إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [5]

شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [5]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن ستر المرأة نفسها، وتغطيتها وجهها عنوان فضلها وشرفها، وهو عمل خيرة نساء هذه الأمة، ومن سار على طريقهن، حتى وهن محرمات كن يحرصن ألا يرى الرجال وجوههن، وذلك بإسدال الحجاب لا التبرقع، وذلك في أطهر زمان ومكان، فكيف في زمن كثرت فيه الفتن، وماجت بالناس موجاً؟ فيزداد الأمر تأكيداً، ولا التفات لأقوال السفهاء الأراذل الذين يزينون للنساء السفور بل التبرج ويسهلون الفجور، فهم دعاة ضلالة وغواية يجب الضرب على أيديهم وردعهم عن دعوتهم، فهم فتنة لكل مفتون.

    1.   

    مكانة ستر الوجه في الإسلام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    لا زلنا نتدارس الباب الخامس من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي : باب ما يقول إذا خرج من الخلاء.

    وتقدم معنا أن الإمام الترمذي روى في هذا الباب حديثاً عن أمير المؤمنين أبي عبد الله البخاري، ثم ساق السند حتى أمنا عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك)، قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ غريب، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث أمنا عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد انتهينا من دراسة رجال الإسناد ووصلنا إلى ترجمة أمنا الصديقة بنت الصديق ، حبيبة حبيبنا على نبينا وآله وأزواجه وصحبه صلوات الله وسلامه.

    وقلت: سنتدارس ترجمة أمنا العطرة ضمن ستة أمور معتبرة:

    أولها: فيما يتعلق بفضلها وأفضليتها على غيرها.

    ثانيها: فيما يتعلق بحب نبينا صلى الله عليه وسلم لها حباً خاصاً زاد على غيرها.

    ثالثها: في أسباب حبها.

    رابعها: في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    خامسها: في قيام أمنا بأمور الدين حسبما يستطيع الإنسان من تعظيمٍ للرحمن، وشفقةٍ على بني الإنسان.

    وآخر الأمور وهو سادسها: حب الله لأمنا عائشة وغيرته عليها ودفاعه عنها.

    كنا نتدارس الأمر الخامس في قيام أمنا عائشة رضي الله عنها بأمور الدين على وجه التمام حسبما في وسع الإنسان من تعظيمٍ للرحمن، وشفقةٍ على بني الإنسان، فتقدم معنا شيءٌ من حالها مع ربها وعبادتها لله عز وجل، فكانت تصوم الدهر، وكانت تقوم الليل، وتكثر من قراءة القرآن، وهي شديدة الخوف والوجل من الله عز وجل كما تقدم معنا أخبارها في ذلك.

    ثم انتقلنا إلى مدارسة ما يتعلق بحالها مع عباد الله، من إحسانها إليهم، وشفقتها عليهم، وذكرت قصصاً كثيرةً ثابثةً عنها رضي الله عنها في مساعدتها للخلق، وإحسانها إليهم، ثم ختمت الأمر الخامس هذا بأمرٍ قلت: ينبغي أن نعيه تمام الوعي، ألا وهو: شدة حيائها، ومحافظتها على عفتها وعرضها رضي الله عنها وأرضاها، وأجمل ما يزين المرأة الحياء، وقلت: هذا الخلق ينبغي أن يستفيده نساؤنا من أمنا رضي الله عنها، فتقدم معنا أنها كانت تتحجب من الأموات والأحياء، من المبصرين والعميان على حدٍ سواء، وذكرت أخبارها في ذلك.

    بعد هذا كنا نتدارس تعليقاً يتعلق بحجاب المرأة، وما ينبغي أن تكون عليه المرأة المسلمة في حجابها وحيائها وعفافها، وبينت الحكم الشرعي، وأن الوجه ينبغي أن يستر، ثم تعرضت لأربعة سفهاء ذكرت كلام ثلاثة منهم، ثم قدر الله أن تنتهي الموعظة وقلت: أرجئ الكلام إلى هذا اليوم.

    وأحب أن أقدم بين يدي ردنا عليهم واستعراض كلامهم قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة:30] أحب أن أقدم مقدمةً ينبغي أن نعيها تمام الوعي في هذا الأمر، فانتبهوا لها:

    أولها: ستر وجه المرأة هو شيمة النساء الصالحات، وهو خلق العفيفات، وهذا هو لباس الفاضلات، وهو شأن الطاهرات الحييات في جميع الأوقات.

    عنوان حياء المرأة وعفتها وطهارتها وفضلها سترها لوجهها مع التزامها بالحجاب الشرعي في سائر جسدها، مع أن هذا الوجه هو أول ما ينبغي أن يستر من هذه المرأة الطاهرة الحيية العفيفة ولا يجوز أن يظهر، وقد تقدم معنا إخوتي الكرام أخبارٌ كثيرةٌ تقرر هذا، فكيف كانت أمنا عائشة مع أمهاتنا أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام، مع الصحابيات الطاهرات، وهنّ في أعظم العبادات في الأشهر الحرم، في الأماكن المعظمة المباركة، في أداء نسك الحج إذا مر بهن الرجال الركبان سدلن على وجوههن، فإذا جاوزهن الرجال كشفن عن وجوههن رضوان الله عليهن أجمعين.

    وتقدم معنا هذا الفعل وحكايته عن أحوال النساء من حديث أمنا عائشة ، قلت: روي أيضاً عن أمنا أم سلمة ، وروي عن أسماء بنت أبي بكر ، وروي عن فاطمة بنت المنذر ، والأخبار في ذلك صحيحةٌ كما تقدم معنا تخريجها وبيانها.

    اقتداء المؤمنات بأمهاتهن أزواج رسول الله في تغطية الوجه

    إن المؤمنات اقتدين بأمهاتهن أزواج نبينا على نبينا وآله وأزواجه صلوات الله وسلامه، ثم النساء الصالحات في زمن التابعين ومن جاء بعدهم إلى يوم الدين اقتدين ويقتدين في حجابهن وتغطية وجوههن بأمهات المؤمنين، ولذلك كان من أشنع ما قيل عن الحجاب قول سفيه من السفهاء ضال مضل: غطاء الوجه عادةٌ تركية جاءتنا من الأتراك والمماليك، وما كان يعرف نساء المسلمات الأول غطاء الوجه، يقول: هذا كله جاء من نظام الحريم عند الأتراك وعند الاستعمار العثماني، أما أنه يوجد حجابٌ للوجه في الإسلام فلا.

    أيها المخذول الضال! أنت إذا أنصفت قل: إن المؤمنات اقتدين بحجابهن بأمهاتهن؛ لأن إلزام أمهات المؤمنين بالحجاب هذا منصوصٌ عليه في كلام الكريم الوهاب، وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53]، فإذاً المؤمنات اقتدين بأمهاتهن في حجابهن وستر وجوههن، ولم يقتدين بأتراك، ولا بمماليك، ولا جاءت هذه الخصلة الطيبة المباركة للنساء تأثراً بأحدٍ إلا بأمهاتهن رضي الله عنهن وأرضاهن.

    هذا الأمر لا بد من وعيه، فنحن عندما نقول: لا بد على النساء أن يتحجبن، لو لم يكن معنا دليل على إلزام النساء المؤمنات بالحجاب إلا هذا الدليل -أعني: اقتداؤهن بأمهات المؤمنين- لكفى، مع أن الأدلة ما أكثرها! كما تقدم وكما سيأتي إن شاء الله.

    وهذا الحجاب -أعني: ستر المرأة لبدنها وعلى الخصوص وجهها- لا يستثنى منه امرأةٌ، سواءٌ كانت شابةً أو هرمةً بلغت مائة سنة، من حيائها وفضلها أن تحجب وجهها، نعم يجوز للهرمة والمسنة القاعد كما في الآية، لكن الأكمل والأفضل الذي هو محل اتفاق بين أئمتنا ما ذكرناه، ولا يخالف في ذلك إلا من غضب الله عليه ولعنه.

    ثم إن غطاء الوجه فضيلةٌ وعلامة طهرٍ وحياء وكرامةٍ في المرأة، لا خلاف في ذلك، لكن هل هو بعد ذلك واجبٌ أو لا؟ الجواب عن هذا سيأتينا ضمن مراحل البحث عندما نقرر المسألة الأولى، لكن ما ذكرنا من ستر المرأة وجهها هو علامة على فضل المرأة، وعلى كمال حيائها، وكرامتها، وتقاها، وعفتها، وهو خيرٌ لها، لا خلاف بين أئمتنا في ذلك، ومن خالف هذا فهو مفترٍ على هذه الشريعة، ولم يسبقه إلى قوله إلا إبليس، وهو من أتباعه، وأما أن يقال: إن غطاء الوجه فيه منقصة أو هو مردود... إلى غير هذا، فإنه لم يقل ذلك أحدٌ إلا سفهاء هذا العصر.

