثير من الصفحات، في صفحة ثلاث وأربع يقول: بعض النساء لما قرأن كتابي منهن من بادرت حتى إلى ستر وجهها أيضاً حين علمت من هذا الكتاب أن ذلك من محاسن الأمور ومكارم الأخلاق، مقتديات بالنساء الفضليات من السلف الصالح وفيهن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.

    ثم قال في صفحة سبع وأربعين: مشروعية ستر الوجه، يقول بعد ذلك: ليعلم أن ستر الوجه والكفين لهما أصل في السنة وقد كان ذلك معهوداً في زمنه صلى الله عليه وسلم، كما يشير إليه وسرد الأدلة على ذلك إلى صفحة ثلاث وخمسين.

    ثم بعد ذلك يقول: ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه كان معروفاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وأن نساءه كن يفعلن ذلك، لكن هؤلاء نسبوا إليك كأنك تقول: لا دليل على تغطية الوجه، وأنت تنقل أنه كان معروفاً والعمل عليه، وقد استن بهن فضليات النساء بعدهن.

    وأقول للشيخ: هذا الذي قررته من أن نساء التزمن في هذه الأيام بتغطية الوجه؛ لأنك نقلت أنه من محاسن الأمور ومن سمات النساء والفضليات وشكرتهن على ذلك، وأن هذا كان معروفاً عند نساء السلف من عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أريد أن أقول: هذا الثابت عند نساء السلف فهمنه من الآية الكريمة، فأي الفهمين أولى: فهمك أو فهمهن؟

    وهذه الآثار التي ذكرتها أخذت من آية الحجاب، وفهمها هؤلاء النسوة وطبقنها، ففهمهن أولى وهن أصلح وأتقى لله منك ومنا، وهن أعلم بما خوطبن به، والنبي عليه الصلاة والسلام بين ذلك، وقد تقدم معنا قول أمنا عائشة : ( فاختمرن بها ) قال أئمتنا: أي: غطين وجوههن بعد نزول الآية، وأنت تقرر في صفحات متتاليات أن النساء كن يتحجبن في العصر الأول، فإذا كان كذلك فإذاً الحكم الشرعي تغطية الوجه، وما أورده الألباني من حوادث فيها كشف الوجه فكل ما أورده فيه احتمال أو مناسبات خاصة أو قبل نزول آية الحجاب، فوهمت أيها الشيخ وأردت أن تلغي ذلك الحكم العام الذي كان عليه نساء سلفنا الكرام بحوادث تحتمل التأويل، وسأعرض بعض تأويلاته حتى لا يقال: أنت تتجنى عليه.

    استدلال الألباني بحديث: (لا يعرفن من الغلس) على كشف الوجه

    يذكر في صفحة ثلاثين حادثة تدل على كشف الوجه وهي: ( كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفن من الغلس )، يقول في الحاشية: أخرجه الشيخان وغيرهما، ووجه الاستدلال به هو قوله: ( لا يعرفن من الغلس ) فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعرفن، وإنما يعرفن عادة من وجوههن وهي مكشوفة، فثبت المطلوب. لكن نقول: هذا من لفظ الحديث أو من فهمك؟ لا، أقول: ضعه في جيبك.. ضعه تحت رجلك، وما دام فهمك فلا تقل: حجاب المرأة في الكتاب السنة، هذا ليس كتاب وسنة، هذا فهم للألباني، وهذا الفهم لا يقول به صغار الصبيان فضلاً عن الشيوخ الكرام، وأبى الله أن يجعل العصمة إلا لأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام.

    فهل يصلح بهذا الاحتمال أن تلقب قاعدة عامة صار عليها نساء السلف؟

    استدلال الألباني بحديث فاطمة بنت قيس على كشف وجه المرأة

    دليل ثاني في نفس الصفحة: عن فاطمة بنت قيس في قصة اعتدادها، وحديثها في صحيح مسلم : ( اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه أعمى تضعين ثيابك عنده فلا يراك )، وأما أم شريك ، فيقول: ( لا تفعلي؛ إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منكِ بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن أم مكتوم وهو من البطن الذي هي منه، فإنكِ إذا وضعتِ خماركِ لم يركِ، فانتقلت إليه ).

    يقول الألباني : ووجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورة ظاهر؛ وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقر ابنة قيس على أن يراها الرجال وعليها الخمار وهو غطاء الرأس -يقول: الخمار غطاء الرأس- فدل هذا على أن الوجه منها ليس بالواجب ستره كما يجب ستر رأسها، ولكنه عليه الصلاة والسلام خشي عليها أن يسقط الخمار عنها فيظهر منها ما هو محرم، فأمرها بما هو الأحوط لها وهو الانتقال إلى دار ابن أم مكتوم الأعمى.

    ثم قولك في معنى الخمار أنه ما يغطى به الرأس فقط غير مسلم به، وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء العاشر صفحة ثمان وأربعين: الخمر مأخوذة من قولهم: خامر العقل وتخمر إذا ستر، خامر العقل ستره، فهي تخمر العقل وتستره، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها.

