إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [6]

شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [6]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن ستر الوجه خلق المسلمات في كل العصور، لا سيما في أيام كثرت فيها الفتن كأيامنا، وقد أمر الله تعالى النساء بلزوم البيت وعدم التبرج، وهذا الأمر عام لأزواج رسول الله وغيرهن من نساء المؤمنين، والواجب على ولي الأمر الحفاظ على النساء المؤمنات من كل ما يلوث شرفهن وعرضهن، وقد ظهر في زماننا من يدعو إلى التبرج باسم حرية المرأة، وأول هذا الطريق الدعوة إلى كشف الوجه بحجة أنه ليس بعورة، وهي في الحقيقة دعوة إلى هدم الأسرة المسلمة وخراب المجتمعات.

    1.   

    نماذج من حياء وعفاف نساء المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    لا زلنا نتدارس ترجمة أمنا المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها أم المؤمنين، وزوج نبينا الأمين على نبينا وآله صلوات الله وسلامه.

    والسبب الذي دعانا لترجمتها -كما تقدم معنا- هو أنها هي راوية الحديث الذي رواه الإمام الترمذي في الباب الخامس من أبواب الطهارة: ما يقول إذا خرج من الخلاء، فروت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه (كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك). وحديثها كما قال عنه الإمام الترمذي : حديثٌ حسنٌ غريب، قال: ولا نعرف في الباب إلا حديث أمنا عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وتقدم معنا ترجمتها الطيبة المباركة وأنها ضمن ستة أمور، وأن الأمر الخامس منها فيما يتعلق بقيامها بأمر الدين على وجه التمام حسبما في وسع الإنسان، فكانت تقوم بتعظيم ذي الجلال والإكرام، وبينت شيئاً من عبادتها لربها جل وعلا، فيما يتعلق بصيامها وقيامها وقراءتها وخوفها من ربها جل وعلا، ثم بينت ما يتعلق أيضاً بإحسانها ومساعدتها لعباد الله وشفقتها عليهم أيضاً، وختمت الأمر الخامس بأمرٍ ينبغي أن يستفيده نساؤنا منها ألا وهو حياؤها العظيم، ومحافظتها على عرضها، وصونها لبدنها رضي الله عنها وأرضاها، فكانت تحجب بدنها من الأحياء المبصرين، ومن الأحياء العميان، ومن الميتين أيضاً، فلا يقع على بدنها نظر أحدٍ كما لا تنظر هي إلى أحد رضوان الله عليها وعلى سائر أمهات المؤمنين.

    هذا الخلق الكريم الذي كانت تتصف به أمنا الطيبة المباركة زوجة نبينا على نبينا وآله صلوات الله وسلامه، ينبغي أن نقف عنده وقفةً، وأن نأخذ منه درساً وعبرةً في إلزام نسائنا بالحياء، وفي التزام نسائنا بهذا الخلق الكريم الرفيع، وقد شاء الله جل وعلا أن يمتد الكلام في ذلك في جميع المحاضرة الماضية، وكان في نيتي أن ننتهي لكن قدر الله وما شاء فعل، ولا غرو في ذلك ولا عجب، فأمنا عائشة رضي الله عنها مباركةٌ، وما هذا الحديث بأول بركةٍ من بركات أمنا عائشة رضي الله عنها، فهي الطيبة المباركة حيةً وميتةً، وسيأتينا عند آية التيمم أن ما حصل لهذه الأمة بسببها ليس بأول بركتها ولا هو بأول بركة آل أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، وهذا أيضاً من بركتها لتوفيق الله لنا أن تدارسنا ما يتعلق بأمرها فيما يتعلق بحيائها وحجابها رضي الله عنها وأرضاها.

    تكلمت على ثلاثة أمورٍ حسان:

    أولها: أن الحجاب خلقٌ كامل، وأن ستر الوجه عنوان الحياء، وينبغي على النساء أن يحافظن على ذلك.

    والأمر الثاني: إذا خشيت فتنة من كشف الوجه يحرم على المرأة أن تكشف وجهها باتفاق أئمتنا كما تقدم معنا تقرير ذلك، وعليه قلت: كل من نقل عن الأئمة الكرام خلافاً في موضوع وجه المرأة وهل هو عورةً أو لا؟ ورتب على هذا الخلاف أنه إذا لم يكن عورة فلا مانع من كشفه، قلت: هذه سفاهةٌ وخيانةٌ لدين رب العالمين، وافتراءٌ على أئمة المسلمين، فالذين لم يقولوا: بأن الوجه عورة قالوا: لا يجوز أن يكشف الوجه إذا خشي فتنة من الكشف عليها أو على الناظر، ولا خلاف بين أئمتنا في ذلك كما تقدم معنا، وعليه لا صلة بين قول علمائنا: إنه ليس بعورة، وبين جواز كشفه، لا صلة على الإطلاق، فإن هذا موضوعٌ آخر، والستر لا بد منه، أما هل هو عورةٌ أو لا؟ فهذا يبحث بعد ذلك كما قلت في الأمر الثالث، ووفقت بين القولين، فقلت: من رخص في كشفه فهذا باعتبار بداية ما كان عليه الأمر، ثم استقر الأمر بعد ذلك على أن الوجه ينبغي أن يستر، ولا يجوز أن يكشف، وأنه عورة، وهذا هو القول الثاني كما تقدم معنا عن الإمام أحمد ، وجمع بين هذا القول والأقوال الأخرى أئمتنا بالصفة التي ذكرتها.

    وفي بداية هذه الموعظة سأذكر بثلاثة أمورٍ أيضاً، ثم ندخل إن شاء الله في مناقشة السفهاء الذين أثاروا سفهاً ولغطاً حول موضوع الحجاب والنقاب للمرأة.

    كما تقدم معنا: إن الأكمل للمرأة أن تستر وجهها، وأن ستر الوجه للمرأة عنوان حيائها، فالمرأة الحيية هي التي تستر وجهها، والتي انسلخت من الحياء كشفت عن وجهها، وأقول: إن كشف الوجه بدايةٌ لكشف ما بعده، فكل ما عدا الوجه لا يمكن أن يكشف إلا إذا كشف الوجه، ومن سهل عليها أن تكشف عن وجهها سيسهل عليها بعد ذلك أن تكشف عما عدا ذلك، ولذلك كان عنوان الحياء ودليل الطهر والصفاء والنقاء في المرأة أن تستر وجهها، وهذا هو مسلك نساء سلفنا الطيبات الطاهرات المباركات.

    عفاف نساء نابلس

    استمعوا إلى هذه القصة التي يرويها الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن، وهو من علماء القرن السادس للهجرة كما تقدم معنا حاله وخبره -رحمه الله- وهو صاحب كتاب عارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي ذكر في تفسير قول الله جل وعلا في سورة الأحزاب: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:33] إلى آخر الآية الكريمة، في الجزء الثالث صفحة خمسٍ وثلاثين وخمسمائة وألف؛ لأن الكتاب في أربعة مجلدات، وهو مرتبٌ من الجزء الأول إلى آخر الجزء الرابع بأرقام متسلسلة، وقد نقل عنه هذا الإمام القرطبي في تفسيره أيضاً في الجزء الرابع عشر صفحة ثمانين ومائة، يقول هذا العبد الصالح عليه رحمة الله: لقد دخلت نيفاً على ألف قرية -يعني: ما يزيد على ألف قرية- فما رأيت نساءً أطول عيالاً ولا أعف نساءً من نساء نابلس -بضم الباء واللام، والنسبة إليها نابلسي، التي رمي فيها الخليل إبراهيم عليه السلام بالنار- فإني أقمت فيها أشهراً، فما رأيت امرأةً في طريقي نهاراً إلا يوم الجمعة، فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهن، فإذا قضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدةٍ منهن إلى الجمعة الأخرى، وقد رأيت في المسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه.

    يقول: إنه دخل قرى كثيرة، وكلهن فيها صفة الحجاب، لكن هذه البلدة تمتاز نساؤها بالحجاب ولزوم البيوت، فالمرأة لا تخرج من بيتها إلا في يومٍ واحد، إلى المسجد الأقصى لتستمع الموعظة، ثم بعد ذلك يعدن إلى بيوتهن، وخروجهن وعودتهن بالصفة الشرعية، حتى تكاد أبدانهن أن تلتصق بالجدران عند مشيهن في ذهابهن وإيابهن إلى المسجد وإلى بيوتهن.

    هذا هو شأن المرأة المسلمة، أما أن يوجد شوارع تمتلئ بالنساء في جميع الأوقات فهذه ليست مظاهر إسلامية، إنما هي مظاهر الجاهلية، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33].

    إذاً: هذا الخلق هو خلق النساء الصالحات الطيبات في العصر الأول، وقد كان أئمتنا عليهم رحمة الله يذكرون في ترجمة كثيرٍ من النساء الصالحات ما يستغربه السفهاء في هذه الأوقات، بل ما يعتبرونه ضيماً كما قال بعض السفهاء في كتابٍ له ألفه وهو يعتبر نفسه من الدعاة وهو من البغاة، يقول: يفتخر المسلمون في هذا الوقت بترجمة بعض النساء؛ لأنها ما خرجت من بيتها إلا إلى قبرها.

    حسناً: وهل هذه مكرمة أم منقصة؟ يعني: أنه لازم أن نزج بها في الجامعات، ويأتيها بعد ذلك أشكال المائلات المميلات، وهل لازم على المرأة المسلمة أن تذهب لهذه الجامعات المنحطة؟ سبحان ربي العظيم! يقول هذا الكاتب: هذه الآن بعض الناس يذكرونها وهي منقصة عار على الإسلام والمسلمين، يقولون: ما خرجت من بيتها إلا إلى قبرها، يعني ما كانت تتجول ولا تعرف الأسواق، ولا دخلت هذه المدارس الآسنة والمستنقعات المنتنة باسم الدراسة.

