إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي- باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [8]

شرح الترمذي- باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [8]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله بالعفاف، فأوجب على المرأة ستر وجهها، وقرارها في بيتها، وعدم الخروج إلا لحاجةٍ أو ضرورة، وما سوى ذلك يعد تشبهاً بالجاهلية الأولى، وعلى ولي الأمر أن يتقي الله ويمنع كل ما يخل بطهر المجتمع وعفافه، وما يكون سبباً لنزول البلاء والعقاب، ولا يلتفت إلى المنادين بالتبرج والسفور، ولو كان ذلك المنادي منسوباً للعلم والفضل، فالمرجع هو الكتاب والسنة على فهم السلف رضوان الله عنهم أجمعين.

    1.   

    أم المؤمنين عائشة عنوان الطهر والعفاف

    اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين!

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فلا زلنا نتدارس ترجمة أمنا المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وأم المؤمنين، وزوج نبينا الأمين على نبينا وآله صلوات الله وسلامه، والسبب الذي دعانا لترجمتها -كما تقدم معنا- هي راوية الحديث الذي رواه الإمام الترمذي في الباب الخامس من أبوب الطهارة: ما يقول إذا خرج من الخلاء، فروت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: ( غفرانك )، وحديثها كما قال عنه الإمام الترمذي : حديث حسن غريب، قال: ولا نعرف في الباب إلا حديث أمنا عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أننا سنتدارس ترجمتها الطيبة المباركة ضمن ستة أمور، وكنا نتدارس الأمر الخامس منها فيما يتعلق بقيامها بأمر الدين على وجه التمام حسب ما في وسع الإنسان، فكانت تقوم بتعظيم ذي الجلال والإكرام، وبالشفقة والإحسان إلى عباد الرحمن، وبينت شيئاً من عبادتها لربها جل وعلا فيما يتعلق بصيامها وقيامها وقراءتها وخوفها من ربها جل وعلا، وختمت الأمر الخامس بأمر -قلت- ينبغي أن يستفيده نساؤنا منها ألا وهو: حياؤها العظيم ومحافظتها على عرضها وصونها لبدنها رضي الله عنها وأرضاها، فكانت تحجب بدنها من الأحياء المبصرين، ومن الأحياء العميان، ومن الميتين أيضاً، فلا يقع على بدنها نظر أحد، كما لا تنظر هي إلى أحد رضوان الله عليها وعلى سائر المؤمنين والمؤمنات.

    هذا الخلق الكريم الذي كانت تتصف به أمنا الطيبة المباركة زوجة نبينا على نبينا وآله صلوات الله وسلامه، قلت: ينبغي أن نقف عنده وقفة، وأن نأخذ منه درساً وعبرة في إلزام نسائنا بالحياء، وفي التزام نسائنا بهذا الخلق الكريم الرفيع، وقد شاء الله جل وعلا أن يمتد الكلام في ذلك في جميع المحاضرة الماضية، وكان في نيتي أن ننتهي، لكن قدر الله وما شاء فعل، ولا غرو في ذلك ولا عجب فسوف يأتينا عند آية التيمم أن ما حصل لهذه الأمة بسببها ليس هذا بأول بركتها ولا هو بأول بركة آل أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.

    وهذا أيضاً من بركتها بتوفيق الله لنا أن تدارسنا ما يتعلق بأمرها فيما يتعلق بحيائها وحجابها رضي الله عنها وأرضاها.

    1.   

    تغطية الوجه عنوان الحياء والعفاف

    إخوتي الكرام! تكلمت البارحة على ثلاثة أمور حسان:

    أولها: أن الحجاب خلق كامل، وأن ستر الوجه عنوان الحياء، وينبغي على النساء أن يحافظن على ذلك.

    والأمر الثاني: إذا خشيت فتنة من كشف الوجه يحرم على المرأة أن تكشف وجهها باتفاق أئمتنا -كما تقدم معنا تقرير ذلك- وعليه قلت: كل من نقل عن الأئمة الكرام خلافاً في موضوع وجه المرأة، وهل هو عورة أو لا؟ ورتب على هذه الخلاف أنه إذا لم يكن عورة فلا مانع من كشفه قلت: هذه سفاهة وخيانة لدين رب العالمين، وافتراء على أئمة المسلمين، فالذين لم يقولوا بأن الوجه عورة قالوا: لا يجوز أن يكشف إذا خشيت فتنة من الكشف عليها أو على الناظر، ولا خلاف بين أئمتنا في ذلك.

