إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [2]

شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الطهور شرط للصلاة فلا صلاة بغير طهور، سواء كان هذا الطهور ماء، أو تراباً لمن لم يجد الماء أو عجز عن استعماله، أما من عجز عن الاثنين فإنه يسقط عنه هذا الشرط فيصلي على حاله إلى أن يستطيع استعمال أحدهما.

    1.   

    تخريج حديث: (من أحب النساء إليك...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فلا زلنا نتدارس الباب الثالث من أبواب الطهارة الذي عنون عليه الترمذي هذا العنوان فقال: باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، ثم روى حديثين في هذا الباب:

    الحديث الأول: رواه عن أربعةٍ من شيوخه: عن قتيبة بن سعيد ، وهناد بن السري ، ومحمود بن غيلان ، ومحمد بن بشار رحمهم الله أجمعين، عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، قال أبو عيسى : هذا الحديث أصح شيءٍ في هذا الباب وأحسنه.

    ثم روى حديثاً آخر عن شيخه أبي بكر محمد بن زنجويه ، وعن غير واحدٍ من شيوخه رضي الله عنهم أجمعين، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء).

    وقد ذكرنا ما يتعلق بإسناد الحديث الأول، وانتهينا من ترجمة علي رضي الله عنه، وهو راوي الحديث عن نبينا عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه. وننتقل إلى ذكر إسناد الحديث الثاني كما تدارسنا إسناد الحديث الأول، ثم ندخل في المبحث الثاني في فقه الحديث ومعناه إن شاء الله.

    وقبل أن نبدأ بدراسة إسناد الحديث الثاني، كنت ذكرت في آخر مبحث دراسة الإسناد للحديث المتقدم ترجمةً لـعلي رضي الله عنه، ذكرت فيها حديث الترمذي والمستدرك، وتقدم معنا رواية الحديث وقلت: إنه في درجة الحسن عن أمنا عائشة ، وبريدة رضي الله عنهم أجمعين أنه (كان أحب الرجال إلى النبي عليه الصلاة والسلام علي، وكان أحب النساء إليه فاطمة ) رضي الله عنهم أجمعين، وقلت: هذا كما قال النخعي : أي: من أهل بيته.

    وأما أحب الرجال إليه على الإطلاق فـأبو بكر ، وأحب النساء إليه على الإطلاق فأمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، وذكرتُ حديثَ الصحيحين في ذلك ونسبته إلى سنن الترمذي وقلت: رواه الترمذي ، عن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، وقد كنت أخذته من جامع الأصول، وفي الجزء التاسع، صفحة خمسٍ وثلاثين ومائة: عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: (قيل: يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة ، قيل: من الرجال؟ قال: أبوها)، أخرجه الترمذي ، يقول في التعليق في المناقب باب مناقب عائشة رضي الله عنها: وهو حديثٌ حسنٌ صحيح، والحديث موجودٌ في سنن الترمذي في الطبعة الحمصية في الجزء التاسع، صفحة ثلاثٍ وتسعين وثلاثمائة، وأنا أعجب غاية العجب لماذا لم ينسب هذا الحديث إلى الصحيحين، مع أن الأصل أنه في جامع الأصول؟ وتقدم معنا أنه يقصد به الأصول الستة: الصحيحين، والسنن الثلاث، وموطأ الإمام مالك ، بدل سنن ابن ماجه ، وقد تقدم معنا في المقدمة بيان أن الأصول الخمسة متفقٌ عليها، واختلف في الأصل السادس هل هو الموطأ، أو سنن ابن ماجه ، أو الدارمي فالأصل أن يعزوه إلى الصحيحين، والذي علق على الكتاب أيضاً يقول: في الصحيحين مع سنن الترمذي ؛ ولأنه جامع الأصول، فلماذا لم يذكر صاحب التعليق هذا؟ وهذا أمرٌ خفي وغريب، والعلم عند الله جل وعلا في هذا.

    والحديث في الصحيحين، رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، في باب: (لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً)، ورواه في كتاب المغازي باب غزوة ذات السلاسل، ورواه مسلم في صحيحه في فضائل الصحابة في فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

    ونبينا عليه الصلاة والسلام لا يحب إلا طيباً، فأحب أطيب الرجال، وهو أبو بكر رضي الله عن الصحابة أجمعين، وأطيب النساء، وهي أمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، ولذلك علق الذهبي على هذا الحديث، فقال: هذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ في الصحيحين على رغم أنوف الروافض، ثم قال: فمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو جديرٌ بأن يكون بغيضاً عند الله وعند رسوله عليه الصلاة والسلام. كنت ذكرت هذا الحديث وتعليق كلام الذهبي.

    إذاً: الحديث في الصحيحين، وفي سنن الترمذي، وحقيقةً ينبغي أن يكتب هذا في جامع الأصول، فهل ابن الأثير رمز له؛ لأنه يرمز بالأحرف رموزاً يعني قال: خاء ميم وتاء، وسقط هذا من الرمز، وخفي على المعلق؛ لأن المعلق في الأصل ينبغي أن يبين؛ لأنه في الحاشية يخرج الأحاديث، لكن أنا في تقديري -والعلم عند الله- لا أظن أن يخفى هذا على ابن الأثير، فأظن أنه رمز له بالأحرف تاء خاء ميم في الرموز التي يستعملها، ثم سقطت بعد ذلك في الطباعة، لكن كونها سقطت هذا لا يعفي المحقق؛ لأن المحقق كان يخرج هذه الرموز، فإذا رمز بالخاء، يقول المحقق: البخاري، تاء جاءت يقول: في باب كذا، كتاب كذا، أو رمز بالميم يقول: صحيح مسلم كتاب كذا رقم الحديث كذا، كما اشترط على نفسه، فلعله لما سقط هذا الرمز لم ينتبه المحقق، وأنا جئت على إثره فما انتبهت أيضاً، وهذا حال البشر، ونسأل الله أن يتوب علينا، وأن يعفو عن تقصيرنا، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.

