إسلام ويب

شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصلاة أركان لا تصح الصلاة إلا بها، ومن أركانها تكبيرة الإحرام بالاتفاق خلافاً للزهري، وصيغتها المتفق على استحبابها: (الله أكبر)، وتجب بهذه الصيغة دون ما سواها عند مالك وأحمد، وتجوز عند الشافعي بما يتضمنها، وأما عند الحنفية فتجوز بكل لفظ فيه ثناء وتعظيم لله، وذهب ابن حزم إلى جوازها بكل اسم من أسماء الله مقترناً بالتكبير، والراجح والأقرب لصريح الأدلة مذهب مالك وأحمد. وأما حكم التسليم فهو ركن -أيضاً- من أركان الصلاة خلافاً للحنفية، وزيادة (وبركاته) في التسليم صحيحة ثابتة، ويجوز العمل بها أحياناً من باب تنوع العبادات.

    1.   

    أقوال العلماء وأدلتهم في صيغة تكبيرة الإحرام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فلا زلنا نتدارس الباب الثالث من أبواب الطهارة الذي عنون عليه الإمام الترمذي عليه رحمة الله: باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، ثم روى حديثين في هذا الباب: الحديث الأول رواه عن أربعةٍ من شيوخه: عن قتيبة بن سعيد، وهناد بن السري ، ومحمود بن غيلان ، ومحمد بن بشار رحمهم الله أجمعين، عن علي رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )، قال أبو عيسى : هذا الحديث أصح شيءٍ في هذا الباب وأحسنه.

    والحديث الثاني رواه عن شيخه أبي بكر محمد بن زنجويه وعن غير واحدٍ من شيوخه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء ).

    وقد انتهينا من المبحث الأول؛ من دراسة إسناد هذين الحديثين، وشرعنا في دراسة المبحث الثاني حول فقه الحديث وبيان المعنى، وقلت: حول هذين الحديثين أربعة أحكامٍ تحتاج إلى تفصيل، أولها: اشتراط الطهارة للصلاة. ثانيها: تكبيرة الإحرام للصلاة، ثالثها: التحليل والتحلل للصلاة، ويكون بالسلام. رابعها: مفتاح الجنة الصلاة.

    أما الأمر الأول فقد تقدم الكلام عليه، وهو أنه يشترط للصلاة الطهارة، وقلت: هذا محل اتفاقٍ وإجماعٍ بين علمائنا فلا خلاف في ذلك، فلا يمكن أن تصلي إلا إذا تطهرت، كما أنه لا يمكن أن تصل إلى شيءٍ مخبأ قد أغلق عليه بقفل إلا إذا كان عندك مفتاح، فإذا فتحت هذا القفل وصلت إلى ذلك المخبأ المكنون، وهكذا لا يمكن أن تصلي وأن تناجي الحي القيوم بهذه الصلوات التي فرضها رب الأرض والسموات إلا بالطهارة الشرعية من ماءٍ أو تراب كما تقدم معنا.

    والمسألة الثانية: التحريم، للدخول في الصلاة، وتقدم معنا أن التحريمة اشترطها للصلاة واعتبرها من أركانها وفرائضها المذاهب الأربعة وجمهور المسلمين، فلا تصح الصلاة إلا بها، وهل في ذلك خلاف؟ سيأتينا في هذه القضية -إن شاء الله- أن قلة قليلة من التابعين لم يشترطوا تكبيرة الإحرام للصلاة، ولم يجعلوها من أركانها وإنما جعلوها من السنن.

    إن لفظها الذي إذا فعله الإنسان فقد أحسن وصلاته صحيحةٌ باتفاق الفقهاء: الله أكبر، أن نذكر هذا اللفظ الجليل من أسماء ربنا الكبير سبحانه وتعالى، وهو لفظ الجلالة، وأن ننعته ونخبر عنه بالوصف المذكور الله أكبر، فمن قال هذا فقد أتى بالصيغة التي تصح بها الصلاة بالاتفاق.

    ومن خالف في صيغة التكبير: الله أكبر فزاد أو أنقص أو قدم أو أخر أو تصرف في هذه الصيغة، فما الحكم في ذلك؟

    مذهب مالك وأحمد في صيغة تكبيرة الإحرام

    للمذاهب الأربعة في ذلك ثلاثة أقوال، أولها وهو أقواها، قول أحمد ومالك أنه يشترط لصحة تكبيرة الإحرام المحافظة على هذه الصيغة، دون زيادةٍ أو نقصان، فمن زاد أو أنقص أو قدم أو أخر بطلت الصلاة، فلو قال: الله الأكبر، الله كبير، الله أكبر كبيراً، وإذا زاد: الله الجليل أكبر، أو قدم وأخر: أكبر الأكبر الله، كل هذا عند الحنابلة والمالكية لا يصح، ولا تنعقد الصلاة بهذه الصيغ بل بالصيغة الواردة الله أكبر.

    مذهب الشافعي في صيغة تكبيرة الإحرام

    وهناك قولٌ ثانٍ ذهب إليه الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي عليه رحمة الله، فقال: إذا زاد على هذه الصيغة أو غير فيها بما يحتوي عليها ويتضمنها فلا يضر ذلك، فلو قال: الله الأكبر، الله أكبر كبيراً، أو نعت لفظ الجلالة بنعتٍ ثم أتبعه بالتكبير بشرط ألا يطول الفصل فلا حرج، فلو قال: الله عز وجل أكبر، الله سبحانه أكبر، كل هذا فيه سعة، وتنعقد الصلاة به؛ لأنه أتى بالمطلوب ألا وهو لفظ التكبير الوارد عن نبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه، أما إذا طال الفصل بين لفظ الجلالة ولفظ التكبير فلا تنعقد الصلاة، ولا تصح تكبيرة الإحرام، فلو قال: الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر أكبر، ثم طال الفصل فلا تصح الصلاة.

    مذهب الحنفية في صيغة تكبيرة الإحرام

    وأما الحنفية فقد توسعوا غاية التوسع فقالوا: تكبيرة الإحرام شرطٌ للصلاة وركنٌ من أركانها، ولكن لا يشترط لفظة التكبير، فالتحريم يصح بكل ذكرٍ فيه ثناءٌ على الله وتعظيمٌ له، فحال لفظة التكبير كحال الخطب التي تقال عند الجمعة يثني الإنسان على ربه بما شاء، فليس ذلك كألفاظ القرآن التي لا يمكن أن نبدلها، ولا أن نغيرها، ولا أن نزيد فيها وننقص منها، وعليه لو قال عند الحنفية -كما تقدم معنا-: سبحان الله انعقدت الصلاة، أو: الرحمن أكبر انعقدت الصلاة، إلى غير ذلك من الصيغ الجائزة عندهم.

    مذهب ابن حزم في صيغة تكبيرة الإحرام وتشنيعه على الأئمة

    وقد شنع ابن حزم -عليه رحمة الله- على الحنفية غاية التشنيع في كتابه المحلى، ووصف قولهم بأنه تحريف وهدمٌ للإسلام، وشرائع جديدة فاسدة.

    سبحان الله! هذه الأقوال من ابن حزم -كما يقال- أقوى من الصواريخ يطلقها على أئمتنا الهداة المهتدين، وليته لم يقل بمثل قولهم، حتى نقول: عاب عليهم هذا القول، ولكنه قال بما قاله الحنفية، فعلام يذمهم وهو يقول: يجوز أن تأتي بأمرين في تكبيرة الإحرام: على لفظ اسم من أسماء الله بأي وصف كان، فلا يشترط لفظ الجلالة (الله)، وأن تأتي بمعنى التكبير بأي صيغةٍ كانت، فلو قلت: الرحمن كبير انعقدت الصلاة عند ابن حزم ، يعني: ما خالف الحنفية إلا في سبحان الله ولا إله إلا الله، فلم بعد ذلك يعيب على الحنفية؟ وماذا بينه وبين الحنفية؟! ولم يشن عليهم بهذه العبارات؟ فهل هو يُخاطب اليهود أو النصارى حتى يقول: هذا تخليط وهدمٌ للإسلام، وهذه شرائع جديدةٍ فاسدة، هذا كلامٌ باطل، وكما تقدم معنا في ترجمة ابن حزم -رحمه الله وغفر له- أن لسانه وسيف الحجاج شقيقان، فلنحذر هذه البذاءة التي يتلفظ بها، ولنستغفر له.

    قال ابن حزم في المحلى الجزء الثالث صفحة اثنتين وثلاثين ومائتين: يجزئ أن يقول المصلي: الله الأكبر، الله أكبر، الأكبر الله، الكبير الله، الرحمن أكبر. قال: وأي اسمٍ من أسماء الله ذكر بالتكبير فقد تحقق المراد بأنه كبر، والنبي عليه الصلاة والسلام طلب منا أن نكبر إذا أردنا أن نصلي، يقول: وكل هذا تكبيرٌ، ولا يقع التكبير على غير هذا.

    ثم قال: وأما اشتراط مالك وأحمد للتحريمة بلفظ الله أكبر، فهو تخصيصٌ للتكبير بلا برهان. ثم تكلم ابن حزم بما لا يثبت فقال: وادعى بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قمت إلى الصلاة فقل: الله أكبر)، وهذا باطل، ما عرف قط، ولو وجدناه صحيحاً لقلنا به. أقول: على رسلك فقد ثبت هذا صحيحاً عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ويلزمك أن تقول به، وأن ترجع عن أقوالك.

    الراجح من الأقوال في صيغة تكبيرة الإحرام

    إخوتي الكرام! هذه الأقوال الثلاثة معتبرة في شريعة الله المطهرة، قال بها أئمتنا الأربعة البررة، وكما قلت: يعجب الإنسان غاية العجب، ويستغرب غاية الغرابة من ذكر هذه الأقوال، لكن عندما يقف على تعليلات أئمتنا يلتمس لهم عذراً، ويرى لأقوالهم قبولاً، وأن هذه الأقوال فيها سعة، وإن كان القول الأول قول مالك وأحمد هو الراجح الذي لا نحيد عنه قيد شعرة، ولا نتركه، ولا نفرط فيه، لكن لا نقول: إن الأقوال الأخرى باطلة وضلال، أو أن من قال بها فصلاته باطلةٌ، لا نقول بهذا بتاتاً، كما سأقرر إن شاء الله.

    والقول الأول هو المعتمد؛ لأنه ثبت من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ومن تعليمه وقوله لأمته بخصوص لفظ الله أكبر، وهذا يبين المراد من التكبير في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (وتحريمها التكبير)، أي: قل: الله أكبر، و(إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، أي: قل: الله أكبر؛ لأن هذا اللفظ المجمل بينه نبينا عليه الصلاة والسلام بفعله وتعليمه لأمته، وادعاء ابن حزم بأن هذا ما ثبت قط عن النبي عليه الصلاة والسلام، أي: النطق بقوله: الله أكبر، وما علم أمته بذلك، إنما أمرنا أن نكبر إذا قمنا إلى الصلاة بأي صيغةٍ كانت، هذا الادعاء مردودٌ ومرفوض كما سيأتي.

    أدلة السنة الفعلية لصحة ما ذهب إليه مالك وأحمد

    أما السنة الفعلية فحديثين أذكرهما على وجه الاختصار ثم أكمل البحث إن شاء الله.