    قصة في حرص الصالحات من القواعد على ستر الوجه

    واسمع لهذه القصة التي يرويها سعيد بن منصور في سننه وابن المنذر في تفسيره، والبيهقي في السنن الكبرى، وإسنادها صحيح، عن عاصم بن سليمان الأحول وهو أبو عبد الرحمن ، ثقةٌ، حديثه مخرجٌ في الكتب الستة، تابعي، توفي سنة أربعين ومائةٍ للهجرة، عاصم بن سليمان الأحول ، قال هذا العبد الصالح: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين ، وهي أم الهذيل الفقيهة العابدة، مكثت ثلاثين سنةً لم تخرج من مصلاها، وقال إياس بن معاوية : ما أدركت أحداً في البصرة نفضله على حفصة بنت سيرين ، فقيل له: ولا أخوها محمد بن سيرين ولا الحسن البصري ؟ قال: أما أنا فلا أقدم على حفصة أحداً، هي أفضل من الحسن البصري ، وهي أفضل من محمد بن سيرين في العلم، والتقى، والعبادة، والورع، حسب ما يقول هذا العبد الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، وقلت: حديثها في الكتب الستة، ثقةٌ، فقيهةٌ، عالمةٌ، عابدة، هذا كلام أئمتنا قاطبة في ترجمتها.

    يقول عاصم بن سليمان الأحول : كنا ندخل عليها، فإذا دخلنا عليها تحجبت، وتلبس جلبابها، فنقول لها: أليس قد قال الله في كتابه: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60]، أي: أنت امرأة كبيرة جاوزت السبعين، وفقيهة عابدة، لا تخرجين من مصلاك، وإذا جئنا لنتلقى العلم عنك لبست الجلباب وحدثتنا من وراء حجاب، فلم تفعلين ذلك ولك رخصة؟ وأنت قاعد بنص القرآن، فيجوز أن تخلعي الجلباب وأن تقابلي الرجال بالملابس الطويلة التي تستر البدن، وأنت كاشفة الوجه، واليدين؛ لأنك كبيرة، والله نص على استثنائك ورخص لك في كتابه فقال: وَالْقَوَاعِدُ [النور:60]، وهي جمع قاعد، أي: قعد سنها عن طلب النكاح وتطلع الرجال إليها، فإذا رأيتها تغض بصرك طبيعةً لا ديانةً، يعني أنت عندما تراها طبيعتك تنكسر لا خشيةً من الله؛ بل لأن وجهها صار ثلاثين طبقة، وظهرها متقوس، وليس بعد ذلك في فمها سنٌ ولا ضرس، وأحياناً لعابها يسيل، هذه هي القاعد، فإذا بلغت المرأة هذا السن لا حرج عليها أن تظهر وجهها وكفيها، وألا تلبس جلبابها الواسع، تقوم بملابس طويلة أمام الرجال لمصلحةٍ شرعية، فكانت تقول حفصة بنت سيرين : اقرءوا ما بعدها، أكملوا الآية ولا تقفوا، وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60]، يشترط هذا الشرط، يعني: تقوم بلا غطاءٍ في الوجه، ولا جلبابٍ فضفاض بدون أن يكون هناك زينة وتطلع للشهوة الإنسانية، هذه قالت: اقرءوا ما بعدها: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60]، يعني: أن تجعل الشيخة نفسها كأنها شابةٌ لا أقول: بنت عشرين، بل بنت أربع عشرة، فتحتاط في لباسها، ولا تظهر شيئاً من بدنها، لا من ظفر ولا من وجه، فهذا خيرٌ لها بنص القرآن، هذا بالنسبة للقاعد التي زادت على السبعين وانقطع أمل الرجال فيها في كل حين، فهذه إذا استعفت وسترت وجهها وقابلت الناس بجلبابها الواسع الفضفاض فهذا خيرٌ لها بنص القرآن، وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:60].

    هذه حفصة بنت سيرين الفقيهة العابدة الحيية التقية الورعة رضي الله عنها وأرضاها، وتوفيت بعد سنة مائةٍ للهجرة، تفعل هذا الفعل، تلقت هذا حتماً من بيت النبوة؛ لأن مولاها أنس بن مالك رضي الله عنه، ووالدها سيرين كان عبداً عند أنس ، وأنس خادم النبي عليه الصلاة والسلام، فإشعاعات النبوة ونور النبوة في هذا البيت الطاهر عند حفصة بنت سيرين .

    إذا كانت أمنا عائشة تتحجب من الأعمى كما تقدم معنا، وتتحجب من الميت، فكيف هذه لا تتحجب من الحي الذي يبصر؟! لا يمكن هذا أبداً، وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:60].

    إثبات أن عادة النساء على مر العصور تغطية الوجه

    إخوتي الكرام! وهذا الخلق، أعني ستر وجه المرأة هو الذي سار عليه عمل النساء الصالحات في سائر العصور حتى في هذا العصر الحالي، لا تتحجب إلا من كانت حييةً صالحةً طاهرة، ولا تكشف امرأةٌ عن وجهها إلا لريبةٍ فيها وخيانةٍ في نفسها، فستر الوجه علامة الحياء، وهذا ينبغي أن يصاحب المرأة في كل وقت، ولذلك قرر الإمام الغزالي في الإحياء، وانظروا كلامه في الجزء الثالث، صفحة ثمانٍ وأربعين إلى تسعٍ وأربعين عندما بحث في موضوع خروج المرأة إلى المسجد في كتاب النكاح من كتابه الإحياء، يقول: الأصوب الآن المنع إلا للعجائز، والذي يظهر والعلم عند الله أن الحكم الشرعي يبقى جائزاً للعجائز وللصبايا بالضوابط الشرعية التي رخص فيها خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، فيخرجن إلى المسجد وهن تفلات، أي: تاركات للطيب وللزينة، متحجباتٍ مستورات.

    ثم قال الغزالي -وهذا محل الشاهد الذي أريده-: ولم يزل الرجال على ممر الأزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، يقول: على مر العصور، والغزالي من القرن السادس للهجرة، توفي سنة خمسمائة وخمسة، ومعنى كلامه أن: عادة النساء على ممر العصور منذ عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلى القرن السادس للهجرة أن النساء يخرجن منتقبات، وأما الرجال فيكشفون عن وجوههم، فالمرأة هي التي تستر؛ لأنها عرضٌ يصان، وتلازم البيت، والرجل عمله خارج البيت، فلو أمر بالحجاب كما أمرت المرأة لشق ذلك عليه، فلا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل، لكن المرأة خروجها من البيت قليل، ثم بعد ذلك هي مستورة تغض طرفها، وعليه لم يؤمر الرجل بالنقاب، وأمرت به المرأة، ولم يزل النساء يخرجن منتقبات على ممر الزمان من عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلى عهدنا.

    وهذا الكلام نقله عنه أيضاً الإمام الزبيدي في إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين، وأقره عليه، ونقله قبله الحافظ ابن حجر في الفتح، في الجزء التاسع صفحة سبعٍ وثلاثين وثلاثمائة، وعلق عليه بما يفيد إقراره له، فقال: استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال.

    حاصل كلامه هذا هو: أن عمل المسلمين جرى على أن يخرج نِساؤهم في كل مصر وفي كل بلد وفي كل قطر وفي كل قرية وهن منتقبات؛ لئلا يراهن الرجال. ‏

    تغطية وجه المرأة في الإحرام

    أما الحج الذي لا تنتقب فيه المرأة كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام، والحديث في المسند وصحيح البخاري ، ورواه أهل السنن الثلاثة: أبو داود والنسائي والترمذي وقرره في صحيحه، فهو حديثٌ صحيحٌ كالشمس، لكن اختلف في رفعه وفي وقفه على ابن عمر ، والمعتمد أنه مرفوعٌ من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وإن رجح الحافظ في الفتح أنه موقوفٌ على ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين، ولفظ الحديث عن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين)، والنقاب الذي منعت منه المحرمة هو اللباس الخاص بالوجه وهو البرقع الذي يكون بحجم العضو، فهذا نهيت عنه، كما تقدم معنا في كلام أمنا عائشة : لا أتلثم، لكن أسدل، وهنا لا تلبس البرقع، أي: لا تتلثم، ولا تلبس شيئاً يحيط بالوجه كالقفازين يحيط بالكفين، إنما تستر يديها بشيءٍ تسدله على يديها، وتستر وجهها بشيءٍ تسدله على وجهها أيضاً دون أن تلبس البرقع، دون أن تتلثم كما تقدم معنا.

