إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء [1]

شرح الترمذي - باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • روي حديث دخول الخلاء: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) عن عدة من الصحابة، منهم زيد بن أرقم، وفيه اضطراب في شيخ قتادة وفي شيخ شيخه في أربع روايات، والحديث صحيح بمجموع طرقه الأخرى. وهذا الذكر يقال عند قضاء الحاجة، ويستوي في ذلك البناء والصحراء فيقال في البناء قبل دخول الحمام، ويقال في الصحراء عند تشمير الثياب، وهذا قول جماهير العلماء، ولم يخالف في ذلك إلا مالك، فعنده لا مانع من أن يقال ذلك في الحمام. وهناك أذكار أخرى وردت في ذلك وهي ضعيفة لا تصح.

    1.   

    الكلام على اضطراب إسناد حديث زيد بن أرقم في الاستعاذة عند دخول الخلاء

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فلا زلنا نتدارس الباب الرابع من أبواب الطهارة من جامع أبي عيسى الترمذي رحمه الله، وهذا الباب عنوانه: ما يقول إذا دخل الخلاء، وقد روى الترمذي حديثين عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه في هذا الباب، وساق هذين الحديثين عن ثلاثةٍ من شيوخه: عن قتيبة بن سعيد ، وهناد بن السري ، وعن أحمد بن عبدة الضبي رحمهم الله أجمعين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبيث، أو من الخبث -بسكون الباء- والخبائث، أو الخبث -بضم الباء- والخبائث)، وهذه الروايات الثلاث سيأتينا تفصيل الكلام عليها وضبطها إن شاء الله.

    قال الترمذي : حديث أنس أصح شيءٍ في هذا الباب وأحسن، ثم قال: وفي الباب عن علي ، وزيد بن أرقم ، وجابر ، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.

    كنا ذكرنا في المبحث السابق ما يتعلق بإسناد حديث زيد بن أرقم الذي حكم عليه الترمذي بأن في إسناده اضطراباً، فقال: وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب. وحتى نحدد مكان الاضطراب، وأين وقع الاختلاف في إسناد رواية حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه؟

    نقول: الاضطراب وقع بعد قتادة ، يعني: في شيخ قتادة حصل اضطراب، وفي شيخ شيخ قتادة ، عندنا اضطرابان:

    أولاً: أربعة رووا عن قتادة هذا الحديث وهم: هشام الدستوائي الذي تقدمت ترجمته، وسعيد بن أبي عروبة ، وشعبة ، ومعمر ، فهؤلاء الرواة الأربعة رووا عن قتادة ، وتأمل كيف كانت روايتهم لحديث زيد بن أرقم ، عن قتادة .

    الرواية الأولى: رواية سعيد بن أبي عروبة وروى عن قتادة ، عن شيخ قتادة وهو: القاسم بن عوف الشيباني ، عن زيد بن أرقم .

    الرواية الثانية: رواية هشام الدستوائي وروى عن قتادة ، عن زيد بن أرقم مباشرةً، فحذفت الواسطة وهي القاسم بن عوف الشيباني .

    الرواية الثالثة: رواية شعبة ، رواها عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن زيد بن أرقم .

    الرواية الرابعة: رواية معمر ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس عن أنس بن مالك.

    إذاً: عندنا اضطرابٌ في شيخ قتادة ، فرواية هشام جعلت شيخ قتادة هو زيد بن أرقم مباشرةً، ورواية سعيد بن أبي عروبة جعلت شيخ قتادة هو: القاسم بن عوف الشيباني ، عن زيد ، ورواية شعبة جعلت شيخ قتادة ، النضر بن أنس رضي الله عنه ورواها عن زيد بن أرقم ، ورواية معمر جعلت شيخ قتادة، النضر بن أنس، لكنه رواه عن أنس، لا عن زيد.

    قال الترمذي : وهذا اضطراب، واختلفوا في هذا الإسناد: فتارةً قتادة يحدث أنه سمعه بنفسه من زيد ، وتارةً بواسطة القاسم بن عوف الشيباني ، وتارةً بواسطة النضر بن أنس ، عن زيد بن أرقم .

    إذاً: وقع الاضطراب في شيخ قتادة ، وهناك اضطرابٌ ثانٍ في شيخ النضر : في رواية شعبة يقول: شعبة عن قتادة ، عن النضر عن زيد ، وفي رواية معمر : معمر عن قتادة ، عن النضر ، عن أنس وهي وهمٌ قطعاً كما قرر ذلك البيهقي ، فرواية أنس هذه خطأ، إنما هي النضر عن زيد .

    وقتادة روى عن القاسم وعن النضر بن أنس ، وهذا هو الذي قاله البخاري فيما نقله عنه تلميذه الترمذي ، قال أبو عيسى : سألت محمداً عن هذا فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعاً. ينبغي أن يضيف إليها وروى عن زيد بنفسه دون واسطة أحدٍ من شيوخه.

    لكن يبقى عندنا إشكال في بعض الروايات التي رواه بنفسه مباشرةً أو بواسطة، فقد روى مرةً الحديث عن النضر بن أنس ، عن زيد ، ومرة رواه عن القاسم بن عوف الشيباني ، عن زيد ، وتارةً رواه بنفسه، عن زيد ، هذا الاختلاف في الإسناد حكم عليه الإمام الترمذي بأنه اضطراب.