    نعم.. الخمار قد يكون ساتراً للرأس وقد يكون ساتراً للوجه، وقد يكون ساتراً لليدين، فما تغطي به شيئاً يقال له: خمار، فمن أين فهمت أن الخمار غطاء الرأس فقط؟ إن جاء حديث بذلك على العين والرأس، وإلا فلو سكتَّ لكان أحسن من تأويلك وكلامك واستدلالك.

    يقول في صفحة ثلاث وثلاثين في تفسير الخمار: لا نعلم خلافاً في أن الخمار هو ما يستر به الرأس. وفي صفحة خمس وثلاثين يقول: الاعتجار بمعنى الاختمار، والمعجر ما تشد المرأة على رأسها، يقال: اعتجرت المرأة.

    يقول الإمام ابن الأثير في النهاية، والإمام ابن منظور في اللسان يقول: الاعتجار بالعمامة أي: يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئاً تحت ذقنه.

    إذاً: اعتجار العمامة أن لا يجعل طرفها بين كتفيه، ويجعلها على الوجه بين يديه، فالمرأة عندما تعتجر تختمر على رأسها، ثم الطرف الزائد لا ترده وراءها، تجعله أمامها إذاً ستستر وجهها، وأنت أيها الشيخ تقول: الاعتجار بمعنى الاختمار، ويقول هنا في الصحاح: المعجر ما تشده المرأة على رأسها، يقال: اعتجرت المرأة، إذاً فالمرأة حين تعتجر تشد طرفاً على رأسها والطرف الآخر على وجهها، وهذا في كتب اللغة؛ ففي النهاية واللسان يقول: الاعتجار أن يلف على رأسه ويرد طرفها على وجهه. فإذاً: الاعتجار والاختمار فيهما ستر للوجه، أما الألباني فيقول: لا نعلم في هذا خلافاً، أي: أن الاختمار تغطية الرأس لا غير، وهذا غير صحيح؛ فالحافظ ابن حجر، والعيني، وهؤلاء شراح السنة قبله يقولون: فاختمرن أي: سترن.

    فإن قلت: إن بعض الأئمة قالوا: إن كشف الوجه ليس بعورة، أقول: ليس الموضوع عورة أو لا، وتقدم معنا الاتفاق على أن ستر الوجه لا بد منه، وأنت تقول: يجوز للشابة الحسناء الجميلة التي لو كان يفتن أهل الأرض بها أن تخرج سافرة دون أن تستر وجهها وليس لأحد أن يعترض عليها، ولكن الستر أفضل.

    هذا ما سبقك إليه أحد، وكما قلت: التضليل بعد ذلك على الناس بأنه يوجد أئمة قالوا: إن الوجه ليس بعورة، ما أحد قال: إذا كانت شابة تفتن يجوز لها أن تكشف وتمشي ولا يتعرض لها، لا.. ما أحد قال هذا، وهذا هو المقرر، وتقدم معنا: إذا خشيت فتنة على نفسها أو على الناظر من المحارم فيجب عليها أن تتحجب وهذا يقرره أئمتنا.

    استدلال الألباني بقوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) على كشف الوجه

    دليل ثالث، وحقيقة لما أقرؤه أتعجب وأقول: اللهم اغفر له زللـه، يقول: وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى في صدر الآية التي نتكلم عليها: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30]، فإنها تشعر بأن في المرأة شيئاً مكشوفاً يمكن النظر إليه، فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن، وما ذلك غير الوجه والكفين، من أين لك هذا؟ من أين أتيت به؟ وكيف تقرر أن ستر الوجه من أخلاق النساء الفضليات ثم جئت لتنقضه بجزئيات قابلة للاحتمال؟

    وعليه إخوتي الكرام! ما قاله من أن العمل جرى على كشف الوجه لا نستطيع أن نؤلف بينه وبين أن العمل جرى على ستر الوجه، فقد قال: هو عادة النساء الفضليات والسلف يسترن, وفي صفحة أربع وعشرين يقول: وقد جرى العمل عليه من النساء في عهد النبي عليه الصلاة والسلام حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته وهو لا ينكر ذلك عليهن، ثم ساق أحاديث هذا يحير أي العملين سنأخذ به؟

    ويقول في صفحة ثمان: إيجاب تشدد في الدين وتنقص.

    ويقول في صفحة ثلاث وخمسين التي ختم بها كلامه على مشروعية تغطيه الوجه: يستفاد من ما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه من ما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات أمر مشروع محمود، ثم نقض هذا فقال: وإن كان لا يجب ذلك عليها، بل من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، وكلامه هذا باطل.

    رد التويجري على الألباني في مسألة كشف وجه المرأة

    وقد رد عليه بعض المشايخ وقسا في الرد، والقسوة في محلها ليترك الناس هذا القول الباطل الشاذ، لا قسوة على هذا الشيخ، إنما هذا قول شاذ لا بد من القسوة عليه لأجل أن يحذره الناس.