    فالحديث إذاً: في الصحيحين، وسنن الترمذي، وهو حديثٌ صحيح. رضي الله عن أبي بكر، وعن ابنته، وعن علي، وعن زوجه، وعن الصحابة أجمعين، وصلى الله على نبينا وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين رضوان الله عليهم أجمعين.

    1.   

    ترجمة رواة حديث: (مفتاح الصلاة الطهور)

    ترجمة محمد بن زنجويه

    الحديث الثاني ودراسة إسناده على سبيل الإيجاز إن شاء الله.

    شيخ الترمذي أبو بكر محمد بن زنجويه البغدادي ، هو محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي ، يكنى بـأبي بكر الغزال ، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقةٌ من الحادية عشرة، أي: من الطبقة الحادية عشرة، توفي سنة ثمانٍ وخمسين، أي: بعد المائتين، ثم رمز إلى حديثه بأربعة، وهي تعني أنه في كتب السنن الأربعة، وهو شيخٌ لأهل السنن الأربعة للترمذي والنسائي وابن ماجه وأبي داود عليهم جميعاً رحمة الله، وكان هذا العبد الصالح محمد بن عبد الملك ابن زنجويه ، جاراً في السكن للإمام أحمد وصاحباً له، عليهم جميعاً رحمه الله، وكان أحمد يثني عليه.

    وأما زنجويه فالضابط في كل اسمٍ يختم بويه في آخره مثل: راهويه سيبويه نفطويه، حيويه يضبط بضبطين: ضبطٌ عند المحدثين، وإذا غيرته في الاصطلاحات الشرعية يعتبر هذا منك لحناً، وهو: أن تضم ما قبل الواو، وأن تسكن الواو، وأما الياء بعد الواو فمفتوحة، والهاء ساكنة، وهذا حشو عند اللغويين والنحويين، كما سيأتينا.

    وأما أهل اللغة والأدب والنحو فيفتحون ما قبل الواو، ويفتحون الواو أيضاً، لكن الياء بعد الواو ساكنة والهاء ساكنة.

    ولا يستقيم هذا عند اصطلاح علماء شريعتنا الغراء، فالأصل أن نقول: أبو بكر محمد بن زنجويه ، وهذا الضبط لا خلاف فيه عند علماء الشريعة، ينبغي لكل اسم مختوم بويه أن تضم ما قبل الواو، عند علماء الشريعة وعلماء النحو واللغة، الياء والهاء متفق على ضبطهما، لكن الواو وما قبلها، اللغويون يفتحون الواو والياء، وعلماء الشريعة يضمون ما قبل الواو، ويسكنون الواو.

    وإنما ذهب علماء الشريعة إلى هذا الضبط؛ لأن ويه اسم شيطان، نقل هذا عن ابن عمر ، وعن إبراهيم النخعي ، عليهم جميعاً رحمة الله، وقاله أبو عمر النوقاتي ، وهو محمد بن أحمد السجستاني ، توفي قبل الأربعمائة للهجرة على نبينا صلوات الله وسلامه، ولذلك يتحاشاه المحدثون الكرام، كما أن هذا هو ضبطه في الأعجيمة، فالعجم إذا نطقوا به ينطقونه بإسكان الواو وضم ما قبلها، وهذا الضبط قرره أئمتنا، كما في تدريب الراوي للسيوطي ، صفحة ستٍ وعشرين ومائتين، ونقل عن الحافظ أبي العلاء العطار ، أن المحدثين لا يحبون النطق بويه، وانظروه في المقاصد الحسنة صفحة أربعٍ وخمسين وأربعمائة، وهو مرتب على حسب حروف المعجم، من الهمزة إلى الياء، وعند حرف الواو ويه ذكر أنه من الأحاديث المشتهرة على الألسن، ويه اسمٌ شيطان، يقرر هذا السيوطي في تدريب الراوي، والسخاوي في المقاصد الحسنة، فيقولان: اسم شيطان وانظروا هذا في تهذيب الأسماء واللغات للنووي في المجلد الثاني من القسم الأول صفحة ثمانٍ وخمسين ومائتين، وفي طبقات المفسرين للداودي في الجزء الأول، صفحة تسع عشرة، وفي بغية الوعاة في طبقات النحاة للسيوطي في الجزء الأول صفحة ثمانٍ وعشرين وأربعمائة.

    وإنما ذكرت هذه الأجزاء المختلفة، على حسب مجيء الاسم المختوم بويه وكلام العلماء عليه وأول اسمٍ ورد في تدريب الراوي، صفحة مائتين وست وعشرين، هو إسحاق بن راهويه: هذا أول اسمٍ ورد في هذا الكتاب مختوم بويه، ثم ذكر الضبطين عند اللغويين، وعلماء الشريعة.