    1.   

    وقوع الاضطراب في الحديث وصوره

    عندنا في أبحاث المصطلح قسم من أقسام الحديث وهو بعنوان: الحديث المضطرب. وهو: اسم فاعل من الاضطراب، وهو: الاختلال والفساد وعدم الانتظام، هذا معنى الاضطراب.

    وأما الحديث المضطرب في الاصطلاح فكما عرفه أئمتنا: الحديث الذي يروى على أوجهٍ مختلفةٍ متقاربة، وهذه هي عبارة النووي في التقريب.

    وقال ابن الصلاح : الحديث الذي يروى على أوجهٍ مختلفةٍ متساوية.

    وقال بدر الدين بن جماعة : الحديث الذي يروى على أوجهٍ مختلفةٍ متقارنة.

    وعبارات الأئمة الثلاثة بمعنى واحد، إما أن نقول: متقاربة، أو متساوية، أو متقارنة؛ لأنه لو كانت بعض الروايات أرجح من بعض وأقوى فهي المقدمة، والأخرى يحكم عليها بالشذوذ، لكنها هنا أوجهٌ مختلفة متقاربة القوة، فهي وإن كانت متضاربة مع بعضها لكنها في درجةٍ واحدة؛ متقاربة في القوة، أو متساوية في القوة، وهذا هو الحديث المضطرب.

    الاضطراب يقع في الإسناد وفي المتن كما قال شيخ الإسلام زين الدين عبد الرحيم الأثري عليه رحمة الله في ألفيته مشيراً إلى الحديث المضطرب بأربعة أبياتٍ في ألفيته، فلنضبط هذه الأبيات، وكلما مر معنا نوعٌ من أنواع علوم الحديث أذكر أبيات العراقي في الألفية، يقول عليه رحمة الله:

    مضطرب الحديث ما قد وردا مختلفاً من واحدٍ فأزيدا

    في متنٍ أو في سندٍ إن اتضح فيه تساوى الخلف أما إن رجح

    بعض الوجوه لم يكن مضطرباً والحكم للراجح منها وجبا

    كالخط للسترة جمُّ الخلف والاضطراب موجب للضعف

    هذه الأبيات الأربعة سأشرحها بإيجاز، ثم أبين نوعي الاضطراب: اضطراب في السند -وهذا الحديث مثال له- واضطراب في المتن.

    مضطرب الحديث ما قد وردا مختلفاً من واحدٍ فأزيدا

    فقوله: (من واحدٍ) يعني: الراوي بنفسه اضطرب: فتارةً رفع، وتارةً وصل، وتارة ذكر شيخاً آخر، وتارةً لم يذكره، فهو بنفسه روى الحديث على أوجهٍ مختلفة، أو أن الرواة اختلفوا فيما بينهم، وكانت رواياتهم في درجةٍ واحدة، لكنها اختلفت، فهذا يقال له: اضطراب؛ لأن هذا يدل على عدم الضبط والإتقان، وبالتالي فالحديث المضطرب نوعٌ من أنواع الضعيف؛ لعدم الحفظ والإتقان والضبط فيه.

    مضطرب الحديث ما قد وردا مختلفاً من واحدٍ فأزيدا

    وسواءٌ اضطرب فيه واحد واختلف في الرواية ولم يضبط، أو أن الرواة اختلفوا. وقد يقع هذا في المتن. ويسمى الاضطراب في المتن، ومثال الاضطراب في المتن: ما رواه الترمذي من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في المال لحقاً سوى الزكاة)، ورواه ابن ماجه في سننه عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في المال حقٌ سوى الزكاة)، فرواية الترمذي : (إن في المال لحقاً سوى الزكاة)، ورواية ابن ماجه : (ليس في المال حقٌ سوى الزكاة)، وهذا اضطرابٌ في المتن؛ لأن هذا أثبت، وذاك نفى.

    وقد مثل بعض أئمتنا للاضطراب في المتن بهذا الحديث على أن بعض أئمتنا كما فعل الشيخ زكريا الأنصاري قال: لا اضطراب في هذا الحديث، فحديث الترمذي فيه ميمون الأعور أبو حمزة وهو ضعيف، فلا يقاوم حديث ابن ماجه ، ونحن اشترطنا للاضطراب أن تكون الأوجه متساوية في القوة، وعليه فلا يقاوم حديث الترمذي ، حديث ابن ماجه ، قال: ولو ثبتت صحته ومساواته له في قوة حديث ابن ماجه -تنزلاً-، فيبقى معنا الجمع بينهما لدفع دعوى الاضطراب فقوله: في رواية ابن ماجه: (ليس في المال حقٌ سوى الزكاة)، هذا لنشر الحق الواجب، وقوله في رواية الترمذي : (إن في المال لحقاً سوى الزكاة)، هذا في الحق المندوب إليه، وهو المستحب، وهو الصدقة وأعمال البر، وعليه فيكون النفي من جهة والإثبات من جهة أخرى، ولم يتوارد النفي والإثبات في جهةٍ واحدة حتى يحصل التعارض والاضطراب والاختلاف، (إن في المال لحقاً سوى الزكاة)، من وجوه البر والضيافة، والمعروف، والصدقة، والإحسان، (ليس في المال حقٌ سوى الزكاة)، أي: حقٌ واجب، على أنه يمكن أن تقول: (ليس في المال حقٌ سوى الزكاة)، (وإن في المال لحقاً سوى الزكاة)، الحق الذي يجب عندما يتعين عليك، وإن لم يكن واجباً في الأصل.