    وعليه؛ لا صلة بين قول علمائنا: إنه ليس بعورة وبين جواز كشفه على الإطلاق، فهذا موضوع آخر، والستر لا بد منه، أما هل هو عورة أو لا؟ فهذا يبحث بعد ذلك -كما قلت- في الأمر الثالث وهو: هل هو عورة أم لا؟ ووفقت بين القولين فقلت: من رخص في كشفه باعتبار بداية ما كان عليه الأمر ثم استقر الأمر بعد ذلك على أن الوجه ينبغي أن يستر ولا يجوز أن يكشف وأنه عورة، وهذا هو القول الثاني -كما تقدم معنا- للإمام أحمد ، وجمع بين هذا القول والأقوال الأخرى أئمتنا بالصفة التي ذكرتها رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.

    وفي بداية هذه الموعظة سأذكر أيضاً بثلاثة أمور، ثم ندخل إن شاء الله في مناقشة السفهاء الذين أثاروا سفهاً ولغطاً حول موضوع حجاب وجه المرأة ونقابها، وسوف نتكلم على هذا بعد هذه الأمور الثلاثة إن شاء الله.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أن الأكمل للمرأة أن تستر وجهها وأن ستر الوجه للمرأة عنوان حيائها، فالمرأة الحيية هي التي تستر الوجه، وإذا انسلخت من الحياء كشفت عن الوجه، وقلت: إن كشف الوجه بداية لكشف ما بعده، فكل ما عدا الوجه لا يمكن أن يكشف إلا إذا كشف الوجه، ومن سهل عليها أن تكشف عن وجهها سيسهل عليها بعد ذلك أن تكشف عما عدا ذلك، ولذلك عنوان الحياء ودليل الطهر والصفاء والنقاء في المرأة أن تستر الوجه، وهذا هو مسلك نساء سلفنا الطيبات الطاهرات المباركات.

    1.   

    القرار في البيوت ودوره في حفظ الأعراض ومعنى الآية الواردة فيه

    استمعوا إلى هذه القصة التي يرويها شيخ الإسلام الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن، وهو من علماء القرن السادس للهجرة -كما تقدم معنا حاله وخبره رضي الله عنه وأرضاه- فيذكر في كتاب أحكام القرآن في تفسير هذه الآية من قول الله جل وعلا في سورة الأحزاب: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:33] إلى آخر الآية الكريمة في الجزء الثالث صفحة خمس وثلاثين وخمسمائة وألف، لأن الكتاب في أربع مجلدات وهو مرتب من الجزء الأول إلى آخر الجزء الرابع بأرقام متسلسلة، وليس لكل جزء أرقام مستقلة، ونقل عنه هذا الإمام القرطبي في تفسيره أيضاً في الجزء الرابع عشر صفحة ثمانين ومائة.

    يقول هذا العبد الصالح عليه رحمة الله: لقد دخلت نيفاً على ألف قرية، يعني: ما يزيد على ألف قرية، فما رأيت نساء أصون عيالاً ولا أعف نساء من نساء نابلس بضم الباء واللام، والنسبة إليها نابلسي، يقول: التي رمي فيها الخليل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه بالنار، فإني أقمت فيها أشهراً فما رأيت امرأة في طريق نهاراً إلا يوم الجمعة، فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهن، فإذا قضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى، وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه.

    هذا ما يقوله هذا الإمام المبارك عليه رحمة الله في وصفه نساء هذه الأمة المرحومة في القرن السادس للهجرة، ويقول أنه دخل قرى كثيرة وكلهن فيهن صفة الحجاب لكن هذه البلدة تمتاز بالحجاب ولزوم البيوت، فالمرأة لا تخرج من بيتها إلا في يوم واحد وذلك إلى المسجد الأقصى يستمعن الموعظة ثم بعد ذلك يعدن إلى بيوتهن وخروجهن وعودتهن بالصفة الشرعية حتى تكاد أبدانهن أن تلتصق بالجدران عند مشيهن في ذهابهن وإيابهن إلى المسجد وإلى بيوتهن، هذا يوم واحد ومرة واحدة، فهذه هي عفة النساء وهذا هو شأن المسلمات، أما الشوارع التي تمتلئ بالنساء في جميع الأوقات فهذه ليست مظاهر إسلامية، وإنما هي مظاهر الجاهلية.

    إذاً: هذا هو خلق النساء الصالحات الطيبات في العصر الأول. ‏

    القرار في البيوت وسيلة لحفظ العفاف

    وقد كان أئمتنا عليهم رحمة الله يذكرون في ترجمة كثير من النساء الصالحات ما يستغربه السفهاء في هذه الأوقات، بل ما يعتبرونه عيباً كما قال بعض السفهاء في كتاب له ألفه وهو يعتبر نفسه من الدعاة -وهو من البغاة- يقول: يفتخر المسلمون في هذا الوقت بترجمة بعض النساء بأنها ما خرجت من بيتها إلا إلى قبرها.