    وهو في وفيات الأعيان في الجزء الثالث صفحة خمس وستين وأربعمائة، ومعجم الأدباء لـياقوت الحموي في الجزء الأول صفحة خمسٍ وخمسين ومائتين، وفي كشف الخفاء للعجلوني عند كلمة ويه، في تمييز الطيب من الخبيث في صفحة ثمانٍ وثمانين ومائتين.

    وقد أكثرت من سرد هذه الكتب؛ لأن هذا اللفظ يستنكره كثيرٌ من الناس عند النطق به. ومرةً كنت في كلية الشريعة ونطقت به، وضبطه الطلاب، فجاء مدرس أصول الحديث، وهو يدرس تدريب الراوي في كلية أصول الدين، فجاء ذكر ويه في الإسناد فضبطه الطلاب بضبط المحدثين، قال: هذا خطأ، ونحن لم نقل به، وهو كبيرٌ في العمر جداً، فقالوا: هكذا سمعنا من فلان، فقابلني فقال لي: أنت تقول هذا، قلت: هذا في تدريب الراوي الذي تدرسه أنت، عدا عن الكتب الأخرى، قال: أين في تدريب الراوي؟ ونظر في الكتاب ورآه فاعترف بذلك، ولا يمكن أن يُنكر الموجود، فقال: لا علم لي بذلك، وقد قارب الستين، ولذلك قد يستنكر بعض الناس عندما نقول: أبو بكر محمد بن زنجويه ، وفي الكتاب عندكم مضبوط بضبط النحاة، وفي كتب الحديث التي طباعتها قديمة، كل اسم يختم بويه يُضم ما قبل الواو ويسكن الواو، لا خلاف بينها، فهذا الشيخ الأول عليه رحمة الله أبو بكر محمد بن زنجويه ، وهو كما قلت ابن عبد الملك بن زنجويه البغدادي.

    ترجمة الحسين بن محمد بن بهران

    قال: حدثنا الحسين بن محمد .

    هذا الحسين بن محمد ينبغي أن نقف عنده وقفة بعد أن أبين من هو، فهناك في تقريب التهذيب ثلاثة يسمون بـالحسين بن محمد ، والثلاثة من رجال الترمذي ؛ ولأنه يوجد أكثر من ثلاثة، فكيف ستحصل على هذا الراوي، والطبقات بعضها متقابلٌ وسيأتينا واحدة؟ لا بد من أن ترجع لتراجم الشيوخ والرواة، فتعرف من الذي روى عنه من الشيوخ، وعمن يروي هو، من أجل أن تميز بينهم.

    فلو نظرت في التقريب لا تعلم من المراد بـالحسين بن محمد، فلا بد أن ترجع إلى شيوخه، وإلى تلاميذه، وسأذكر كيف اهتديت إلى هذا؛ لتكونوا على علمٍ به.

    أما الحسين بن محمد ، فهو الحسين بن محمد بن بهرام ، في التقريب عندكم ضبطها المعلق على الطبعة بفتح الباء، وهذا صحيح، ولكنها تضبط أيضاً بكسر الباء، وهذا موجودٌ في التعليق على تهذيب التهذيب، وموجودٌ في كتاب المغني في ضبط الأسماء والكنى، أي: بفتح الباء وكسرها، إذاً الحسين بن محمد بن بِهرام التميمي ، يكنى بـأبي أحمد ، أو أبي علي المروذي .

    تقدم معنا المروزي بالزاي، وهذا المروذي بالذال، ينسب إلى مرو الروذ، والمرو هو النهر، نسبة إلى مرو، تقول: هذا مرو الروذ، أي: نهر الروذ والنسبة إليها مروذي، وهناك مرو وهي بلدة يقال لها: شاهجان، وهي في بلاد فارس، والنسبة إليها مروزي.

    إذاً: هنا المروذي، ثقةٌ من التاسعة، توفي سنة ثلاثة عشرة، أي: بعد المائتين، أخذ بحديثه أهل الكتب الستة الجماعة.

    الآن كيف سنميز في تقريب التهذيب الحسين بن محمد؛ لأن عدداً من الرواة يسمون بهذا، لكن نحن نريد من أخرج عنه الترمذي ؟

    أولاً: الحسين بن محمد بن أيوب الذارع السعدي ، أخرج عنه الترمذي والنسائي .

    الثاني: الحسين بن محمد بن بهرام الذي ذكرته، أخرج حديثه الجماعة، منهم الترمذي.

    الثالث: الحسين بن محمد بن جعفر الحريري البلخي ، أخرج حديثه الترمذي فقط، ويوجد عدد ممن اسمه الحسين بن محمد لكن لم يخرج لهم الترمذي فلا إشكال.

    إذاً: انحصر الكلام تحديداً في ثلاثة؛ الثالث من الحادية عشرة، والثاني من التاسعة، والأول من العاشرة، وطبقاتهم متقاربة، وكلٌ بعد المائتين، ويمكن لكل واحدٍ من هؤلاء الثلاثة، أن يروي عن الشيخ المتقدم أبي بكر محمد بن زنجويه ، لكن بالنظر في شيوخ أبي بكر محمد بن زنجويه نجد أن الحافظ ما أشار في التهذيب إلى أنه روى عنه الحسين بن محمد ، إنما في ترجمة التلميذ وهو سليمان بن قرم ، يقول الحافظ في تهذيب التهذيب عندما جاء وترجمة له: روى عنه حسين بن محمد الذي هو ابن بهرام التميمي ، يعني: يعتبر سليمان بن قرم من شيوخ الحسين بن محمد ، روى عنه حسين بن محمد بن بهرام التميمي .