    عفاف فاطمة بنت العطار

    انتبه إلى ما يقوله أئمتنا في ترجمة امرأة من نساء القرن السادس للهجرة توفيت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وهي الصالحة القانعة القانتة الورعة الحيية العفيفة، فاطمة بنت نصر العطار ، يذكر الإمام ابن الجوزي في كتابه المنتظم في الجزء العاشر صفحة تسع وسبعين ومائتين، والقصة رواها الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الثاني عشر صفحة تسع وتسعين ومائتين، قال: كانت من العابدات المتورعات المخدرات، ويقول الإمام ابن الجوزي : شاع عنها الذكر الجليل، والزهد في الدنيا، وحدثني أخوها: أنها كانت تقوم الليل، وما خرجت من البيت إلا ثلاث مرات، ما خرجت في حياتها من بيتها إلا ثلاث مرات، حقيقةً: هذا هو شأن المرأة الطاهرة، تخرج من بيتها لزيارة بيت ربها لأداء نسك الحج والعمرة، وتخرج من بيتها لبيت زوجها، وبعد ذلك تخرج من بيتها إلى قبرها، ثلاث مرات تكفيها.

    فإن قيل: كيف ستعيش هكذا في البيت؟ نقول: إن بيوتنا مؤسسات علمية، ليست بيوتاً قائمة على التلفاز ولا على فيديو ولا على قلة حياء، فبيوتنا عندنا هي المؤسسات العلمية، يجلس صاحب البيت مع أسرته، يتذاكرون بعد العشاء وبعد الفجر وفي كل وقت، وبعد ذلك كل من تعب من أهل البيت نام، فليس عندنا مذياع يشتغل في البيت، ولا عندنا تلفاز ينظر إليه أحد، ولا عندنا قيل وقال، هذا كلام فارغ، لكن أنتم لما ابتليتم بهذه القاذورات تقولون: من أين تتعلم البنت؟ يعني هل يشترط لتعليمها أن تذهب لهذه المدارس العفنة؟ لا ثم لا، وقد كان نساء سلفنا يتعلمن وهن العالمات كما تقدم معنا في ترجمة حفصة بنت سيرين الثقة العالمة الورعة العابدة من رجال الكتب الستة، كان أخوها محمد بن سيرين إذا أشكل عليه شيء وسأله طلابه وهو شيخ الإسلام، يقول: اسألوا حفصة ، اذهبوا واستأذنوا عليها واسألوها، يعني أي مشكلة أشكلت عليكم تجيبكم عليها، أما أنا فلا أستطيع أن أجيبكم، وهو شيخ الإسلام، فليس معنى هذا أننا إذا قلنا: لا تخرج من البيت أنها ستعيش هي والبهيمة سواء، من قال هذا؟ ولذلك هو يربط بين الأمرين ليضل الأمة، يقول: إذا ما خرجت من البيت يعني تبقى جاهلة، ولم تمتهنون المرأة؟

    الجواب: أنه ما امتهن المرأة إلا أنتم عندما أخرجتموها من خدرها وحصنها ومملكتها وسيادتها، أي امتهان لها عندما تكون في البيت تعلم من قبل المسئول عن الأسرة؟ وإذا قدر أنه ليس كذلك فإنه تتصل بها النساء الصالحات أو تحضر وعظهن ودروسهن وعلمهن وانتهى الأمر، أما أن توضع مناهج فيها ما يدنس القلب ويلوث الذهن، يقال: للمرأة لازم أن تذهبي إلى هذا، من الذي ألزم ومن أين جاء اللزوم؟ فإذاً: لم تخرج إلا ثلاث مرات، وهذه يوردها أئمتنا مقبلين لذلك، مجلين له، مثنيين عليه، وما يوردون ذلك معترضين عليه متذللين كما يفعل السفهاء في هذا الحين، يقول: هذه من مناقبها لم تخرج من بيتها إلا ثلاث مرات، حقيقةً هذا هو شأن المرأة الحيية.

    1.   

    أمر الله للنساء بلزوم البيت وعدم التبرج الجاهلي

    عندنا المرأة في الإسلام عرض يصان؛ لأنها أغلى شيء في هذه الحياة، قال عليه الصلاة والسلام: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)، والمتاع كلما كان نفيساً كلما اشتدت المحافظة عليه، يعني: إذا كان عندك جوهرة قيمتها ملايين فأين تحفظها؟ هل ترميها في السيارة وتأتي إلى المسجد؟ لا أبداً؛ لأن هذه ملايين فلا بد لها من صناديق لها مفاتيح سرية، وهذه الصناديق ثقيلة لو جاء مائة رجل ما استطاعوا تحريكها ولا حملها، هذا عند أصحاب الأموال الكثيرة، فإذا كانت المرأة جوهرة نفيسة، بل هي أنفس جوهرة في الدنيا، فلا بد من صيانتها وحفظها، وما طاب نساء الجنة إلا حين كن مقصورات في الخيام، وقاصرات الطرف، لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56]، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:49]، أما المرأة الخراجة الولاجة البذيئة السفيهة، ثم بعد ذلك يقال عنها: هي المرأة المتقدمة الواعية! فنعوذ بالله من هذه الجاهلية ومن هذه السفاهة.

    ثلاث مرات لا غير خرجت فاطمة بنت نصر من بيتها، هذا ما يقرره أئمتنا في ترجمتها، هذا الخلق صار غريباً بيننا.

    إن لزوم البيوت بالنسبة للنساء واجبٌ، ولا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا لضرورة شرعية، وقد قرر الله هذا في كتابه فقال: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]، اقررن وامكثن واثبتن.

    ولا يقولن سفيه: هذه الآية في أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، والحجاب خاص بنساء النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يقول: الحجاب غل وقيود، وجاء للمسلمين من قبل الأعاجم وغيرهم.

    نقول: إذا كان الحجاب قيوداً وأغلالاً فلماذا لم يقيد الله بها إلا زوجات خير خلق الله على نبينا وأزواجه وآله صلوات الله وسلامه، ومن عداهن جاء إليهن الحجاب من عادة أعجمية؟ وهنا إياك أن يخطر ببالك أن الحجاب خاص بنساء النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو عام لكل النساء واستمع لما يقوله القرطبي في تفسير هذه الآية، يقول: معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، والخطاب وإن كان لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف ونصوص الشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة على ما تقدم في غير موضع.

    أمر الله جل وعلا نساء النبي عليه الصلاة والسلام بملازمة بيوتهن وخاطبهن بذلك تشريفاً لهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلم جل وعلا أنه من فعل الجاهلية الأولى فقال: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]، وحقيقة التبرج إظهار ما ستره أحسن، وهو مأخوذ من السعة، يقال: في أسنانه برج إذا كانت متفرقةً.

    واختلف الناس في الجاهلية الأولى، فقيل: هو الزمن الذي ولد فيه إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال، وقال الحكم بن عيينة : ما بين آدم ونوح على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه وهي ثمانمائة سنة، وحكيت لهم سير ذميمة، أي: في هذه الفترة.

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هي ما بين نوح وإدريس على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، وقيل: ما بين نوح وإبراهيم على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، قيل: إن المرأة كانت تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين، سبحان الله! كأن ما يفعل في هذه الأيام هو الذي كان يفعل في قديم الزمان، غير مخيط الجانبين، والآن لو أن المخيط حتى من الجوانب الأربعة، فهو من الأمام مفتوح ومن الخلف ومن الجانبين، تلبس الثوب لكن غير مخيط الجانبين، بل من خلال حركاتها تظهر جوانبها ومقدمتها وأمامها، كل هذه هي الجاهلية التي كانت تفعل، وتلبس الثياب الرقاق التي لا تواري بدنها.

    حكى مرةً بعض الشيوخ -وما رأيت مثل هذا في حياتي وأسأل الله أن يسترنا- أنه رأى امرأةً في سوق كبيرة في القاهرة تلبس قميصاً أبيض شفافاً، وفوقه قميص آخر شفاف، وليس على سوأتها خرقة، فتبدو سوأتها من الأمام ومن الخلف من وراء الثياب، هذا وهي في سوق كبير، والناس ينظرون بإعجاب وإكبار، أنه عندهم تطور وتقدم أن تخرج بهذه الحالة، تخرج وعليها قميص أبيض شفاف فوقه قميص أحمر شفاف، وليس على بدنها شيء وتتعمد لبس هذه الأشكال من أجل أن يعطي البشرة والجلد والأعضاء زينةً أكبر، والجسم في الأصل يميل في طبيعته إلى الحمرة أيضاً، فانظر أثر هذه الألوان في وسط الشارع العام، وهي تمشي بهذه الحالة، نسأل الله العافية.

    وقد وقع نظرنا على عورات مغلظة من أفخاذ وغيرها مكشوفة، ولكن ليس إلى هذا الحد، فنسأل الله الستر.

    وقالت فرقة: هي ما بين موسى وعيسى.

    وقال السعدي : يعني تبرج الجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد.

    وقال أبو العالية : في زمن داود وسليمان كان فيه للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين.