    وهل هذه مسخرة أو منقصة؟! يعني: لازم نزج بها في الجامعات، ويأتيها بعد ذلك أشكال رديئات، أشكالهم كأشكال كارتر وبيجن ، فلازم للمرأة المسلمة أن تذهب لهذه الجامعات المنحطة؟ سبحان ربي العظيم! يقول: الآن بعض الناس يذكرون هذه القصص وهي منقصة وعار على الإسلام والمسلمين أن يقولوا: ما خرجت من بيتها إلا إلى قبرها، يعني: ما كانت تتجول، ولا تعرف الأسواق ولا دخلت هذه المدارس الآسنة والمستنقعات المنتنة باسم الدراسة.

    تنبه لما يقوله أئمتنا في ترجمة امرأة أيضاً في القرن السادس للهجرة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، توفيت وهي الصالحة القانعة القانتة الورعة الحيية العفيفة: فاطمة بنت نصر العطار فيذكر الإمام ابن الجوزي في كتابه المنتظم في حوادث هذه السنة في الجزء العاشر صفحة تسع وسبعين ومائتين، والقصة رواها الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الثاني عشر صفحة تسع وتسعين ومائتين، يقول الإمام ابن كثير : كانت من العابدات المتورعات المخدرات. ويقول الإمام ابن الجوزي : شاع عنها الذكر الجميل والزهد في الدنيا، وحدثني أخوها أنها كانت تقوم الليل، وما خرجت في حياتها من بيتها إلا ثلاث مرات.

    هذا هو شأن المرأة الطاهرة أنها تخرج من بيتها لزيارة بيت ربها، أو لأداء نسك الحج والعمرة، وتخرج من بيتها لبيت زوجها، وبعد ذلك تخرج من بيتها إلى قبرها، وثلاث مرات يكفيها.

    علاقة القرار في البيت بالجهل والتخلف

    فإن قيل: ستعيش هكذا في البيت؟ نقول: بيوتنا نحن مؤسسات علمية، وليست بيوتنا قائمة على التلفاز ولا على الفيديو ولا على قلة حياء، نحن بيوتنا هي المؤسسات العلمية، فيجلس صاحب البيت مع أسرته يتذاكرون بعد العشاء وبعد الفجر وفي كل وقت، وبعد ذلك إذا تعب من في البيت نام، ولا يوجد عندنا مذياع يشتغل في بيت، ولا عندنا تلفاز ينظر إليه أحد، ولا عندنا قيل وقال، ولا كلام فارغ، أما أنتم لما ابتليتم بهذه القاذورات تقولون: من أين تتعلم البنت؟ فهل يشترط من تعليمها أن تذهب لهذه المدارس العفنة؟ لا ثم لا، وقد كان نساء سلفنا يتعلمن وهن العالمات كما تقدم معنا في ترجمة حفصة بنت سيرين الثقة العالمة الورعة العابدة من رجال الكتب الستة، كان أخوها محمد بن سيرين إذا أشكل عليه شيء وسأله طلابه وهو شيخ الإسلام يقول: اسألوا حفصة ، أي: اذهبوا واستأذنوا عليها واسألوها، فهذه مسألة أشكلت علي، وأنا لا أستطيع أن أجيبكم، وهو شيخ الإسلام.

    وليس معنى هذا أننا إذا قلنا: لا تخرج من البيت أنها ستعيش حكمها وحكم البهيمة سواء، فمن قال هذا؟ ولذلك عندما يربطون بين الأمرين قصدهم إضلال الأمة، يقولون: ما خرجت من البيت يعني تبقى جاهلة؟! ولم تمتهنون المرأة؟ نقول لهم: ما امتهن المرأة إلا أنتم عندما أخرجتموها من خدرها وحصنها ومملكتها وسيادتها، وأي امتهان لها عندما تكون في البيت تُعَلَّم من قبل المسئول عن الأسرة؟ وإذا قدر أنه ليس كذلك فتتصل بنساء صالحات أو تحضر وعظهن ودروسهن وعلمهن وانتهى الأمر، أما المناهج التي فيها ما يدنس القلب، ويلوث الذهن، فيقال للمرأة: ليس لازم أن تذهب إلى هذا؟ ومن الذي ألزم؟ ومن أين جاء اللزوم؟

    القرار في البيت ضمان لصون المرأة وحمايتها

    إخوتي الكرام! المرأة في الإسلام عرض يصان، وعندنا المرأة هي أغلى شيء في هذه الحياة، ( الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة )، والمتاع كلما كان نفيساً كلما اشتدت المحافظة عليه، فإذا كان عندك جوهرة قيمتها ملايين فأين تحفظها؟ هل ترميها هكذا في السيارة وتأتي إلى المسجد؟ لا أبداً، فهذه ملايين لا بد لها من صناديق ولها مفاتيح سرية، وهذه الصناديق ثقيلة فلو جاء مائة ما يستطيعون تحريكها فضلاً عن حملها، كهذه الخزانات التي يوضع فيها الفلوس الكثيرة عند أصحاب الفلوس.