    إذاً: أبو بكر محمد بن زنجويه البغدادي الذي هو من الطبقة الحادية عشرة شيخ الإمام الترمذي ، يمكن أن يروي عن الحسين بن محمد وأن يكون من طبقته، وأن يكون من العاشرة، وأن يكون من التاسعة، من الثلاثة المتقدمين، لكن من الذي حدد لنا أنه من التاسعة، وليس من الطبقة العاشرة ولا الحادية عشرة مع أنه يحتمل أن يكون أحد ذلك الرجلين، حدد لنا الحافظ في التهذيب الحسين بن محمد هو سليمان بن قرم ، وأنا رجعت إلى ما هو أطول من تهذيب التهذيب؛ لأن التهذيب الذي هو الأصل أو الأطول في الكمال ما اهتديت لذلك؛ لأن هناك من يذكر الشيخ ومن روى عنه، وهو عمن روى، فيتبين لك أن الحسين بن محمد بن بهرام التميمي من تلاميذه أبو بكر محمد بن زنجويه ، ومن شيوخه سليمان بن قرم ، هذا في الكتب المطولة الأخرى.

    على كل حال حدد المراد هنا شيخ الحسين بن محمد ، وهو سليمان بن قرم ، وسليمان بن قرم روى هذا العبد الصالح وهو كما قلت: الحسين بن محمد ، انظر ماذا يقول، وهذا الذي وضح الأمر: سليمان بن قرم روى عنه سفيان الثوري وهو من أقرانه، وأبو الجواد ، وحسين بن محمد المروذي -وهو الذي معنا- وأما أولئك ما نسب أحداً منهم إلى ذلك.

    مما يبين أن المراد من المروذي هنا هو هذا الذي ذكرناه وهو التميمي الأول: حسين بن محمد بن أيوب السعدي ليس المروذي، الثاني: الحسين بن محمد بن بهرام أبو علي المروذي ، الثالث: الحسين بن محمد بن جعفر الحريري البلخي، إذاً: هناك بصري وهناك بلخي وهنا -هو المراد-، يقول: روى عنه الحسين بن محمد المروذي وغيرهم، فهنا حدد لنا الشيخ المراد من الحسين بن محمد. فعندكم ثلاثة كل واحدٍ يسمى بـالحسين بن محمد ، وروى عنهم الترمذي ، والطبقات متقاربة: التاسعة والعاشرة والحادية، فمن الممكن أن يروي عنهم شيخ الترمذي وهو أبو بكر محمد بن زنجويه، فالذي حدد لنا المراد هو شيخ الحسين بن محمد وهو سليمان بن قرم، والعلم عند الله.

    ترجمة سليمان بن قرم

    الراوي الثالث: سليمان بن قرم وهو شيخ الحسين بن محمد ، سليمان بن قرم بن معاذ يكنى بـأبي داود البصري النحوي ، قال الحافظ في ترجمته: سيئ الحفظ يتشيع، والتشيع عند المتقدمين إذا أطلق ينصرف إلى تفضيل علي على عثمان رضي الله عن الصحابة الكرام، وأما إذا قدح في أحدٍ من الصحابة فهذا يدخل في دائرة الرفض، ومنهم الشيعة وأخبث، إذاً: هو سيئ الحفظ يتشيع، من السابعة.

    الطبعة التي بين أيديكم طبعة جديدة محققة، وصاحبها في المقدمة يطعن في الطبعات السابقة، مع أنه أخطأ هنا في ترجمة هذا العبد الصالح، رمز خت، أي: البخاري معلقاً، و: د ت س، يعني أبو داود والترمذي والنسائي ، ولم يذكر الإمام مسلماً ، مع أنه أخرج عن هذا الرجل.

    الطبعة الأولى من تقريب التهذيب غير الطبعة التي كنت أقرأ منها، فصاحب هذه الطبعة زاد بلاءً، فحذف الإمام مسلماً ، وصاحب الطبعة الأخرى نسب سليمان بن قرم إلى أنه من رجال البخاري ، أمر عجيب.

    سليمان بن قرم بفتح القاف، وسكون الراء، ابن معاذ أبو داود البصري النحوي ، ومنهم من ينسبه إلى جده، سيئ الحفظ يتشيع، من السابعة، خ م د ت س، يعني هذه الكتب الستة إلا ابن ماجه ، خ البخاري ، والبخاري أخرج له في التعليق فهو لم يرو عنه بسلسلة إسناد أنه معتمد من رجاله، فهنا أطلق خ وهناك حذف م.

    وانظر في تهذيب التهذيب فقد ذكر أن مسلماً أخرج عنه، ومن أجل ذلك تكلم بعض الأئمة في مسلم ؛ بسبب إخراجه عن هذا الذي هو سيئ الحفظ، ويتشيع. والحاكم ذكره في باب من عيب على مسلم إخراج حديثه، لكن مسلماً عليه رحمة الله أخرج عنه في المتابعات والشواهد، وما يعلم صحته، فلا حرج عليه في ذلك إن شاء الله.