    الحديث الأول: حديث أبي حميد الساعدي ، وهو في سنن ابن ماجه ، وتقدم معنا: أن الحديث رواه ابن خزيمة وصححه، وابن حبان وصححه، وأقر التصحيح الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الثاني صفحة سبع عشرة ومائتين، ولفظه: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة، ورفع يديه -أي: حذو منكبيه- وقال: الله أكبر )، هذا في سنن ابن ماجه ، وصحيح ابن حبان ، وابن خزيمة ، وهو حديثٌ صحيح، هذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فقول ابن حزم : لم يثبت، نقول: بل كلامك غير ثابت، وفي غير محله، قوله: ( وقال: الله أكبر )، قال القرطبي في تفسيره في الجزء الأول صفحة ستٍ وسبعين ومائة: وهذا نصٌ صريح، وحديثٌ صحيح في تعيين التكبير، وقد رد ابن القطان وغيره على ابن حزم قوله: لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: الله أكبر، وما قال هذا لأحدٍ من أمته، وقالوا: هذا الحديث يرد قوله، وأنا أقول: والأحاديث الأخرى أيضاً ترد قوله، فاسمعوها.

    الحديث الثاني أيضاً من فعل النبي عليه الصلاة والسلام رواه البزار في مسنده، وقال الحافظ ابن حجر : هو على شرط صحيح مسلم ، كما في الفتح في الجزء الثاني صفحة عشرة ومائتين في المكان المتقدم، وذكر الحديث في تلخيص الحبير في الجزء الأول صفحة ثلاثين ومائتين، ولفظ الحديث عن علي رضي الله عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر ).

    لم يرد في هذه الرواية رفع يديه حذو منكبيه. والكلام ليس فيها، وتمام الرواية: ( وقال: الله أكبر، ثم قرأ دعاء الاستفتاح: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحيايى ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )، هذا لفظ البزار عن علي رضي الله عنه.

    أدلة السنة القولية لصحة ما ذهب إليه مالك وأحمد

    وقد علم أمته أن يقولوا لفظ: الله أكبر إذا أرادوا أن يكبروا وأن يحرموا للصلاة، وسأذكر ثلاثة أحاديث -أيضاً- في ذلك، حديثين صحيحين، وحديثاً فيه شيءٌ من الضعف يتقوى بالحديثين الصحيحين، الذين لا خلاف في صحتهما.

    الحديث الأول: حديث رفاعة بن رافع، رواه الطبراني وأهل السنن الأربع، وهذا لفظ رواية الطبراني في معجمه الكبير بسندٍ رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع في الجزء الثاني صفحة أربعٍ ومائة، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إنه لا تتم صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه )، أي: يضع الماء مواضعه على أعضائه، فيقوم بالوضوء كما أمر الله جل وعلا، ( فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر )، لا تتم الصلاة إلا إذا توضأت، وهذا مفتاح الصلاة وهو الطهور، وإذا أحرمت للصلاة فأحرم بلفظة: الله أكبر، ( ثم يقول: الله أكبر )، ولفظ السنن الأربعة: ( ثم يكبر )، أي: يقف ثم يقول: (الله أكبر)، وقلت: إن رواية الطبراني تبين المراد بالتكبير أي: يقول: الله أكبر بهذه الصيغة.

    وتمام الرواية: ( لا تتم صلاة أحدٍ من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر ويحمد الله عز وجل ويثني عليه، ثم يقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول: الله أكبر )، أي: للركوع، ( ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً، ويقول: الله أكبر للسجود، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ويرفعه ثانيةً فيكبر، فإذا فعل ذلك تمت صلاته ).

    فتكبيرة الإحرام في رواية السنن الأربع عبر عنها بلفظ: ( ثم يكبر )، وتكبيرات الانتقال يقول: ( الله أكبر )، ورواية الطبراني على العكس من ذلك، ففي تكبيرة الإحرام: ( حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يقول: الله أكبر، ويحمد الله عز وجل ويثني عليه، ثم يقرأ بما شاء من القرآن، ثم يكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله )، بدل من قوله: ( ثم يقول: الله أكبر )، في تكبيرات الانتقال في رواية الطبراني : ( ثم يكبر )، فصرح بلفظ التكبير في تكبيرة الإحرام، وأتى بالصيغة المجملة في تكبيرات الانتقال في رواية الطبراني ، ورواية السنن على العكس، أتى بالصيغة المجملة في تكبيرة الإحرام، وبالمراد من هذا الإجمال ووضحه في تكبيرات الانتقال، فالروايتان بمعنىً واحد، ولعل رفاعة بن رافع رضي الله عنه تصرف في العبارة أو بعض الرواة الذين نقلوا هذا عنه بما مآله شيءٌ واحد، فبعضهم قال: (ثم يقول: الله أكبر) بعد أن يضع الوضوء مواضعه وهي تكبيرة الإحرام، ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يكبر، وبعضهم يقول: (بعد أن يضع الوضوء مواضعه يكبر، ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر)، مآل الروايتين إلى شيءٍ واحد، والمقصود أنه لا بد من لفظة الله أكبر عند تكبيرة الإحرام، عملاً بهذا الحديث الصحيح.

    والرواية الثانية رواها البيهقي في السنن في الجزء الثاني صفحة ست عشرة، ورواها البزار في مسنده، وقال الهيثمي في المجمع: إسناد البزار حسن، في الجزء الثاني صفحة أربعٍ وثلاثين ومائة في مجمع الزوائد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قال الإمام -وفي روايةٍ: إذا قال إمامكم-: الله أكبر، يقول: الله أكبر )، أي: إذا كبر الإمام فكبروا وراءه، أي: تكبيرة الإحرام وما بعدها، وهذا بيانٌ للتكبير المجمل الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم المصلي، وبين أن تحريم الصلاة يكون بالتكبير، وهاتان الروايتان صحيحتان.

    والرواية الثالثة رواها الطبراني في معجمه الكبير، كما في المجمع في الجزء الثاني صفحة مائة واثنتين، وفيها يحيى بن يعلى الأسلمي وهو ضعيف، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي في السنن، وهذه الرواية من رواية الحكم بن عمير الثمالي ، وضبط الاسم في نصب الراية، وفي تلخيص الحبير وفي غيره: الشَمالي أو الشِمالي، الله عليم بالضبط ما شكلوها، لكن كتبت بالشين بدل الثاء وهذا غلط، والحكم صحابي رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا، فيقول: إذا قمتم إلى الصلاة فارفعوا أيديكم، ثم قولوا: الله أكبر)، وهذه الرواية تتقوى بالروايات المتقدمة والعلم عند الله جل وعلا.

    قال أئمتنا: وأما ما ورد من افتتاح نبينا عليه الصلاة والسلام صلاته بالتكبير، أي: بلفظ التكبير دون أن يبين المراد منها فهو متواتر، وقد أمر أمته بأن يفتتحوا صلاتهم بالتكبير، فعله وأمره بذلك متواتر، من ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من رواية عبد الله بن عمر ، وأبي هريرة ، وأبي حميد الساعدي رضي الله عنهم أجمعين، وفيها: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه ثم يكبر )، وفي روايةٍ: ( إذا دخل في الصلاة كبر )، وفي رواية أبي هريرة : ( إذا قمت إلى الصلاة فكبر )، في قصة -كما سيأتينا- حديث المسيء في صلاته، وهكذا في رواية أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، والحديث كما قلت في الصحيحين وغيرهما، وهو في الكتب الستة، فرواية عبد الله بن عمر : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكون بحذو منكبيه، ثم يكبر).

    ورواية أبي حميد رضي الله عنه، قال: (أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: صل، فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعاً، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فأعرض، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يرجع كل عظمٍ في موضعه معتدلاً ) -كما قلت ثم يكبر- ( وإذا أردت أن تصلي فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن )، الأحاديث في ذلك متواترة، لكن بهذه الصيغة المجملة، وأما لفظة: الله أكبر فقد وردت في رواياتٍ متعددة، ذكرت منها حديثين من فعل نبينا عليه الصلاة والسلام، وثلاثة أحاديث من قول نبينا عليه الصلاة والسلام أننا إذا أردنا أن نصلي فينبغي أن نكبر ونقول: الله أكبر، إذاً: الدليل الأول الذي يرجح قول الحنابلة والمالكية هو السنة الصحيحة الصريحة.

    التوقف عند صيغة التكبير الواردة

    الأمر الثاني الذي يرجح هذا القول، ويعين الأخذ به والمصير إليه ما قرره أئمتنا، قال الإمام أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي: العبادات تفعل على الرسم الوارد دون نظرٍ إلى شيءٍ من المعنى، يعني: تفعل على الكيفية التي رسمها وحدها وبينها رسول الله عليه الصلاة والسلام دون ملاحظة المعنى، فلا يقاس النظير على النظير فتقول: الله كبير كقوله: الله أكبر، لا دخل للمعنى في ذلك، كأنه يريد أن يقول: هي توقيفية، وكما أنك لا تغير في ألفاظ القرآن فلا تغير هذه الألفاظ المنقولة عن نبينا عليه الصلاة والسلام في هذه العبادات، كما أنك إذا قرأت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد:1]، لا يجوز أن تقول: هلكت أو شقيت يدا أبي لهب ، إنما تقول: تبت، وهنا كذلك تقول: الله أكبر باللفظ الوارد، وبالرسم الوارد، وبالكيفية الواردة عن نبينا عليه الصلاة والسلام دون ملاحظة المعنى، خلافاً لما قرره ابن حزم وغيره -كما تقدم معنا- من أن المراد أن تأتي باسمٍ من أسماء الله ومعه التكبير بأي لفظٍ كان، كل هذا نظرٌ إلى المعنى دون اعتبار الرسم الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وأنا أعجب من ابن حزم غاية العجب، حيث كان يشنع على أئمتنا في القياس، ثم جاء بعد ذلك بهذه الشعيرة التوقيفية التي هي عبادةٌ محضة، وسرح لعقله العنان ليقول بهذا القياس، الذي وصل به إلى مستوى الحنفية بعد أن شنع عليهم بعباراتٍ قاسية، حيث قال: تأتي بالتكبير بأي صيغةٍ كانت، لكن أين الرسم الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ وأين الصيغة الثابتة التي لا يجوز أن نتعداها؟ هذا كله أهمله، ونسأل الله أن يغفر لنا وله.

    إذاً: الذي يرجح قول الحنابلة والمالكية أنها عبادة توقيفية، فينبغي أن نقتصر على الصفة الواحدة، ولو أراد الإنسان أن يركع على جنبه وقال: أنا أعظم الله بذلك، فإننا نقول: الصلاة باطلة، وأنت مستهزئ بالله، وهنا صيغة واردة فلم تبدلها؟

    الأمر الثالث الذي يرجح قول المالكية والحنابلة، قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث الباب: ( وتحريمها التكبير )، وتعريف المسند والمسند إليه أعني: المبتدأ والخبر يفيد الحصر كما قرره علماء البلاغة، فقوله: ( وتحريمها التكبير )، كأنه يوجب الحكم لما ذكر، وينفيه ويسلبه عما لم يذكر، أي: كأنه يقول: لا تدخلوا في الصلاة إلا إذا كبرتم وقلتم: الله أكبر، وعليه فلا يتجوز ويقول بكل ثناءٍ وتعظيمٍ لله يجوز أن ندخل في الصلاة كما لو قلنا: سبحان الله، لا إله إلا الله، الله أعظم، هذا لا يجوز لأنه ما حصل المطلوب، ولا يمكن أن تدخل في الصلاة إلا بالصيغة التي بينها نبينا عليه الصلاة والسلام قوله: (تحريمها التكبير)، ذلك التكبير نقل عن نبينا عليه الصلاة والسلام من فعله ولفظه، فلا يجوز العدول عنه، والعلم عند الله جل وعلا.