    فإذاً: هذه سلعة نفيسة، وأنفس شيء في الدنيا: هي المرأة، فهي عرض يصان، وما طاب نساء الجنة إلا بعد أن كن مقصورات في الخيام، فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56]، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:49]، ما طاب نساء الجنة إلا بهذا الوصف، أما امرأة خراجه ولاجه بذيئة سفيهة، ثم يقال: هذه هي المرأة المتقدمة الواعية، نعوذ بالله من هذه السفاهة.

    إخوتي الكرام! ثلاث مرات خرجت من بيتها، هذا ما يقرره أئمتنا في ترجمتها، وهذا الخلق صار غريباً بيننا، فلزوم البيوت بالنسبة للنساء واجب، ولا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا لضرورة شرعية، فقد قرر الله هذا في كتابه فقال: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]، أي: استقري وامكثي واثبتي، ولا يقولن سفيه: هذه الآية في أزواج النبي عليه الصلاة السلام، كما قالوا: الحجاب خاص بنساء النبي عليه الصلاة والسلام، ويقولون: الحجاب غل وقيود، وجاء للمسلمين من قبل الأعاجم وغيرهم، وعندما نقول له قد جاء في القرآن: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53]، يقول: هذا خاص بنساء النبي عليه الصلاة السلام، سبحان الله! القيود والأغلال ما قيد بها إلا زوجات خير خلق الله على نبينا وأزواجه وآله صلوات الله وسلامه؟! ومن عداهن جاء إليهن الحجاب من عادة أعجمية!

    المقصود بالخطاب في قوله: (وقرن) وأقوال المفسرين في معنى الجاهلية الأولى

    وهنا إياك أن يخطر ببالك أن: قري في بيتك واثبتي خاص بنساء النبي عليه الصلاة والسلام، فاستمع لما يقوله القرطبي في تفسير هذه الآية رحمه الله، يقول: معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، فكيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة على ما تقدم في غير موضع، فأمر الله جل وعلا نساء النبي عليه الصلاة والسلام بملازمة بيوتهن وخاطبهن بذلك تشريفاً لهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلن جل وعلا أن هذا من فعل الجاهلية الأولى فقال: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]، وحقيقة التبرج: إظهار ما ستره أحسن، وهو مأخوذ من السعة، يقال: في أسنانه برج إذا كانت متفرقة.

    واختلف الناس في الجاهلية الأولى، فقيل: هي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فكانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.

    وقال الحكم بن عيينة : ما بين آدم ونوح على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه. وهي ثمانمائة سنة، وحكيت لهم سير ذميمة، أي: في هذه الفترة.

    وقال ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين: هي ما بين نوح وإدريس على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه.

    وقيل: ما بين نوح وإبراهيم على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، قيل: إن المرأة كانت تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين. سبحان الله! كأن ما يفعل في هذه الأيام هو الذي كان يفعل في قديم الزمان، فهناك غير مخيط الجانبين، والآن غير مخيط حتى من الجوانب الأربع، فأحياناً من الأمام مفتوح ومن الخلف ومن الجانبين، حتى خلال حركاتها تظهر جوانبها ومقدمتها وأمامها، يقول: هذه هي الجاهلية التي كانت تفعل، وتلبس الثياب الرقاق التي لا تواري بدنها.

    حكى مرة بعض الشيوخ -وما رأيت مثل هذا في حياتي، وأسأل الله أن يسترنا-: أنه رأى امرأة أجنبية وهي في الأسواق الكبيرة في القاهرة، يقول: رآها تلبس قميصاً أبيض شفافاً، وفوقه قميص آخر شفاف، يقول: ليس على سوأتها خرقة، فتبدو سوأتها من الأمام ومن الخلف من وراء الثياب، وتمشي في سوق كبير، يقول: والناس ينظرون هذا مغرور يقول بإعجاب واستكبار: هذه عندها تطور وتقدم أنها تخرج بهذه الحالة، قميص أبيض فوقه قميص أحمر، والكل شفاف وليس على بدنها شيء، وتتعمد هذه الأشكال من أجل أن يعطي البشرة والجلد والأعضاء زينة أكثر، والجسم في الأصل يميل بطبيعته إلى الحمرة أيضاً، فانظر لهذه الألوان في وسط شارع عام تمشي بهذه الحالة، نسأل الله العافية والستر.

    وقالت فرقة: هي ما بين موسى وعيسى على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، قال الشعبي : يعني تبرج الجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    قال أبو العالية : هي زمان داوود وسليمان على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، كان فيه للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين.

    قال أبو العباس المبرد : الجاهلية الأولى كما تقول: الجاهلية الجهلاء، وكان النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخليلها.