    وقال أبو العباس المبرد : الجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء، وكان النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخِلِّها، وهذا موجود أيضاً الآن في زماننا، فينفرد خليلها بما فوق الإزار إلى الأعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل، المرأة معها اثنان: خليل وحلِيل، الخليل له من السرة إلى الرأس، والحليل من أسفل السرة يفعل ما شاء، قال المبرد : وربما سأل أحدهما صاحبه البدل، ما أكثر هذا الآن في الحفلات العامة التي تفعل في بلاد المسلمين! وأما بلاد الكافرين فكلهم على هذا، حفلات عامة، هذا يراقص زوجة صاحبه، وصاحبه يراقص زوجته، يفعل بها ما شاء على مرأى الناس، كما قال: حتى ربما سأل أحدهما صاحبه البدل، يعني: خذ نصيبي وأعطني نصيبك، هذا يكون الجانب الأعلى له، والجانب الأسفل للآخر فترة، وفترة يتناوبان.

    وقال مجاهد : كان النساء يتمشين بين الرجال فذلك التبرج، يعني: خروج المرأة من غير مصلحة شرعية يعتبر تبرجاً.

    قال ابن عطية : والذي يظهر عندي أنه أشار بالجاهلية إلى التي لحقنها، فأمرهن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرة عندهم، وكان النساء دون حجاب، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كانوا عليه، وليس المعنى أن ثمة جاهلية أخرى، وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبل الإسلام فقالوا: جاهلية الشعراء، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري : سمعت أبي في الجاهلية يقول: إلى غير هذا، قلت: وهذا قول حسن لكن يعترض عليه؛ لأن العرب كانوا أهل قسوة وضيق في الغالب، والتنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة وهي المراد بالجاهلية الأولى، والمقصود من الآية مخالفة من قبلهن من النسوة على توريد وتكثير وإظهار المحاسن للرجال إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعاً، وذلك يشمل الأقوال كلها ويعمها فيلزمن البيوت، فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على احتشام وتستر تام.

    1.   

    أقوال العلماء في واجب ولي الأمر تجاه النساء المؤمنات

    ذكرنا هو خلق النساء المسلمات في العصر الأول، وأمر الله لكل المسلمات في كل عصر أن يَقرن في بيوتهن، وإذا خرجت إحداهن فلتستر بدنها، وستر الوجه هو عنوان حيائها.

    وقد قرر أئمتنا وبينوا في السياسة الشرعية أن ولي الأمر مطالب بمطاردة النساء في الشوارع، فمن تكثر الخروج يمنعها من ذلك ويعزرها ويؤدبها، ومن تخرج بغير صفة شرعية واجب عليه أن يردعها وأن يزعها عن ذلك، وإلا لا تبرأ ذمته أمام الله جل وعلا في حق هذين الصنفين: التي تكثر الخروج من غير حاجة، والتي تخرج بغير صفة شرعية، فزجرهن واجب على ولي الأمر؛ لئلا ينتشر الفساد بين العباد، و(أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، وستهلك هذه الأمة عن طريق النساء.

    كلام ابن القيم فيما يجب على ولي الأمر تجاه النساء المؤمنات

    يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية في صفحة ثمان وعشرين وثلاثمائة، تحت عنوان: منع اختلاط النساء بالرجال، ومن ذلك: إنّ ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال.

    قال الإمام مالك رحمه الله: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصناع، أي: أصحاب الصناعات والدكاكين في قعود النساء إليهم، يتقدم بالنهي إليهم ويحذرهم من ذلك، ثم قال: فالإمام مسئول عن ذلك، والفتنة بالنساء عظيمة، قال عليه الصلاة والسلام: (ما تركت بعدي فتنةً أضر على الرجال من النساء)، والحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

    وفي حديث آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء: (لكن حافات الطريق)، والحديث في درجة الحسن، رواه أبو داود من حديث أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى النساء مرةً خرجن من المسجد واختلطن بالرجال في طريق المسجد عند عودة الجميع إلى البيوت، فنادى عليه الصلاة والسلام بأعلى صوته: (يا معشر النساء! استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق)، أي: أن تسرن في حقها وفي وسطها، إنما المرأة تمشي على الجانب الأيمن أو الجانب الأيسر، (عليكن بحافة الطريق)، والحديث رواه الإمام أحمد أيضاً وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس للنساء وسط الطريق)، قال أبو أسيد رضي الله عنه: فلقد كانت المرأة تلتصق بالجدار من مشيتها بحافة الطريق وبجانبه، حتى إن ثوبها ليكاد يعلق بالجدار من لصوقها به، بعد قول النبي عليه الصلاة والسلام لهن: (لا تحققن الطريق، عليكن بحافة الطريق).

    يقول ابن القيم : وواجب عليه -أي: ولي الأمر- منع النساء من الخروج متزينات متجملات، ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات، كالثياب الواسعة والرقاق، ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك، وإن رأى ولي الأمر أن يفسد على المرأة ثيابها بسدرٍ ونحوه إذا تجملت وتزينت وخرجت بها، فقد رخص في ذلك بعض الفقهاء وأصاب، وهذا من أدنى عقوبتهن المالية، وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، خراجة ولاجة كل يوم تريد أن تذهب إلى حديقة وإلى زيارة وإلى سوق، والمحتسب في هذا الباب ينبغي أن يكون على دراية تامة بأمر الرعية، فالمحتسبون الذين يتجولون ويضبطون ويراقبون إذا وجدوا امرأة تتجول كل يوم وتخرج، فلهم حبسها إذا أكثرت الخروج من منزلها، سواءٌ كانت متجملة أم لا، ولو كانت تلبس اللباس الشرعي، فكثرة الخروج ليس عندنا في شريعة ربنا المعبود.

    يقول ابن القيم : لا سيما إذا خرجت متجملة، بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم والمعصية، والله سائل ولي الأمر عن ذلك، وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه النساء من المشي في طريق الرجال والاختلاط بهم في الطريق، فطريق الرجال لماذا تمشي فيه امرأة؟ وقد جعل عمر رضي الله عنه للنساء باباً خاصاً في خلافته، في مسجد نبينا عليه الصلاة والسلام الذي أشار النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (لو جعلناه للنساء فما دخل منه بعد ذلك ابن عمر قط)، وفي عهد عمر خصص هذا الباب للنساء لا يدخل منه رجل قط.

    كلام الخلال فيما يجب على ولي الأمر تجاه النساء

    وقال الخلال في جامعه: فعلى ولي الأمر أن يقتدي بـعمر رضي الله عنه في ذلك، وقال أيضاً: أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه قيل لـأبي عبد الله -أحمد بن حنبل -: أرى الرجل السوء مع المرأة يجتمع معها يكلمها في الشارع؟ فقال: صح به، يعني: اهجره، ولا تقره على ذلك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (أن المرأة إذا تطيبت وخرجت من بيتها فهي زانية)، والحديث صحيح رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: ويمنع المرأة -أي: ولي الأمر- إذا أصابت بخوراً أن تشهد العشاء الآخرة في المسجد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان)، والحديث أيضاً صحيح روي عن عدة من الصحابة الكرام، ومعنى استشرفها يعني تعرض لها، وفرح بخروجها، واستقبلها من أجل أن يفتنها، وأن يفتن الناس بها، روى ذلك الإمام الطبراني في معجمه الأوسط من رواية ابن عمر عن نبينا عليه الصلاة والسلام بسند رجاله رجال الصحيح: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان).

    ورواه الترمذي وابن حبان وابن خزيمة في الصحيح وابن حبان والترمذي في السنن وقال: حسن صحيح من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

    ورواه الطبراني أيضاً من رواية عبد الله بن مسعود ، عن النبي عليه الصلاة والسلام بإسناد حسن، ولفظه: (النساء عورة)، قال الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن: المرأة كلها عورة، فلا يجوز كشف شيء من ذلك إلا لضرورة.

    كلام أبي بكر بن العربي فيما يجب على ولي الأمر تجاه النساء

    يقول ابن العربي : ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة، ولما اختلط البغايا بعسكر موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفاسير، فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا، بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل فساد الدين لكانوا أشد شيء منعاً لذلك.

    قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا ظهر الزنا في قرية أذن الله بهلاكها، والأثر مروي بسند صحيح كالشمس عن نبينا عليه الصلاة والسلام، رواه أحمد في المسند، وأبو يعلى في مسنده بسند جيد كما قال الهيثمي في المجمع، والمنذري في الترغيب والترهيب من رواية عبد الله بن مسعود عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا ظهر الربا والزنا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله لهم)، والحديث رواه الحاكم في مستدركه في الجزء الثاني صفحة سبع وثلاثين بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ظهر الربا والزنا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله).

    إذاً: كثرة الخروج تمنع منه المرأة، وإذا خرجت لضرورة وجب أن يكون خروجها بصفة وهيئة شرعية، ليس بعد هذا متنزهات وحدائق عامة ونساء يذهبن إليها صباح مساء، ويحصل فيها ما يحصل من البلاء، هذا كله ليس من شريعتنا الغراء، إنما هو عمل السفيهات والسفهاء.

    1.   

    الغيرة الإنسانية دليل على كمال عفة الرجل وطهره

    الأمر الثاني: قد تقدم معنا الإشارة إلى أن ستر الوجه عنوان الحياء، ويستمد الإنسان هذا الخلق من قوة الروح عنده، ومن تمام الإنسانية فيه، فكلما كمل الإنسان عفة وطهراً وحياءً كلما غار على عرضه ومحارمه وعلى أعراض الناس أجمعين، وأراد لهن الستر والسلامة، وكلما صار شهوانياً منحطاً حيوانياً هابطاً كلما رخص للناس في كشف الوجه وأراد أن يكشف الوجه، فهذه علامة الحيواني الشهواني، والأولى علامة الإنسان صاحب المروءة والعفة والروح القوية.