    فإذا قال قائل: ما دليل الحنفية عندما توسعوا هذا التوسع، والشافعي في مذهبه شيء من التوسع مع قرب من الدليل، وحاصل مذهبه: أنه لا بد من أن تحافظ على لفظ الجلالة الله الذي لا يجوز أن تغيره، والتكبير تأتي به أو بما يتضمنه، ولا مانع أن تقول: أكبر أو الأكبر، الله الأكبر، أو الله أكبر كبيراً، وإذا زدت وصفاً بعد ذلك في نعت الله ولم يطل الفصل فلا حرج؛ لأنك أتيت بالمطلوب وزدت زيادة تعظم بها الله، فلا يضر، فقول الشافعي يبقى فيه شيءٌ من القرب إلى هذا الدليل والوجاهة، أما قول الحنفية في الظاهر فهو في منتهى البعد؛ لأنهم ما اشترطوا لفظ التكبير على الإطلاق، ولا ذكر لفظ الجلالة، فلو قلت -كما تقدم معنا-: الرحمن أعظم عظيم صح هذا عندهم، فالأمر فيه سعة كبيرة عندهم، ولو قلت: لا إله إلا الله حصلت التحريمة ودخلت في الصلاة. وقالوا: دليلنا على ذلك آية من القرآن، وأما فعل النبي عليه الصلاة والسلام فهو لبيان الأكمل والأفضل، قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15]، فكل ذكرٍ فيه تعظيمٌ لله يجوز أن تذكره، والفاء للترتيب مع التعقيب أي: تدخل في الصلاة، فإذا قلت: سبحان الله دخلت في الصلاة، ثم اقرأ دعاء الاستفتاح: وجهت وجهي، سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، ثم تقرأ الفاتحة.

    والحنفية لورعهم وخشيتهم من ربهم قالوا: من لم يأت بهذه الصيغة الله أكبر فصلاته ناقصة ولكنها تنعقد وتصح؛ لأن هذا هو الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهم لا ينكرون ثبوت هذه الصيغة خلافاً لـابن حزم ، ولكنهم يقولون: هذا الثبوت إنما هو للأفضلية والكمال، كما يقال في دعاء الاستفتاح للكمال، وكذلك سمع الله لمن حمده، وهكذا أمورٌ كثيرة يفعلها المصلي في الصلاة هي من أمور الهيئات والسنن، إذ الواجب علينا والذي نلزم به أن نذكر صيغةً -أي صيغة- نعظم بها ربنا عند التحريمة، وهذا القول الذي قالوه حتماً يحتمله الدليل، والمقصود أن هذا الاستنباط أخذوه من نصوص الشريعة المطهرة، وأما كونك تراه بعيداً وهم يرونه قريباً فهذا موضوعٌ آخر، وكل مجتهدٍ مأجور، وقد يكون مخطئاً فهو معذور، وقد يكون مصيباً فسعيه مشكور، فانتبه لهذا.

    قوله تعالى: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:15]، هذه الآية تحتمل هذا كما قرر أئمة التفسير ما هو أكثر من قول الحنفية وأوسع، فقال جمع من المفسرين في قوله تعالى: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:15]، أي: استحضر الله وعظمته وخشيته وذكره في قلبه عند بدء صلاته ليحصل له الخشوع في صلاته.

    وقال جمع آخر أيضاً قوله تعالى: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:15]: لا علاقة لهذا الذكر بالصلاة، وإنما المعنى أنه يذكر ويصلي، وهذا كقول الله في نعت الذين يوجدون في بيوت الله: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ [النور:36-37]، وإذاً: ليس وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ [الأعلى:15] يعني التحريمة بأي صيغةٍ كانت، وقال جمع: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ [الأعلى:15]، أي: كبر تكبيرات العيد، فَصَلَّى [الأعلى:15] أي: صلى صلاة العيد.

    والمقصود أن الآية تحتمل ما قاله الحنفية وما هو أكثر، فاستدلوا بعمومها على هذا المطلوب، وقالوا: يبقى فعل النبي عليه الصلاة والسلام لبيان الأكمل والأحسن والأفضل، ولا نزاع في ذلك عندنا.

    1.   

    الموقف من اجتهادات العلماء

    إخوتي الكرام! هذه الأقوال -كما قلت- أرجحها وأقواها هو أولها كما تقدم معنا، ولكن لا يحق لنا بحال أن نشنع على قائلِ بقولٍ من هذه الأقوال، وإذا استبان لك رجحان قولك فاعمل به؛ لأنه فرض الله عليك، وأما أن تغمز وتلمز قائلي الأقوال الأخرى بعباراتٍ شنيعة، فهذا في الحقيقة لا يصح ولا ينبغي.

    التعليق على نقد ابن القيم للحنفية

    غفر الله لـابن القيم في كتابه إعلام الموقعين في الجزء الثاني صفحة ستٍ وثمانين ومائتين عندما عرض بالحنفية بعبارةٍ قاسيةٍ تقرب من عبارة ابن حزم ، وأنا أجزم جزماً بأنهم ما أرادوا بهذه العبارات تحقير أئمتنا؛ ولكن أرادوا حظ المسلمين على الالتزام بالنصوص الشرعية، وطرح الاجتهادات إذا كانت بعيدة عنها، وهذه العبارات فهمت على خلاف ما يريد قائلها، فصارت ذريعةً لبعض صغار طلبة العلم في هذه الأيام، ونحن من جملتهم، لكن أسأل الله ألا يجعلنا ممن يتصفون بهذا الوصف الذي هو في هؤلاء الصغار، وجعلهم من أهل الصغار، فصاروا يتطاولون على أئمتنا بهذه العبارات التي وجدت عند ابن القيم أحياناً، وعند ابن حزم، والشوكاني كثيراً، فأخذوها، ثم إذا ذكرت لأحدهم قول أبي حنيفة المتقدم -مثلاً- يقول: قولٌ باطل وضال، كيف تنعقد الصلاة بهذا؟ ويتهجم بعبارات أعوذ بالله منها، وكأن هذا القول أخذ من توراةٍ أو إنجيل، أو من عقلٍ هزيل، وهو ما أخذ إلا من شريعةٍ مطهرة، إما أصاب أو أخطأ، والمقصود أن هذا الإمام بذل ما في وسعه للوصول إلى مراد ربه، فإذا ظهر لك حجته واتبعته فأنت على هدى، وإذا رأيت القول الآخر أرجح فأنت على هدى، لكن الزم حدك وقف عنده.

    يقول ابن القيم في المثال الخامس عشر، وكان قد قدم مقدمةً لهذه الأمثلة التي يذكرها، وعبارته في منتهى الشدة والغلظة والفظاعة، يقول: لهم طريقان في رد السنن:

    أولها: أن يرد السنن بالمتشابه من القرآن أو السنة.

    ثانيها: أن يجعل المحكم متشابهاً ليبطلوا دلالته. ثم مثل على هذين الطريقين بأمثلة، فقال: المثال الخامس عشر: رد المحكم الصريح لتعيين التكبير للدخول في الصلاة لقوله: ( إذا قمت إلى الصلاة فكبر )، يقصد بهذا ابن حزم والحنفية الذين قالوا: لا يتعين قولنا: الله أكبر، أو كما قال ابن حزم : تأتي بلفظ الجلالة بأي اسمٍ كان معه صيغة تكبير، نحو كبير أو أكبر أو الأكبر، كل هذا فيه سعة.

    إذاً: رد المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا قمت إلا الصلاة فكبر )، وقوله: ( تحريمها التكبير )، وقوله: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر ). وهي نصوصٌ في غاية الصحة فردت بالمتشابه من قوله: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:15]، يقول: هذه الآية من المتشابه الذي يحتمل أكثر من معنى.

    وهذا في الحقيقة كلامٌ قاسٍ وشديد، وهل أئمتنا ردوا نصوص الشرع من أجل نصٍ متشابه عام، وتلاعبوا بنصوص الشريعة المطهرة؟!

    حاشاهم من ذلك، وإطلاق مثل هذه العبارة على أئمة الإسلام أنهم يردون المحكم الصريح بمتشابه لا يجوز، وغاية ما يقال: إنهم بذلوا ما في وسعهم، أخطئوا أو أصابوا هذا أمرٌ سهل، أما أن يقال: إنهم ردوا المحكم الصريح بمتشابه، لو فتحنا هذا الباب لم يسلم معنا إمامٌ من الأئمة، بل ولا صحابي، بل سيتطاول كثيرٌ من الناس على النبي عليه الصلاة والسلام، وقد تطاول بعضهم على رسول الله وعلى رسل الله، فهذا أحدهم يقول: كيف يحرم رسول الله ما أحل الله له؟ وهذا كفر، ولذلك عوتب في القرآن: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1]، أعوذ بالله من هذا القول، وكم من إنسانٍ صعلوك جاء لقول الله جل وعلا: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ [التوبة:43]، فقال: بئس ما فعلت يا محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا تعبير الزمخشري في كشافه.

    حقيقةً إن من لم يتأدب مع العلماء لم يتأدب بعد ذلك مع خاتم الأنبياء عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فلابد أن تعرف قدر علماء الشريعة المطهرة، وإذا كنت ترى قول أحدهم بعيداً فلا حرج عليك، لكن لا تفسق ولا تبدع قائله، ولا نقل: ردوا المحكم بنصوص متشابهة، أو يضربون نصوص الشرع ببعضها؛ إذ لو صح وفعلوا هذا لكفروا، وإذا لم تعجبك طريقة استدلالهم فأنت غير ملزم بها، ولكن لا تتهم أئمة الإسلام، ولا تقدح فيهم، فهذا لا يجوز لا لـابن القيم ولا لغيره، وكما قلت: لا يقصد ابن القيم بهذا تحقير أئمتنا، إنما هذا من غيرته على نصوص الشريعة، وعلى حسب تقديره أطلق هذه العبارة، فاستغلها أناسٌ بعده، فتسفهوا على علماء الإسلام بهذه العبارات الكبيرة الفظيعة الخبيثة، وكم من إنسان في هذا الوقت يقول: كذا: إله كان في كذا، وآخر يقول: خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام كفر عندما نظر إلى الكوكب فقال: هذا ربي، أعوذ بالله! فعندما يفتح هذا الباب لا يغلق، ويدعون الانتساب إلى الإسلام ويخرجون منه كما يخرج السهم من الرمية.

    قدمت سابقاً عند منزلة السنة وفضل دراستها، أنه ما من أحد من أئمتنا وضع دليلاً للاستنباط عنده غير النص الشرعي كتاب أو سنة، وما ترتب عليهما أو أخذ منهما من إجماع أو قياس، والإجماع لا يكون إلا على نص، والقياس: حمل ما لم يرد على ما ورد لوجود نصٍ في ذلك، أما أن إماماً من أئمتنا جعل العقل البشري مشرعاً، أو جعل قانوناً وضعياً مشرعاً في حلالٍ أو حرام، فحاشاهم ثم حاشاهم.

    وقول أبي حنيفة مع بعده وما عندي شك أنه بعيد على حسب علمي، لكن أقول: هو قولٌ معتبر في شريعة الله المطهرة، والقائل به مأجور، والذي يطعن في هذا القول أو في قائله فعليه غضب العزيز الغفار، وهكذا سائر أقوال علماء الإسلام، وأما إذا فتحنا باب الطعن في أئمتنا فلن يبقى لنا شيءٌ من ديننا، فقف عند حدك.