    وهذا موجود أيضاً الآن، فينفرد خليلها بما فوق الإزار إلى الأعلى، وينفرد زوجها -حليلها- بما دون الإزار إلى الأسفل، فالمرأة معها خليل وحليل، فالخليل له من السرة إلى الرأس، والحليل من أسفل السرة يفعل ما شاء، قال: وربما سأل أحدهما صاحبه البدل.

    وما أكثر هذا الآن في الحفلات العامة التي تفعل في بلاد المسلمين، وأما بلاد الكافرين فكلهم على هذا، فهذا يراقص زوجة صاحبه وصاحبه يراقص زوجته ويفعل بها ما شاء على مرأى من الناس، كما قال: حتى ربما سأل أحدهم صاحبه البدل، يعني: خذ نصيبي وأعطني نصيبك، فليكن الجانب الأعلى لك والجانب الأسفل له فترة وفترة.

    وقال مجاهد : كان النساء يتمشين بين الرجال فذلك التبرج، يعني: خروج المرأة من غير مصلحة شرعية يعتبر تبرجاً.

    قال ابن عطية : والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي لحقنها فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرة عندهم، وكان أمر النساء دون حجاب، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه، وليس المعنى أن ثمة جاهلية أخرى، وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبل الإسلام، فقالوا: جاهلية الشعراء، وإلى غير هذا.

    قلت: وهذا قول حسن، ويعترض بأن العرب كانوا أهل قشف وضنك في الغالب وأن التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة وهي المراد بالجاهلية الأولى، وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المشية على تغنيج وتكسير وإظهار المحاسن للرجال إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعاً، وذلك يشمل الأقوال كلها ويعمها، فيلزمن البيوت، فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذل وتستر تام.

    إذاً: إخوتي الكرام! هذا خلق النساء المسلمات في العصر الأول، ولذلك أمر الله المسلمة في كل عصر أن تقر في بيتها، وإذا خرجت فلتستر بدنها، وستر الوجه هو عنوان حيائها.

    1.   

    دور ولي الأمر في حفظ الأعراض والمنع من الرذائل

    وقد قرر أئمتنا هذا، وبينوا في السياسة الشرعية أن ولي الأمر مطالب بمطاردة النساء في الشوارع، فمن تكثر الخروج يمنعها من ذلك ويعزرها ويؤدبها، ومن تخرج بغير صفة شرعية واجب عليه أن يردعها وأن يمنعها عن ذلك، وإلا لا تبرأ ذمته أمام الله جل وعلا في حق هذين الصنفين: فيمن تكثر الخروج من غير حاجة، وفيمن تخرج بغير صفة شرعية، وهذا يقرره أئمتنا في كتب السياسة الشرعية، وأن هذا واجب على ولي الأمر لئلا ينتشر الفساد بين العباد.

    وأول فتنة في بني إسرائيل كانت في النساء، وستهلك هذه الأمة عن طريق النساء، يقول الإمام ابن القيم عليه رحمه الله في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية في صفحة ثمانين وعشرين وثلاثمائة تحت عنوان: منع اختلاط النساء بالرجال، ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال.

    قال الإمام مالك رحمه الله ورضي عنه: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصناع، أي: أصحاب الصناعات والدكاكين بالنهي إليهم ويحذرهم ألا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصانع، ثم قال: فالإمام مسئول عن ذلك، والفتنة بهن عظيمة، قال عليه الصلاة والسلام: ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء )، والحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد رضي الله عنهم أجمعين.

    وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء: ( لكن حافات الطريق )، والحديث أيضاً في درجة الحسن رواه أبو داود من حديث أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى النساء مرة خرجن من المسجد واختلطن بالرجال في طريق المسجد عند عودة الجميع إلى البيوت، فنادى عليه الصلاة والسلام بأعلى صوته: ( يا معشر النساء! استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق )؛ أي: أن تسرن في حقها وفي وسطها، إنما المرأة تمشي على الجانب الأيمن أو الجانب الأيسر، ثم قال: ( عليكن بحافة الطريق ).

    والحديث رواه الإمام أحمد أيضاً وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس للنساء وسط الطريق. قال أبو أسيد رضي الله عنه وأرضاه: فلقد كانت المرأة تكاد أن تلتصق بالجدار من مشيتها بحافة الطريق وبجانبه، حتى إن ثوبها ليكاد أن يعلق بالجدار من لصوقها به ) بعد قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تحققن الطريق، عليكن بحافة الطريق ).