    والغيرة: هي أعظم ما يملكه الإنسان ليحافظ على دينه وعرضه ومروءته وكرامته، وقد كانت تشن حروب من أجل وجه امرأة، وأول من شن حرباً من أجل وجه امرأة انتهكت حرمتها سيدنا محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأراد أن يقتل قبيلةً بكاملها من أجل وجه امرأة، تَدَخَّل بعد ذلك المنافقون، والله غالب على أمره، فعفا رسول الله عن القتل ولكن بشرط ألا يجاوروا المسلمين بعد ذلك ولا لحظةً واحدة، فطردهم من المدينة المنورة في قصة يهود بني قينقاع، والقصة شهيرةٌ في كتب السيرة، ذكرها ابن هشام في كتاب السيرة النبوية في الجزء الثالث صفحة خمسين، وذكرها ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الرابع صفحة أربعة، وإجلاء يهود بني قينقاع متواتر، كما في تاريخ الطبري في الجزء الثاني صفحة ثمانين وأربعمائة، وفي طبقات ابن سعد في الجزء الثاني صفحة ثمان وعشرين.

    وخلاصة القصة: أنه بعد موقعة بدر، ونصر الله فيها للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام، قال النبي والصحابة ليهود بني قينقاع: أما آن لكم أن تسلموا، فقد ظهر لكم أنني رسول الله، وظهرت لكم معجزات متوالية، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة: لا يغرنكم أنكم قاتلتم أناساً لا علم لهم بالقتال، فلو قاتلتمونا لعرفتم أننا نحن الرجال، والواقع أنهم الأنذال، فالنبي عليه الصلاة والسلام غاظه ذلك، لكن لا يستطيع أن يعاقبهم إلا إذا حصل نقض عهد منهم، وبينما امرأة من المسلمين جاءت تبيع شيئاً في سوق المدينة، وهي متخمرة ساترة لوجهها، ثم ذهبت إلى يهودي يبيع الحلي لأجل أن تشتري شيئاً منه، فأراد منها أن تكشف عن وجهها فامتنعت، فألح فامتنعت، فاحتال عليها وجاء من ورائها وربط ذيل ثوبها بشوكة عند ظهرها وهي جالسة، فلما قامت بدا منها ما تكره، فصاحت واستغاثت بالمسلمين، فجاء مسلمٌ فضرب اليهودي بالسيف فقتله، من أجل وجه امرأة، فاجتمع اليهود وقتلوا هذا المسلم.

    فنقض اليهود العهد باعتدائهم على كرامة المرأة، ثم اشتراكهم في قتل هذا المؤمن، فحاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام عشرة أيام حتى تدخل رئيس المنافقين عبد الله بن أبي وقال: بيني وبينهم موالاة، وكذلك كان عبادة بن الصامت وبنو قينقاع حلفاء قبل الإسلام لكنه تبرأ منهم، ونزلت الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [المائدة:51-52] أي: رئيس المنافقين عبد الله بن أبي ومن معه، يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:52]، فتم الاتفاق بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين هذا الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر أعني: رئيس المنافقين قال: (هم لك على أن يخرجوا)، يعني: أنا وهبتهم لك فلم أقتلهم، بشرط ألا يبقى أحدٌ منهم في المدينة المنورة، ونفوا إلى أذرعات وإلى بلاد حوران من أرض الشام، وخرجوا من المدينة المنورة بسبب وجه امرأة مسلمة، هذه القصة في السيرة صفحة مائتين وتسع وخمسين، يقول: وأول من كشف عن دينه وهزأ بالإسلام وأهله يهود بني قينقاع المقيمين داخل المدينة، وكظم المسلمون غيظهم، وانتظروا ما تتمخض عنه الليالي من مكر اليهود، وسعى هؤلاء إلى حتفهم بظلفهم، فقد حدث أن امرأةً عربيةً قدمت بحليها في سوق بني قينقاع، فجلست إلى صائغ هناك، فاجتمع حولها نفر من اليهود يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها وهي غافلة فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها وضحك اليهود منها، وصاحت المرأة، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، وهكذا طارت الشرارة ووقعت الحرب بين المسلمين وبين بني قينقاع إلى آخر الكلام.

    أقول لمن أثار قضية كشف الوجه وهو لا يدري محتواها؛ بل شغله مهاجمة الذين يدعون إلى حجاب الوجه وستره، واتهامهم مرةً بالشذوذ الجنسي، ومرة بالشبق الجنسي، ومرةً أنهم أولاد الأفاعي، ومرةً أنه لا دليل على غطاء الوجه، ومرةً أن هذا تنطع وجاء من الأعاجم، ويقول كل ما عنده من عبارات السخرية والاستهزاء بالمتحجبات ومن لزوم الحجاب، أنا أقول له: عندما قررت هذه القصة هل وعيتها أو فقدت وعيك؟

    لقد فقدت وعيك عندما ذكرتها، أو عندما شتمت من يدعو إلى الفضيلة، فقدت الوعي في أحد الأمرين قطعاً، ولعلك فقدت الوعي في الأمرين معاً، ففي موضع تنكر وتقول: من أجل كشف الوجه شنت المعركة على اليهود وأجلوا من المدينة المنورة، إذاً كان الوجه يستر، فكيف تدعي بعد ذلك أن ستر الوجه ليس من الإسلام، وتجعل بعد ذلك مواعظ في التندر بالمتحجبات، وبمن يدعون إلى الحجاب في هذه الأوقات، وما كتبته بأنه لا يوجد قول في الإسلام بتغطية الوجه أبداً، فهل عندك وعي عندما كتبت هذا؟ أو فقدت وعيك عندما قمت تشتم الذين يدعون إلى الفضيلة؟

    إما أنك جمعت بين فقد الوعيين، أو في أحد الأمرين فقدت الوعي، فاختر نصيباً.

    أريد أن أقول: إن ستر الوجه خلق المسلمات في كل وقت، وهذا ثبوته بالتواتر، والنصوص في ذلك قطعية متواترة، وهذه القصة من أجل وجه امرأة يشن نبينا رسول الله عليه الصلاة والسلام معركةً ويجلي اليهود من المدينة المنورة، حقيقة: إن هذا هو خلق المسلمين، وهذه هي الغيرة عند الموحدين.

    1.   

    موقف نساء الصحابة عند نزول آية الحجاب

    إن ستر الوجه لا بد منه للنساء العفيفات، والحكم في ذلك من السلف الذين نزل عليهم القرآن، انظر لنزول آية الحجاب، وما بدر من نساء الصحابة مهاجرات وأنصاريات نحو هذه الآيات، وانظر إلى مَن فَقِه الإسلام تمام الفقه إنهم من نزل عليهم الإسلام في أول الأمر وهم الصحابة الكرام، ولذلك قلت مراراً ولا أزال: لا خير في إيمان بالقرآن من غير سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا خير في إيمان بالقرآن والسنة من غير فهم السلف الكرام، فاستمع لما حصل من السلف.

    إن المهاجرات الأول، يعني: المتقدمات اللاتي لهن فضل السبق في الهجرة، لما نزلت آية الحجاب: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، شققن مروطهن جمع مرط -كما سيأتي- وهو الإزار والثوب الغليظ السميك، فاختمرن بها، وفي رواية: لما نزلت هذه الآية أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها، هذا فعل من؟ إنهن المهاجرات.

    وثبت مثل هذا عن الأنصاريات في سنن أبي داود بسند حسن من رواية أمنا أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزل قول الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59]، عمد نساء الأنصار إلى أكنف مروطهن فاختمرن بها، فخرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان -جمع غراب- من الأكسية التي على رءوسهن، وما معنى (فاختمرن بها)؟

    قال ابن حجر في الفتح والعيني في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري بلفظٍ واحد، قولها: فاختمرن بها، أي: غطين وجوههن، ثم بعد ذلك يسترسل العيني في الكلام فيقول: والأثر أخرجه النسائي من رواية ابن المبارك عن إبراهيم بن نافع بلفظ: أخذ النساء، وأخرجه الحاكم بلفظ: أخذ نساء الأنصار، وعند ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية ما يوضح ذلك، ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن، فقالت: إن لنساء قريش لفضلاً، ولكني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً لكتاب الله وإيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات، كأن على رءوسهن الغربان، قال ابن حجر : ويمكن الجمع بين الروايتين بأن نساء الأنصار؛ بادرن إلى ذلك كما بادر نساء المهاجرين، وعليه جميع النساء في العصر الأول خرجن بهذه الصفة، وكذا قال العيني في عمدة القاري في الجزء التاسع عشر صفحة اثنتين وتسعين.

    1.   

    الرد على شبهات دعاة السفور

    بعد هذه الأمور الثلاثة نأتي إلى رد شبهات هؤلاء الذين أثاروا اللغط حول هذه القضية، وقد ذكرنا كلام سفيه من السفهاء في هذه الأيام: يثبت أن النقاب حرام، وأنه لا يجوز للمرأة أن تستر وجهها، وإذا سترت وجهها فإثمها عند الله أعظم وأشنع مما لو كشفت عن فخذيها، وألف كتاباً سماه تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، وذكرت تأويله وتلعبه وافتراءه فيما يتعلق بأثر أسماء رضي الله عنها وأرضاها، وأريد أن أختم الكلام بما ذكره حول أثر حفصة بنت سيرين وهذا آخر شيء لننتقل بعد ذلك إلى غيره إن شاء الله.