    ففي الحج المرأة التي نهيت في الأصل عن النقاب لحكمةٍ يعلمها الله ولا نعلمها، كما أنه نهي الرجل عن لبس السراويل وعن لبس المخيط لحكمةٍ يعلمها الله ولا نعلمها، وهذه ليست من باب العقوبة في هذا التكليف، فما كلفنا الله بشيءٍ يعاقبنا عليه، والتكليف الجزائي مرفوعٌ عن هذه الأمة، فرفع الله عنا الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا، نعم قد نكلف بما فيه امتحانٌ للعبودية، وتحقيقٌ للتوحيد الخالص، وأنت عبد فلا بد أن تلتزم، وهكذا المرأة التي تلتزم بالبرقع وتلبس لباساً خاصاً في وجهها، فإنها في الحج تزيله وتسدل من ثوبها على وجهها، وهكذا الرجل الذي يستر رأسه بعمةٍ، وهذا يعني أن بعض الملابس والزينة نهي عنها في الإحرام؛ تذللاً لله جل وعلا، وكما قلت: فهذا التكليف ليس من باب التكليف الجزائي للمعاقبة كما حرم الله على بني إسرائيل ما حرم عليهم بظلمٍ منهم، وغاية ما يقال: العلة فيه: امتحان العباد، وإظهار مدى صدقهم في توحيد ربهم جل وعلا، وهنا كذلك منعت المرأة عن لبس هذا اللباس الخاص في وجهها وفي كفيها، أعني: القفازين والبرقع واللثام، وما عدا هذا ينبغي أن تستر وجهها في الإحرام.

    يقول الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله في الفتح في الجزء الثالث صفحة ستٍ وأربعمائة، حاكياً الإجماع عن شيخ الإسلام وإمام المسلمين في زمنه محمد بن المنذر ، وهو من علماء القرن الرابع للهجرة.

    فيقول: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله، والرجل منهيٌ عن لبس المخيط، والخفاف، وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها، إلا وجهها، فتسدل عليه الثوب سدلاً خفيفاً، تستتر به عن نظر الرجال.

    إذاً: هذا قول أئمة الإسلام قاطبةً، لا يستثنى من ذلك إمامٌ من الأئمة، أجمع أئمة الإسلام على حق المرأة في الإحرام أن تلبس المخيط، والخفاف، وتستر شعرها، وتسدل على وجهها من ثوبها لكي تستتر به عن نظر الرجال، هذا وهي محرمة، قال: ولا تخمره، والتخمير: هو أن تشد الخرقة والثوب والغطاء والخمار على وجهها، ولا تخمره إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر ، تقدم معنا حديثها في الموطأ بسندٍ صحيحٍ كالشمس: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر )، رضي الله عنهن أجمعين.

    ثم قال ابن المنذر : ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلاً كما جاء عن أمنا عائشة ، وهذا الاحتمال هو المراد من تخمير فاطمة والمؤمنات في ذلك الوقت لوجوههن رضي الله عنهن، (نخمر وجوهنا)، أي: نستر، والخمار: هو الشيء الساتر وليس المراد اللثام أو البرقع، فيقول: أجمع المسلمون على أن المرأة تسدل شيئاً على وجهها، تستر وجهها عن نظر الرجال، ولا تخمر الوجه ببرقع أو شيء يلاصق، وقوله: (إلا ما روي عن فاطمة) يعني: أن هذا ليس فيه إجماع، ثم قال: ولعل ما روي عن فاطمة هو من باب السدل أيضاً.

    خلاصة الكلام: أن ستر الوجه تطالب به المرأة حتى في الإحرام وهي حول بيت الله الحرام، وكل من قال: إن المرأة ينبغي أن تظهر وجهها في الإحرام كما يظهر الرجل رأسه فهو واهمٌ غافل، لا يعي الحكم الشرعي، ولا يعرف مقصود الشارع من كلامه.

    بيان ابن القيم لمسألة تغطية وجه المرأة في الإحرام

    وقد أشار الإمام ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد، في الجزء الثالث صفحة اثنتين وأربعين ومائة إلى هذه القضية، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره؛ لكن الناس من حديث: (لا تنتقب المحرمة) فهموا خلاف ما يريده النبي عليه الصلاة والسلام، فانتبه للتعليل الشرعي: إنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصةً كما جاء بالنهي عن القفازين، وجاء بالنهي عن لبس القميص والسراويل، بمعنى أن الرجل نهي عن لبس السراويل التي تواري العورة فهل في الإحرام يكشف عورته؟ الجواب: أنه يسترها لكن بغير السراويل، كذلك المرأة لا تلبس البرقع، فليس المعنى أن تكشف الوجه، ومعلومٌ أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يرد أن تكون الأعضاء مكشوفةً لا تستر البتة، بل قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها، وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإزار، مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد، وكيف يزاد على موجب النص، ويفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهاراً، فأي مفهوم اقتضى هذا؟ أو أي عموم، أو قياسٍ، أو مصلحة؟ بل وجه المرأة المحرمة كبدن الرجل، يحرم ستره بالمفصل على قدره، وهو البرقع، كما يحرم عليك حال إحرامك أن تلبس قميصك، أما أن تلبس إزاراً ورداءً فلا حرج، كذلك المرأة يحرم أن تستر وجهها وهي محرمة بالنقاب والبرقع، ويدها بالقفاز وأما سترها بالكم، وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم ينه عنه البتة، ومن قال: إن وجهها كرأس المحرم فليس معه بذلك نصٌ ولا عموم، ولا يصح قياسه على رأس المحرم، لما جعل الله بينهما من الفرق.

    وقول من قال من السلف: إحرام المرأة بوجهها إنما أراد به هذا المعنى، أي: لا يلزمها اجتناب اللباس كما يلزم الرجل، بل يلزمها اجتناب النقاب، فيكون وجهها كبدن الرجل، ولو قدر أنه أراد أنها تكشفه فقوله ليس بحجةٍ ما لم يسبق عن صاحب الشرع أنه قال ذلك، وأراد به وجوب كشف الوجه، ولا سبيل إلى واحدٍ من الأمرين.

    وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كنا إذا مر بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها)، وأمهات المؤمنين ونساء الصحابة هن أعلم الناس بحكم ما يتعلق بهن، وبالحديث الذي وجه إليهن: (لا تنتقب المحرمة)، ولم تكن إحداهن تتخذ عوداً تجعله بين وجهها وبين الجلباب كما قاله بعض الفقهاء، ولا يعرف هذا عن امرأةٍ من نساء الصحابة، ولا أمهات المؤمنين البتة، لا عملاً ولا فتوى، ومستحيلٌ أن يكون هذا من شعار الإحرام، ولا يكون ظاهراً مشهوراً بينهن، يعرفه الخاص والعام، ومن آثر الإنصاف وسلك سبيل العلم والعدل تبين له راجح المذاهب من مرجوحها، وفاسدها من صحيحها، والله الموفق والهادي.

    هذا الأمر الذي قرره ابن القيم هو ما تتابع عليه أئمتنا، يقول الإمام الصنعاني في سبل السلام: يحرم عليها -يعني: على المحرمة- النقاب والبرقع، وهو المفصل على قدر ستر الوجه؛ لأنه ورد به النص، كما ورد بالنهي عن القميص للرجل، مع جواز ستر الرجل لبدنه بغيره بالاتفاق، يعني: بغير القميص، فكذلك المحرمة تستر وجهها بغير ما ذكر، كالخمار والثوب، ومن قال: وجهها كرأس الرجل المحرم فلا دليل معه.

    ثم تعرض الصنعاني أيضاً للوجه قبل ذلك في سبل السلام، عند أحكام العورة وما ينبغي أن تستره المرأة من بدنها في الصلاة، في الجزء الأول صفحة ستٍ وسبعين ومائة، فقال: يباح كشف وجهها، أي: عند صلاتها ومناجاتها لربها، حيث لم يأت دليلٌ بتغطيته -انتبه- والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي، فهذه عورتها في الصلاة، وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة.

    والإمام ابن القيم في إعلام الموقعين، في الجزء الثاني صفحة إحدى وستين ذكر نحو هذا الكلام، وأن المرأة ينبغي أن تحجب وجهها، وأن تستره في إحرامٍ أو في غيره، لكنها في غير الإحرام تستره عن طريق السدل أو عن طريق البرقع وفوقه سدل، أو عن طريق اللثام وفوقه سدل، وإذا لبست الحجاب والاحتياط فلها ذلك، وإن أرادت أن تستره بسدلٍ فقط فلها ذلك، أما في الإحرام فلا يجوز لها تغطية الوجه إلا بسدلٍ، فلا تلبس البرقع، ولا تتلثم كما تقدم معنا في الروايات الدالة على ذلك.

    1.   

    كلام مصطفى صبري حول الحجاب

    وهذا الخلق -كما قلت- هو خلقٌ فضيل، وهو خلق النساء الفاضلات، والأمر كما قرر الشيخ مصطفى صبري عليه رحمة الله، وهو آخر شيوخ الإسلام لهذه الأمة الإسلامية المرحومة، في الخلافة الإسلامية المباركة، الخلافة العثمانية التي قضي عليها من قبل الكفرة الملحدين سنة ثلاثٍ وأربعين وثلاثمائةٍ وألفٍ للهجرة، ولم يجتمع المسلمون من ذاك الوقت للآن على إمامٍ ولا على خليفة، وأمرهم فوضى، ونسأل الله أن يحسن ختامنا بفضله ورحمته، وهذه أعظم مصيبةٍ نزلت على الأمة الإسلامية بعد موت خير البرية عليه الصلاة والسلام، تفرقهم في هذا الحين إلى ما يزيد على سبعين دولة، ما بين مملكة وسلطنة ومشيخة وإمارة ودولة وحدث ولا حرج، وبعد ذلك بأسهم بينهم شديد، نسأل الله أن يؤلف بين قلوب المؤمنين، وأن يوحد كلمتهم، وان يهيئ لنا من أمرنا رشداً، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.