    إذاً: يجب على ولي الأمر منع النساء من الخروج متزينات متجملات، ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات، كالثياب الواسعة والرقاق ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات ومنع الرجال من ذلك، وإن رأى ولي الأمر أن يفسد على المرأة إذا تجملت وتزينت وخرجت ثيابها بحبر ونحوه فقد رخص في ذلك بعض الفقهاء وأصاب، وهذا من أدنى عقوبتهن المالية، وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، فإذا كانت خراجة ولاجة كل يوم تريد أن تذهب إلى حديقة، وإلى زيارة، وإلى سوق ونحوه, فهذا ينبغي أن يكون على دراية بأمر الرعية، فهناك الذي يتجولون ويضبطون ويراقبون، فإذا رأى امرأة تتجول كل يوم فله أن يحبسها إذا أكثرت الخروج من منزلها سواء متجملة أو لا، ولو كانت تلبس اللباس الشرعي، فكثرة الخروج ليس عندنا من شريعة ربنا المعبود، لا سيما إذا خرجت متجملة، بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم والمعصية، والله سائل ولي الأمر عن ذلك، وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه النساء من المشي في طريق الرجال والاختلاط بهم في الطريق، وجعل للنساء باباً خاصاً في خلافته في مسجد نبينا عليه الصلاة والسلام الذي أشار النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ( لو جعلنا هذا للنساء، فما دخل منه بعد ذلك ابن عمر قط )، ففي عهد عمر خصص هذا الباب للنساء لا يدخل منه رجل قط.

    فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك، قال الخلال في جامعه: أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه قيل لـأبي عبد الله : هل الرجل السوء مع المرأة يجتمع معها يكلمها في الشارع؟ فقال: صح به. يعني: ازجره ولا تقره على ذلك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن المرأة إذا تطيبت وخرجت من بيتها فهي زانية )، والحديث صحيح رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين.

    قال: ويمنع المرأة -أي ولي الأمر- إذا أصابت بخوراً أن تشهد عشاء الآخرة في المسجد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان )، والحديث أيضاً صحيح، وروي عن عدة من الصحابة الكرام، و(استشرفها) أي: تعرض لها وفرح بخروجها واستقبلها من أجل أن يفتنها وأن يفتن الناس بها، وروى ذلك الإمام الطبراني في معجمه الأوسط من رواية ابن عمر عن نبينا عليه الصلاة والسلام بسند رجاله رجال الصحيح: ( المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان ).

    ورواه ابن حبان وابن خزيمة والترمذي في السنن وقال: حسن صحيح، من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ورواه الطبراني أيضاً من رواية عبد الله بن مسعود عن النبي عليه الصلاة والسلام بإسناد حسن ولفظه: ( النساء عورة ).

    قال الإمام أبو بكر بن العربي : المرأة كلها عورة -يقول هذا في أحكام القرآن- فلا يجوز كشف شيء من ذلك إلا لضرورة.

    1.   

    الاختلاط المحرم وأثره على الفرد والمجتمع

    ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة.

    ولما اختلط البغايا بعسكر موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفاسير، فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا، وبسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل فساد الدين لكانوا أشد شيء منعاً لذلك.

    قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا ظهر الزنا في قرية أذن الله بهلاكها، والأثر مروي بسند صحيح كالشمس عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد رواه الإمام أحمد في المسند وأبو يعلى في مسنده بسند جيد كما قال الإمام الهيثمي في المجمع والمنذري في الترغيب والترهيب من رواية عبد الله بن مسعود عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إذا ظهر الربا والزنا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله )، والحديث رواه الحاكم في مستدركه، وانظروه في الجزء الثاني صفحة سبع وثلاثين بسند صحيح أقره عليه الذهبي .

    ورواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير والبيهقي في شعب الإيمان من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ظهر الربا والزنا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله ).

    إذاً: كثرة الخروج تمنع منه المرأة، وإذا خرجت لضرورة فيكون ذلك بصفة شرعية.

    أما الخروج إلى المتنزهات والحدائق العامة والنساء يذهبن إليهن صباح مساء ويحصل فيها ما يحصل من البلاء، فهذا كله ليس من شريعتنا الغراء، وإنما هو عمل السفيهات والسفهاء.

    الأمر الثاني: ستر الوجه عنوان الحياء، ويستمد الإنسان هذا الخلق من قوة الروح عنده ومن كمال الإنسانية فيه، فكلما كمل الإنسان كلما غار على عرضه ومحارمه وعلى أعراض الناس أجمعين، وأراد لهم الستر والصيانة، وهذا كلما رقيت روحه.

    وكلما صار شهوانياً منحطاً حيوانياً هابطاً كلما رخص للناس في كشف الوجه وأراد أن يكشف الوجه، وهذا علامة الحيواني الشهواني، وأما الإنسان صاحب المروءة، وصاحب العفة والروح القوية فهو بعيد عن هذا.

    1.   