    تفنيد قول: إن الحجاب حرام يوجب الإثم

    يقول هذا السفيه: إننا لا نعجب حين نجد في المرويات النادرة بعضاً مما يشتبه على المبتدئين في الثقافة الدينية، أو المتسرعين في الفهم من غير رسوخ في علوم الدين، مثل هذه الرواية التي أخرجها البيهقي بإسناده، يقول هذا في صفحة اثنتين وعشرين ومائتين: وذكر إسناداً عن عاصم الأحول تقدم معنا ذكره يقول: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا وتنقبت به، فنقول لها: رحمك الله، قد قال الله: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60]، يعني لا داعي لهذا الجلباب، وإذا وضع فلا حرج؛ لأنها قاعدٌ زادت على السبعين، فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60]، فتقول: هو إثبات الحجاب، أي أن: إثبات الحجاب أفضل وأطهر للقاعد، وإن كانت القاعد رخص لها أن تضع جلبابها، فكيف في حق الشابة؟! ثم يقول: وهي رواية صحيحة الإسناد.

    أقول: والله أنت لا في العير ولا في النفير، فلا تعرف الصحيح ولا الموضوع، ولكن تسرق من هنا وهناك، نريد تأويلك الذي لم يسبقك إليه أحد من خلق الله، ولا البهائم التي كنت تعالجها، لو عرضت عليها تفسيرك لرفضته، يقول: لكنا نردها شأن غيرها إلى الكتاب والسنة، فما وافقهما قبلناه، وما خالفهما رددناه على العين والرأس، ما أحلى هذا الكلام! لكن كل خبيث سيقول: كتاب وسنة، أي كتاب وأي سنة؟ بل هو فهم أعوج، يقول: كتاب وسنة متذرعاً؛ وذلك لكون الكتاب والسنة قاضيين على سائر الروايات وليس العكس.

    يقول هنا: وقد تقدم تفصيلاً ولا معنى لإعادته، وهذا راسخ عندنا وبالغ مبلغ اليقين يعني الكتاب والسنة، فضلاً عن أن حفصة بنت سيرين تابعية فاضلة، عابدة من العابدات، لم يعرف لها رسوخ في علوم الدين في أي فرع من الفروع، فلا هي من أصحاب الفقه أو التفسير أو الحديث أو شيء من هذا القبيل، بل هي عابدة فاضلة فحسب، والعابد ليس عالماً بأحكام الدين كالعلماء الراشدينٍ. أقول: لم اعترفت بأنها عابدة وأنت لا عالم ولا عابد؟ فأنت طبيب بيطري، فما الذي أدخلك في العلم، وليس عندك عبادة ولا ثقه؟ وقلت لكم: هي من رواة الكتب الستة، ثقة فقيهة عالمة كما تقدم معنا، وكان شيخ الإسلام محمد بن سيرين أخوها إذا أشكل عليه شيء يقول: اسألوا حفصة ، ويقول هذا الطبيب: ولذا فإن مثلها أهل لئلا تبلغ مناط الحكم الشرعي الصحيح في بعض الأمور، وأن يبلغ بها احتياطها الشديد في العبادة أن تخرج النص القرآني العظيم عن مضمونه الأصلي بحسن نية منها، ولعلك تلحظ شيئاً من ذلك في إنكار الذين دخلوا عليها وفيهم مثل عاصم الأحول ، وهو الذي أثنى عليه سفيان الثوري وعده من الحفاظ، فقد أنكر عليها ما فعلت بنفسها، وتذكيرهم لها بالآية الكريمة وفهمهم لها على الوجه الصحيح، لكنها رضي الله عنها مضت في زعمها حتى قالت بقول شاذ لم يسمع بمثله في الأولين والآخرين، وهو قولها عن تكملة الآية الكريمة بأنه إثبات الحجاب في حق مثلها، فأوجبت لذلك النقاب على القواعد من النساء، وانظر ماذا تفعل العبادة دون الرسوخ في العلم لأصحابها، فلم يقل أحد من أهل العلم الثقات بذلك أبداً، أقول: أنت تكذب عليها وعليهم.

    ثم يقول: ولو كان النقاب ثابتاً في حق القواعد من النساء، فبالله عليك أي تقصير يكون في سنة رسولنا عليه الصلاة والسلام التي لم تشر إلى ذلك من قريب أو بعيد، ولم يقل بأن القواعد يجب عليهن أن يتبرقعن ويتحجبن، فإن سنته عليه الصلاة والسلام في ذلك معروفة وجلية وثابتة، فلا مرد لها من أقوال الصحابة أنفسهم لو وجدت، فما بالنا بمن هو دونهم، ومن ثم فلنا أن نقول: إن فعلها ليس حجة إلا في حقها، أما نحن فقد كفانا الله بقرآنه العظيم وبسنة نبيه عليه الصلاة والسلام كل الأفعال والأقوال الخاصة مهما قال بها فضلاء وفعلها عباد، ولعلك تلحظ بجلاء مبلغ اعتراضهم عليها بقولهم لها: رحمك الله، فهو يفيد حدوث فعل يستوجب طلب الرحمة لفاعله، وقد تكرر هذا منها كثيراً، وكانوا يدعون لها في كل مرة يقول: كنا ندخل فنقول: رحمك الله، يعني كل مرة نسأل الله لها المغفرة لجهلها، ثم يذكرونها بما لا خلاف عليه، حكم القواعد من النساء يوم افتتحوا الخطاب دائماً بين المتحاورين رحمك حتى يخلصوا منه إلى ما بعده من أحكام، لكنها كانت تصدهم في كل مرة رحمها الله وعفا عنا وعنها إنه هو الغفور الرحيم، ولو فرق عوام الناس بين كلام العلماء الراسخين، وأفعال العباد المتبعين -لعله المتعبدين- لكفاهم ذلك الشيء الكثير، ولميزوا بين ما هو من الكتاب والسنة، فيلتزمون به ويرتقون، وبين ما هو من عند الناس فيخطئون فيه ويصيبون، ولانعدمت بذلك مشاكل كثيرة، وقد كتبنا في ذلك شيئاً مفصلاً.

    أقول: نسأل الله أن يكفينا شرك وشر كتابك.

    ثم يقول هذا الطبيب: تبين أن كل الذين يدعون إلى غطاء الوجه والتمسك به عوام جهلة، لا يدلل عليه ويقرره إلا من كان من نقلة الصحف الذين لا يفقهون ما ينقلون، ولا يعقلون ما يكتبون، وفي أقلهم حفظة يرددون ما يحفظون دون أن تترسخ لهم قدم، فيحسبون أنهم على شيء من العلم بدقائق الشرع الحنيف وهم واهمون؛ لأنهم عادةً متحمسون إلى أخذه.

    أقول: كل من كتب كمثل هذا البيطري يقول: هؤلاء جهلة عوام نقلة صحف، فهو ينبز كل أئمة الإسلام، وعندي في هذه الصفحة قاذورات كثيرة على ضرب هذا الهراء، وقد شوهت بالتصوير ويبدو أنه صدر كلاماً كمن يقول: أحمى من النار، وحذف بقية الكلام لا أدري أهو أعلم من الطباعة؟

    ثم يقول بعد ذلك: المنقبة تحتاج أن نستغفر لها مرتين، والمتبرجة مرة واحدة؛ لأنها أقل ابتلاءً وأقرب إلى سواء السبيل، وإن كانت كلاهما منحرفة؛ والسبب في ذلك أن المنقبة التي غطت وجهها متكبرة وعاصية، وأما السافرة التي كشفت عن فخذيها عاصية وليست متكبرة.

    ثم قال بعد ذلك: إذا قلنا بالنقاب، فالنقاب يمثل النساء المنحرفات اللائي يسرن مع غير أزواجهن، ويسافرن معهم دون خوف من كشف أمرهن، فيزداد عدد الراغبات في الانحراف.

    أقول: هذا الكلام، لو قلته في غير مكانك فقد يقال، وأما في زماننا فإن البلاد العربية أكثرها عندهم الزنا مباح، وليس فيه منقصة ولا مسئولية أمام الحاكم، فأنت الآن تقول: لو أن المرأة تحجبت أمكنها أن تخون زوجها ولا تكشف، فما تقول في الخيانة المكشوفة الظاهرة التي لا رقابة عليها أصلاً؟ دعنا الآن من المخفية، لنفرض أن الأمة كلها متحجبة، وأن الأمة تمنع من هذه الرذائل، فإذا فعلت بعد ذلك متحجبة شيئاً من ذلك، يمكن أن يكون بعض ما تقول، أما وإنه مسموح بالمنكرات علناً، وليس أحد يؤاخذ بالزنا إذا وقع بالتراضي في البلاد العربية -الآن- إلا ما رحم ربك، فالزنا بالتراضي حلال، أحل من الماء البارد ومن شم الهواء، وإذا أردت أن تعترض تضرب رقبتك، ولا يمنع الزنا إلا عند الإكراه كأن تغتصب على نفسها، أما بالتراضي فإنه حرية شخصية وانتهى الأمر، يزني ويزني، ويشرب الخمر ليس لنا عليه سلطان، ثم تقول هذا الكلام الآن في هذه البلاد الغنية، لا إله إلا الله!

    هذا كلام سفيه من هؤلاء السفهاء يحرم النقاب.

    وقد تقدم معنا ذكر السفيه الأول الذي يقول: النقاب مكروه ليس بمباح ولا بواجب.

    إن هذا السفيه الذي حرم النقاب ختم كتابه بالنقول عن ستة من العلماء، خلط كما يقال: الصالح بالطالح، والبيض بالباذنجان، فاستمع الآن لهؤلاء الستة الذين ختم أقوالهم، وإنما أريد أن أذكر هذا ليحذر العلماء من أن يكونوا مطيةً للسفهاء في يوم من الأيام.