    وكنت فصلت هذا في مباحث سابقة وقلت: من الحقوق الواجبة والتي هي في الأصل ليست بواجبة ولكنها قد تتعين على الإنسان أحياناً، كما لو أدركت مضطراً لطعام جائع، ولو لم تطعمه لمات وجب عليك أن تطعمه، ولو كان عندك من الطعام ما يكفيك، فينبغي أن تقسمه بينك وبينه لتنقذ حياته، وإلا تكون قد قصرت وفرطت، فهذا الحق حقٌ اضطراري يقع أحياناً على سبيل الندرة، وهو الذي أشار إليه الحديث، وهذا وجهٌ ثانٍ من أوجه الجمع، (ليس في المال حقٌ سوى الزكاة)، هذا في نشر الحق الواجب الثابت بأصل الشرع، (إن في المال لحقاً سوى الزكاة)، إما أن نقول: على الحق واجب، وإما أن نقول: الحق الذي يتعين عليه دون أن يكون واجباً بالأصل، إنما يتعين عليك؛ لأنه ما علم بحاجته إلا أن تتعين عليك مساعدته، والعلم عند الله جل وعلا.

    إذاً: وقوله: (في متنٍ أو في سندٍ) -كما تقدم معنا- هذه أقسام الاضطراب.

    وقوله: (إن اتضح، فيه تساوى الخلف)، يعني: أن الاضطراب عند تساوي الاختلاف، أما لو كان أحد الطريقين خالف الطريق الأخرى وهو قوي وذاك ضعيف فلا اضطراب، فالقوي يقدم والضعيف مردود، وأما مع ترجح بعض الوجوه فهو ما أشار إليه بقوله: (أما إن رجح بعض الوجوه لم يكن مضطرباً، والحكم للراجح منها وجبا).

    ثم ذكر مثالاً للمضطرب في الإسناد فقال:

    كالخط للسترة جم الخلف والاضطراب موجبٌ للضعف

    (كالخط للسترة جم)، بمعنى: كثير، (جمٌ الخلف)، أي: كثير الاختلاف في هذا الحديث، اختلف الرواة اختلافاً كثيراً فيه، والحديث رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي ، وهو حديثٌ ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط في الأرض خطاً ثم لا يضره ما مر أمامه)، (فليخط في الأرض خطاً)، قال أئمتنا: اختلف على راويه إسماعيل بن أمية اختلافاً كثيراً، اختلاف في الإسناد وهذا -كما قلت- مثالٌ للاضطراب في الإسناد، قال الناظم:

    كالخط للسترة جم الخلف والاضطراب موجبٌ للضعف

    هذا ما يتعلق بالحديث المضطرب على وجه الإيجاز، وقول الترمذي : وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطرابٌ. روى هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، فقال سعيد : عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم ، وقال هشام : عن قتادة ، عن زيد بن أرقم ، فحذف القاسم بن عوف . ورواه شعبة ومعمر عن قتادة ، عن النضر ، وقال شعبة : عن النضر بن أنس ، عن زيد بن أرقم ، وقال معمرٌ : عن النضر بن أنس ، عن أبيه يعني: أنس ، عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال أبو عيسى : سألت محمداً عن هذا فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعاً، أي: عن القاسم بن عوف الشيباني، وعن النضر بن أنس ، قلت: ولا يمكن أن نتخلص من الإشكال إلا أن نضيف: وروى عن زيد بن أرقم بنفسه، وعليه إن شاء الله يمكن أن يزول الاضطراب بعد ذلك والعلم عند الله جل وعلا، هذا فيما يتعلق بالحديث الأول، والكلام الذي ذكره الإمام الترمذي حول حديث زيد بن أرقم رضي الله عنهم أجمعين.

    ما يتعلق بالحديث المضطرب إن شئتم أن ترجعوا إليه فارجعوا إلى الألفية وشرحها في الجزء الأول، صفحة أربعين ومائتين، الألفية وشرحها للعراقي ، وانظروا تدريب الراوي في صفحة مائة وتسعٍ وستين إلى صفحة مائة وواحد وسبعين في الحديث المضطرب.

    1.   

    ترجمة أحمد بن عبده الضبي وبراءته من النصب

    الحديث الثاني وكنا لم نتجاوز إسناده في المباحث الماضية وسنتكلم فيه عن رجلين فقط، ثم ننتقل إلى بيان فقه الحديث ومعناه إن شاء الله.

    ترجمة أحمد بن عبده الضبي

    أما الإسناد الثاني: أخبرنا أحمد بن عبدة الضبي البصري ، وشيخ الترمذي كـقتيبة ، وهناد رحمهم الله جميعاً. هو أحمد بن عبدة بن موسى أبي عبد الله البصري ، ثقة، ولا شك في توثيقه، لكنه: رمي بالنصب، فهذه المقولة هي التي سنقف عندها؛ لأنها باطلةٌ لا حقيقة لها، ذكرها الحافظ في تقريب التهذيب فقال: إنه ثقةٌ رمي بالنصب، من العاشرة، توفي سنة خمسٍ وأربعين يعني: بعد المائتين، أخرج حديثه مسلم في صحيحه، وأهل السنن الأربعة، انتهى كلام ابن حجر . ولقد روى له البخاري في غير الجامع، كما روى له البزار وأبو يعلى ، وهو من أئمة الهدى وأعلام الخير.