    قسمنا العلماء عند مدارسة حال الحافظ ابن حجر إلى قسمين: علماء السنة وعلماء البدعة والضلالة، فأما علماء أهل السنة، فإن جرى من أحدهم زللٌ أو خطأٌ في اجتهاد نرد الزلل والخطأ إن رأيناه بعيداً وما دام الدليل يحتمله فإننا نقول: هو قولٌ له اعتبار، وإن كنا لا نأخذ به، وندعو لقائله ونستغفر له ونقف عند حدنا، وأما العلماء الزائغون المبتدعون فهؤلاء لهم حكمٌ آخر.

    تجويز الإمام أحمد الحلف بالنبي والرد عليه في ذلك

    فالإمام المبجل أحمد بن حنبل شيخ أهل السنة، وما أظن أن أحداً يشك في عقيدته، وإذا كان هناك شك في عقيدة الإمام أحمد فلنصحح عقيدتنا، ولنجدد إيماننا بديننا وربنا جل وعلا، هذا الإمام المبجل يرى أن القسم بالنبي عليه الصلاة والسلام يمين منعقدة، وإذا حنث فإن فيها الكفارة، سبحان الله! والله إن هذا القول مردود، سواءٌ قاله هذا الإمام أو غيره، لكن لا نجرؤ أن نقول: هذا باطل، والقائل به ضال، أما ألا نأخذ به فهذا موضوعٌ آخر.

    جاء في المغني الذي هو من كتاب المذهب الحنبلي في الجزء الحادي عشر صفحة مائتين وتسع، يقول ابن قدامة فصل: ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوقٍ كالكعبة والأنبياء وسائر المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحنث فيها، هذا ظاهر كلام الخرقي، وهو قول أكثر الفقهاء، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك ، وقال أصحابنا، أي: الحنابلة: الحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم يمين موجبةٌ للكفارة.

    وروي عن أحمد أنه قال: إذا حلف بحق رسول الله عليه الصلاة والسلام فحنث فعليه الكفارة، لا أعلم بعد هذا الكلام كم ستصدر أحكام بالشرك عليّ أو على الإمام أحمد ، وهذا كلامه بالحرف، ومن أحب أن يتأكد فليراجع الكتاب المذكور.

    قال ابن قدامة: قال أصحابنا -يعني الحنابلة-: إنه أحد شرطي الشهادة -يصح شرطي ويصح شطري- يعني أحد شرطي الشهادة: إيمانٌ بالله ورسوله، أحد شطريها: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكما جاز أن تقسم بالشرط الأول جاز أن تقسم بالشرط الثاني، فالحلف به موجبٌ للكفارة كالحلف باسم الله تعالى، ووجه القول الأول الذي هو ظاهر كلام الخرقي وأكثر الفقهاء: أنه لا يجوز الحلف بالنبي عليه الصلاة والسلام ولا بغيره، وجهه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت )، والحديث مرويٌ في المسند والكتب الستة، وموطأ مالك ، ومسند الدارمي من رواية ابن عمر عن أبيه عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت )؛ ولأنه حلف بغير الله فلم تجب الكفارة في سائر الأنبياء، ولأنه مخلوق يعني نبينا عليه الصلاة والسلام فلم تجب الكفارة بالحلف به كـإبراهيم عليه السلام؛ ولأنه ليس بمنصوصٍ عليه ولا في معنى المنصوص، ولا يصح قياس في غير الله على اسمه لعدم الشبه وانتفاء المماثلة.

    وختام كلام ابن قدامة : وكلام أحمد في هذا يحمل على الاستحباب دون الإيجاب، يعني إذا حلف فقال: والنبي! بحق رسول الله عليه الصلاة والسلام لأفعلن كذا، لأعطينك كذا ثم حنث فعليه الكفارة، ثم يتوسط ابن قدامة فيقول: هذا محمول على الاستحباب لا على الإيجاب، مع وجود نصوص صريحة صحيحة في أن الحلف بغير الله حرام.

    وقد ثبت في مسند أحمد، وسنن الترمذي وأبي داود وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي ، ومسند أبي داود الطيالسي من رواية ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر )، وهنا ابن قدامة يقول: يمين منعقدة موجبة للكفارة، وتعليل هذا القول مأخوذ من دليل شرعي، يقول: الشهادة لها شرطان أو شطران: إيمانٌ بالله وإيمانٌ برسوله، فإذا صح القسم بالشطر الأول صح القسم بالثاني.

    فهذا الدليل وجيه أو رديء؟ هذا موضوعٌ آخر. معتبر أو مردود، راجح أو مرجوح عندك؟ هذا موضوعٌ آخر. هذا الاستنباط أخذ من أي شيء؟ من دلالةٍ ثانية، فلا يجوز أن تأتي وتقول: القائل بهذا ضال أو مشرك أو كافر، قف عند حدك؛ لأن هذا يقوله شيخ الموحدين وإمام أهل السنة، وكل من انتسب إلى عقيدة أهل السنة ينتسب إلى الإمام أحمد ، وكان أئمتنا يقولون: المذهب لـمالك والشافعي وسفيان ، والظهور لـأحمد ، يعني: أن مذهب الإمام أحمد هو مذهب الشافعي ومالك وسفيان الثوري في الاعتقاد، ولكن من الذي ظهر؟ أنا لا أقول إنني على عقيدة الشافعي ، ولا أحد يقول: أنا على اعتقاد أبي بكر وإنما أقول: على عقيدة الإمام أحمد ، فالذي ظهر هو الإمام أحمد ؛ لما حصل له من محنة، فصار ممثلاً لأهل السنة في تلك المحنة، وصار اعتقاد الحق يضاف إليه، لا إلى الأئمة قبله.

    فهو يعد مفرق الطريق بين أهل الهدى وأهل الردى، وبين أهل السنة وأهل البدعة، وهو مثل لأهل السنة فينتسب إليه، هذا الإمام نقل عنه في المغني في الجزء الحادي عشر صفحة تسعٍ ومائتين، جواز القسم برسول الله، والذي أدين الله به أن هذا القول مردود وغير مقبول، ولا يجوز الأخذ به، والحلف بغير الله حرامٌ حرام.

    فإن قيل: ما تقول في هذا الإمام؟ أقول: هو إمام له دليل وتعليل شرعي لاح له، فهو مأجورٌ عليه إن شاء الله، وأما نحن فلم يظهر لنا، بل عندنا أقوال غيره أظهر.

    الموقف من تجويز الحنفية التكبير بأي صيغة ذكر

    قلنا: إنهم أجمعوا على أنك لو قلت عند الدخول للصلاة: الله أكبر فهذه أحسن الصيغ وهي التي يفعلها المسلمون ولله الحمد، ولكن لو حصل خلاف في ذلك، وجاء حنفي وقال: سبحان الله، أو لا إله إلا الله، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فقيل: أين الصلاة؟ قلت: يا عبد الله! هذا قال به إمام من أئمة الإسلام، وهذا يتبعه، فإذاً هو على هدى.

    ثانياً: لا يحكم على واحدٍ من هذه الأقوال بالضلال، ولا يضلل القائل بها، وأما هل هذه المسألة مقبولة أم لا؟ فهذه مسألة أخرى.

    إخوتي الكرام! التحريمة التي هي ركنٌ من أركان الصلاة عند المذاهب الأربعة، وهذا بالاتفاق، لكن اختلفوا في لفظها، وخالف في ركنيتها بعض أئمتنا من السلف:

    أول جامع علم الحديث والأثر ابن شهاب آمرٌ له عمر

    إن الإمام الزهري خالف في التحريمة وقال: التحريمة سنة، يعني: إذا لم تقل: الله أكبر، ولا سبحان الله، ولا لا إله إلا الله، وتطهرت واستقبلت القبلة، وقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فعند الإمام الزهري الصلاة صحيحة، بلا تحريمة، لا بثناءٍ خالصٍ على الله، كما قال الحنفية، ولا كما قال ابن حزم : لا بد من اسمٍ لله مع تكبير، ولا كما قال الشافعي، ولا كما قال الحنابلة، وهذا نقله ابن المنذر عن الزهري ، وقال: لم يقل به أحدٌ إلا الزهري .

    قاله الحافظ في الفتح والنووي في المجموع في الجزء الثالث صفحة تسعين ومائتين، ونقله الكرخي أيضاً عن إبراهيم بن علية ، وعن أبي بكر الأصم ، ومخالفتهما للجمهور كثيرة، إذاً هم ثلاثة: إبراهيم بن علية ،

    و أبو بكر الأصم ، والزهري كلهم يقولون: التحريم سنة.

    بعد ذكر هذه الأقوال يبقى كيف يتعامل معها طالب العلم؟ والذي ينبغي أن نعيه، وألا نستغرب ونتعجب من هذه الأقوال، بل لا بد من عقلٍ راجح، ينظر في هذه الأقوال وتوجيهها، ثم ما تبين لك رجحانه فخذ به، والحمد لله أجمع العلماء وحتى الإمام الزهري على أنك إذا قلت: الله أكبر فهذا أكمل وأفضل، سواءٌ كان على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب، فحافظ عليه وخذ به، والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    تنبيهات حول الخلاف بين العلماء

    أحب أن أنبه على عدة معالم وتنبيهات، تلزمنا في مثل هذه المباحث، وعندما تأتينا مسائل خلافية فلن أعيد مثل هذا التعليق عليها.

    أولها: الحجة في النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، لا شك في ذلك، ولا نستدل إلا بها.

    اجتهادات العلماء معتبرة

    المعلم الثاني والتنبيه الثاني: اجتهادات العلماء معتبرة، سواءٌ رأيتها بعيدةً أو قريبة، فهي معتبرة في شريعة الله المطهرة، وكما قال أئمتنا: إجماع العلماء حجةٌ قاطعة، واختلافهم رحمةٌ واسعة، وهذا كلام شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الثلاثين صفحة ثمانين.

    ومرةً ذكرت هذا الكلام في بعض الدروس، فعلق بعض السفهاء عليه، وقال: الاختلاف رحمة واسعة، لا يقول بهذا إلا ضال زنديق، ونسأل الله اللطف لهذه الأمة المرحومة من هؤلاء السفهاء الذين يعتدون عليها صباح مساء.

    وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قولٍ فخالفهم رجلٌ كان ضالاً، وإذا اختلفوا فأخذ رجلٌ بقول هذا ورجلٌ بقول هذا كان في الأمر سعة، وكذلك قال مالك : ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه، ولهذا قال العلماء المصنفين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحدٍ أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج البينة، فمثلاً قول الحنفية في تكبيرة الإحرام، والدليل على خلافه، والعبادات ينبغي أن يوقف فيها عند رسم الشرع، وهل إذا صلى بغير تكبيرة تقول: الحكم كحكم تارك الصلاة إذا: أقطع رقبتك، وتأتي تستعمل السيف فيه؟ لا، قف عند حدك، اليد لا تستعمل، وأما بالكلام فتكلم وقل ما تراه أنت وبين خلافه بالدليل الثابت، وأنه قولٌ مرجوح؛ لأنه دليلٌ عام عند دليل خاص، تناظر معه، لكن بالأحسن، فإن استجاب فبها ونعمت، وإلا اتركه فهو على هدى، وما أخذ هذا الحكم من توراةٍ أو إنجيل، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه، هذا معنى كلام الإمام ابن تيمية .

    وقال قبل ذلك: ولهذا لما استشار هارون الرشيد مالكاً أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذه المسائل المختلف فيها منعه من ذلك وقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ أهل كل بلد بقول، وصنف رجلٌ كتاباً في الاختلاف في عهد الإمام أحمد ، فقال له أحمد : لا تسمه كتاب الاختلاف، ولكن سمه كتاب السنة، يعني هذا الخلاف بين العلماء سنة، أي: دلت السنة المطهرة عليه.