    يقول هذا السفيه: من أقوال علماء المسلمين، ثم ذكر أقوال ستة:

    الرد على قاسم أمين زعمه أن الحجاب عادة تركية

    أولهم قاسم أمين -قصم الله ظهره وألقاه في سجين- الذي هلك سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، وألف كتابه تحرير المرأة، تحررها من أي شيء أيها المخذول؟ ويقول هذا الخبيث عن نفسه -قد أفضى إلى ما قدم- بأنه عندما ذهب إلى باريس تعرف على صديقة عشيقة له هناك، يقول: وقد صاحبتها طول حياتي هناك لكن مصاحبةً بريئة، ووجدت فيها الرشاقة، ودماثة الروح، وهي تخالطني ليل نهار لكن مخالطة بريئة، لعله يقصد بالبراءة أنه ما وطئها في دبرها وفي قبلها -العلم عند علام الغيوب- فلا ندري أي الوطئين عنده يقصد! هكذا قال، واستمد منها هذه الأفكار، وأن المرأة في الشرق متخلفة؛ لأنه يجب عليها أن تتحجب، فهذا أول ما أثاره هذا المتغرب، موضوع الوجه، وقلت لكم: كل خبيث يريد أن يفتح باب الشهوات والزنا يدعو إلى كشف الوجه؛ لأنه لو قال: أخرجوا النساء ليزنى بهن لضربه كل أحد، ولقيل له: أما تستحي! تدعو إلى الزنا! فهو يريد أن يصل إلى الزنا لكن على مراحل، المرحلة الأولى: كشف الوجه، فإنه متى ما كشف الوجه سيقع الزنا شاء الناس أم أبوا، ولذلك قاسم أمين الذي تبنى دعوة إخراج المرأة إلى الجحيم في هذا الحين -وبالفعل خرجت- كان أصل دعوته كشف الوجه فقط، يقول: المرأة تكشف عن وجهها وتخرج وتزاول الأعمال، ولم نعطل نصف الأمة كما يقول الضالون في هذه الأيام؟ المرأة لا تعمل لأنها جالسة في البيت، فنصف الأمة مشلول، -نسأل الله أن يشل جميع بدنك وأعضائك- أما تقوم هذه المرأة بأعمال يعجز عنها الرجال؟ من الذي سيربي أولادنا في بيوتنا؟ أعوذ بالله ألّا يكون عندنا مروءة ولا شهامة ولا كرامة، بأن أزج بامرأتي في مصنع وأنا ليس عندي قدرة أن أكفيها العمل، أأريد امرأة تقاتل عني وأنا أكون في البيت؟ أعوذ بالله من النذالة والسفاهة عند من يدعون أنهم دعاة لهذه الأيام، يقول: نصف الأمة جالس في البيت، إذاً ماذا تريد؟ أتريد انتشار الزنا؟ وفعله من أوله لآخره؟

    هذه هي دعوة قاسم أمين ، ما دعا إلا إلى كشف الوجه، وقال: غطاء الوجه جاءنا من عادة الأتراك، والذي ذكر في القرآن خاص بزوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يعلم علم اليقين أنه إذا كشف الوجه فإنه سيكشف ما هو أشنع، وهذا الذي حصل.

    والثاني العقاد ، والثالث البهي الخولي ، والرابع: محمد رشيد رضا ، والخامس: الألباني في كتابه: حجاب المرأة المسلمة، والسادس: القرضاوي في كتاب: الحلال والحرام، هؤلاء كلهم ينقل عنهم أن الوجه ينبغي أن يكشف، وليس في الإسلام دليل على ستره، فهؤلاء ستة فيهم من هو -كما قلت- زنديق، وفيهم من عنده غفلة، ولا يدري ما الذي سيترتب على كلامه، فيأتي دعاة الإباحية والفجور يستدلون بكلام قاسم أمين وبكلام الألباني ، أوليس من العار أن يقرن الألباني بـقاسم أمين ؟ لكن الألباني هو الذي عرض نفسه لهذا، عندما قال هذا الرأي وعمي عليه حال المسلمين، فقورن في كتب الإباحيين مع قاسم أمين ، عندما قلت: أن الوجه لا دليل في الشرع على ستره وتغطيته، قورنت مع قاسم أمين في كتب السفهاء الضالين.

    وبالنسبة للشيخ الألباني سأقف معه وقفةً فيما ذكره حول حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة المطهرة، وأبين أن هذا حسبما فهم، ولا يوجد في القرآن ولا في السنة دليل يقرر ما قال، بل ما في الكتاب والسنة يبطل ما قاله كما سيأتي إن شاء الله، ولكن أريد أن أختم الكلام بذكر سفيه رابع، ثم أعود بعد ذلك للبحث الذي ذكره الشيخ الألباني .

    الرد على محمد شحرور في تفسيره آية: (ولا يبدين زينتهن ...)

    السفيه الثالث: يدعو أيضاً إلى كشف الوجه؛ بل إلى ما هو أكثر إنه الدكتور المهندس: محمد شحرور ، الذي ألف مؤلفاً أسماه: الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، بحدود تسعمائة صفحة، وما رأيت أخبث ولا أفسد ولا أكفر ولا أشنع ولا ألعن من هذا الكتاب، ما قرأت في حياتي ألعن منه، فقد ذكر ضلالات وكفريات كثيرة، وعلى طريقته هو يقول: قرآن نفهمه على حسب الأذهان، والسنة نأخذ منها ما يتفق مع القرآن، أما الصحابة رضي الله عنهم من أبي بكر إلى علمائنا في هذا الزمان كلهم ليس لنا علاقة بهم، انتهى.

    هذا السفيه ذكر لآية الحجاب تفسيراً -والله الذي لا إله إلا هو لو أن الشيطان عرض عليه لما قبله- في صفحة ستمائة وسبعة فانظر ماذا يقول:

    يقول في قول الله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31]، الزينة الظاهرة هي ما ظهر من جسد المرأة بالخلق، أي: ما أظهره الله في خلقها كالرأس والبطن والظهر والرجلين واليدين، ونحن نعلم أنه سبحانه خلق الرجل والمرأة عراة دون ملابس، ثم يقول: إن المرأة لها حالتان: حالة أمرت ألا تكشفها، وألا يطلع عليها إلا المحارم، الزوج فمن دونه، وهم الذين يطلعون على البيوت، ومن عداهم يطلعون بعد ذلك على الأشياء الظاهرة، وهي الحالة الثانية المسموح بكشفها، فيقول هنا: قسم غير ظاهر بالخلق، أي: أخفاه الله في بنية المرأة، وهذا القسم المخفي هو الجيوب الذي قال الله فيها: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31]، فهذه الجيوب لا تبديها النساء إلا لبعولتهن أو آبائهن إلى آخر من ذكرة، أما الزينة المذكورة في صدر الآية: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31]، فالمقصود بها غير الجيوب، والجيوب هي المخفية، ثم يعرف الجيوب فيقول: طبقتان بينهما خرق، وعليه فالسوءتان، وتحت الإبطين، وما بين الثديين، هي الجيوب التي لا يجوز أن يراها إلا الزوج والمحارم كلهم بالتساوي، فالابن يجوز أن يرى سوءة أمه من أمام ومن وراء لا حرج، يقول شحرور: لا يجوز أن تقول: إن ذلك حرام، وإذا قلت: حرام فإنك ستدخل النار، وقد تقول: هو عيب فلا مانع من ذلك على حسب العرف، ولكن ليس بحرام، وغير الزوج والمحارم يطلعون على جميع بدن المرأة بشرط ألا يروا الجيوب.

    ثم قال: فإن قيل: الفم خرق بين طبقتين، وكذلك الأنف والأذنان قلنا: هذه جيوب ظاهره، أما الجيوب المخفية التي تخفى تحت الإبط، وما بين الثديين، وفتحة الفرج وفتحة الدبر، فهذه لا يراها إلا الزوج والمحارم، وما عدا هذا يجوز أن يراه الناس قاطبةً، فتكشف المرأة عن الفخذين، وعن البطن، وعن الصدر، وعن الظهر، كل هذا لا حرج فيه. ذكر هذا في كتابه تفسير القرآن قراءة معاصرة.

    ثم يقول بعد ذلك: فالجيوب في المرأة لها طبقتان، أو طبقتان مع خرق وهي: ما بين الثديين وتحت الثديين، وتحت الإبطين، والفرج والإليتين، فهذه كلها جيوب، يجب على المرأة المؤمنة أن تغطيها، لذلك قال: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31].

    ثم يقول: قد يقول البعض: إن هذا يعني أن المرأة المؤمنة يحق لها أن تظهر عارية تماماً أمام هؤلاء الزوج والأب والابن وابن الزوج والأخ وابن الأخ وابن الأخت، فأقول: نعم، يجوز ذلك إن حصل عرضاً، وإن أرادوا أن يمنعوها فالمنع من باب العيب والحياء والعرف، وليس من باب الحرام والحلال؛ لأنه شملهم مع الزوج، أي: إذا شاهد والد ابنته وهي عارية فلا يقول لها: هذا حرام؛ لأنه يكون قد افترى على الشرع فيرتكب إثماً، ولكن يقول لها: إن هذا عيب.

    هذا الكلام في كتاب منسوب إلى تفسير القرآن وما أكثر هذا التحريف في هذه الأيام!