    عندكم في الطبعة الجديدة حذف الرمز للإمام مسلم ، وفي طبعة أخرى هناك رمز لـمسلم ، لكن أطلق الترمذي ، وجعل م بعد م، يقول: أخرجه مسلم متابعة، فجعل التاء التي للترمذي رمزاً للمتابعة، وهذا في ميزان الاعتدال، وبعضهم يزيد البخاري ، وبعضهم يحذف مسلماً ، وبعضهم يحذف الترمذي ، ويجعل التاء متابعة في ترجمة هذا الرجل، وهذا كله كما قلت: خطأ في هذه الطبعات الحديثة، والطبعات القديمة التي حُقِقَت سلمت من هذا، ولذلك عندكم تهذيب التهذيب الطبعة القديمة، وقد صورت بعد ذلك، لا يوجد صفحة إلا وفيها تعليقات، وضبط للأسماء ولا يوجد طبعة إلا وفيها هذه التعليقات، والتحقيقات، من قبل الأئمة الأثبات، وأما الآن فطبعات تجارية، نسأل الله أن يلطف بحالنا، وطبعة عارضة الأحوذي، التي هي شرح سنن الترمذي لـأبي بكر بن العربي ، ما أظن أحداً يستطيع أن يقرأ فيها إلا إذا كان من العلماء الكرام، الفحول الكبار، وحقيقةً عندما أقرأ فيها أحياناً نصف صفحة، لا أعلم المراد على الإطلاق، ماذا يراد بهذا الكلام لا أدري، من سوء الطباعة، والنسخ، والتشويش، في عارضة الأحوذي، لا يمكن أن تفكك العبارات، وأن تعلم المراد منها.

    ترجمة أبي يحيى القتات

    روى سليمان بن قرم عن أبي يحيى القتات ، وهذا سننظر ترجمته في الكنى من تقريب التهذيب.

    أبو يحيى القتات الكوفي اختلف في اسمه فقيل: زاذان ، وقيل: دينار ، وقيل: مسلم ، وقيل: يزيد ، وقيل: زبان، وقيل: عبد الرحمن ، كما في تقريب التهذيب عند كنية أبي يحيى القتات ، لين الحديث، من السادسة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجه .

    إذاً: عندنا راويان الآن نتكلم فيهما، أولهما: سليمان بن قرم سيئ الحفظ، يتشيع، وهذا لين الحديث، فانتبهوا لهذين الاصطلاحين، حتى إذا انتهينا من فقه الحديث، ودخلنا في المبحث الثالث في بيان من خرج الحديثين، ودرجة كلٍ فنعول على هذين الاصطلاحين.

    ترجمة مجاهد بن جبر

    عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر ، قال الحافظ في التقريب: أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقةٌ إمامٌ في التفسير وفي العلم، من الثالثة، توفي سنة واحدة ومائة، أو اثنتين ومائة، أو ثلاثٍ ومائة، أو أربعٍ ومائة، اختلف في وفاته على أربعة أقوال، والذي ذهب إليه الجمهور والجم الغفير -وبعضهم اقتصر عليه- هو القول الأخير، ثم رمز له الحافظ: ع ، أي: حديثه مخرج في الكتب الستة أو أخرج حديثه الجماعة.

    قال الذهبي في الميزان في الجزء الثالث، صفحة أربعين وأربعمائة في ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، وهو عبدٌ صالح من شيوخ التابعين الكبار، وممن أخذ التفسير عن ابن عباسٍ رضي الله عنهم أجمعين، وقد عرض عليه القرآن ثلاثين مرة، وروي ثلاث مرات، وجمع أئمتنا بين الأثرين: أنه عرض القرآن عليه ثلاث مرات؛ لتفسيره وبيان المراد منه، يقف عند كل آية ويسأله عنها، وعرضه عليه ثلاثين مرة لضبط ألفاظه، وتلاوته، فقرأ القرآن على ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين ثلاثين مرة، ثم ثلاث مرات كانت للتفسير، وبيان المراد.

    من مناقبه: أنه توفي وهو ساجد عليه رحمة الله، وكان يقول كما في حلية الأولياء في ترجمته في الجزء الثالث صفحة ثلاثٍ وتسعين ومائتين: ما أدري أي النعمتين عليّ أفضل: أن هداني الله للإسلام، أو حفظني من الأهواء؟

    وحقيقةً كل من النعمتين عظيمة، وأهل السنة بين المسلمين كالمسلمين بين الكافرين، فأهل السنة غرباء بين من ينتسبون إلى الإسلام، هناك خوارج، وإباضية، وشيعة، وجهمية، وفرق ردية لا تحصى، فإذا هديت للسنة فاحمد الله، كما أنك إذا هديت للإسلام تحمد لله، فكأنه يريد أن يقول: كل من النعمتين عظيمة، لكن يقول: ما أدري أيهما أعظم، فإسلامٌ بلا سنة ضياع، وإسلامٌ بدعي .. هوى، كما هو الحال في الفرق الضالة المبتدعة.. ما أدري أي النعمتين عليّ أفضل: أن هداني الله للإسلام، أو حفظني من الأهواء؟

    وكان يقول كما في الحلية في الجزء الثالث، صفحة ثلاثمائة ونعِمَّ هذا القول الذي قاله وقاله الأئمة بعده، كل واحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه، ولذلك أخذنا من قول مجاهد وتركنا، وعاملناه على حسب القاعدة التي قررها: كل واحدٍ يؤخذ من قوله ويترك، يخطئ ويصيب، يَرُد ويُرَد عليه، إلا النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يخرج من بين شفتيه إلا الحق، والصدق عليه صلوات الله وسلامه، أما مجاهد ، ومن قبله، ومن بعده من خلق الله، يخطئون، ويصيبون، ويقبل من أقوالهم، ويرد من أقوالهم، فيقبل ما شهد له الدليل، ويرد ما خالفه الدليل.