    براءة الضبي من تهمة النصب

    قوله: (رمي بالنصب) كما في تقريب التهذيب، يخالف ما ذكره الحافظ ابن حجر في موضعين:

    الأول: في كتابه هدي الساري فقد ذكر عند ترجمة من وصفوا ببدعةٍ من رجال البخاري الكثير وتكلم عليهم، لكنه لم يتعرض لـأحمد بن عبدة ولم يذكر أنه رمي بذلك، وهو وإن لم يكن من رجال البخاري لكنه جعل كلامه في هدي الساري كل من تكلم عليه، ورمي ببدعةٍ، سواءٌ كان من رجال الصحيح أو لا.

    الموضع الثاني: في تهذيب التهذيب في الجزء الأول، صفحة تسعٍ وخمسين في ترجمته، يقول: قال النسائي : ثقة، ثم يقول: مات في رمضان سنة خمسٍ وأربعين ومائتين، قلت: والقائل: الحافظ ابن حجر ، هكذا ذكر ابن حبان وفاته في كتاب الثقات، وروى عنه البخاري في غير الجامع والبزار وأبو يعلى ، وتكلم فيه ابن خراش ، فلم يلتفت إليه أحدٌ للمذهب.

    ابن خراش رافضيٌ خبيث، تكلم في أحمد بن عبدة ، والحافظ في التهذيب لم يذكر حتى كلامه، بل قال: تكلم فيه ابن خراش فلم يلتفت إليه أحد، لماذا؟ للمذهب، يعني: للخلاف بين السنة والرافضة، فـابن خراش رافضي طعن فيه، فهل طعن الرافضة في أهل السنة معتبر؟ حتى الحافظ في التهذيب ما ذكر نوع الطعن ما هو؟ فكيف بالتقريب الذي يذكر فيه الحكم المعتمد؟ وخلاصة ما يحكم به على الرجل في سطر أو نصف سطر، فكيف يرميه بالنصب، مع أنه في التهذيب ما ذكر هذا؟

    وهذه ترجمته من التهذيب: أحمد بن عبدة بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري ، روى عن حماد بن زيد ، ويزيد بن زريع ، وفضيل بن عياض ، وابن عيينة وغيرهم.

    وعنه: الجماعة إلا البخاري ، وعثمان بن خرزاذ أبي الدنيا ، وروى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وقالا: ثقة، وابن خزيمة ، وأبو القاسم البغوي وعدة، وقال النسائي : ثقة، وفي موضعٍ آخر: لا بأس به، مات في رمضان سنة خمسٍ وأربعين ومائتين، قلت: هكذا ذكر ابن حبان وفاته في كتاب الثقات، وروى عنه البخاري في غير الجامع والبزار وأبو يعلى ، وتكلم فيه ابن خراش فلم يلتفت إليه أحدٌ للمذهب. انتهى كلامه ولم يذكر فيه شيءٌ عن النصب، فكيف ذكر في التقريب أنه رمي بالنصب يعني: بالطعن في علي وآل البيت، وهو لم يورد هذا في الكتاب المطول؟

    فلذلك أنا في شكٍ من هذه العبارة الموجودة في تقريب التهذيب، وهي قوله: (رمي بالنصب)، فإنه: بريءٌ من ذلك كبراءة الذئب من دم نبي الله يوسف على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، نعم رماه هذا الرافضي الخبيث بالنصب، وأنه يبغض آل البيت، كما يروون الرافضة عن السنة قاطبةً، ويدعون أن الذي لا يعادي الصحابة فهو ناصبي، فإذا أنت لم تشتم أبا بكر وعمر فأنت ناصبي، أعوذ بالله! يقولون: لا ولاء إلا ببراءة، والمعنى: أنه لا تحصل ولايتك لآل البيت إلا أن تتبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان ، وهل حب أبي بكر وعمر نصب؟ هذا كلامٌ باطل، كما أننا إذا أحببنا آل البيت أيضاً لا نكون روافض، فطريقة أهل السنة حب الصحابة وفي مقدمتهم أهل البيت الطيبين الطاهرين.

    فـابن خراش طعن في أحمد بن عبدة شيخ الترمذي ، لكن طعنه مردودٌ عليه، يقول الذهبي في ميزان الاعتدال: أحمد بن عبدة روى له مسلم وأهل السنن الأربعة، الضبي البصري روى عن حماد بن زيد وغيره ووثقه أبو حاتم والنسائي ، وقال ابن خراش : تكلم الناس فيه، فلم يصدق ابن خراش في قوله هذا، فالرجل حجة. انتهى كلام الذهبي وما زاد على ذلك شيئاً، وأما في كتابه سير أعلام النبلاء وفي كتابه تذكرة الحفاظ، وفي كتابه ميزان الاعتدال في ترجمة ابن خراش فقد دافع عن أحمد بن عبدة دفاعاً طيباً، وأعطى ابن خراش ما يستحقه من الكلام في الهوس الذي قاله في هذا الإمام، فكيف نأخذ تهمةً لهذا المفتري الرافضي في إمامٍ سني.