    يقول هذا الشيخ المبارك في هذا الكتاب الذي ينبغي أن يسطر هذا الكلام في القلوب، ومن الحيف أن يكتب في ورق، وكلامه في السفور والاحتجاب كله سبعون صفحة، ويقرر عليه رحمة الله مقالتين يرد بهما على السفهاء، وقد توفي سنة ثلاثٍ وسبعين وثلاثمائة وألفٍ للهجرة، يعني صار له منذ موته قرابة أربعين سنة، يرد في المقالة الأولى على السفهاء الذين ينكرون حكم تعدد الزوجات، ويرد في المقالة الثانية على دعاة السفور، الذين يريدون كشف وجه المرأة الذي هو مطية لكشف العورة المغلظة، وإذا هان على المرأة أن تكشف وجهها فسيهون عليها أن تكشف ما هو أعظم من ذلك بعد ذلك.

    يقول في صفحة خمسٍ وعشرين مبيناً أن الحجاب هو دليل الرقي والكمال والفضيلة، وأن السفور -يعني: كشف الوجوه- دليل الرذيلة، وهو دليل الانحطاط والتأخر، هذا بخلاف ما ينبز به السفهاء المتحجبات فيقولون: رجعية متحجبة، بل هذه هي الفاضلة، وإنما الرجعية من تعود إلى الجاهلية والهمجية وتكشف عن وجهها وتخرج كالبقرة، هذه هي الرجعية، أما التي تستر وجهها فإنها حيية.

    يقول مصطفى صبري : لا خلاف في أن الشرق مهد العلوم والمدنية، وسبب ذلك يرجع إلى كونه موطن الأنبياء ومهبط الوحي الإلهي، فالشرق فيه هذا النور الذي باركنا حوله، ثم قال الله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1]، فالشرق فيه هذه البركات، بركات الدين والدنيا، فبركات الدين: إرسال الرسل، وإنزال الكتب في الشرق، يقول: حتى أن مدنية اليونان التي هي أقدم مدنيةٍ في أوروبا، والتي استنار منها الغرب قبل أن يستنير من علوم الإسلام ومدنيته منصبة إلى أسبانيا بأيدي العرب الفاتحين، مقتبسةٌ من اتصال اليونانيين بسكان سواحل آسيا المحاذية لسواحل اليونان بمناسبة التجارة وغيرها، فضلاً عن كون أصل اليونانيين من المهاجرين الشرقيين، فأصلهم إذاً أيضاً من أحفاد وسلالة الأنبياء الذين اهتدوا برسالاتهم.

    علاقة الحجاب بصون المرأة أن تكون عرضة للرجال

    ثم يقول: ولا خلاف أيضاً في أن السفور حالة بداوةٍ وبدايةٍ في الإنسان، والاحتجاب طرأ عليه بعد تكامله بوازعٍ دينيٍ أو خلقي يزعه عن الفوضى في المناسبات الجنسية الطبيعية ويسد ذرائعها، ويكون حاجزاً بين الذكور والإناث، وقد خص الاحتجاب للمرأة دون الرجل لاشتغاله خارج البيت؛ ولأن موقفه في المناسبات الجنسية موقف الطالب، وموقف المرأة موقف المطلوب، فيكون منه الطلب والإيجاب، ومنها القبول أو الإيجاب، واحتجابها وسام في ذاتها، وهي متحليةٌ به أمام الرجل؛ كيلا تحتاج إلى الإيذاء والرفض باللسان أو باليد، ومتى ما سترت الوجه تقول: ليس لي بالخلق من أولهم إلى آخرهم حاجة، ومتى ما كشفت الوجه تقول: هلموا إلي هلموا إلي، ما فيكم من يسأل عني؟ ففي الحجاب صون لها عن أن تكون عرضةً للرجال، فإذا تصدى لها الرجل وراودها على نفسها وقبلت المراودة فإنها تسفر له، فهو يلم عن قبولها الطلب، وسفورها لرجلٍ معينٍ من غير سبق طلبٍ منه، شعار قبول متقدمٍ على الطلب وإغراءٌ له بالطلب، وسفورها العام شعار القبول والإغراء العامين.

    هذه عندما تكشف وجهها كشفاً عاماً فهو إغراءٌ وقبولٌ عام، لسان حالها تقول: أنا لا أمنع عرضي عن أحد، تقصد أو لا تقصد فهذا موضوعٌ آخر، لكنه متى ما كشفت المرأة عن الوجه دل على رغبتها فيمن كشفت وجهها له، شاءت أم أبت، وإذا أرادت أن تكون حييةً نافرةً لا تكون ألعوبةً بأيدي الرجال، أمامها هذا الحصن الحصين، والمرأة ما دامت متحجبة لها مكانة وهيبة، والله لو أن أكبر شخصية أرادت أن تتصل بالمرأة اتصالاً أحله الله وهي متحجبة، لما استطاع الوسائط في الوصول إلى هذه المرأة إلا عن طريق وليها، وإذا كانت كاشفة عن وجهها لعلها في السوق يقول لها أكثر من عشرين رجلاً: تريدينني بالحلال أو بالحرام، ما رأيك؟ هل تذهبين معي على أن أعطيك دريهمات؟ أنت كذا... كما يحصل الآن؛ لأنها لم يبق عندها حياء إذا امتهنت نفسها، فتاجها في غطاء وجهها، متى ما كشفت عنه داست كرامتها برجليها، فلم يكرمها الناس بعد ذلك، بل يمتهنونها غاية الامتهان، وهذا الذي حصل، إضافة إلى أن كشف الوجه عنوان على كشف الفرج، شاء الناس أم أبوا، لا شك في ذلك، إذا كشفت المرأة الوجه تقول: أنا مستعدة لكشف الفرج أيضاً، ولذلك عندما كشف الوجه في البلاد الإسلامية، وأخذ من البلاد الغربية ماذا تبعه؟ تبعه ما تعلمون بعد ذلك.

    إن كل من يدعو إلى كشف الوجه فهو بين رجلين: إما مغفلٌ جاهل لا يدري ما يقول، وإما خبيث عميل، لا ثالث لحال الإنسان أبداً، وستر الوجه عنوان حياء المرأة، وكرامتها، وهذا هو حال النساء في كل وقت.

    وحول هذا الحياء الآن محاولات ومحاولات لإخراج الأمة عن حيائها وعن عفتها، والبارحة بعد العشاء يقول لي بعض الإخوة الكرام: يا شيخ! ما مضى عفا الله عنه، وإنني سأحجب زوجتي، قلت: بداية خير.

    هذا وإن معاول التضليل والطلقات المسمومة هنا وهناك -حتماً- أثرت في الأمة الإسلامية، يزعمون أن كشف الوجه لا حرج فيه ولا عار، فإذا كشفت امرأة وجهها ماذا جرى؟ هي حرة وأنت حر، وهي إنسانة وأنت إنسان، لم تخاف من كشفها وجهها؟ هل هي ضبع ستأكلك لو كشفت وجهها؟ ونحو هذا الكلام البارد.

    ولذلك بعض من يحضر مع زوجة سافرة، ولا يعلم العاقبة لما صارت زوجته عرضة للتحرش، قال: يا شيخ! إن شاء الله سنتدارك الأمر، فماذا نعمل؟ قلت: ما مضى عفا الله عنه، وأمر زوجتك كما أمر الصحابة أزواجهم عندما نزلت آية الحجاب، انقلبوا إلى أزواجهم فتلوا عليهن آية الحجاب فكل واحدة عمدت -كما سيأتينا- إلى مرطها فاختمرت به، وخرجت بعد ذلك كأن على رأسها غربال.

    علاقة حجاب المرأة بالغيرة الإنسانية

    ثم يقول مصطفى صبري بعد ذلك كلاماً حقيقةً في منتهى الجودة، يقول: ثم إن الاحتجاب كما يكون تقييداً للفوضى في المناسبات الجنسية الطبيعية، ويضاد بالطبيعة من هذه الحيثية، فهل هو يتناسب مع الغيرة التي جبل عليها الإنسان.