    قال الشيخ محمود بن عبد الله التويجري في كتابه الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور، توفي الشيخ عليه رحمة الله ونور الله قبره، ونسأل الله أن يغفر لنا وله وللشيخ الألباني حياً وميتاً، لئلا يظن بعض السفهاء أننا نطعن في شخص الشيخ، وأما أقواله المخالفة لأئمتنا فنطعن فيها، وليس الطعن في الأقوال منقصة، وإذا قال قولاً خالف به أئمتنا نرد عليه وعلى غيره، فليس من العدل أن نتأثر من أن نقول في قول الألباني بدعة وضلالة، ولا نتأثر حين أطلق مثل هذا الوصف على قول الإمام أحمد في وضع اليدين بعد الرفع من الركوع. فلم تضعون لأنفسكم حالات العصمة والحواجز والسدود وأئمتنا كلأ مباح لكل واحد يطعن فيهم؟ والله أن كل من يطعن في كلام أئمتنا لا أشك في أن كلامه ضلال، قد يكون له عذر أو لا هذا موضوع آخر.

    فالشيخ محمود التويجري عليه رحمة الله نقل كلام الشيخ الألباني عن أمنا عائشة وغيرها رضي الله عنهم أجمعين بأن غطاء الوجه كان معروفاً ومعمولاً به، قال باختصار: وعائشة ونساء الصحابة رضي الله عنهن أعلم بتفسير الآية من ابن حزم وممن قلده فيما يوافق مذهبه الباطل كـالألباني، فهو يقول: أمنا عائشة ونساء الصحابة اللاتي فهمن ما ينبغي أن يعملنه بعد نزول آية الحجاب أعلم من ابن حزم، وما أجمل قوله: ومن قلده؛ فهو تقليد باسم اتباع.

    ثم قال في صفحة ستين ومائة: وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم جميعاً رحمة الله: من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله وملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه، وكلام الألباني في تفسير الآية من سورة الأحزاب وما أداه من احتمال فيها لم يسبقه إليه أحد من الصحابة والتابعين، فهو إذاً من الإلحاد في آيات الله، وتحريف الكلم عن مواضعه، وعلى هذا فيلزم اطراحه ورده على قائله.

    ثم قال في صفحة أربع وسبعين ومائة: لا يخفى على من له أدنى علم وفهم أن بحث الألباني مبني على المغالطة وتأويل الأدلة على غير تأويلها المعروف عن الصحابة والتابعين وتطبيقه على غير المراد منها، وليس في بحثه حجة على ما ذهب إليه من جواز السفور، ولكن لكفاية في الرد على المشايخ الذين يذهبون إلى تحريف السفور كما قد توهم ذلك.

    ثم بعد ذلك قال: وعلى هذا فلا يقول: إن ستر الوجه بدعة وتنطع إلا من هو من أجهل الناس وأقلهم بصيرة في الدين، وبالجملة: فهذا قول سوء لا يصدر من أحد يتمسك بما ثبت من السنة النبوية، وإنما يصدر ذلك ممن يتمسك بالتقاليد والسنن الإفرنجية؛ لأن التبرج والسفور من سنن الإفرنج لا من سنة المسلمين.

    ثم ختم كلامه بقوله: إن كلام الألباني قد نقض آخره أوله؛ لأنه قد قرر في أوله أن العمل من النساء في عهد النبي عليه الصلاة والسلام قد جرى على إظهار الوجه والكفين، وأن وجه المرأة ليس بعورة ولا يجب ستره، وتعسف في تطبيق الأدلة على ذلك، ثم قرر هنا أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة، وأنه كان معهوداً في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فساق الأدلة على ذلك ثم قال: ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفاً في عهده عليه الصلاة والسلام وأن نساءه كن يفعلن ذلك.

    قلت: وكذلك غير أزواجه كما تقدم عن أسماء بنت أبي بكر وفاطمة بنت المنذر وحفصة بنت سيرين، وفي حديث أسماء ما يدل على أن نساء الصحابة رضي الله عنهن كن يفعلن ذلك كما تقدم تقريره، واسترسل في البحث إلى آخر كتابه.

    وهذه القضية ينبغي أن يقف الناس عندها عند هذا الحد، وقد بلغني أن كثيراً من النساء في هذه البلدة المباركة -نسأل الله أن يبارك في بلاد المسلمين وأن يحفظ المسلمين أجمعين في كل مكان من كل شرير، خبيثاً كان أو مغفلاً لا يدري ما يقول- أنهن بدأن يترخصن بحجة أن الوجه ليس بعورة ولا حرج في كشفه، وقد فقدت حياءها وعفتها عندما كشفت عن وجهها، وهذا ينذر بكل سوء وخطر، فإذا كان الغناء رقية الزنا فإن كشف الوجه هو الطريق الحتمي إلى الزنا، وعنوان عفة المرأة وحيائها ستر وجهها، وإذا كشفت وجهها فقد عرضت نفسها للعهر، ولا يلزم أنها إذا كشفت ستزني؛ قد تقع وقد توقع، لكن تعرضت وعرضت، والمحفوظ من حفظه الله.

    نسأل الله أن يسترنا وأن يستر أعراض المسلمين أجمعين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر من وقف هذا المكان المبارك، واغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    2786887753

    عدد مرات الحفظ

    686610986