    ترجمة ابن خراش الذي رمى الضبي بالنصب

    يقول في ترجمة ابن خراش : الحافظ الناقد البارع أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش المروزي ثم البغدادي، قال بكر بن محمد : سمعته يقول: شربت بولي في هذا الشأن -يعني: في طلب الحديث- خمس مرات.

    الخطيب البغدادي عندما ترجمه في تاريخ بغداد قال: لعله فعل هذا لفقد الماء، أو للضرورة حتماً، ونحن نقول: إن كان هذا من أجل الاضطرار في الحياة الدنيا، أما هناك سيأكله رغم أنفه، يقول: قال ابن عدي : قد ذكر بشيءٍ من التشيع، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب، سمعت ابن عقبة يقول: كان ابن خراش عندنا إذا كتب شيئاً في التشيع يقول: هذا لا يلفق، يعني: لا يروج إلا عندي وعندك، وسمعت عبدان يقول: حمل ابن خراش إلى بندار، والبندار عندهم بلغة العجم بمعنى: الشيخ الإمام الحافظ، يعني: أنه حمل إلى شيخٍ من شيوخ الرافضة، وكان لـابن خراش جزأين صنفهما في مثالب الشيخين: أبو بكر ، وعمر ، فأجازه بألفي درهم، وهذا البندار الرافضي بنى له حجرة ببغداد ليحدث بها، فمات حين فرغ منها، وقطع الله أمله وما ألقى حديثاً فيها، وقال أبو زرعة : عبد الرحمن بن يوسف الحافظ خرج ابن خراش مثالب الشيخين في جزأين، جمع مثالب وفضائح أبي بكر وعمر التي افتراها هو وزمرته، يقول الذهبي بعد ذلك: قلت: هذا معثرٌ مخذول، كان علمه وبالاً، وسعيه ضلالاً، نعوذ بالله من الشقاق، فهل يؤخذ كلام هذا الإنسان في أحمد بن عبدة الضبي وهو من شيوخ أهل السنة الكرام؟ لا ثم لا.

    وقال في الميزان في الجزء الثاني، صفحة ستمائة في ترجمة عبد الرحمن بن يوسف بن زرعة ، يقول: هذا والله هو الشيخ أحمد بن عبدة الضبي ، من شيوخ أهل السنة الكرام.

    ثم قال في ترجمة عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : هذا والله هو الشيخ المعثر الذي ضل سعيه، فإنه كان حافظ زمانه، وقد شرب في رحلة بوله خمس مرات، وله الرحلة الواسعة، والاطلاع الكثير والإحاطة، ومع هذا فما انتفع بعلمه، فلا عتب على حمير الرافضة، يعني: إذا كان هذا الحافظ الذي أفنى حياته في طلب الحديث، ومع ذلك لعنه الله وختم على قلبه، وألف جزأين في مثالب الشيخين، فلا عتب على الجهل بعد ذلك في تلك الفرقة الضالة.

    وقال في تذكرة الحفاظ في الجزء الثاني، صفحة خمسٍ وثمانين وستمائة: جهال الرافضة لم يدروا ما الحديث ولا السيرة ولا كيف تم، يعني: قد يعذرون؛ لأنهم يجهلون النصوص والنقول، فأما أنت أيها الحافظ البارع! الذي شربت بولك إن صدقت في الترحال، فما عذرك عند الله مع خبرتك بالأمور؟! فإنك زنديقٌ معاندٌ للحق، فلا رضي الله عنك، مات إلى غير رحمة الله سنة ثلاثٍ وثمانين ومائتين للهجرة، هذا كلام الذهبي بالحرف في تذكرة الحفاظ، والميزان، والسير.

    فمثل هذا إذا طعن في أحمد بن عبدة الضبي البصري هل يؤخذ بقوله؟ وابن حجر لم يورد كلامه في كتابه المطول تهذيب التهذيب، بل ذكره إجمالاً فقال: قلت: تكلم فيه ابن خراش فلم يقبل من أجل المذهب، فكيف تتهمه بالنصب في تقريب التهذيب؟! هذا كلامٌ باطل، وإن قاله ابن حجر عليه رحمة الله فهذا خطأٌ منه وزلة، يحذف هذا أو يصحح، وإن لم يكن هذا الكلام من كلام الحافظ ابن حجر فكما قلت لكم فيما يظهر والعلم عند الله: أنه خطأ من الذين كتبوا الكتاب، أو أشرفوا عليه وطبعوه والعلم عند الله جل وعلا، فأدخلوا كلاماً في ترجمته، أما الحافظ ابن حجر فما قيده بيده والعلم عند الله؛ لأنه في التهذيب لم يذكر أنه رمي بالنصب، وذكر أن ابن خراش تكلم فيه ثم قال: ولا يلتفت إلى كلامه لأجل المذهب، أي: الخلاف بين السنة والرافضة، فكيف تأخذ قوله حديثاً مسلماً في تقريب التهذيب ثم تقول: ثقةٌ رمي بالنصب؟! نعيذ بالله أحمد بن عبدة وأهل السنة من أن يقعوا في آل البيت أو في أحدٍ من آل البيت الطيبين الطاهرين، فحب آل البيت نتقرب به إلى رب العالمين.