    هذا كله سببه -كما قلت لكم- عدم التزامنا بمذاهب أئمتنا، وأنا لا أزال أردد -والذي لا يعجبه هذا القول فليضرب رأسه بجدار الأرض- إن الخروج عن المذاهب الأربعة مضيعة؛ فالمذاهب الأربعة تبلور فيها الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، ونقحت وهذبت أكثر من عشرة قرون مرت الأمة الإسلامية عليها، وإذا تركنا الأمر لاجتهادات معاصرة في هذه الأيام فكل واحد سيقول ما شاء.

    1.   

    مناقشة رأي الألباني حول الحجاب

    نعود الآن إلى الشيخ الألباني ، ووالله يعز علينا غاية المعزة ويكبر علينا أن يقرن اسم هذا الشيخ الكريم مع هؤلاء السفهاء كقاسم أمين وغيره، وكذلك الشيخ القرضاوي يعز علينا أن يقرن مع قاسم أمين ونحوه.

    أقول للشيخ الألباني نسأل الله أن يغفر لنا وله وللمسلمين أجمعين.

    إثبات الألباني أن تغطية الوجه له أصل في السنة

    أنت في كتابك حول الحجاب قررت ما يرد على قولك: بأن غطاء الوجه ثابت، وهذا من محاسن الأمور ومكارم الأخلاق، وهذا خلق النساء الفضليات، وهو خلق أمهات المؤمنين الطاهرات، وله أصل في شريعة رب العالمين، وكان معروفاً معهوداً في عهد نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، هذه الإنذارات قررها في كثير من الصفحات، ففي صفحة ثلاثة وأربعة يقول: بعض النساء لما قرأن كتابي منهن من بادرت حتى إلى ستر وجهها أيضاً حين علمت منه أن ذلك من محاسن الأمور ومكارم الأخلاق، مقتديات بالنساء الفضليات من السلف الصالح وفيهن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.

    ثم قال في صفحة سبع وأربعين: مشروعية ستر الوجه، يقول بعد ذلك: ليعلم أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة، وقد كان ذلك معهوداً في زمنه صلى الله عليه وسلم، وسرد الأدلة على ذلك، إلى صفحة ثلاث وخمسين، ثم بعد ذلك يقول: ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه كان معروفاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وأن نساءه كن يفعلن ذلك.

    أقول: نسب هؤلاء إلى الألباني أنه لا دليل على تغطية الوجه وكذلك قال، ثم هو ينقل أن غطاء الوجه كان معروفاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والعمل عليه، فأنت تناقض نفسك يا ألباني ! والذي أريد أن أقوله للشيخ: إن هذا الذي قررته من أن نساء التزمن به في هذه الأيام وشكرتهن على ذلك، وأن هذا كان معروفاً عند نساء السلف من عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أريد أن أقول: هذا الثابت عن نساء السلف فهمنه من الآية الكريمة، فأي الفهمين أولى فهمك أو فهمهن؟ فأنت تقول: نساء السلف... ثم أوردت حديث أمنا عائشة وأسماء وغيرهما، في عدة صفحات، من صفحة سبع وأربعين إلى ثلاث وخمسين أورد آثاراً فيها تغطية للوجه، إذاً: هذه الآثار التي أنت ذكرتها من أين أخذت؟ ألم تؤخذ من آية الحجاب بعد نزولها، وفهمها هؤلاء النسوة وطبقنها، فهل فهمهن أولى أو فهمك؟ وهن أصلح وأتقى لله منك ومنا، وهن أعلم بما خوطبن به، والنبي عليه الصلاة والسلام بينهن، فأي الفهمين أولى؟ وقد تقدم معنا قول أمنا عائشة : (فاختمرن بها)، قال أئمتنا كـابن حجر والعيني : غطين وجوههن بعد نزول الآية، وأنت تقرر ذلك بحوادث في ست صفحات متتالية أن النساء كن يتحجبن في العصر الأول، فإذا كان كذلك إذاً: الحكم الشرعي تغطية الوجه.

    استدلال الألباني بحوادث فيها كشف الوجه

    أما ما أوردته من حوادث فيها كشف الوجه، فكل ما أوردته فهو احتمال أو مناسبات خاصة، أو قبل نزول آية الحجاب، فوهمت أيها الشيخ، وأردت أن تلغي ذلك الحكم العام الذي كان عليه نساء سلفنا الكرام بحوادث تحتمل التأويل، وسأعرض بعض تأويلاته، ولا يقال: أنت تتجنى عليه فسأذكر مثالين:

    المثال الأول: يقول في صفحة ثلاثمائة: حادثة تدل على كشف الوجه: (كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفن من الغلس).

    يقول في الحاشية: أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة ، ثم ذكر في أي كتبه خرجه، ثم قال: ووجه الاستدلال به هو قولها: (ما يعرفن من الغلس)، فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعرفن، وإنما يعرفن عادةً من وجوههن وهي مكشوفة فثبت المطلوب، إذاً: كانت الوجوه مكشوفة.

    أقول: هذا من لفظ الحديث أو من فهمك؟ ما دام فهماً فهمته فلا تقل: حجاب المرأة في الكتاب والسنة، فهذا ليس كتاباً ولا سنة بل هو فهم للألباني، وأبى الله أن يجعل العصمة إلا لأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وهل يصلح بهذا الاحتمال وبهذا الفهم أن تنقض قاعدة عامة صار عليها نساء السلف والخلف؟ وهل هذا دليلاً؟

    المثال الثاني: عن فاطمة بنت قيس في قصة اعتدادها وحديثها في صحيح مسلم : (اعتدي عند ابن أم مكتوم ، فإنه أعمى، تضعين ثيابك عنده فلا يراك، ولا تعتدي عند أم شريك فإنها امرأة كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن أم مكتوم -وهو من البطن الذي هي منه- فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك، فانتقلت إليه)، يقول الشيخ الألباني : أخرجه مسلم .

    قوله: ووجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورة ظاهرة، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقر ابنة قيس على أن يراها الرجال وعليها الخمار، وهو غطاء الرأس، فدل هذا على أن الوجه منها ليس بالواجب ستره كما يجب ستر رأسها، ولكنه عليه الصلاة والسلام خشي عليها أن يسقط الخمار عنها، فيظهر منها ما هو محرم، يعني الرأس بالنص، فأمرها بما هو الأحوط لها وهو الانتقال إلى دار ابن أم مكتوم ، والله أعلم.

    قوله: ووجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورة ظاهرة، أقول: سبحان الله! من جعل هذا الخفاء عندك ظاهراً، وهو أخفى من الذرة في الليلة الظلماء؟

    استدلال الألباني باللغة

    ثم قول الألباني لما ذكر الخمار: معنى الخمار: هو ما يغطى به الرأس فقط، من قال لك هذا؟

    لقد قال الحافظ ابن حجر -انتبه- في الجزء العاشر صفحة ثمان وأربعين: الخمر: مأخوذة من قولهم: خامر العقل وتخمر إذا ستره، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها، نعم الخمار قد يكون ساتراً للرأس، وقد يكون ساتراً للوجه، وقد يكون ساتراً لليدين، فكل ما تغطي به شيئاً يقال له: خمار، فمن أين فهمت أن الخمار غطاء الرأس فقط؟ إن جاء حديث بذلك على العين والرأس، وإلا فلو سكت لكان أحسن من تأويلك وكلامك واستدلالك.

    ثم ذكره الإجماع على ذلك حيث يقول في صفحة ثلاث وثلاثمائة في تفسير الخمار: لا نعلم فيه خلافاً أن الخمار هو ما يستر به الرأس، وفي صفحة خمس وثلاثين، يقول: الاعتجار بمعنى الاختمار، والمعجر: ما تشد المرأة على رأسها يقال: اعتجرت المرأة.

    أقول: انتبه إلى ما يقول الإمام ابن الأثير في النهاية: الاعتجار بالعمامة أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئاً تحت ذقنه، إذاً: اعتجار العمامة ألا يجعل طرفها بين كتفيه، يجعله على الوجه بين يديه، فالمرأة عندما تعتجر تختمر على رأسها ثم الطرف الزائد لا ترده وراءها بل تجعله أمامها فماذا سترت؟

    الألباني يقول: الاعتجار بمعنى الاختمار، وينقل عن الصحاح أن المعجر هو ما تشد به المرأة على رأسها، يقال: اعتجرت المرأة، فأين طرف المعجر الذي يرد على الوجه كما في كتب اللغة الأخرى، قال ابن منظور في لسان العرب: الاعتجار أن يلف رأسه ويرد طرفه على وجهه، فإذاً: الاعتجار والاختمار فيهما ستر للوجه، خلافاً لزعم الألباني بأن الخمار تغطية الرأس بلا خلاف، ثم إن الحافظ ابن حجر ، والحافظ العيني ، وهما من شراح السنة قبل الألباني يقولان: بأن معنى فاختمرن أي: سترن وجوههن، فيا أيها الشيخ! أنت لا تأتي بدلالة من الكتاب ولا من السنة، بل تأتي بفهم لك من الكتاب أو السنة، ثم تقول للأمة: هذا ما دل عليه الكتاب والسنة، وهذا غلط منك؛ لأنك بهذا تخالف ما عليه أئمتنا الكرام.