    علاقة الحجاب بجلاء بني قينقاع من المدينة

    إخوتي الكرام! الغيرة هي أعظم ما يملكه الإنسان ليحافظ على دينه وعرضه ومروءته وكرامته، وقد كانت تشن حروب من أجل وجه المرأة، وأول من شن حرباً من أجل وجه امرأة سيدنا محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فمن أجل وجه امرأة أراد أن يقتل قبيلة بكاملها وأمة بكاملها، ثم تدخل بعد ذلك المنافقون والله غالب على أمره، فعفى عن القتل لكن لا يمكن لهم أن يجاوروا المسلمين بعد ذلك ولا لحظة واحدة، فقد طردهم من المدينة المنورة في قصة يهود بني قينقاع، والقصة شهيرة يذكرها الإمام ابن هشام في كتاب السيرة النبوية في الجزء الثالث صفحة خمسين، ويذكرها الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الرابع صفحة أربعة، وإجلاء يهود بني قينقاع متواتر، وانظروه في تفسير الطبري أيضاً وفي تاريخ الطبري في الجزء الثاني صفحة ثمانين وأربعمائة، وانظروه في طبقات ابن سعد في الجزء الثاني صفحة ثمان وعشرين.

    وخلاصة القصة: بعد موقعة بدر ونصر الله فيها النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام قال النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام ليهود بني قينقاع: أما آن لكم أن تسلموا؟ وقد ظهر لكم أنني رسول الله، وهذه معجزات الله متوالية، قالوا: يا محمد! على نبينا صلوات الله وسلامه وقالوا للصحابة: لا يغرنكم أنكم قاتلتم أناساً لا علم لهم بالقتال، فلو قاتلتمونا لعرفتم أنا نحن الرجال -والله أنتم الأنذال الأنذال- فالنبي عليه الصلاة والسلام غاضه ذلك لكن لا يستطيع أن يعاقبهم إلا إذا حصل نقض عهد منهم، وحتماً هذه سفاهة منهم لكن نقض العهد لم يحصل.

    فجاءت امرأة تبيع شيئاً في سوق المدينة وهي متخمرة ساترة لوجهها، ثم ذهبت إلى يهودي يبيع الحلي لأجل أن تشتري شيئاً منه، فأراد منها أن تكشف عن وجهها فامتنعت، فألح فامتنعت، فاحتال عليها وجاء من ورائها وربط ذيل ثيابها بشوكة عند ظهرها وهي جالسة، فلما قامت بدا منها ما تكره، فصاحت واستغاثت بالمسلمين فمر مسلم فضرب اليهودي بالسيف فقتله، حصل ذلك من أجل وجه امرأة في الأصل، فاجتمع اليهود وقتلوا هذا المسلم، فصار نقض العهد اعتداء على كرامة المرأة، ثم ارتكبوا سفاهة في قتل هذا المؤمن، فحاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام عشرة أيام حتى تدخل رئيس المنافقين وقال: بيني وبينهم موالاة، وعبادة بن الصامت كانوا أيضاً حلفاء له قبل الإسلام، لكنه تبرأ منهم ونزلت الآية بعد ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [المائدة:51-52]، وهو رئيس المنافقين يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:52].

    فتم الاتفاق بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين هذا الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر -رئيس المنافقين- قال: هم لك على أن يخرجوا، يعني: أنا وهبتهم لك ولن أقتلهم، لكن لا يبقى واحد منهم في المدينة المنورة، ونفوا إلى بلاد حوران من بلاد الشام، وخرجوا من المدينة المنورة بسبب وجه امرأة طاهرة. ‏

    اضطراب الغزالي في هذه القصة بين التقرير والتنزيل

    هذه القصة يوردها الغزالي في فقه السيرة في صفحة مائتين وتسع وخمسين، يقول: وأول من كشف عن ضئنه وهزئ بالإسلام وأهله يهود بني قينقاع المقيمين داخل المدينة، وكظم المسلمون غيظهم وانتظروا ما تتمخض عنه الليالي من مكر اليهود، وسعى هؤلاء إلى حبسهم بظلفهم، فقد حدث أن امرأة عربية قدمت بحليها في سوق بني قينقاع فجلست إلى صائغ هناك، فاجتمع حولها نفر من اليهود يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها وهي غافلة فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها وضحك اليهود منها وصاحت المرأة، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، وهكذا صارت الشرارة ووقعت الحرب بين المسلمين وبين بني قينقاع.. إلى آخر القصة.