    مجاهد عليه رحمة الله من الأقوال التي ردت عليه أنه قال في قول الله جل وعلا: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف:166]، وهذا ثابتٌ في تفسير الطبري ، واعتمده بعد ذلك بعض الضالين في هذا الوقت كما في تفسير المنار وغيره، قال: هذا مثلٌ ضرب لهم ولم تمسخ أبدانهم، يعني: المسخ وقع على القلوب معنوياً، صارت قلوبهم خبيثة، بهيئة قلوب القردة الخبيثين، ليس المسخ لأبدانهم، هذا منقولٌ عن مجاهد ، ورده عليه الطبري ، ورده أئمتنا، وهو حقيقٌ بالرد، والمسخ وقع حقيقياً، وأما أولئك فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف:166]، لو كان المسخ لقلوبهم، لا داعي لتخصيصهم بذلك؛ لأن المسخ للقلوب واقع قبلهم وبعدهم، فكل من انحرف عن شريعة الله، وكل من عصى الله فقد مسخ قلبه، لكن مسخ الظاهر عقوبة خارقة للعادة، يفعلها الله إذا شاء وهو على كل شيءٍ قدير، فهذا القول رُدَّ عليه، وعاملناه على حسب ما قال، فما نطقت به ودلت عليه الآثار على العين والرأس، وما خالفت ما قرره أئمتنا، وما دل عليه شرعنا، ترد عليه وعلى غيره مع التماس العذر له، ونسأل الله أن يغفر لنا وله بفضله ورحمته.

    ترجمة جابر بن عبد الله رضي الله عنه

    جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام.

    قال الذهبي في سير أعلام النبلاء، في ترجمته: هو الإمام الكبير، المجتهد، الحافظ أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن الخزرجي السلمي المدني الفقيه، شهد بيعة الرضوان، وهي التي وقعت في الحديبية تحت الشجرة، ونال من شهدها رضوان الله جل وعلا: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18]، وهو آخر من مات ممن حضر بيعة العقبة الثانية من الأنصار الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين، وهو آخر أهل العقبة المبايعين موتاً ممن حضروا هذا المشهد العظيم، وهو من أهل بيعة الرضوان، وهؤلاء الذين شهدوا هذه البيعة لهم شأنٌ عظيمٌ بين الصحابة الكرام.

    ثبت في الصحيحين وغيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل بيعة الشجرة الذين بايعوا في الحديبية: (أنتم خير أهل الأرض وكنا ألفاً وأربعمائة)، هؤلاء خير أهل الأرض، وهم أفضل الصحابة بعد العشرة المبشرين بالجنة، وبعد أهل بدرٍ وأهل أحد رضي الله عنهم أجمعين، فأولئك مواقعهم تقدمت ولهم منزلةٌ عظيمةٌ أيضاً، والذين شهدوا بدراً وشهدوا أُحداً لا يخرجون عمن شهد بيعة الشجرة بيعة الرضوان رضي الله عنهم أجمعين، وكل من بايع تحت الشجرة لا يدخل النار، فالله حرمها، فهو كأهل بدرٍ الأبرار رضي الله عنهم أجمعين.

    ثبت الحديث بذلك في مسند أحمد ، وسنن أبي داود ، والترمذي ، عن جابر بن عبد الله ، ورواه أحمد ، وابن ماجه في السنن، عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل النار أحدٌ شهد بدراً والحديبية).

    والحديث رواه أحمد في المسند، ومسلم في صحيحه، عن أم مبشر رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحدٌ الذين بايعوا تحتها)، فهناك في الحديثين المتقدمين فضيلة لمن حضر إحدى الموقعتين: بدر، أو الحديبية أنه لا يدخل النار، وهنا خاص فيمن حضر بيعة الرضوان بيعة الحديبية، (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها).

    إذاً: هو من أهل بيعة العقبة، ومن أهل بيعة شجرة الرضوان رضي الله عنهم أجمعين.

    عاش جابر بعد ابن عمر أعواماً، وكان يفتي في المدينة المنورة في زمانه.

    لم يشهد أحداً طاعةً لأبيه، فوالده عندما ذهب إلى أحدٍ خلف تسع بنات، فقال له: لولا بناتي -وسأترك البنات بعدي- لكنت أريد أن تكون بين يدي حتى تقتل في سبيل الله لأحتسب، لكن هؤلاء البنات، لا بد من معيلٍ بعدي يرعاهن، ويقوم على شئونهن، ولذلك عندما تزوج جابر تزوج ثيباً محافظةً على أخواته؛ لئلا يأتي ببكر عندها طياشة الأبكار، وأما الثيب فقد صار عندها رزانة، وهي كبيرةٌ في العمر، فتشرف على هؤلاء الأخوات كأنها أمهن، رضي الله عن جابر وعن الصحابة أجمعين.

    ولم يشهد أيضاً بدراً على المعتمد، وما روي أنه شهد بدراً فهذا وهمٌ، فقد صرح جابرٌ كما في صحيح مسلم بأنه لم يشهد بدراً، فقد قال: لم أشهد بدراً ولا أحداً، منعني أبي، فلما قتل يوم أحدٍ لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ قط.