    إن ما يصدر من عبارات من بعض علمائنا من غير تدقيق ولا تحقيق، حملت بعض الناس في هذا العصر على وضعها في مصطلحات خاصة، يشوشون بها على الناس، وكنت كثيراً ما أسمع شيخنا محمد المختار الشنقيطي عليه رحمة الله يقول: إن الإمام الزيلعي أطلق بعض السيارات الموهمة بتحقير الأئمة، فليحذر منها، ذكرها في كتابه نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، وهو أول من فتح الباب في تخريج أحاديث الأحكام، وجميع من جاء بعد الزيلعي أخذ منه، وفي عصرنا جاء بعضهم وحدد الصفحات والأجزاء، إن كل ما يوجد في نصب الراية موجود عند من كتبوا في هذا العصر في إرواء الغليل وفي غيره، هذا كله مأخوذ من نصب الراية، وابن حجر في التلخيص الحبير أخذ منه، ولخص الدراية لتخريج أحاديث نصب الراية، والإمام زين الدين الأثري صاحب تخريج أحاديث الإحياء استفاد من الإمام الزيلعي ، فهو من أئمة الحنفية الكبار، ونصب الراية في أربعة مجلدات كبار، يعني أكبر من حجم إرواء الغليل بكثير، وشتان بين المبتدئ وبين المستقي، وطلبة العلم عن هذا في غفلة، يرجع بعضهم ويحيل على الكتب الحديثة فتقول له: راجع نصب الراية، فيقول: نصب الراية في أي شيء.

    إن الإمام الزيلعي مع إمامته كان يستعمل بعض العبارات كنظير العبارات التي تقدمت عن ابن القيم وغيره، وكان شيخنا يحذر منها ويقول: احذروا هذه العبارات التي أطلقها هؤلاء الأئمة في أول الأمر ولا يقصدون منها تحقير علماء الإسلام، إنما أطلقها ظاناً أنها اصطلاح وتعبير، وأن الأمر يسير، ولكن وقف بعض الناس عندها وجعلوا لها مصطلحات خاصة، وبدءوا يدندنون بها، فمثلاً: الإمام الزيلعي يقول عن حجج الحنفية: احتج أصحابنا، وإذا جاء لحجج الشافعية والمالكية والحنابلة يقول: قال الخصوم، فهذه العبارة، قال: الخصوم، استدل الخصوم، ذكر الخصوم، أنا على يقين أنه ما يقصد الخصومة وأننا نتحارب ونتضارب إذا التقينا، وإنما يقصد الخصوم في الرأي والاختلاف، الذين لا يقولون بقولنا، ثم جاء بعض أهل العصر ووقف عند هذه العبارة، هنا ردوا المحكم بالمتشابه، ووقفوا عندها، وضخموها، وطولوها، وعرضوها، ورتبوا عليها ما لم يرد قائلوها بها.

    فكان شيخنا عليه رحمة الله يتضايق من هذه العبارة، ونحن الذين جعلنا الله إخوة متحابين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، يعبر بعضنا عن بعض بلفظ الخصوم! وهو إمام من أئمة المسلمين الكرام!

    لكن -كما قلت- زلل وقع فيه نستغفر الله له، ونحن إذا كنا منصفين مهتدين نسبل الستر على هذه العبارة وانتهى الأمر، وإذا ذكرناها إنما ليحذر بعضنا بعضاً من استعمالها لا لأجل أن نتنابز بها، ونجعلها عصا يضرب بها بعضنا بعضاً، فانتبهوا لهذا إخوتي الكرام، فاجتهادات العلماء معتبرة، سواءٌ كانت قريبة أم بعيدة، قف عند حدك، ثم بعد ذلك تأخذ بها أو لا تأخذ، هذا أمرٌ آخر.

    الأمر الثالث ينبغي أن نعيه تمام الوعي: كل أحدٍ من خلق الله بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة يخطئ ويصيب، ويؤخذ من قوله ويترك، وتقدم معنا تقرير هذا عن مجاهد رحمه الله، وقلنا: أول من عاملناه بقوله هو، فقلنا: نحن نرد عليك بعض أقوالك؛ لأنك قلت: كل واحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه، فقولك تركناه؛ لأنه خلاف ما عليه أئمة الإسلام، ولا نشنع ولا نضيق؛ لأنه في الأصل إمام مهتدي، وشتان شتان بين أن يكون عالماً زائغاً ضالاً مبتدعاً يخرف، وبين أن يكون عالماً مهتدياً، قال قولاً بناءً على دليل ما، فإن أصاب، أو زل، ففي كلا الحالتين قف عند حدك، وخذ قول من ترد، والاجتهاد المرجوح تقول عنه: هذا مرجوح، ولا أحكم عليه ولا على قائله بالضلال وانتهى الأمر.

    المعلم الرابع والتنبيه الرابع: يجب علينا أن نبذل ما في وسعنا للوصول إلى مرضات ربنا، هذا لا بد منه، أقوال عندنا وأدلة كل واحدٍ ينبغي أن يبحث عن الحق فيها بمقدار الاستطاعة، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، ثم بعد ذلك يلتمس بعضنا لبعضٍ العذر، فمن أخذ بالقول الآخر فلا حرج عليه، وكما قلت: والله لأن تضرب رقبتي أيسر عليّ من أن أفتتح الصلاة بقول: سبحان الله، أو بقول الإمام الزهري ، لكن مع ذلك لو قدر أن إنساناً جاء وقال: أنا أرى أن هذا القول معتبر سأفتتح صلاتي به، قلت: صلاتك باطلة، لا، ثم لا، قف عند حدك، ولو قدر أن إماماً صليت وراءه، فكل واحدٍ بعد ذلك على حسب نيته واجتهاده، وإلا سيضلل بعضنا بعضاً.

    فهذا أبو يوسف عليه رحمة الله يرى أن خروج الدم ينقض الوضوء، وهو مذهب الحنفية ولست الآن في مجال لتحقيق الكلام في هذه القضية إنما أنظر إلى الشاهد، لما حج مع هارون الرشيد احتجم هارون وبالاحتجام يخرج دم كثير ليس قطرة أو قطرتين، ثم قام هارون ليصلي فاقتدى به أبو يوسف فقيل له: تركت مذهبك وخالفت شيخك، أنت تقول: بأن الوضوء بخروج الدم ينقض، وهذا مذهب إمامك أبي حنيفة ، فكيف تركت مذهبك وخالفت شيخك؟ فقال: سبحان الله! أمير المؤمنين لا نصلي وراءه! قال أئمتنا: إن إمام الصلاة نترك اجتهادنا لاجتهاده، كما أن إمام الحرب نترك رأينا لرأيه وإلا كنا في حرب، ولذلك ما نكره في الجماعة خيرٌ مما نحب في الفرقة، ونترك رأينا طاعةً للأمير الذي علينا ضمن طاعة الله ورسوله، فلو قال: اذهب واقتل مسلماً فلا نطيع، ولو جاء ليشرب الخمر وقال اشربوا لا نطيع، بل نقف عند الحدود، وأما أمر تحتمله الأدلة، واشتملته الأدلة، فإننا لا نلزمه برأينا، بل نترك رأينا لرأيه في محل إمامته وطاعته، وبدون هذا لا يمكن أن يحصل للمسلمين وئام والتئام واجتماع، أنت ترى أن خروج الدم ناقض هذا إذا كنت أنت تصلي بالناس إماماً وخرج منك الدم فتوضأ، أما إذا كنت مقتدياً فالتزم بحال الإمام، حتى وإن خرج منه دم صل وراءه، نعم إذا فعل ما هو مجمعٌ على بطلانه حتى عنده، -مثلاً- لو صلى من غير طهارة كأن بال وصلى، فهذا بالإجماع لا نصلي وراءه، ولابد من التفريق بين ما يحتمله الدليل وبين ما لا يحتمله، لا بد من هذا، والمباحث العلمية كما يقول ابن تيمية عليه رحمة الله الخلاف فيها أمره يسير.

    المعلم الخامس وهو ضروري: إياك أن تقول قولاً لم تسبق إليه، قف عند حدك، ينبغي أن ننتبه عند هذا الأمر، فاستح منه وإياك أن تقوله، لكن ما قاله أئمتنا تنظر فيه وفي أدلته، وترى ما هو الراجح حسب ما يظهر لك، وقد يكون الراجح عندك مرجوحاً في الحقيقة، لكن لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    الأمر السادس وهو آخر المعالم: يجب علينا أن نتعصب، ولكن لمن؟ الجواب: نتعصب لأئمتنا وعلمائنا، لا لواحدٍ منا، والذي لا يتعصب لعلماء الإسلام فعليه لعنات ذي الجلال والإكرام، فهؤلاء هم أولياء الرحمن، نتعصب لهم ونحبهم، ويعلم الله ما خطر ببالي في يومٍ من الأيام أن أفرق بين إمامٍ وإمام، فكلهم على العين والرأس، وأما إذا كان يميل لمذهب أبي حنيفة، فيتعصب لـأبي حنيفة ولا يبالي بالإمام الشافعي ، هذه هي السفاهة وهذا هو الضلال، وهكذا إذا كان على مذهب الإمام أحمد يتعصب له، يعني كل قول سيقوله هو المعتبر، والأقوال الأخرى لا اعتبار لها، وإذا ذكر الإمام أحمد تراه يفرح، ويثني عليه، فإذا ذكر الإمام الشافعي كأنه ينقبض، فهذا ضلال، إننا نتعصب لكن للأئمة جميعاً، وهذا لا بد منه، وهو خلقٌ حميد؛ لأن هؤلاء أئمة الإسلام، والتعصب لهم طاعةٌ لذي الجلال والإكرام، وما يقال في هذه الأيام: لا تتعصب! نقول: أي تعصب تقصد؟ أن لا نتعصب لأئمتنا! معنى ذلك أن نخذلهم وأن نتخلى عنهم وأن نقع في أعراضهم، بل نتعصب لهم، والوقوع في واحدٍ منهم أشنع من ضرب رقابنا، وكما قلت: لا نتعصب في بعضٍ دون بعض، هؤلاء أولياء الله وأحباب الله، وإن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي في الدنيا ولا في الآخرة.

    هذه الأمور الستة إخوتي الكرام حقيقةً إذا وعاها المسلمون استراحوا وأراحوا، وإذا غفلوا عنها، ووجه كل واحدٍ نفسه كما يريد، فسيُضلل بعضنا بعضاً كما هو الحاصل، ونسأل الله اللطف وحسن الخاتمة.

    خلاصة الكلام الذي يظهر لي والعلم عند ذي الجلال والإكرام أن التكبير ركنٌ من أركان الصلاة، ولفظة التكبير بينها نبينا عليه الصلاة والسلام: ( الله أكبر )، فينبغي أن نأخذ بهذا، والأقوال الأخرى هي ومن قال بها على عيننا ورأسنا لا نرد واحداً منها، لكن هذا الذي ظهر لنا.

    عندما نترك قول عالم من علمائنا الكرام، لا يعني هذا أنه منقصةٌ في هذا الإمام، أو أنه يحط من قدره، لا، ثم لا، وإنما كل واحدٍ يخطئ ويصيب ويؤخذ من قوله ويطرح إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه، لكن هذا القول لما أخذ من دليلٍ شرعي، والدليل يحتمله احتمالاً قريباً أو بعيداً، خرج عن كونه بدعة، والبدعة ما لا يحتملها الدليل الشرعي صراحةً أو تلميحاً، ما دام احتملها الدليل، وقال بها إمام من أئمتنا الكرام، فقد خرجت عن كونها بدعة، وخرجت عن كونها باطلة، وفي هذه الحالة إذا لم تأخذ بها لوجود ما هو أقوى وأرجح، فلا حرج ولا منقصة على هذا الإمام، ولا يقال: إنك تطعن فيه، بل كل واحدٍ يؤخذ من قوله ويترك، وكل واحدٍ يصيب ويخطئ إلا النبي عليه صلوات الله وسلامه.