    يعني: الحجاب هو ضد غريزة الشهوة، وهو يتلاءم مع غريزة الغيرة، فأنت بين أمرين: غريزة حيوانية أن المرأة تسفر ولا تتحجب، وعفة ومروءة وشهامة وحياء بأن تتحجب، يقول: إذاً نوافق الطبيعة من ناحيةٍ أخرى، إلا أن الغيرة غريزة تستمد قوتها من الروح، والتحرر عن القيود في المناسبة الجنسية غريزة تستمد قوتها من الشهوات الجسمانية، فهي تغري بالسفور، والغيرة تبعث على الاحتجاب، وبين هاتين الغريزتين تجاف وتحارب يجري ذلك في داخل الإنسان، شهوة هابطة وعفة فاضلة، فالمدنية الغربية انحازت إلى الطبيعة الأولى وهي: طبيعة الشهوة، وقررت ألا تحرم المنتسبين إليها من تمتع بالجانب الحلو في سفور النساء، واختلاط الجنسين في الأندية ومجالس الأنس والسهر، وضحت بالطبيعة الثانية وهي: العفة والغيرة والغريزة التي تستمد قوتها من الروح في سبيل ذلك التمتع.

    انتبه لهذا التعليل الذي يقوله هذا الإمام المبارك: فالرجل الغربي يخالط نساء الناس، ويقبل أيديهن، ويجالسهن سافرات ونصف عاريات، ويخاطرهن، كل هذا مقابل التنازل عن غيرته على زوجته وأخته وابنته، فيخالطهن غيره، ويجالسهن ويخاطرهن، ويرى أن عدد ضحاياه قريب بالنسبة إلى ما يربح، يعني: خسر زوجته وخمس بنات عنده، لكن اصطاد مائة امرأة أو ألف امرأة لاعبهن، فهو يقول: أنا خسرت، لكن الربح أكثر، وربما لا يوجد من يضحي به، أي: ليس عنده زوجة ولا بنات، فيخلص له الربح، والحفلات الراقصة التي هي من لوازم المدنية الاجتماعية في الغرب ليست إلا تأييداً علنياً للمعاشرة المختلطة، وتقريباً لأحد الجنسين من الآخر في الاقتران والاتفاق، وقضاءً على الغيرة بين ظهراني من يتوقع منهم التحمس بها، فكأن تلك الحفلات أفراح قران عامة، وبالفعل قضي على الغيرة، وعلى المروءة وعلى الشهامة فيها، فأصبح الغرب أخبث من الخنازير، ولا غيرة ولا حمية، لا على عرض، ولا على بنت، ولا على أخت، ولا على عار، ثم إن هذا الخلق بدأ يسري في العرب كالجرب، عندما أرادوا تقليد المدنية الغربية، وأقول بصراحة: إذا كشف الوجه، ورضيت لابنتك أن تكشف وجهها، فإذاً كشف فرجها عما قريب -لا ينبغي أن يتمعر وجهك أبداً- هذا طريق إلى ذلك، والغربي لما كشف الوجه رضي بكشف الفرج، وهذه هي الطبيعة، وهذا هو التساوي والمنطق، أما أن تقول للبنت: اكشفي الوجه وإياك أن تزني! فهذا في الحقيقة ظلم لها ولمن يخالطها، فكشفها وجهها سيؤدي إلى بلاء وعناء، وبعد ذلك تقول: لا تفعلي ولا تفعلوا، أنى يستجاب لك؟

    إخوتي الكرام! هذه الغيرة التي تدعو إلى تغطية الوجه هي التي كان يلتزم بها المسلمون في العصر الأول، وقد كان أئمتنا إذا شعروا أنه يوجد شيء من الاطلاع على وجوه محارمهم وأعراضهم تثور ثائرتهم، استمع لهذه القصة واستفد منها هذا المغزى الجليل الجميل:

    محمد بن إسحاق حديثه مخرج في صحيح البخاري تعليقاً وفي صحيح مسلم مقروناً على المعتمد، وفي السنن الأربعة، وهو صدوق حديثه لا ينزل عن درجة الحسن، صاحب المغازي، طعن فيه هشام بن عروة زوج فاطمة بنت المنذر ، وسبب قدحه فيه هو: أن محمد بن إسحاق روى حديثاً عن فاطمة بنت المنذر ، وفاطمة بنت المنذر فقيهة عابدة ثقة حديثها مخرج في الكتب الستة، من التابعيات جدتها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، وفاطمة هي: بنت المنذر بن الزبير بن العوام ، فـهشام بن عروة أخذته الغيرة والحمية، يقول: يتحدث محمد بن إسحاق أنه روى عن زوجتي فاطمة ، والله إن رآها قط -إن هنا بمعنى: ما النافية، يعني: والله ما رآها قط، ولا اجتمع بها- كيف يروي عنها؟ فاتهمه بالكذب، ورد روايته من أجل روايته عن زوجته فاطمة ، لكن الإمام الذهبي في السير قال: على رسلك، محمد بن إسحاق ما قال: إنه رآها، ولا زعم أنه رآها، ولا يلزم بروايته عنها أنه رآها، وقد سمعت من عدة نسوة وما رأيتهن قط، فإذا حدثت المرأة من وراء حجاب، كيف لي أن أرى وجهها؟ ثم قال: وقد روى عدة من التابعين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وما رأوا لها صورةً قط، فهذه غيرة زائدة في الحقيقة زادت عن الحد الشرعي، ثم قال الإمام الذهبي : ولعله أيضاً أن تكون فاطمة بنت المنذر عمةً أو خالةً لـمحمد بن إسحاق من الرضاعة، وهشام بن عروة لعله لا يدري أيضاً.

    انتبه لهذه الأريحية، يقول محمد بن إسحاق : حدثتني فاطمة بنت المنذر ، فيقول هشام بن عروة زوجها: من أين رأيت وجه زوجتي؟ إذاً أنت كذاب، ورأى أن هذه أكبر منقصة فيه، ولو بلعته الأرض لكان أيسر عليه، فقيل له: خفف على نفسك، ما رؤي وجه هذه الحصان العفيفة الطاهرة، إنما حدث عنها دون رؤية، ولا يلزم من التحديث الرؤية، فانظر ما تدل عليه هذه القصة من معاني، وأنه لو كان وجه فاطمة بنت المنذر وغيرها مكشوفاً كوجوه البقر، فهل هناك داع أن يقول هشام بن عروة : من أين رأيتها؟ لأنه لو كان كذلك لكان الجواب: يا عبد الله! رأيتها أنا وأهل البلدة من أولهم إلى آخرهم، وهي ذاهبة آيبة، وجهها كذا وكذا، وأنت تتهمنا.

    على كل حال لا أريد أن أبحث في هذه القضية في أن الوجه عورة أو لا، هذا سيأتينا ضمن مراحل البحث.

    إنما القضية الأولى: ستر الوجه فضيلة، وعلامة الطهر والعفة والحياء والكمال، هذا محل إجماع، والمخالف في ذلك شيطان مريد.

    1.   

    أقوال الأئمة في تغطية الوجه عند خوف الفتنة

    الأمر الثاني: الوجه إذا كان يخشى من كشفه فتنة، وسيترتب بلايا ورزايا فإنه يجب ستر الوجه أيضاً بلا خلاف، سواء كان عورة أو لا، على الخلاف المعروف، واستمع للسادة الحنفية والمالكية وغيرهم ممن يرون أن الوجه ليس بعورة.

    يقول الأحناف كما في رد المحتار على الدر المختار في الجزء الأول صفحة سبع وأربعمائة، ومثل هذا في حاشية الطحاوي في الجزء الأول صفحة إحدى وتسعين ومائة، يقولون: تمنع الشابة من كشف الوجه لخوف الفتنة من الفجور بها والشهوة إليها، وأما كونهم لا يرون الوجه عورة فهذا موضوع آخر، إذا كان كشف الوجه سيؤدي إلى فتنة وجب ستره ولا يباح لها كشفه.

    وهكذا يقول المالكية كما في حاشية الدسوقي في الجزء الأول صفحة سبع وتسعين ومائة، يقولون: إن خشي بالنظر إليها فتنة، وجب عليها ستر وجهها على مشهور المذهب، ولذلك من ينقل بعض أقوال المذاهب ويقول: إنهم لا يقولون: بأن الوجه عورة ولا يتبعون نقلهم بهذا الحكم فهم لصوص خونة؛ لأنه إذا نقل قول الحنفية مثلاً بأن الوجه ليس بعورة، فينبغي أن ينقل حكم كشفه عندهم إذا كان يخشى فتنة بأنه يجب عليها أن تستره، وهكذا المالكية، بل قرر أئمتنا وجوب ستر المرأة لوجهها من المرأة أو من محارمها إذا خشيت فتنةً لها أو لغيرها، سبحان الله! أمن امرأة تتحجب؟ نعم، إذا كانت امرأة مساحقة خبيثة، كلما تنظر إلى المرأة تنظر إلى شعرها وعينيها وخدودها، وتجلس وتتحرك وهي تشتهيها، فنقول: إذا علمت بخبث هذه المرأة لا يجوز أن تكشفي جسمك أمامها، ولا وجهك أبداً، هذه اعتبريها كالرجل الكافر في النظر، مع أنها امرأة مسلمة، وكذلك إن كان عندها أخ أو ابن زوج أو ابن أخت لكنه شرير، نعوذ بالله منه، تراه يتجسس ويتلصص هنا وهناك، إذا علمت منه الخيانة تتحجب منه، مع أنها خالته أو عمته أو زوجة أبيه، وهذا مقرر عند أئمتنا، ولا أعلم في ذلك خلافاً.

    يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في الجزء الخامس عشر صفحة سبع وسبعين وثلاثمائة من مجموع الفتاوى في تفسير سورة النور، يقول: المرأة مع المرأة، والمرأة مع محارمها كابن زوجها، وابن أخيها، وابن أختها، متى خافت عليه أو عليها الفتنة توجه الاحتجاب عليها بل وجب.

    كما قلت: لا أعلم في وجوب ستر الوجه إذا خشي منه فتنة خلاف، وكشف الوجه في هذه الأيام يجعل الناس ينظرون قلة وكثرة فصارت فتنة لها ولزوجها، أوليس كذلك؟

    ينقل الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، وهذا ينبغي أن يكتب ويعلق على جبين من لا يدرون هذه القضية وهذا الحكم، لا في جدرانهم، ينقل في الجزء السابع صفحة مائة وأربع عشرة عن شيخ الإسلام ابن رسلان ، وهو أحمد بن الحسن بن الحسين ، توفي سنة أربعٍ وأربعين وثمانمائة للهجرة، من العلماء الربانيين الصالحين، شرح صحيح البخاري وسنن أبي داود ، وهكذا الشفاء للقاضي عياض ، وله كتب كثيرة، انظروا في كتاب الضوء اللامع في محاسن أهل القرن التاسع، للإمام السخاوي ، في الجزء الأول صفحة اثنتين وثمانين ومائتين، وانظروا ترجمته في شذرات الذهب في الجزء السابع صفحة ثمان وأربعين ومائتين في حوادث سنة أربع وأربعين وثمانمائة، وله نظم -لو حفظه الأولاد والنشء- الزبد في الفقه الشافعي، وختمه بأبيات لطيفة في التصوف، وأئمتنا يقصدون بالتصوف الزهد، ومجاهدة النفس لا يقصدون به رسوماً فلسفية فارغة، ويقول فيها ضمن أبيات قالها مما ينبغي أن يحفظه كل إنسان:

    وزن بحكم الشرع كل خاطرِ فإن يكن مأموره فبادرِ

    وإن يكن مما نهيت عنهُ فهو من الشيطان فاحذرنهُ

    أرجوزة ما ألطفها في الفقه! وختمت بعد ذلك في المواعظ والرقائق، يقول هذا الإمام المبارك فيما ينقله عنه الشوكاني في الجزء السادس صفحة مائة وأربع عشرة، يقول: اتفق المسلمون على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق، هذا كلام أئمتنا، وهذا في نيل الأوطار.

    كلام العلماء حول اعتبار الوجه عورة أو لا

    الأمر الثالث: بعد هذين الأمرين يأتي مبحث هل الوجه عورة أم لا؟ قلنا: وجوب الستر إذا خشي فتنة متفقون عليه، الستر عنوان الحياء، والفضيلة والكمال والطهر، هذا اتفقنا عليه، هل هو عورة أم لا؟ يعني إذا لم يخش فتنة، فيجوز النظر إليه، ويترتب عليه حقيقةً إذا وجد مصلحة من النظر، كحال الخاطب يجوز النظر له إذا لم يكن الوجه عورة ولمصلحة شرعية يجوز أم لا؟ هذا الذي اختلف فيه أئمتنا، فعند الجمهور أبي حنيفة ومالك والشافعي ، وهو أحد القولين للحنابلة: بأن الوجه ليس بعورة.

    والقول الثاني للإمام أحمد وللحنابلة الكرام: أن جميع بدن المرأة عورة حتى ظفرها، ولا يستثنى من بدنها شيء، كلها عورة، إنما يرخص لها أن تكشف في صلاتها الوجه والكفين.

    وأئمتنا عندما ذكروا هذا، ذكروا له أدلة، أريد فقط أن أجمع بين الدليلين بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وأن أمضي بالقولين في النهاية إلى قول واحد، والإمام ابن تيمية أراد أن يجمع بين القولين، ونعم ما قال: إن الوجه ليس بعورة، ونقل هذا عن ابن عباس وغيره رضي الله عنهم أجمعين، قولهم: هو الأصوب، ولكن قالوا هذا باعتبار ما كان في أول الأمر، ومن قال: إنه عورة ولا ينبغي أن يكشف، قوله صواب وهدى كقول عبد الله بن مسعود وغيره، لكن هذا الذي استقر عليه الأمر، فذاك باعتبار ما كان، وهذا باعتبار ما آل إليه الأمر، والقولان كما قلت في المذاهب الأربعة، فإذا كان هناك ترجيح وجاء المتأخرون وقالوا: هذا القول الذي هو أحد قولي الحنابلة هو الذي استقر عليه التشريع، ولا نقول: إن الأول باطل، بل كان في أول الأمر، ثم استقر الأمر على الأمر الثاني.

    وهذا يذكره الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في المجلد الثاني والعشرين صفحة مائة وعشرة وما بعدها، أقرأ عليكم خلاصة كلامه عليه رحمة الله يقول: حقيقة الأمر إن الله جعل الزينة زينتان: زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة، وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب، كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، كما يجوز النظر إليها؛ لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب في قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59]، حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج النبي عليه الصلاة زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها، فأرخى الستر، ومنع النساء أن ينظرن، يعني: إلى الرجال، ويصح أن يقال: ومنع النساء أن يُنْظَرن من قبل الرجال، يقول بعد ذلك: فلما أمر الله ألا يسألن -يعني: النساء- إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب: هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره، الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى أبو عبيد وغيره: أنها تدنيه من فوق رأسها، فلا تظهر إلا عينيها، ومن جنسه النقاب، فكان النساء ينتقبن، وفي الصحيح: (أن المحرمة لا تنتقب)، وتقدم معنا في المسند والبخاري والسنن الثلاث وصحيح ابن خزيمة والمقصود به: ستر الوجه، فكان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت المرأة ألا تظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، هذا في نهاية الأمر.

    فـابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين، فعندما قال ابن عباس في قوله: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31]، الوجه والكفين، الكحل والخاتم عندما قال هذا فهو باعتبار ما كان، وعندما قال ابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31]، قال: الجلباب، وأثر ابن مسعود ثابت في تفسير الطبري ومعجم الطبراني الكبير، ومستدرك الحاكم في الجزء الثاني صفحة سبع وتسعين وثلاثمائة بسند صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبي قال: الزينة زينتان: زينة تظهرها المرأة وهي الجلباب، فلا يحرم على الأجنبي أن يراها، وزينة باطنة لا تظهرها المرأة وهي الكحل والخاتم، ولا يطلع على هذا إلا الزوج والمحارم، فإذاً ماذا يظهر من المرأة؟ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31]، أي: جلبابها، وعليه لو أمكن أن تمشي بين الناس داخل صندوق لكان أستر لها ولوجهها، لكن ما يمكن، وماذا نفعل؟ لا حرج إن وقع النظر على الجلباب من غير قصد، ومع ذلك يجب صرف البصر، فـابن مسعود ذكر ما آل إليه الأمر، وابن عباس ذكر ما كان عليه الحال في أول الأمر رضي الله عنهم أجمعين.

    وهذا القول هو الذي رجحه شيخنا عليه رحمة الله في أضواء البيان في الجزء السادس صفحة سبع وتسعين ومائة، فقال: أظهر الأقوال وأحوطها وأبعدها عن الريبة وأسباب الفتنة قول عبد الله بن مسعود ، وهو الذي رجحه الإمام ابن الجوزي في زاد المسير في الجزء السادس صفحة إحدى وثلاثين، فقال: هذا القول أشبه الأقوال وأقواها وأولاها بالصواب.

    إذاً نجمع بين القولين ويزول الخلاف بعد ذلك.

    ردود العلماء على من استدل بحديث أسماء في جواز كشف الوجه

    فإن قيل: ماذا تفعل بالحديث الذي فيه الترخيص للمرأة بأن تظهر وجهها وكفيها، وهو ما رواه أبو داود والبيهقي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة ، عن خالد بن دريك عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: (دخلت أسماء على النبي عليه الصلاة والسلام وعليها ثياب رقاق فأعرض النبي عليه الصلاة والسلام عنها وقال: يا أسماء ! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى الوجه والكفين)، هذا الحديث قال أبو داود عليه رحمة الله عندما رواه: هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك أمنا عائشة ، وخالد بن دريك قال أئمتنا في ترجمته: ثقة يرسل، وحديثه مخرج في السنن الأربعة، قال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن أمنا عائشة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين ولم يدركهما، فحديثه منقطع، هذا بالاتفاق، هذه آفة أولى.