    ومثل هذا تقدم معنا في ترجمة هشام الدستوائي وأنه رمي بالقدر، وقوله (رمي)، لابد أن ينتبه لها؛ لأنه أحياناً قد يكون الكلام لا قيمة له. في ترجمة أحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني أبو يحيى الأسدي قال الحافظ: ثقةٌ، تكلم فيه بلا حجة، وكلامه هنا: لا بأس به، فلو أنه قال هنا في ترجمة الضبي تكلم فيه والكلام باطل -كما قال في التهذيب- لكان هذا مقبولاً، أما أن يقول: رمي وانتهى، ويجعله حكماً قطعياً في ذلك فلا.

    نحن قلنا: فيما مضى إن أهل البدع المكفرة لا يمكن أن يخرج لهم في الصحيحين، ولذلك فإن الحافظ ابن حجر يقول في تعريف بدعة القدرية عندما سيترجم لـهشام في هدي الساري، في القسم الأول وهو من ضعف بسبب الاعتقاد، صفحة أربعمائة وتسع وخمسون، يقول في تعريف القدرية: والقدرية من يزعم أن الشر فعل العبد وحده، انتهى، ولم يزد على هذا شيء، ولذلك عندما يقول: رمي بالقدر، يريد أنه يزعم أن الشر ليس من تقدير الرب جل وعلا فعندما يقول: رمي، فالمعنى: أن هذه الصفة ثابتة فيه، فـهشام الدستوائي مثلاً تقدم معنا وهم يقولون هذا في ترجمته والمطولات توضح هذا، فذكر الرمي عند ترجمته في المختصر هذا في محله، أما أحمد بن عبدة الضبي رمي بالنصب من قبل ابن خراش.

    على كل حال أحمد بن عبدة الضبي البصري ثقةٌ، فكلمة رمي بالنصب اضربوا عنها في تقريب التهذيب واستريحوا منها.

    1.   

    ترجمة حماد بن زيد

    أخبرنا أحمد بن عبدة الضبي البصري قال: حدثنا حماد بن زيد ، لم يتقدم معنا ذكر حماد بن زيد فيما مضى، وهذه ترجمة مختصرة له من التقريب وهو: حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري ، ثقةٌ، ثبتٌ، فقيه، قيل: كان ضريراً، ثم قال الحافظ ابن حجر : ولعله طرأ عليه، فقد صح أنه كان يكتب، من كبار الثامنة، توفي سنة تسعٍ وسبعين، أي بعد المائة -وهي نفس السنة التي مات فيها مالك إمام دار الهجرة، سنة تسعٍ وسبعين ومائة- أخرج حديثه أهل الكتب الستة، أي: الجماعة، الشيخان، وأهل السنن الأربعة.

    ثم قال: عن حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب تقدم معنا، عن أنس بن مالك وستأتي معنا إن شاء الله ترجمة أنس رضي الله عنه.

    1.   

    فقه حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)

    عن أنس بن مالك (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).

    هذا الذكر ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وينبغي أن يقوله الإنسان عند دخوله الخلاء، وسوف نتكلم عليه ضمن أربعة أمور حولها يدور فقه الحديث إن شاء الله.

    حكم الاستعاذة عند دخول الخلاء ومتى تقال

    أولاً: هذا الذكر مستحب، وهو مجمعٌ على استحبابه، فإذا أراد الإنسان أن يدخل الخلاء، فيستحب له أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبيث، أو من الخبث والخبائث -بسكون الباء- أو من الخبث والخبائث -بضم الباء-)، وكل صيغة من هذه الصيغ الثلاث مجزئة ويأتينا شرح معناها في آخر المباحث إن شاء الله.

    وهي باختصار: إن قلت: من الخبث -بالضم- والخبائث: فهم ذكران الشياطين وإناثهم، وإن قلت الخبث -بالسكون- فهو كل شيءٍ مضرٍ مؤذي من جميع أنواع الشرور والمعاصي والمؤذيات، هذا باختصار ويأتينا تفصيل هذا في الأمر الرابع إن شاء الله.

    إذاً: هذا الذكر مجمع على استحبابه، قال النووي في المجموع: وسواءٌ فيه بناء أو صحراء، يعني: إذا كنت ستدخل دورة المياه، فقبل أن تدخل تقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث -بسكون الباء- والخبائث، أو أعوذ بالله من الخبث -بضم الباء- والخبائث، أو من الخبث والخبيث)، وإذا كنت في صحراء فقبل أن تكشف ثيابك تقول هذا، فهو مستحب سواءٌ في البنيان والصحراء.