    كيفية التعامل مع زلات العلماء

    ويمكن أن نضيف معلماً إلى المعالم السابقة حول التعامل مع زلات العلماء، فلو قدر أن بعض العلماء وقع في زلل وخطأ وترخص، فحقيقة: هذا الزلل يرد ويطرح لكن بلطف دون تشنيع، ودون وقوع في هذا الإمام، وأما إذا كان من أئمة الضلالة ينبئ أولياء الشيطان على الدوام، فإننا نرد عليه ونبين بطلان قوله ونقول: هذا تخريف وضلال، ولا يقال: كيف تجرحون؟ فعلماء الإسلام إذا وقفت على زلةٍ لواحدٍ منهم غاية ما تفعل أن ترد هذا الزلل وتستغفر لقائله، وأما إذا علمت أن هذا القول خطأ وبعيدٌ عن الصواب، وإن كنت لا تضلل قائله، إذا علمت خطأه ثم أخذته وأخذت غيره، وجمعت أخطاء وجئت تتعلل بأن هذه الأقوال منقولة عن علماء الإسلام، فهذا في الحقيقة ضلالٌ وأوهام، وكما قلنا: نبذل ما في وسعنا للوصول إلى مرضات ربنا، وكان سليمان التيمي يقول: من أخذ برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله.

    وقال شيخ الإسلام الأوزاعي : من أخذ برخص العلماء ومعاذيرهم خرج من الإسلام.

    وقال ابن القيم : من أخذ بزلل العلماء ورخصهم تزندق أو كاد. هذا كله تقدم معنا معزواً إلى مصادره، فيبقى كما قلت الزلل جلل، وهم بشر، وهذا الزلل ما دام يحتمله الدليل فالقائل به ليس ضالاً، وهذا القول ليس بدعة، وأما أن تأتي ونأخذ رخص بعضهم أو نجمع هذه الرخص كلها ونأخذ بها، ونلتزم بهذا المجموع ومن عداه نتحامل عليه، فهذا في الحقيقة كما قلت متاهةٌ وضلال، ينبغي أن نبتعد عنه وأن نحذر منه.

    وإذا وجد الإنصاف حقيقةً فالأمة تهتدي، وإذا عدم الإنصاف فنسأل الله اللطف، وليس شيءٌ أقل من الإنصاف كما قال الشافعي .

    1.   

    صيغة التسليم في آخر الصلاة

    وأما المسألة الثالثة وهي قوله عليه الصلاة والسلام: (وتحليلها التسليم)، أقول ما تيسر في هذا المبحث.

    التحليل: جعل الشيء المحرم حلالاً، فما حرم علينا من مباحات منافية للصلاة كما تقدم معنا: (تحريمها التكبير )، قلنا: يحرم الأفعال المنافية للصلاة من أكل وشرب وكلام وغير ذلك، فمتى تحل لنا؟ الجواب: إذا سلمنا، لقوله عليه السلام: ( تحليلها التسليم )، كما حرم علينا من المباحات المباينة للصلاة بتكبيرة الإحرام، حلت لنا هذه المباحات بالسلام، فكأن السلام يزيل العقدة والرباط على تلك الأمور التي كنا ممنوعين من فعلها في صلاتنا، كما تحل العقدة المتينة وتزيل رباطها وتفكها، ( وتحليلها التسليم )، أي: تحليل ما حرم عليك فيها من أجل فعلها، فهذه المباحات التي حرمت عليك إذا صليت لأنها تنافي الصلاة تحل لك، ويحل لك أن تفعلها، وتزيل هذا الرباط عنها الذي منعك من فعلها بسلامك: السلام عليكم ورحمة الله.

    صيغة التسليم الكاملة المتفق عليها

    وصيغة السلام الكاملة: أن تسلم على الجهة اليمنى: السلام عليكم ورحمة الله، وعلى الجهة اليسرى: السلام عليكم ورحمة الله، بحيث يرى بياض خدك من على الجهة اليمنى وعلى الجهة اليسرى، ثبت الحديث بذلك في مسند أحمد والسنن الأربعة وصحيح ابن حبان وسنن الدارقطني ، والحديث صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، ويسلم عن يساره فيقول: السلام عليكم ورحمة الله)، كما قلت: هذه صيغةٌ كاملة إذا قلت بها يعني أتيت بالمطلوب، أما بعد ذلك الزيادة والنقصان سنتكلم عليه إن شاء ربنا الرحمن.

    لو أراد الإنسان أن يزيد فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهل هذا مشروع؟

    نعم هو مشروع، وورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ثبت في سنن أبي داود من رواية وائل بن حجر ، والحديث إسناده صحيح كما قال الحافظ في التلخيص الحبير في الجزء الأول صفحة تسعٍ وثمانين ومائتين، وائل بن حجر رضي الله عنه يقول: ( صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله فيقول: السلام عليكم ورحمة الله )، هذه الرواية التي في سنن أبي داود ، فعن اليمين: (وبركاته)، وعن الشمال: (ورحمة الله) فقط، والحافظ في التلخيص زاد (وبركاته) في السلامين: ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته )، فهل ذلك من الاختلاف في النسخ أو خطأ في طباعة التلخيص؟ العلم عند الله جل وعلا، لكن الرواية الثابتة في سنن أبي داود : ( يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله ).

    والحديث رواه ابن حبان أيضاً، وابن ماجه في السنن، ونسبه الحافظ إليه في التلخيص، ولا يوجد في سنن ابن ماجه المطبوعة الموجودة بين أيدينا والعلم عند الله، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير، وابن حزم في المحلى في الجزء الثالث صفحة خمسٍ وسبعين وثلاثمائة عن ابن مسعود رضي الله عنه، والرواية الأولى عن وائل بن حجر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حتى يرى بياض خده، ثم يسلم عن يساره فيقول: السلام عليكم ورحمة الله)، دون (وبركاته) في رواية الطيالسي والطبراني في معجمه الكبير من الروايات التي ذكرتها.

    وفي رواية ابن ماجه التي عزا إليها الحديث الحافظ ابن حجر ، ورواية المحلى فيقول: ( وبركاته )، يعني في رواية ابن مسعود رضي الله عنه بعد الروايات المروية عنه: ( عن اليمين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن الشمال: السلام عليكم ورحمة الله ).

    وفي الرواية الثانية عنه أيضاً: ( وبركاته )، في السلامين، ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته )، وهذه الزيادة أعني زيادة (وبركاته) صحيحة، وسأتكلم عليها فيما يأتي، وأبين الجمع بينها وبين الرواية الثابتة والمنقولة عن أكثر من خمسة عشر صحابياً دون زيادة (وبركاته)، وهي فعل النبي عليه الصلاة والسلام في الأكثر والأغلب.

    الأمر الأول تقدم معنا أن الطهارة تشترط للصلاة فلا تصح الصلاة بدون طهارة، وهذا محل اتفاقٍ وإجماع كما تقدم معنا، فهي مفتاحها، ( مفتاح الصلاة الطهور ).

    والأمر الثاني: ( تحريمها التكبير )، بحثنا في تكبيرة الإحرام، وما اللفظ الذي يشترط لتنعقد به صحة صلاة الإنسان.

    وندخل الآن في المبحث الثالث: ( تحليلها التسليم )، ونأتي بعد ذلك على الأمر الرابع ألا وهو ( مفتاح الجنة الصلاة ).

    قول نبينا عليه الصلاة والسلام: ( وتحليلها التسليم )، سنتدارس أربع مسائل تتعلق بالسلام على وجه الاختصار إن شاء الله:

    أولها: صيغة السلام الكاملة باتفاق أئمتنا، ومن قالها فقد أتى بالمطلوب المشروع على أتم وجهٍ وأكمله، وهي: أن يسلم سلامين: سلاماً عن يمينه، وسلاماً عن شماله، ويقول في كل من السلامين، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.

    وتقدم معنا أن هذا ثابتٌ عن نبينا عليه الصلاة والسلام من رواية عدةٍ من الصحابة الكرام، ثبت هذا في المسند وفي السنن الأربعة، وفي صحيح ابن حبان ، وسنن الدارقطني من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، ثم يسلم عن يساره فيقول: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الشريف ).

    التحقيق في زيادة (وبركاته) في التسليم

    وردت زيادة (وبركاته)، وهي زيادةٌ صحيحةٌ ثابتة، وسأتكلم عليها إن شاء الله ضمن المسألة الأولى، وهذا محلها بإذن الله.

    ثبت في سنن أبي داود من رواية وائل بن حجر رضي الله عنه قال: ( صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حتى يرى بياض خده، ويسلم عن شماله فيقول: السلام عليكم ورحمة الله )، رواية أبي داود في السلام الثاني عن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، لكن الحافظ ابن حجر -كما بينت- في التلخيص الحبير في الجزء الأول صفحة تسعٍ وثمانين ومائتين عزا هذه الرواية لـأبي داود بزيادة: (وبركاته)، في الموضعين: عن يمينه وعن يساره، لكن الرواية في نسخ سنن أبي داود التي بين أيدينا أن زيادة: (وبركاته)، ثابتةٌ في السلام الأول عن يمينه عليه صلوات الله وسلامه، واقتصر على قوله: (السلام عليكم ورحمة الله) عندما يسلم السلام الثاني عن يساره.

    وهذا الحديث ثبت أيضاً في صحيح ابن حبان وسنن ابن ماجه ، ورواه أبو داود الطيالسي والطبراني في معجمه الكبير، ورواه ابن حزم في المحلى في الجزء الثالث صفحة خمسٍ وسبعين وثلاثمائة، وإسناد الحديث صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويسلم أيضاً عليه صلوات الله وسلامه عن يساره فيقول: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خديه في السلامين: خده الأيمن وخده الأيسر).