    هذه القصة التي يذكرها الغزالي ويعترف فيها بأن المرأة كانت تغطي وجهها، وأن اليهود أرادوا منها أن تكشف وجهها فأبت، فأنا أريد أن أقول للغزالي : هل أنت عندما كتبت هذه القضية لا تدري محتواها؟ أو عندما تهاجم بعد ذلك الذين يدعون إلى حجاب الوجه وستره، وتتهمهم مرة بالشذوذ الجنسي، ومرة بالشبق الجنسي، ومرة أنهم من أولاد الأفاعي، ومرة أنه لا دليل على غطاء الوجه، ومرة هذا تنطع جاء من الأعاجم، وتقول ما عندك من عبارات سخرية وهزء بالمتحجبات وبمن يريدون الحجاب، وأنا أقول: أنت عندما قررت هذه القصة تعيها أو فقدت وعيك؟ متى فقدت وعيك عندما ذكرتها أو عندما شتمت من يدعو إلى الفضيلة؟ أنت فقدت الوعي في أحد الأمرين قطعاً، ولعلك فقدت الوعي في الأمرين، فهنا تقول: من أجل كشف الوجه شنت المعركة على اليهود وأجلوا من المدينة المنورة.

    إذاً: كان الوجه يستر، فكيف تدعي بعد ذلك أن ستر الوجه ليس من الإسلام؟ وتجعل مواعظك في التندر بالمتحجبات وبمن يدعون إلى الحجاب في هذه الأوقات، وأنه لا يوجد قول في الإسلام بتغطية الوجه أبداً!

    وهذه القصة، وهذا كتاب فقه السيرة لك، فهل عندك وعي عندما كتبتها؟ أو فقدت وعيك عندما جئت تشتم الذين يدعون إلى الفضيلة؟! وإني أريد أن أقول لك: إن ستر الوجه خلق المسلمات في كل وقت، وثبوته متواتر ومنكره كافر، فمنكر ستر الوجه في الإسلام وأنه لا يوجد في الإسلام ستر لوجه المرأة كافر بشريعة ذي الجلال والإكرام، والنصوص في ذلك قطعية متواترة، وهذه قصة من أجل وجه امرأة يشن خير خلق الله سيد البشرية نبينا رسول الله عليه الصلاة والسلام معركة ويجلي اليهود من المدينة المنورة، هذا هو خلق المسلمين، وهذه هي الغيرة عند الموحدين.

    فهم السلف للنصوص رد على الغزالي وأمثاله

    إخوتي الكرام! ستر الوجه لا بد منه للنساء العفيفات، والحكم في ذلك من السلف الذين نزل عليهم القرآن، فاستمع لنزول آية الحجاب وماذا جرى من نساء الصحابة من مهاجرات وأنصاريات نحو نزول آية الحجاب ومن فقه الإسلام تمام الفقه، ومن نزل عليهم الإسلام في أول أمر وهم الصحابة الكرام، ولذلك -قلت مراراً ولا أزال- لا خير في إيمان بالقرآن من غير سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا خير في إيمان بالقرآن والسنة من غير فهم السلف الكرام.

    استمع لما حصل من السلف، والأثر يرويه البخاري في صحيحه وهو في الجزء الثامن صفحة أربعمائة وتسعين من فتح الباري وهو في سنن أبي داود أيضاً في تفسير سورة النور عند آية الحجاب تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: يرحم الله نساء المهاجرات الأول يعني: المتقدمات اللاتي لهن فضل الهجرة، لما نزلت آية الحجاب: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، شققن مروطهن. أي: جمع مرط كما سيأتي أزرهن وهي الإزار والثوب الغليظ السميك، فاختمرن بها، وفي رواية كانت تقول: لما نزلت هذه الآية أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها، هذا فعل المهاجرات.

    وثبت مثل هذا عن الأنصار جاء ذلك في سنن أبي داود بسند حسن من رواية أمنا أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزل قول الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59]، تقول: عمد نساء الأنصار إلى أكثف مروطهن فاختمرن بها، فخرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان. أي: جمع غراب من الأكسية، وهي هذه الأغطية التي على رءوسهن.

    قولها: فاختمرن بها، قال الإمام ابن حجر في الفتح ووافقه على ذلك الإمام العيني في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري بلفظ واحد قال: فاختمرن بها أي: غطين وجوههن. ثم بعد ذلك يسترسل في الكلام فيقول: والأثر أخرجه النسائي من رواية ابن المبارك عن إبراهيم بن نافع بلفظ: أخذ النساء، وأخرجه الحاكم بلفظ: أخذ نساء الأنصار، ولـابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية ما يوضح ذلك ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن فقالت: إن لنساء قريش لفضلاً، ولكني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً لكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، وما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رءوسهن الغربان..

    قال الإمام ابن حجر : ويمكن الجمع بين الروايتين بأن نساء الأنصار بادرن إلى ذلك كما بادرت نساء المهاجرين، وعليه جميع النساء في العصر الأول خرجن بهذه الصفة.

    وانظروا مثل هذا في عمدة القاري في الجزء التاسع عشر صفحة اثنتين وتسعين.