    إذاً: غاب عن بدر، وغاب عن موقعة أحد، وشهد المشاهد كُلها بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    توفي سنة ثمانٍ وسبعين للهجرة، وقد ذهب بصره في آخر عمره، فعمي رضي الله عنه، ولما حصل ما حصل من ظلم بني أمية، ووجود أمرائهم في المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، كان يقول: ليته ذهب سمعي كما ذهب بصري حتى لا أسمع من حديثهم شيئاً، ولا أبصر، يعني: من هؤلاء الأمراء الذين دخلوا في كثيرٍ من أمور الجور والبلاء، كأنه يقول: ذهاب البصر في ذلك الوقت ينبغي أن لا يعد مصيبةً ونقمة، إنما هذا عنده منحة ونعمة؛ لئلا يرى منهم حمى الروح كما يقول أئمتنا، فإذا ما نظر إليهم وهو لا يُبصر يستريح قلبه، ثم يقول: ليتني أيضاً لا أسمع من أخبارهم شيئاً، أُصاب بفقد السمع كما أصبت بفقد البصر رحمه الله ورضي عنه.

    وقد أصيب عددٌ من الصحابة بالعمى في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وبعد موته، لكن حفظهم الله من الصمم، وكل من الجارحتين ضروريةٌ للإنسان ولازمة، لكن جارحة السمع أعظم بكثير من جارحة البصر فيما يتعلق بأمر الآخرة، فبها تسمع الآيات التنزيلية، وتضبط بعد ذلك الأمور بقلبك وعقلك، وأما إذا فقدت السمع فلا يمكن بعد ذلك أن نُعلمك إلا بالإشارة إذا كنت مبصراً، وسترى مغريات الحياة، فيكون الضرر عليك في الدين كبيراً إذا فقدت السمع، أما في الدنيا فأنت بصير، تستطيع أن تمشي وتتجول، وإذا فقدت البصر فالضرر عليك في الدنيا كبيرٌ كبير، لا تستطيع التحرك، قد تأتي العقرب بجوارك فلا تراها، فالضرر الدنيوي كبير، لكن الضرر الديني قليل، ومن إكرام الله للصحابة الكرام أن حفظهم من الصمم، أما أن يصاب بعمى فلا يضر، فهذه مصيبة دنيوية يؤجر عليها، وأما إذا أصيب بالصمم فهذه تعطله عن سماع آيات الله، فيقل بعد ذلك وزنه عند الله جل وعلا؛ لأنه ما يحصل دين الله، ولا يتعلم شرع الله على وجه التمام، وإذا فقد الجارحتين السمع والبصر فقد يرتفع القلم عنه، ويصير حكمه كحكم المجنون لا يكلف، وأمره إلى الحي القيوم سبحانه وتعالى.

    رحلة جابر بن عبد الله في طلب حديث واحد

    جابر بن عبد الله رضي الله عنه من المجتهدين في طلب حديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، وكان يرحل شهراً كاملاً على الإبل؛ لأجل أن يطلب حديثاً واحداً، والحديث بلغه عن ذلك الصحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أراد أن يتحقق منه وأن يستوثق، وأن يأخذه من مصدره؛ ليكون عال الإسناد عنده، وقصة جابر في هذا أخرجها البخاري في الأدب المفرد، والإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، والخطيب البغدادي في كتاب الرحلة في طلب الحديث، والطبراني في مسند الشاميين، وأبو يعلى في مسنده، وتمام في فوائده، وأشار إليها البخاري في صحيحه معلقاً، فقال: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهرٍ إلى عبد الله بن أنيس ، وإسناده صحيح، يشير إلى الحديث الذي ذكره الخطيب البغدادي في الرحلة في طلب الحديث، في صفحة مائة وتسعةٍ في ذكر من رحل في حديثٍ واحدٍ من الصحابة الأكرمين رضي الله عنهم أجمعين، وبدأ بـجابر رضي الله عنه وأرضاه، وهذا الكتاب جعله الخطيب البغدادي فيمن رحل في طلب حديثٍ واحدٍ فقط، أما من رحل في طلب حديث النبي عليه الصلاة والسلام على وجه العموم، فأولئك لا يحصون، وإنما جمع الخطيب في كتابه من رحل في حديثٍ واحدٍ من الصحابة فمن بعدهم، رجل بلغه حديثٌ، فجهز الراحلةَ، وشد الرحلَ إلى بلد بعيد من أجل أن يتحقق من ذلك الحديث.

    عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: بلغني عن رجلٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو عبد الله بن أنيس- حديثٌ سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه منه، يعني: لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم -وانظر لهذه الهمة العالية- قال: فابتعت بعيراً، فشددت عليه رحلي، فسرت إليه شهراً، من المدينة المنورة إلى بلاد الشام، حتى أتيت الشام، فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري ، قال: فأرسلت إليه: أن جابراً على الباب، فلما فتح خادمه الباب قلت له: أخبر عبد الله بن أنيس : أن جابر بن عبد الله على الباب، قال: فرجع إلي الرسول فقال: جابر بن عبد الله ؟ فقلت: نعم، جابر بن عبد الله ، قال: فرجع الرسول إليه، فخرج إليّ فاعتنقني واعتنقته، قال: قلت: حديثٌ بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أنا أو تموت أنت قبل أن أسمعه منك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الله العباد، أو قال: يحشر الله الناس، عراةً، غرلاً، بهماً، قلت: ما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، قال: فيناديهم بصوتٍ يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمظلمة)، يعني: أهل الجنة إذا استحقوا دخول الجنة لا يمكن أن يدخلوها وواحدٌ من أهل النار أن يطالبهم بمظلمة وبحق، (ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار يدخل النار وأحدٌ من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف هو؟) يعني: الصحابة يقولون للنبي عليه الصلاة والسلام: إنما نأتي الله تعالى عراةً، غرلاً، بهماً، ما عندنا ما نرد به المظالم، فكيف سنرد الحقوق في ذلك اليوم؟ (قال: بالحسنات والسيئات)، يعني: يُقتص للمظلوم من حسنات الظالم، وإذا لم يكن له حسنات، طرح من سيئاتهم عليه.