    وهذه الرواية الثانية -أعني رواية عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه- في رواية الطيالسي ومعجم الطبراني الكبير كرواية أبي داود الموجودة بيننا أنه يقول عن يساره: (السلام عليكم ورحمة الله)، فقط دون: (وبركاته)، وأما عن يمينه عندما يسلم فهذا ثابت؛ لكن في رواية الطيالسي ومعجم الطبراني الكبير: (يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله)، ورواية ابن ماجه التي نسبها إليه أيضاً الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير أنه يقول: (وبركاته)، مع أن رواية ابن ماجه التي هي في المطبوعة بين أيدينا ليس فيها (وبركاته)، لا في السلام الأول ولا في السلام الثاني من رواية عبد الله بن مسعود ، فكما قلت: إن هذا من اختلاف النسخ أو هو وهمٌ من الحافظ ابن حجر عندما نسب هذه الرواية لـابن ماجه ، نعم ذلك ثابت في رواية المحلى، وفي رواية أبي داود الطيالسي ، وفي صحيح ابن حبان ، وهكذا كما قلت في معجم الطبراني الكبير، وهذه الزيادة: (وبركاته)، عن وائل بن حجر وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما زيادةٌ صحيحة، ثابتةٌ عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    قال شيخ الإسلام النووي في المجموع في الجزء الثالث صفحة ثمانٍ وسبعين وأربعمائة نقلاً عن شيخ الإسلام أبي عمرو بن الصلاح عليهم جميعاً رحمة الله قال: لم أجد في شيءٍ من الأحاديث زيادة: (وبركاته) إلا في حديثٍ رواه أبو داود عن وائل بن حجر ، هذا كلام أبي عمرو بن الصلاح ينقله عنه النووي في المجموع، والحافظ ابن حجر عليه رحمة الله في التلخيص نقل عن أبي عمرو بن الصلاح ما يشير ويدل على خلاف هذا، فقال: هذه الروايات الثابتة بزيادة: (وبركاته) من رواية وائل بن حجر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، قال: هذه الثابتة، وهي رواياتٌ صحيحة تفيد التعجب من عمل الحافظ ابن الصلاح ، حيث قال: إن هذه الزيادة ليست في شيءٍ من كتب الحديث، وعبارة ابن الصلاح ليست كذلك، فهو يقول: أنا ما وجدتها إلا في رواية أبي داود ، وكأن الحافظ ينقل عنه أنه يقول: ليست في شيءٍ من كتب الحديث مطلقاً، وهذا النقل فيه تساهلٌ من الحافظ عليهم جميعاً رحمة الله، ونقل الإمام النووي عن ابن الصلاح أدق عندما قال: لم أجد هذه الرواية إلا في سنن أبي داود عن وائل بن حجر، قلت: وثبتت أيضاً عن عبد الله بن مسعود في الكتب التي ذكرتها، وابن الصلاح لم يقل: لا توجد في كتب الحديث مطلقاً، كما نسب إليه ذلك الحافظ وتعجب من صنيعه، وأنه كيف خفي عليه وهي في سنن أبي داود ، وواقع الأمر أن ابن الصلاح قال: ما وجدتها في غير سنن أبي داود عن وائل بن حجر .

    اختلاف الفقهاء في العمل بزيادة (وبركاته)

    الرواية التي فيها زيادة (وبركاته) صحيحة، ولكن مع صحتها اختلف أئمتنا في العمل بها، فذهب أبو عمرو بن الصلاح وجمهور العلماء إلى أن هذه الرواية مع صحتها شاذة، وبالتالي لا يعمل بها؛ لأنها خالفت روايات الجم الغفير والجمع الكثير الذين نقلوا كلام البشير النذير عليه صلوات الله وسلامه في صلاته، بل كان يقتصر على قوله: (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله)، فقالوا: هذه الرواية شاذة، مما يدل على أن الراوي لم يضبط كلام الذين نقلوا هذا، وإذا خالفت هذه الرواية روايات الأوثق والأضبط والأكثر، فهي -كما قلت- شاذة لا يعمل بها، وذهب إلى هذا الحنفية، يقول الميداني في كتابه اللباب من كتب الفقه الحنفي في الجزء الأول صفحة أربعٍ وسبعين، لا يقال: وبركاته لعدم توارثه، وصرح الحجاجي من أئمة الحنفية بكراهته، أي: بكراهة: (وبركاته)، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهذا غير متوارث، أي: غير منقول خلفاً عن سلف، ولذلك الرواية كما قلت في حكم الشاذة فلا يعمل بها.

    والحقيقة أن هذا الحكم مع جلالة من قال به ففيه شيءٌ من القسوة والشدة، والشذوذ يكون عندما تتنافى الروايتان، فالرواية تثبت شيئاً، وهذه تنفي، أو تلك تنفي وهذه تثبت، أما إذا أمكن الجمع بينهما فلا داعي للحكم على واحدةٍ منهما بالشذوذ، ولا داعي لإهمال واحدةٍ منهما، وأما الجمع فإننا نقول: كل منهما صحيحٌ ثابت، لكن عمل النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان يواظب عليه غالباً: (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله)، وكان أحياناً يقول: (وبركاته)، وعليه كما قال أئمتنا: هذه سنة نادرة، يعمل بها على سبيل الندرة أحياناً، ولا يجعلها الإنسان ديدنه في جميع صلواته؛ لأن المنقول عن النبي عليه الصلاة والسلام في غالب صلواته وهو الذي نقله الجم الغفير من الصحابة دون زيادة (وبركاته)، وإلى هذا ذهب ابن قدامة كما في المغني في الجزء الأول صفحة واحدة وتسعين وخمسمائة، وطبعة المغني إذا عزوت إليها فهي مع الشرح الكبير. يقول ابن قدامة : ولو قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهو حسن، يقول: وعدمها أحسن، هذا حسن، وعدمها أحسن، يقول: لأن رواته -أي: رواة الاقتصار على قوله: السلام عليكم ورحمة الله- أكثر وطرقه أصح، وعليه الغالب من فعل النبي عليه الصلاة والسلام دون زيادة: (وبركاته)، وإذا زادها الإنسان نادراً فلا يقال: إنه مخالفٌ للسنة، ولا يقال: إنه فاعلٌ للبدعة، نعم ينبغي أن يجعل أغلب كلامه في صلواته دون زيادةٍ: (وبركاته)، والعلم عند الله جل وعلا.

    وكما قلت: إن القول الثاني فيما يظهر أوجه من القول الأول والعلم عند الله عز وجل، والرواية إذا ثبتت لا داعي لطرحها، والمالكية قالوا كالحنفية: بعدم القول بزيادة: (وبركاته)، يقولون: لأنه لم يجر عليها العمل، يقول الشيخ الدسوقي في حاشيته على مختصر خليل في الجزء الأول صفحة اثنتين وعشرين ومائتين: لا يضر زيادة: ورحمة الله وبركاته؛ لأنها خارجةٌ عن الصلاة، وظاهر كلام أهل المذهب أنها غير سنة وإن ثبت بها الحديث؛ لأنه لم يصحبها عمل أهل المدينة، وعمل أهل المدينة سيأتينا تفصيل الكلام عليه على سبيل الاختصار عند بعض مباحث السلام الأربعة إن شاء الله، هذا فيما يتعلق بالمسألة الأولى.

    إن أفضل صيغة سلام كما قلت وأكملها وأحسنها، وتكون الصلاة تامة بها، وشرعية يثاب عليها، وليس فيها نقص أن يسلم سلامين: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأما زيادة: (وبركاته) فالمعتمد أنها ثابتة زائدة، ولو فعلها على سبيل الندرة فلا حرج ولا بأس، والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    اختلاف العلماء في حكم التسليم

    المسألة الثانية حكم السلام قال عليه الصلاة والسلام، ( تحليلها التسليم )، ذهب الجمهور وهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أن السلام ركنٌ من أركان الصلاة، فلو قطع صلاته قبل سلامه بطلت صلاته، فلو جلس القعود الأخير وقرأ التشهد وصلى على النبي عليه الصلاة والسلام ودعا ثم لم يسلم بل قام وانصرف فالصلاة باطلة، أو أحدث فيها بطلت صلاته، إلا أن يذهب فيتوضأ ثم يكمل ويبني على ما سبق، والمقصود أن الصلاة لا تنتهي إلا بالتسليم، فالسلام ركن كتكبيرة الإحرام، كما أنه لا تنعقد الصلاة بغير تكبيرة الإحرام، كذلك لا ينتهي المسلم منها ولا تقبل منه إلا إذا سلم.

    أدلة وجوب التسليم

    دليلهم -أي الجماهير-: حديث الباب الذي معنا: ( وتحليلها التسليم )، وتقدم معنا أن هذه الجملة وهذه الصيغة تفيد الحصر؛ لأنه يقول: لا يمكن أن تتحلل من صلاتك، وأن يحل لك ما حرم عليك فيها من المباحات بعد أن كبرت تكبيرة الإحرام إلا بالسلام، ومعنى الحصر في هذه الجملة كأنه يقول: لا خروج من الصلاة إلا بسلام، وإذا خرجت منها بغير سلامٍ فليست هذه الصلاة صلاةً شرعية، ولا تقبل، وهي ناقصةٌ مردودةٌ عليك، كما تقدم معنا في الصيغة الأولى: ( تحريمها التكبير )، وقلنا: بأنه لا تنعقد إلا بالتكبير كما هو مذهب الجمهور، هذا هو الدليل الأول.

    والدليل الثاني: قالوا: هذا هو الثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام بطريق التواتر، فلم يعلم عنه عليه صلوات الله وسلامه أنه خرج من صلاته بغير سلام، كما كان يكبر لها بتكبيرة الإحرام، فهذان دليلان على أن السلام ركن لا تصح الصلاة إلا إذا سلمت، ولا تتحلل منها إلا بذلك، فالسلام ركنٌ من أركان الصلاة، وهذا كما قلت هو الظاهر من نصوص الشرع، والقول به في منتهى اليسر ولا كلفة فيه.

    أدلة الحنفية على استحباب التسليم والجواب عنها

    الحنفية غفر الله لنا ولهم خالفوا في هذا، وقالوا: السلام سنة من سنن الصلاة، وعليه إن أحدثت قبل الصلاة تمت صلاتك ولا يلزم أن تتوضأ، وتبني على ما سبق، بل لو أردت بعد القعود الأخير أن تنصرف من غير سلام فلا حرج عليك أن تقوم وتمشي، نعم يقولون: فاتك أجر، وشتان بين فوات الأجر وعدم تحصيل الأجر وبين بطلان الصلاة، فلا تقبل قول القائل: بطلت الصلاة ولم يسقط الفرض عنك وأنت مُطالب به، بل مجرد أجر فات كما لو تركت دعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك، وهكذا: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض، إذا تركت هذا فالصلاة قل أجرها، وهكذا لو تركت السلام قل الأجر، وتركت سنةً من سننها مع كون الصلاة صحيحة، هذا قول الحنفية.

    وقولهم في منتهى الغرابة، وينبغي أن تتسع صدورنا لما يقرره أئمتنا عليهم جميعاً رحمة الله، كما نلتمس لهم الأعذار فيما قالوه وفيما توصلوا إليه، وأما كوننا نرى هذا القول كما قلت بعيداً، فهذا أمرٌ آخر، ولكنه مستنبطٌ من أدلةٍ شرعية وهاك هذه الأدلة:

    أولها: قالوا: حديث المسيء في صلاته، وهو ثابتٌ في المسند والكتب الستة أي: الصحيحين والسنن الأربعة، وتقدم معنا الإشارة إليه في رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام ما علم المسيء صلاته السلام في صلاته عندما قال له: (إذا أردت أن تصلي كبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، ثم ذكر له سائر أفعال الصلاة ولم يذكر منها السلام، فلو كان السلام ركناً من أركان الصلاة لذكر النبي عليه الصلاة والسلام السلام للمسيء في صلاته عندما علمه الصلاة,

    والحديث أيضاً في سنن البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجلٌ فصلى فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، فرد عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى، ثم جاء فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، فرد عليه وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع ثلاثاً، فقال بعد ذلك: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها)، وما ذكر له السلام.

    وفي بعض الروايات: (قال: وعليك السلام ارجع)، وفيه: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم قال: افعل ذلك في صلاتك كلها)، ورواية أبي داود : (فإذا فعلت هذا تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك)، وما ذكر له السلام هنا، فلو كان السلام من أركان الصلاة لقال له النبي عليه الصلاة والسلام: سلم بعد ذلك عندما تريد الانصراف من الصلاة؛ ولأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث المسيء في صلاته ذكر له الأركان التي لا تصح الصلاة إلا بها، وهذا عمدة الحنفية في ذلك.