    آفة ثانية: سعيد بن بشير الأزدي ضعيف بالاتفاق، قال الحافظ في التقريب: ضعيف، توفي سنة ثمان أو تسع وستين بعد المائة، حديثه مخرج أيضاً في السنن الأربعة، فإذاً ضعيف ومنقطع، ثم جاء بعض المتأخرين يجتهدون لتصحيحه، كما اجتهدوا لتضعيف حديث (أفعمياوان أنتما)، الذي فيه الترمذي يقول: حسن صحيح.

    أمر ثالث على التنزل كما قالوا: إن له شواهد، وأتوا بترقيعات من هنا ومن هنا، شواهد نافية، وكشف الوجه كان قبل نزول آية الحجاب، فهل هذه تصلح أن تكون شواهد؟ تعالوا نبحث معكم في أمر ذكره أئمتنا ويقدم على كلامي.

    أما الذي ذكره أئمتنا فقالوا: على التسليم بصحة الحديث وتواتره، فهذا قبل نزول آية الحجاب، التي أوجبت على المرأة أن تستر وجهها، وعندنا هنا يبيح، فكل ما كان يبيح هذا باعتبار ما كان، وهذا يقوله شيوخ الإسلام، ولم أقله أنا، قال الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء السابع صفحة إحدى وستين وأربعمائة مع الشرح الكبير: إن صح الحديث فيحمل قبل نزول الحجاب، وهكذا يقول شيخنا عليه رحمة الله في أضواء البيان في الجزء السادس صفحة سبع وتسعين وخمسمائة، يقول: إن صح وقلنا ليس به آفة وجبر ما فيه من ضعف، فهذا باعتبار ما كان واسترحنا منه.

    أنا أقول: لو صح وليس باعتبار ما كان، وثبت التاريخ أنه بعد نزول آية الحجاب، فمعنى الحديث فيما يبدو لي والعلم عند ربي: (إذا بلغت المرأة المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا)، أي: لأمر شرعي جائز، من شهادة، أو خطبة، أو غيرها، وهذا يقرر ما تقدم معنا قول المذاهب الأربعة المتبعة: لا يجوز النظر إلى المخطوبة إلا إلى الوجه والكفين، وما عداه لا يجوز النظر إليه لا كما قال الظاهري : صورة عارية! فهذه سفاهة ليس بعدها سفاهة، فهنا إذا بلغت المحيض لا يجوز أن تراها لسبب وحاجة إلا في هذين العضوين وهما: الوجه والكفان وليقتصر، هذا فيما يبدو لي، ولو رأيته عن أئمتنا لقدمته على غيره فهو أقوى الأقوال، لكني لم أجده في كتاب، فالقاضي ينظر إلى الوجه والكفين لحاجة شرعية، وهي الشهادة، والخاطب ينظر لحاجة شرعية، فإذاً: كأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: المرأة إذا بلغت تصان عن النظر إليها مطلقاً، وإذا دعت حاجة إلى النظر إليها فليقتصر الناظر على هذين الأمرين، ولو هنا من باب التنزل.

    ثم التنزل الرابع: هل يعقل أن يثبت هذا الحديث وهو: (إذا بلغت المرأة المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا)؟ فيصلح أن ننظر إليها بإطلاق، ويكون النظر إلى وجوه النساء جائزاً، كيف يصح هذا مع الأحاديث المعارضة المتواترة التي تنهانا عن النظر، منها ما في المسند وصحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي والدارمي ، وإسناد الحديث كالشمس وهو في صحيح مسلم ، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة؟ فقال: اصرف بصرك)، فلو كان النظر جائزاً لما أمره بصرف بصره، بل في نظر الفجأة. فإن قيل: هل يشترط أن النساء يمشين مكشوفات؟ الجواب: أنت مثلاً عندما تذهب إلى بيتك قد يكون بيت الجيران مفتوحاً، فيسبق النظر، فترى أحياناً ما هو أشد من الوجه وأكثر، فلا يجوز أن تتبع النظرة نظرةً أخرى، فلك الأولى وليست لك الثانية، هذه نظرة فجأة. أما في حديث أسماء فإنه لم يأمر بصرف البصر، وعليه فيجوز لنا أن نأتي بامرأة تكشف الوجه وننظر إليها ونقول: رخص لنا، هذا كلام باطل.

    والحديث الثاني: في المسند وسنن أبي داود والترمذي ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي من رواية بريدة رضي الله عنه، ورواه الإمام أحمد والحاكم في المستدرك من رواية علي رضي الله عنهم أجمعين، والطريقان صحيحان، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـعلي : (يا علي ! لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة)، إذاً هذا مما يقرر خلاف معنى الحديث: (لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا)، أليس كذلك.

    الاستدلال بوجوب تغطية القدمين على تغطية الوجه

    وأختم هذه الأمور الثلاثة بإشارة أقول لمن يطنطنون حول كشف الوجه، وأنه يباح كشفه: هل يجوز كشف الرجلين؟ هذا بالإجماع لا، إلا عند هؤلاء السفهاء، فإنه يجوز بل وتكشف الفخذين كما سيأتينا، والذين لا زال عندهم التزام، يقولون: نحن إنما نبحث المسألة بحثاً علمياً فقط، فيقال لهم: هل يجوز أن تكشف المرأة الرجلين؟ فإن قالوا: نعم، قولوا لهم: تخالفون النبي عليه الصلاة والسلام، وإن قالوا: لا، قولوا: هل الفتنة بالرجلين أكثر أو بالوجه؟ هل يجوز في حكمة الحكيم الخبير أن يحرم كشف القدمين ويبيح كشف الوجه؟! الرجلان يجب سترهما، والوجه يجب كشفه، استمع للحديث ولغيرة النساء ومحافظتهن على أعراضهن، ثبت في السنن الأربعة من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)، فإذا جررت ثوبك ونزل عن الكعبين لم ينظر الله إليك، فما الشأن في النساء، (فقالت أم سلمة -هذه من بيت النبوة، ونور النبوة دائماً سيثور- فكيف يصنع النساء بذيولهن؟) تعني: إذا لم نرخ الذيول، كيف سنفعل؟ أي: نقصر الملابس مثل الرجال؟ (قال: ترخينه شبراً، قالت: إذاً تنكشف أقدامهن)، القدم لا يجوز أن يظهر، ولو جعلنا القدم يمشي على الأرض، والنساء لم تكن تلبس الجوارب، فعندما تمد رجلها وتمشي يبدو القدم، (قال: يرخينه ذراعاً ولا يزدن)، والحديث روي أيضاً من رواية أمنا أم سلمة مباشرةً ليس من رواية ابن عمر في الموطأ وأبي داود والنسائي وابن ماجه .

    إذاً: ستر القدمين واجب بالاتفاق، ولو احتكمنا إلى من عنده عقل صريح وفهم صحيح وقلنا له: هل هناك شريعة حرمت كشف القدمين وأباحت كشف الوجه؟ سيقول: يا عباد الله! أما عندكم عقول؟ الفتنة لا تحصل إلا بالوجه، ولو قلنا للخاطب: هذه مخطوبتك فانظر إليها لرجلها ولظهرها، ولكن الوجه لن تراه، أقول: ما بقي عندنا عقول تردعنا عن غينا.

    1.   

    الرد على بعض السفهاء الذين يحرمون النقاب

    بعد هذا التحقيق اسمعوا لسفاهة هؤلاء السفهاء، فهذا البيطري ألف كتاباً سماه: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، وفق القواعد المستمدة من علمي الأصول والحديث، أقول: في أي وقت برز أهل الطب البيطري في علمي الحديث والأصول يحققون الشريعة، ويستدركون على أئمة الإسلام.

    انظر ماذا يقول هذا السفيه الضال حول حديث أسماء الذي أسلفناه؟ يقول في صفحة سبع وتسعين ومائة، وهذا عن أسماء بنت أبي بكر : (كنا نغطي وجوهنا بين الرجال، وكنا ننكشف قبل ذلك في الإحرام)، تقدم معنا الأثر وقلنا: صحيح رواه الحاكم في المستدرك، وزيدوا عليه: رواه ابن خزيمة في صحيحه في الجزء الرابع صفحة ثلاث ومائتين. هذا من باب الأمانة العلمية.

    وعندما قرأت كلامه تعجبت ثم رجعت ولم يكن عندي علم، من أين سرق هذا الكلام؟ فقلت: هذا عنده تحقيق برجال الحديث، ومن أجل الأمانة العلمية يقول: إنه على شرط مسلم وحده، أوليس كذلك؟ وقلنا: إن كلامه باطل؛ لأن زكريا بن عدي روى له البخاري ومسلم وأهل السنن الأربعة إلا أبا داود فلم يرو له في السنن إنما روى له في المراسيل، يقول: زكريا بن عدي : لم يرو له البخاري شيئاً في جامعه الصحيح ولا في غيره، وبذلك لم يتحقق فيه إلا شرط مسلم وحده، يقول: وقد ذكرنا هذا من باب حصول الفائدة لا أكثر، وقلت لكم: حدث البخاري عن زكريا بن عدي في صحيحه لكن بواسطة فهو من رجاله، كما نقلت ذلك عن الذهبي من مصدرين في السير وفي الكاشف.