    فإن قيل: إن بعض الأئمة قالوا: إن كشف الوجه ليس بعورة، قيل: ليس الموضوع أنه عورة أو لا، فقد تقدم معنا الاتفاق على أن ستر الوجه لا بد منه، والقول بأنه يجوز للشابة الحسناء الجميلة التي لو برزت فتن أهل الأرض بها أن تخرج محتشمة مع كشف وجهها، وليس لأحد أن يعترض عليها، مع أن تغطيتها وجهها أفضل، هذا قول لم يقله أحد، ولم يسبق إليه أحد، وهناك من يعكر بعد ذلك على الناس بأنه يوجد أئمة قالوا: إن الوجه ليس بعورة، فإنه لم يقل أي إمام بأن المرأة إذا كانت شابة تفتن بجمالها يسمح لها الخروج كاشفة وجهها، لا أحد من الأئمة قال هذا، بل نخلدها في البيت ولا نسمح لها أن تخرج على هذا النحو، وهذا هو المقرر الذي تقدم معنا، بأنه إذا خشيت فتنة على نفسها أو على الناظر من المحارم فيجب عليها أن تتحجب، ولينظر مجموع الفتاوى فإن هذا ما يقرره أئمتنا بحرمة خروجها كاشفة وجهها، وهذا دليل ثانٍ.

    استدلال الألباني من القرآن الكريم

    وأما الدليل الثالث الذي استدل به الألباني عندما أقرأه أظل متعجباً، ثم أقول: اللهم اغفر له زلـله، هل مثل هذا يقال بأنه دليل؟ واعجباه!

    ثم يقول الشيخ الألباني : وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى في صدر الآية: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] فإنها تشعر بأن في المرأة شيئاً مكشوفاً يمكن النظر إليه، فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن، وهذا الشيء المكشوف هو الوجه والكفان، إذاً يجب أن تُغَض الطرف عنه.

    أقول: من أين لك هذا؟ ومن أين أتيت به؟

    وبعد: فهذا كلام الشيخ الألباني في كتابه، وكما قلت: قرر الشيخ شيئاً، وهو عمل نساء السلف على تغطية الوجه، وجاء الشيخ بعد ذلك لينقضه بجزئيات قابلة للاحتمال، ولو سلمنا جدلاً وقلنا: ما تقوله يمكن أن يكون معتبراً، وما نقوله -أيضاً- يمكن أن يكون معتبراً، فقولنا ينقض قولك، وقولك ينقض قولنا فتتساقط الأقوال، فلنرجع إلى ما تقدم.

    وعليه فإن ما قاله الألباني من أن العمل جرى على كشف الوجه، كيف سنجمع بينه وبين ما قرره من أن العمل جرى على ستر الوجه؟ فقد قال: إن عادة النساء الفضليات والسلف أن يسترن وجوههن -انتبه- ثم يقول في صفحة أربع وعشرين: وقد جرى العمل على الكشف من النساء في عهد النبي عليه الصلاة والسلام حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته وهو لا ينكر ذلك عليهن، ثم ساق أحاديث.

    إن الناظر في هذا يتحير من هذا التناقض البين، فبأي العملين سنأخذ؟

    وها هو يقول في صفحة ثمانية: إيجاب غطاء الوجه تشدد في الدين وتنطع، ثم يقول في صفحة ثلاث وخمسين التي ختم بها كلامه على مشروعية ستر الوجه: يستفاد مما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات أمر مشروع محمود، ثم نقض هذا فقال: وإن كان لا يجب ذلك عليها، بل من فعله فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، وهذا كلام كله باطل، التعليق زائد عليه.

    1.   

    رد الشيخ محمود التويجري على الألباني

    وقد رد على الألباني في هذه المسألة بعض المشايخ رداً فيه قسوة، وهي في محلها ليترك الناس هذا القول الباطل الشاذ، لا قسوةً على الألباني ، إنما القول الشاذ لا بد من القسوة عليه لأجل أن يحذره الناس.

    رد عليه الشيخ محمود بن عبد الله التويجري في كتابه الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور، وقد توفي -غالب ظني- عليه رحمة الله، ونسأل الله أن يغفر لنا وله وللشيخ الألباني حياً وميتاً؛ لئلا يقول السفهاء: أنتم تطعنون فيه، وقد قالها بعضهم، وقال بعضهم: أنتم لا تطعنون فيه وإنما تريدون الطعن في النصوص.

    أقول والله المستعان: أما فيه فنشهد الله أننا لا نطعن فيه -إن شاء الله- ولا بغيره من علماء الأمة، وأما في أقواله فنعم؛ فليس الطعن في الأقوال منقصة، وإذا قال قولاً خالف به أئمتنا نرد عليه وعلى غيره، كما رددنا عليه عندما عقب على كلام الإمام أحمد بأن وضع اليدين بعد الرفع من الركوع بدعة، فقال الألباني : ضلالة لا يشك فيها، وإن قال بها الإمام أحمد، فرددت عليه وقلت: ولا يشك أن هذا الكلام بدعة وضلالة، فتأثر بعض الناس وقال: كيف ترمي الشيخ الألباني بالبدعة والضلالة؟ قلت: يا عبد الله! هو رمى الإمام أحمد بالبدعة وأنا ما رميته، إنما قلت: لا شك بأن هذا القول بدعة وضلالة، فلم أنت تتأثر إذا رمي قول الألباني بأنه بدعة وضلالة، ولا تتأثر من رمي قول الإمام أحمد بأنه بدعة وضلالة؟ لم يا أخي الكريم! تدّعوا لأنفسكم حالات العصمة والحواجز والسدود، وأئمتنا صاروا كلأً ومباحاً لكل أحد يطعن فيهم؟ لا والله، فكل من يطعن في كلام أئمتنا لا أشك في أن كلامه ضلال، وقد يكون له عذر أو لا، هذا موضوع آخر.

    فالشيخ محمود التويجري عليه رحمة الله رد عليه رداً أختم به هذا الكلام لئلا نعود إلى هذا المقال:

    بعد أن نقل كلام الشيخ الألباني عن أمنا عائشة وغيرها بأن غطاء الوجه كان معروفاً ومعمولاً به، قال باختصار: وعائشة ونساء الصحابة رضي الله عنهن أعلم بتفسير الآية من ابن حزم ، وممن قلده ووافق على مذهبه الباطل ... إلخ، ولا شك في صحة العبارة، فابن حزم هو من تبنى هذا الشذوذ، وما رأى الشيخ الألباني من يعول عليه في هذه المسألة من العلماء إلا ابن حزم ، فـالتويجري يقول: أمنا عائشة ونساء الصحابة -اللاتي فهمن ما ينبغي أن يعملنه بعد نزول آية الحجاب- أعلم من ابن حزم ، وقوله: ومن قلده، هذه عبارة جميلة ما أروعها؛ لأنه تقليد باسم الاتباع، وهو باطل.

    ثم قال التويجري في صفحة ستين ومائة عبارة قوية: وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، وملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه، وكلام الألباني في تفسير الآية من سورة الأحزاب، وما أبداه من احتمال فيها، لم يسبقه إليه أحد من الصحابة والتابعين، وقد خالف ما جاء عن حبر الأمة وغيره من أكابر التابعين في تفسير الآية الكريمة، فهو إذاً: من الإلحاد في آيات الله، وتحريف الكلم عن مواضعه، وعلى هذا فيلزم افتراءه ورده على قائله.

    ثم استطرد كلاماً كثيراً في هذا، ثم في صفحة أربع وسبعين ومائة يقول: لا يخفى على من له أدنى علم وفهم أن بحث الألباني مبني على المغالطة وتأويل الأدلة على غير تأويلها المعروف عن الصحابة والتابعين، والتصديق على غير المراد منها، وليس في بحثه حجة على ما ذهب إليه من جواز السفور، ولكن الكتاب في الرد على المشايخ الذين يذهبون إلى تحريم السفور كما قد توهم ذلك.

    ثم بعد ذلك قال: وعلى هذا فلا يقول: إن ستر الوجه بدعة وتنطع إلا من هو من أجهل الناس وأقلهم بصيرةً في الدين، وبالجملة فهذا قول سوء لا يصدر من أحد يتمسك بما ثبت من آثار في السنة النبوية، وإنما يصدر ذلك ممن يتمسك بالتقاليد والسنن الإفرنجية من أن التبرج والسفور من سنن الإفرنج لا من سنة المسلمين.

    ثم ختم كلامه بقوله: إن كلام الألباني قد نقض آخره أوله؛ لأنه قد قرر في أوله أن العمل من النساء في عهد النبي عليه الصلاة والسلام قد جرى على إظهار الوجه والكفين، وأن وجه المرأة ليس بعورة، ولا يجب ستره، وتعسف في تصديق الأدلة على ذلك، ثم قرر آخراً أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة، وأنه كان معهوداً في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وساق الأدلة على ذلك، ثم قال: ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفاً في عهده عليه الصلاة والسلام، وأن نساءه كن يفعلن ذلك، قلت: وكذلك غير أزواجه كما تقدم عن أسماء بنت أبي بكر وفاطمة بنت المنذر ، وحفصة بنت سيرين ، وفي حديث أسماء ما يدل على أن نساء الصحابة رضي الله عنهن كن يفعلن ذلك كما تقدم تقريره، واسترسل في البحث إلى آخر كتابه.

    إن هذه القضية ينبغي أن يقف الناس فيها عند هذا الحد، وقد بلغني أن كثيراً من النساء في هذه البلدة المباركة وفي غيرها بدأن يترخصن بحجة أن الوجه ليس بعورة، ولا حرج في كشفه، وقد فقد كثير من النساء حياءها وعفتها عندما كشفت عن وجهها، وهذا ينذر بكل سوء وخطر، لما يترتب على كشف الوجه، فإذا كان الغناء رقية الزنا، فإن كشف الوجه هو الطريق الحتمي إليه، وعنوان عفة المرأة وعنوان حيائها ستر وجهها.

    أسأل الله أن يرزق نساء المسلمين العفة والحياء، وأن يجملهن بالدين والخلق، وأن يصرف عنهن كيد الكائدين، وتربص المعتدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.