    والجواب على هذا سهلٌ يسير، وهو أن نقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام علم المسيء في صلاته ما جهله من أركان الصلاة، وأما ما هو معلومٌ عنده ومستقرٌ عند المسلمين فما ذكره له، ولذلك ما ذكر له القعود الأخير الذي هو ركن، ويقول الحنفية بركنيته، وهكذا ما ذكر له السلام، وإنما ذكر له غالب الأركان التي كان يجهلها والتي يسيء فيها في صلاته، فعلمه ما يجهله، وأما السلام فلا يوجد أحدٌ من أهل الإسلام ينصرف من الصلاة بغير سلام، فهو معلوم، ويعلمه هذا الأعرابي الذي كان يسيء في صلاته، فلا داعي أن يعلمه ما يعلمه، إنما علمه وبين له ما أساء في فعله، هذا جواب أئمتنا.

    ومن أدلة الحنفية أيضاً أنهم يقولون: ورد في سنن أبي داود ، وعند ابن حبان في صحيحه، والدارقطني في سننه، والبيهقي في سننه أيضاً، وأصل الحديث في الكتب الستة، وهذه الروايات في زيادة سنن أبي داود والكتب التي ذكرتها عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة، ثم قال لي: إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد )، يعني: إذا قلت التشهد في الصلاة فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم وتنصرف فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد، أي: للدعاء والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ( ثم السلام )، وهذا ما يستدل به الحنفية، يقولون: تلك الأمور كلها ليست من الأركان، والقعود الأخير ورد في هذا الحديث، وقوله: قضيت صلاتك، أي: إذا قلت التشهد وقعدت هذا القعود فقد قضيت ما عليك، ( إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد ).

    قال أئمتنا: والجواب عن هذا: أن هذه الزيادة: (إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)، ليست من كلام النبي عليه الصلاة والسلام باتفاق الحفاظ وإنما هي مدرجةٌ في الحديث، قيل من كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهذا هو الراجح، وقيل: من كلام بعض الرواة عنه كما سيأتينا إن شاء الله، نص على ذلك النووي في المجموع في الجزء الثالث صفحة إحدى وثمانين وأربعمائة، فقال: هذه الزيادة مدرجة ليست من كلام النبي عليه الصلاة والسلام باتفاق الحفاظ، ونص على ذلك -أيضاً- الزيلعي في نصب الراية في الجزء الأول أربعٍ وعشرين وأربعمائة، والحافظ ابن حجر في اختصاره لنصب الراية المسمى: بالدراية في الجزء الأول صفحة سبعٍ وخمسين ومائة.

    ومن الحفاظ الذين نصوا على أن هذه الزيادة مدرجة ابن حبان والدارقطني والبيهقي وهم ممن روو هذا الحديث، قالوا: قوله: ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد )، هذا هو لفظ عبد الله بن مسعود ، ( ثم إذا فعلت هذا قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد )، هذا مدرج ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، أي مزيد في هذا الحديث، وليس هو من لفظ النبي عليه الصلاة والسلام.

    وقال ابن حزم في المحلى في الجزء الثالث صفحة ثمانٍ وسبعين ومائتين: انفرد بهذه الزيادة القاسم بن مخير ، ولعله -أي: الراوي عن ابن مسعود - قال ذلك على حسب رأيه، يظن أن الصلاة انتهت إذا تشهدت، أي: هذا القول أخذه القاسم عن علقمة، أو هو من قول عبد الله بن مسعود، وهذا الذي عليه غالب الحفاظ أن هذا من كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

    ثم قال ابن حزم: ولو صحت هذه الرواية على التسليم بأنها صحيحة، وأنك إذا قلت التشهد فقد قضيت ما عليك، (إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت تقعد فاقعد)، لو صحت لكانت الأحاديث الزائدة التي بينت أن الصلاة لا ينبغي أن تخرج منها إلا بالسلام، توجب ذلك الحكم الزائد، يعني أنه كان في أول الأمر يصح أن تخرج من الصلاة بغير سلام، ثم جاءت الأحاديث الكثيرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام بأنه، (لا خروج من الصلاة إلا بالسلام)، وعليه فقد أثبتت حكماً زائداً فينبغي أن نأخذ به، والإمام ابن حزم عليه رحمة الله يقول للحنفية: سلمنا لكم ما تقولون. بأنه لا إدراج في الأثر، وأن هذا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا كان في أول الأمر، وثبتت الأحاديث بزيادة السلام، وأنه ركنٌ من أركان الصلاة، فيجب القول به والمصير إليه، والعلم عند الله جل وعلا.

    ومن حجج الحنفية أيضاً أنهم يقولون: ثبت في سنن الدارقطني والبيهقي من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعة، ومن رواية علي رضي الله عنه موقوفاً عليه، يقولون: وله حكم الرفع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهنا الأثر عن علي : ( إذا أحدث أحدكم وقد قعد في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته )، وأثر علي : ( إذا جلس أحدكم قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته )، فيقولون: هذان الأثران: أثر عبد الله بن عمرو المرفوع، وأثر علي الموقوف يبينان أن السلام ليس بركنٍ من أركان الصلاة، بل هو من السنن، ولذلك إذا أحدثت قبله فالصلاة صحيحة، ولا يلزمك أن تتوضأ وأن تأتي وتسلم، وإذا أردت أن تخرج من الصلاة بغير سلامٍ فهذا أيضاً صحيح.

    لكن هذين الأثرين -كما قال أئمتنا- ضعيفان باتفاق الحفاظ، نص على ذلك الإمام النووي في المجموع في الجزء الثالث صفحة إحدى وثمانين وأربعمائة في المكان المتقدم، والحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الثاني صفحة ثلاثٍ وعشرين وثلاثمائة، وهكذا الإمام البيهقي بعد أن روى الأثرين ضعفهما، ثم قال كقول ابن حزم : لو ثبتا لكان هذا في ابتداء الإسلام، ثم بعد ذلك جاءت الأحاديث بأنه: ( لا خروج من الصلاة إلا بسلام )، هذا كلام البيهقي في السنن الكبرى في الجزء الثاني صفحة خمسٍ وسبعين ومائة، وعليه لا متعلق بهذين الأثرين أيضاً.

    الدليل الرابع للحنفية ذكره ابن قدامة في المغني في الجزء الأول صفحة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة، فقال: احتج الحنفية على عدم فرضية السلام في الصلاة، وعدم ركنية السلام بأن قالوا: قياساً على التسليمة الثانية، وسيأتينا أن المذاهب الأربعة متفقة على أن التسليمة الثانية سنة، بل حكى عددٌ من أئمتنا الإجماع على ذلك، وما خالف في ذلك إلا فرد واحد وهو الحسن بن صالح بن حي ، فالسلام الثاني سنة بالاتفاق، والسلام الأول عند الجمهور فرض، والحنفية يقولون: كان النبي عليه الصلاة والسلام يسلم سلامين، فلم قلتم: الثاني سنة والأول فرض؟ إنما نحن نقول: كلٌ منهما سنة. والحنفية يقولون: كما أن السلام الثاني لا يجب، وهذا متفق بيننا وبينكم، فالسلام الأول كذلك.

    أقول: هذا قياسٌ مع الفارق؛ لأنه سيأتينا أنه ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام اقتصر على سلامٍ واحد، وما ثبت عنه أنه لم يسلم، ولا يصح أن نقيس ما لم يرد هنا على ما ورد هناك، وقد سلم سلاماً واحداً، وسلم سلامين، فأنتم تقولون: نقيس الأول على الثاني، وهذا غلط؛ لأنه عندما سلم سلاماً واحداً علمنا أن السلام الثاني ليس بركن، ولو كان ركناً لما اقتصر على السلام الواحد الأول، وعليه كما قلت: لا يصح أن نقيس السلام الأول على الثاني.

    إن هذا القول مرجوح، وكما قلت: نحفظ حدنا ونقف عنده، فلا نتطاول، ولا نضلل، ولا نسفه، ولا ننبز قولاً قاله إمام من أئمة المسلمين الكبار، ويقول بموجبه ربع الأمة الإسلامية في هذا الوقت الذين هم على مذهب الحنفية، فهم لا يقولون: إن السلام مكروه، بل هذا السلام لابد منه لكن على سبيل السنية والاستحباب والأجر عند الكريم الوهاب، وأما لو قدر أنه طرأ عليك الحدث وأنت في آخر الصلاة فصلاتك صحيحة، وإن كنت لا تريد أن تتوضأ وتأتي تسلم فلا حرج، ولكن لا أحد قال: إذا قعدت وتشهدت فاخرج من الصلاة بغير سلام، ولذلك لا يجوز أن نسفه هذا القول، وأن نتطاول على قائله، فهو مأخوذ من أدلة شرعية، لا من توراة ولا من إنجيل، ومن بابٍ أولى ما أخذ من رأيٍ ولا هوى، وتقدم معنا التنبيه على هذا عند المسألة الأولى، وقلنا: إنه لا مانع أن نرد القول بالحجج العلمية، وأن نتناصح، لكن لا نقول: إنه ضلال، والعامل به ضال.

    وأما ما قاله القرطبي غفر الله له في تفسيره في الجزء الأول صفحة أربعٍ وسبعين ومائة نقلاً عن أبي بكر بن العربي الذي ذكره في كتابه أحكام القرآن، أن شيخاً من الشيوخ كان ينشد في الدرس نشيداً في ذم مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة، يقول:

    ويرى الخروج من الصلاة بضرطةٍ أين الضراط من السلام عليكم

    وهذا في الحقيقة حرام لا ينبغي، ولا يجوز أن يذكر في التعليق على مثل هذه المسائل، مع جلالة من قال به من أئمتنا الكرام، فخر الإسلام المالكي ، وتلميذه أبو بكر بن العربي المالكي ، ونقل عنه القرطبي ، والمقصود: أنهم مُخطئون في ذلك، وغفر الله لهم، ووالله ما قلت هذا إلا للتحذير من النطق به، لا من باب أن هذا علم فاحفظوه، إمام من أئمة المسلمين يقرر قولاً ثم تأتي بعد ذلك تصيغ هذا الشعر للتندر بهذا المذهب، هذا حرام، وقلنا: قد أخذ هذا القول من حديث مروي في الكتب الستة، وهو حديث المسيء في صلاته، وهمك بعد ذلك أن ترد عليه وتقول: علمه غالب الأركان، أليس هذا فهم؟ و(تحليلها التسليم)، هم يقولون: تحل لك الأشياء التي حرمت عليك بالسلام، وهذا من باب الاستحباب وكمال الأمر لا من باب الوجوب والركنية، فنجمع بين الأدلة.

    فقولهم كما قلت معتبر من حيث الاستنباط، أما كونه راجحاً أو مرجوحاً فهذه قضيةٌ ثانية، وكما قلت ينبغي أن نحذر غاية الحذر من التطاول على أئمة الإسلام، فما أحدٌ منهم قال قولاً من هوى أو رأي، ولا أحدٌ -من باب أولى- قال قولاً من قوانين وضعية وتشريعات شيطانية، فكل أقوالهم مأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله عليه صلوات الله وسلامه، لكن عقول البشر تختلف في الفهم وتتفاوت، فهذا يرى أن هذا الحديث يدل على الركنية، وذاك يقول: لا، غاية ما يدل عليه هو الأكمل والأحسن، وإذا كان كذلك فالأمر فيه سعة، والأحوط والأبرأ للذمة أن نقول: إن السلام ركن، ولا يخرج الإنسان من الصلاة إلا به، ومن قال بالقول الثاني فقوله معتبر، وقال به إمامٌ من أئمة المسلمين الكبار، وتبعه على ذلك أئمةٌ في سائر العصور والأمصار، فلنحفظ ألسنتنا، ولنقف عند حدنا، أما ما وجد في هذا العصر من قبل السفهاء على أئمتنا الأتقياء، فهذا ينبغي أن نحذره.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم استر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وانفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.