    هذا الكلام خلال بحثي في هذا اليوم وإن تبين لي بأن الشيخ الألباني قاله، وهذا سرق كلامه منه، والألباني بعد ذلك ذكر ما يعارضه، ولا أعلم على أي شيء استقر الشيخ الألباني ، ولكن أورد هذا في كتاب الحجاب صفحة خمسين، يقول: أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ، ويقول: وإنما هو على شرط مسلم وحده، إذاً: هذا سارق من كلام الألباني ، ووالله إنه أقل من أن يعرف شرط الشيخين أو شرط غيرهما؛ لأن زكريا بن عدي في إسناده إنما روى له البخاري في غير الجامع الصحيح، وانظر في إرواء الغليل في الجزء الرابع صفحة مائتين واثنتي عشرة يقول: أخرجه الحاكم وهو صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا.

    إذاً هنا يقول: على شرط الشيخين، وفي الحجاب على شرط مسلم ، فعلى أي شيء استقر الشيخ الألباني ؟ لا أعلم، فالأمر يحتاج إلى اتصال به، وإسماعيل منصور هذا الكلام ليس من ذهنه ولا من بحثه، وهو لا يعرف لا تقريب التهذيب ولا تهذيب التهذيب، هذه القضية الأولى.

    القضية الثانية: يقول: قد رأى البعض أن في الحديث دليلاً على غطاء الوجه وقايةً من نظر الرجال لعموم النساء في الإحرام لإخبار أسماء بنت أبي بكر عن نفسها؛ لعموم النساء اللائي كن معها في ذلك، وهذا أمر لا يستقيم إطلاقاً من الناحية الشرعية، وذلك للأسباب العلمية التالية.

    انتبه كيف يترك محل البحث، قال: إنهم استدلوا على ما ذهبوا إليه بحديث آخر أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي إلى آخره: (كان الركبان يمرون بنا)، الحديث.

    ثم يقول: واتخذوا من هذا الحديث سبيلاً لتقوية استدلالهم على ما ذهبوا إليه لفهم هذا الحديث الذي نحن بصدده، ذاكرين أن حديث عائشة رضي الله عنها يأخذ درجة الحسن بالشواهد، يقول: ومثله لا يقوى باعترافهم أنفسهم بقولهم: إنه حسن للشواهد وليس حسناً لذاته ولا صحيحاً، لا يقوى على إقامة حكم شرعي بحال من الأحوال، ثم إننا بعد التحقيق تبينا أن الحديث إنما هو ضعيف، ومثله يستحيل أن يقوم به حكم تكليفي بحال الحكم بقبوله.. إلى آخر هذيانه، ماذا تريد الآن من حديث أمنا عائشة؟ نحن الآن في حديث أسماء تقدم معنا أنه على شرط الشيخين في المستدرك وفي صحيح ابن خزيمة .

    يقول أيضاً في هذا الشأن سفيه ثالث: يبدو أن هذا التعارض الواضح قد ألجأ البعض إلى محاولة لحل المشكلة، فزعم أن المفهوم من النص هو مجرد التغطية الخبيثة وليس الانتقاب الثابت على الوجه، ولا ندري من أين أتوا بهذا القول؟ ولعلهم أتوا به من رواية أخرى عن فاطمة بنت المنذر : (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر )، ونحن نقول تعقيباً عليها: إن قول فاطمة بنت المنذر عن جدتها أسماء لم يثبت، ولا نعرف له سنداً، هذا الأثر رواه مالك بإسناد صحيح كالشمس، ولكن هذا السفيه النكرة الذي يعيش مع الجهلة، ما الذي أجاز له الكلام في كتب السنة؟ لقد بوب عليه الإمام مالك، باب تخمير المحرم وجهه، يقول هذا السفيه: لم يثبت، ولا نعرف له سنداً، اللهم إلا أنه ورد بصيغة التمريض التي لا يعتد بها في الإثبات، فضلاً عن معارضة معناها لعموم النهي النبوي الشريف عن تغطية وجوه النساء في الإحرام بالنقاب.

    ثم انتبه لسفاهته بعد ذلك وهي التي ختم بها الكلام، يقول: إن السبب الحقيقي وراء هذه التخبطات والأقوال الشاذة والآراء الفاسدة، هو أنكم تؤسسون أحكاماً شرعيةً على مجرد تفسيرات وتأويلات من تحبونهم من المشتغلين بعلوم الدين.

    أقول: وأي منقصة إذا أسسنا ديننا على ما قرره أئمتنا كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والإمام النووي وابن القيم وابن تيمية؟ وهل تريد منا أن نعزل النصوص عن فهم هؤلاء ونتسور عليها مثلك أيها الدابة؟ يقول: أنتم تفهمون الدين على حسب ما فهمه أئمتكم، وهذا مخالف تماماً لمنهاج الكتاب والسنة الذي يسير مع الدليل العلمي الموضوعي وليس الشخصي حيثما سار، فانظروا في أمركم، وأعلو منزلة دينكم عن الآراء والأقوال، فإن الوحي لا يستوي معه كلام سائر البشر مهما كان، ومن أي شخصٍ كان.

    يبقى بعد ذلك كله أن نقول: فما معنى هذا الحديث الذي نحن بصدده؟

    لقد ذكر تأويلاً لحديث أسماء لو عرضناه على الحيوانات التي يعالجها لرفضت ورفعت رأسها وقالت: هذا ما نقبله، ولا يمكن أن يقول به مخلوق، انتبه لتأويل أثر أسماء ، يقول: إن هذا الحديث الذي تقول فيه أسماء بنت أبي بكر : (كنا نغطي)، يفيد شيئاً آخر هو: أنها رضي الله عنها تحكي بصدق -ولا شك- عن أمرين كان كل النساء يفعلنهما قبل ذلك في الإحرام، ثم جاء الشرع بعد ذلك بالنهي عنهما، فامتنع الرجوع إليهما بعد تمام الدين، وهذا هو ما يجمع بين النصوص بلا تعب.

    قل: كنا نخمر وجوهنا ونكشف قبل الإحرام، يعني كنا في أول الأمر.

    فالسؤال: كم حج النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل حج أربعين حجة وكانت معه أسماء تسعاً وثلاثين، ونهاها بعد ذلك في الأربعين؟ لا إله إلا الله! لا أدري ماذا نقول لهذا الدابة، الذي يمشي على رجليه؟ وهذا الكلام تحت عنوان عريض: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، ويقول: ستر الوجه في الزنا أخف وزراً من التي تغطي وجهها، لم يقل التي تسفر عن وجهها، أو التي تسفر عن فخذيها، بل قال: ولو كشفت عن فخذيها فهي عاصية من وجه واحد، أما هذه فعاصية من وجهين، يقول: بالحجاب صارت متكبرة علينا، وعصت الله، فهذه معصية، فكل واحدة خالفت الأمر، تلك كشفت عن الفخذين وهذه غطت الوجه، كل منهما معصية، لكن غطاء الوجه أشد من معصية كشف الفخذين ...

    ثم انتبه بعد ذلك لضلاله عندما أتى قصة العابدة القانتة الفقيهة حفصة بنت سيرين وعلق عليها بكلام، إذا قرأه إنسان يبكي ويضحك في آن واحد، أنا أعجب كيف ابتليت هذه الأمة الإسلامية بهؤلاء السفهاء! يأتي بكلام حفصة بنت سيرين الذي ذكرته، وأنها كيف كانت تتحجب وهي قاعد، يقول: هي على خطئها وضلالها وبطلانها قول عاصم لها: يرحمك الله، دليل على أنها عاصية، فهي عابدة وليست عالمة، لا تعلم شيئاً في الفروع فضلاً عن الأصول، أقول: هذه هي نتيجة الجهل فمن الذي يعرف الأصول صاحب الطب البيطري، فكلامه في هذه القضية يعجب الإنسان منه غاية العجب، ولعلني أتكلم على هذا إخوتي الكرام فيما يأتي، وعلى بقية هذه السفاهات التي ذكرت في هذه الكتب وهي نماذج لما يذكر في هذا الحين، ويراد منه تقويض الحياة عند المسلمات في هذا الزمن الذي نعيش فيه.

    إخوتي الكرام! ختام الكلام ستر الوجه هو علامة حياء المرأة في كل وقت، وإذا كشفت المرأة عن وجهها فقد نزعت حياءها، وخرجت عن النساء الكاملات الفضليات، أما بعد ذلك ما حكم ذلك الكشف؟ أيضاً يأتينا الكلام فيه ويأتينا الرد على المخالفين الذين ضلوا وأضلوا من حيث يدرون أو لا يدرون، وعلى هؤلاء السفهاء الذين هم لا في العير ولا في النفير بل تهجموا على شريعة الله المطهرة، وظلوا يفترون عليها ويضللون عباد الله، نسأل الله أن يكفينا شر كل ذي شر إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين آمين.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.