    قال الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الأول، صفحة أربعٍ وأربعين ومائتين: الأصح أن ذلك لا يختص بالأمكنة المعدة لها، يعني: ليس هذا خاصاً بالكنف والمراحيض والحمامات ودورات المياه، إنما إذا أدرت أن تقضي حاجتك تقول هذا الدعاء، فلو قدر أنك أردت أن تقضي حاجةً في حجرتك بقارورةٍ تبول فيها في الليل، فقبل أن تكشف عن عورتك تقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، ثم يكشف الإنسان عن عورته ويبول في هذه القارورة، يعني لا يشترط هذا إذا أردت أن تدخل الحمام، إنما هذا دعاء قضاء الحاجة، سواءٌ كان يلزم منه دخول للحمام أو لا، هذا الذي قاله النووي والحافظ ابن حجر في الفتح، وهو قول جماهير العلماء، وهو أقوى الأقوال في المسألة إن شاء الله، ولذلك قال الحافظ في الفتح: إذا أردت أن تقضي حاجتك في الأمكنة المعدة لذلك تقول هذا قبل الدخول إلى تلك الأماكن، وإذا أردت أن تقضي حاجتك في صحراء تقول هذا قبل تشمير الثياب، ثم بعد ذلك يقضي الإنسان حاجته، قال: والجمهور على هذا، وقول الجمهور هو الحق وهو القوي، وهو المنصور؛ لكراهة ذكر اسم الله جل وعلا في الحمام وفي حال كشف العورة في الصحراء، يعني: فإذا كشفت عن عورتك في الصحراء يكره لك أن تذكر اسم الله في هذه الحال، ويكره لك أن تذكر اسم الله داخل الحمام، وعليه فيكون الذكر قبل دخول الحمام، أو قبل أن تكشف أو تشمر عن ثيابك، ثم تدخل الحمام، أو تشمر الثياب إذا كنت في صحراء.

    قال الحافظ ابن حجر : فإن نسي الذكر -أي: دخل الحمام ولم يقل هذا الذكر، أو كان في الصحراء فكشف ثيابه ولم يقل هذا الذكر- فليقله بقلبه دون أن يحرك به لسانه. وهذا -كما قلت- هو مذهب الجمهور، وما خالف في ذلك إلا الإمام مالك عليه رحمة الله، فعنده لا مانع أن يقال هذا الذكر في الكنيف، في الحمام، في المرحاض، في دورة المياه، ولا مانع أن يقال في الصحراء بعد كشف الثياب وإن بدت العورة، وعليه فلا يشترط أن تقول عند الإمام مالك هذا الذكر قبل دخول الحمام.

    المقصود أنه عندما تقضي حاجتك تقول هذا الدعاء ولا بأس إذا كان ذلك داخل الحمام، أو خارج الحمام قبل كشف العورة، أو بعد كشف العورة، وإن كان قول الجمهور أظهر، وهو في الأدب أحسن وأكمل والعلم عند الله جل وعلا.

    أما حكم هذا الذكر قبل قضاء الحاجة، فيشرع لك -كما قلت- في الكنف التي في الأبنية والبنيان والعمارات، ويشرع لك أن تقوله أيضاً في الصحراء، وسواءٌ دخلت مكاناً معداً لذلك أو لا، المقصود: إذا قضيت حاجتك فقل هذا الذكر قبل أن تقضي الحاجة.

    الصيغ الصحيحة الواردة عند دخول الخلاء

    الأمر الثاني: صيغة الذكر التي يقولها الإنسان لدخول الحمام.

    أكمل الصيغ أن تسمي الله فتقول: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث. ويجوز أن تقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، والخبث إن سكنت الباء فيها أو ضممتها بمعنىً واحد، فالتسكين للتخفيف كما في رسل ورسل، وكتب وكتب، التسكين فيها لغةٌ صحيحة فصيحة، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث على بعض المعاني جمع خبيث وهي: ذكران الشياطين والخبائث جمع خبيثة وهي: شيطانة، فتستعيذ بالله من ذكور الشياطين وإناثهم؛ لأن هذه الحشوش محتضرة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث صحيح في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وصحيح ابن حبان ، ومستدرك الحاكم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذه الحشوش محتضرة)، يعني: يحضرها الشياطين والجن، (فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).

    إذاً: الصيغة الكاملة: باسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث، أو اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، الأمران مستويان، وإضافة التسمية وردت في بعض روايات حديث أنس الذي معنا بسندٍ صحيحٍ على شرط صحيح مسلم كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح، قال: زيادة التسمية في أولها على شرط صحيح مسلم ولم أرها في غير هذه الرواية من طريق العمري ، لكنها زيادةٌ صحيحة: (إذا أتيتم الخلاء فقولوا: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، وهكذا قال النووي في المجموع في الجزء الثاني، صفحة خمسٍ وسبعين، فقال: ورد في الرواية من حديث أنس زيادة البسملة: (إذا دخلتم الخلاء فقولوا: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).

    وهاتان الروايتان: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، مع ذكر البسملة في أولها روايتان صحيحتان، وهذه صيغةٌ صحيحة، وورد بعد ذلك روايات ضعيفةٌ أخرى، أذكرها ولا مانع من أن يقولها الإنسان مع تلك الرواية التي هي ثابتة في الصحيحين وغيرهما عند تخريج الحديث، هذه الروايات فيها ذكر التسمية، وفيها تقويةٌ لإحدى روايات أنس التي هي على شرط صحيح مسلم ، وتتقوى هذه الروايات التي فيها ذكر التسمية بالرواية الثابتة في صحيح مسلم ، وفي بعض الروايات أذكارٌ أخرى يقولها الإنسان ليس فيها ذكر التسمية، أما التسمية فقد وردت أيضاً في حديث أنس في معجم الطبراني الأوسط، كما في مجمع الزوائد في الجزء الأول صفحة مائتين وخمسة، ولفظ الحديث عن أنس رضي الله عنه عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضعوا ثيابهم أن يقولوا: باسم الله).

    قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين: أحدهما فيه سعيد بن مسلمة الأموي ، وقد ضعفه البخاري وغيره، ووثقه ابن حبان وابن عدي ، وبقية رجاله موثقون، والحديث يرتقي إن شاء الله لدرجة الحسن لتعدد طرقه، وبشهادة إحدى روايات أنس المتقدمة له، والحديث ورد أيضاً في سنن الترمذي وابن ماجه عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: (ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الكنيف -يعني: الخلاء- أن يقول: باسم الله).

    وهذه الرواية الثابتة في سنن الترمذي وابن ماجه قال عنها الترمذي في جامعه بعد أن خرجها: هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بالقوي. وقد حكى النووي في المجموع كلام الترمذي وأقره، فحديث علي ضعيف، لكن يشهد له حديث أنس المتقدم في معجم الطبراني الأوسط، ويشهد للروايتين رواية أنس الصحيحة على شرط صحيح مسلم في الحديث المتقدم معنا: (أمرنا أن نقول: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، أو اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، ولذلك حكم أئمتنا على حديث علي ، وأنس بزيادة البسملة فيهما، والرواية المتقدمة بأنها في درجة الحسن؛ لوجود الشواهد لها، ولتعدد طرقها، والعلم عند الله.

    الصيغ الضعيفة الواردة في دخول الخلاء

    وورد أيضاً أذكار ضعيفة لا مانع من العمل بها في فضائل الأعمال، منها ما رواه ابن ماجه في سننه في الجزء الأول، صفحة تسعٍ ومائة، ورقم الحديث تسعٌ وتسعون ومائتان من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه -يعني الخلاء الذي يقضي فيه حاجته ويرتفق فيه- أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم)، الرجس: هو النجس المستقذر، والنجس زيادة تقرير لوجود النجاسة فيه، وقوله: خبيث. مخبث أي: يفسد ويدل أعوانه وأتباعه على الخبث والشر والأذى.

    الحديث في سنن ابن ماجه من رواية أبي أمامة رضي الله عنه بإسنادٍ ضعيفٍ، وأورده النووي في الأذكار، في صفحة واحدة وعشرين في ما يقال: عند دخول الخلاء، وهذا كما قلت بناءً على أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال ولا حرج، ومعناه العام يشهد له حديث أنس ، وهو ثابتٌ كما سيأتينا في الكتب الستة: في الصحيحين، والسنن الأربعة: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، وهنا: (اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم)، فهو بمعنى الحديث المتقدم لكن بنعوتٍ أخرى، فلا يخرج هذا عن حديث أنس رضي الله عنه.

    والحديث رواه ابن السني في كتاب عمل اليوم والليلة، في صفحة ثمان عشرة وتسع عشرة، وعزاه الإمام النووي في الأذكار إلى الطبراني في كتابه الدعاء من رواية ابن عمر ، ورواه ابن السني أيضاً عن أنس ، في حديث أبي أمامة: (لا يعجز أحدكم إذا أتى مرفقه أن يقول) في سنن ابن ماجه ، وفي حديث أنس وابن عمر في رواية ابن السني في عمل اليوم والليلة وكتاب الدعاء للإمام الطبراني : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء -وفي روايةٍ: إذا أتى الغائط- قال: اللهم إني أعوذ بك -وفي روايةٍ: أعوذ بالله- من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم)، بمعنى حديث أبي أمامة ، لكن هناك: (لا يعجز أحدكم أن يقول)، وهنا: (كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول)، وعليه فقد ورد الحديث من رواية أبي أمامة ، وأنس ، ومن رواية ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

    وهذه الروايات الثلاث مع ما فيها من ضعف يقوي بعضها بعضاً إن شاء الله، وورد في كتاب عمل اليوم والليلة لـابن السني ذكر ثالث، روته أمنا عائشة رضي الله عنها، عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ولفظه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل الخلاء قال: يا ذا الجلال!)، كأنه يجل الله جل وعلا عن هذه النقائص التي تقع من البشر، فأنت كاملٌ منزهٌ عن ذلك سبحانك، وإسناد الحديث ضعيفٌ ولا يصل إلى درجة الوضع

    وخلاصة الكلام: هذه ثلاثة أدعية: ( باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث )، (باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، ففي الصحيحين: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، وزيادة: (باسم الله)، صحيحةٌ على شرط مسلم ، لا بد من الإتيان بها.

    ثم إن شئت أن تزيد بعد ذلك فتقول: (اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم)، (يا ذا الجلال)، ثم تدخل بعد ذلك لقضاء الحاجة إذا كنت في البناء، أو يشمر الإنسان عن ثيابه ليقضي حاجته إن كان في صحراء، فليجمع بين هذه الأدعية الثلاثة، وإن اقتصر فليقتصر على ما هو صحيحٌ ثابت، (باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، (باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبيث).

    أما الأمر الثالث الذي سنتدارسه في فقه الحديث إن شاء الله: فهو السبب الذي من أجله نقول هذا الذكر عند دخول الكنيف أو الحمام، أو عند تشمير الثياب لقضاء الحاجة في الصحراء، أذكر هذا مع الأمر الرابع في المباحث الآتية إن أحيانا الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، اللهم اجعل هذا الشهر الكريم أوله لنا رحمة، وأوسطه لنا مغفرة، وآخره عتقاً لرقابنا من النار، اللهم إنك عفوٌ كريمٌ رحيمٌ جوادٌ تحب العفو فاعف عنا يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.