    وهذا الحديث لما عُقد لـابن تيمية عليه رحمة الله مناظرةً من أجل ما ذكره في العقيدة الواسطية من أن الله يتكلم يوم القيامة بصوت، وأكثروا النكير والضجيج عليه، فقيل له: كيف تصف الله بأنه يتكلم بصوتٍ؟ قال: هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لم أقله أنا فذكر لهم الحديث وفيه: (فيناديهم بصوتٍ يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)، وهذا وارد في عدة أحاديث: (يناديهم بصوت)، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، والأمير الذي كان يحقق في القضية وهم يتناظرون أمامه ما يعرف -كما يُقال: الحديث من قصة عنترة- إنما قال للحاضرين: هل هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: نعم، شيخ الإسلام يتكلم بما ورد عن نبينا المكرم عليه الصلاة والسلام فعلام الاعتراض؟

    وإن صفات الله تليق بذاته جل وعلا، وطريقتنا فيها: أن نقر بها، ونمرها كما جاءت، ونكل العلم بكيفيتها إلى الواحد القهار سبحانه وتعالى، نُقر ونُمر، فنثبت هذه الصفة ولا نبحث في كنهها، ولا في كيفيتها، ولا يلزم أن يكون صوت الله كصوتنا، كما أنه لا يلزم أن يكون صوت الجهاز كصوتنا، وأما ترتيب أنه إذا كان يتكلم بصوت فيلزم منه وجود حنك وحلق وأسنان وأضراس ومخارج حروف ولسان، تعالى الله عما يتوهم المتوهمون علواً كبيراً، لا يلزم عندنا، فمثلاً الآن جهاز التلفزيون ينطق هل يلزم منه هذا؟ ويوم القيامة تنطق الجوارح، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا [فصلت:21]، هل يلزم أن يكون لها لسان وحنك وأسنان وأضراس ومخارج حروف؟ لا يلزم فنطق كل شيءٍ بحسبه، سبحان الله وتعالى عما يشرك المشركون، ويتوهم المتوهمون.

    جابر بن عبد الله رضي الله عنه رحل -كما قلت- مسيرة شهرٍ في طلب حديثٍ واحد من الصحابة الكرام، وقد سمعه من صحابي، لكن رحل طلباً لعلو الإسناد، فالإسناد العالي: هو الذي تقل رجاله، فبدلاً من أن يرويه عن رجلٍ عن عبد الله بن أنيس ، يرويه مباشرةً عن عبد الله بن أنيس .

    وكل ما قلت رجاله علا وضده ذاك الذي قد نزلا

    قال الإمام أحمد عليه رحمة الله: طلب العلو سنة، يعني: العلو في الإسناد سنة المتقدمين، فإذا سمعوا شيئاً وقائله على قيد الحياة، تحققوا منه ولا يأخذون عنه بواسطة، وإذا سمعوا من الصحابي والنبي حي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه طلبوا الحديث من النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: جاء رسولك وزعم، وزعم؛ ليتحقق من النبي عليه الصلاة والسلام، وهل هو قال ذلك أم لا؟ وهكذا إذا سمعوه عن صحابي بواسطة ذهبوا إلى ذلك الصحابي وأخذوا منه كما فعل جابر رضي الله عنه؛ طلباً لعلو الإسناد.

    ففي ذلك مشروعية الرحلة، وقد استحب أئمتنا الرحلة في طلب العلم والحديث، قال الإمام أحمد عندما سئل: إذا كان هناك عالمٌ في البلدة وعنده علومٌ متنوعة، فهل يقتصر طالب العلم في الأخذ عنه أو يرحل إلى أمصار المسلمين ليلقى العلماء؟ فقال: يرحل ويكتب عن علماء الأمصار، ويشافه الناس ويتعلم منهم.

    وكلما كثر شيوخ الرجل كلما تفتح عقله، ومن ضيق عقل الرجل أن يقل شيوخه؛ لأن كل عالمٍ من العلماء يهبه الله جل وعلا ميزةً وخصيصةً قد لا تكون عند غيره، فأنت عندما يكثر شيوخك تستطيع أن تجمع هذه المزايا المتنوعة، فيصير حالك كحال النحل عندما تأكل من كل الثمرات، ثم بعد ذلك تخرج الشهد والعسل، فإياك أن تبقى على عالمٍ واحد، فكل إنسانٍ له زلل وعنده سلبيات، ولا تظهر لك إلا إذا خالطت وجالست وأخذت وتنقلت، فقد تهدم هذه السلبيات دينك كما هو الواقع في هذه الأمة عندما تقوقع الناس في هذه الأيام عند شيخ واحد لا يخرج عنه، وصارت أفكار الصوفية منتشرة بين المسلمين في هذه الأيام، إلا من رحم ربك، ومنها: طالب العلم بين شيخين كالمرأة بين زوجين، كما يقول الصوفية، ويقصدون كما أنه لا يصلح للمرأة أن يتزوجها أكثر من زوج، فلا يصلح لطالب العلم أن يكون له أكثر من شيخ، وهذا هو الضلال، وهذا هو البلاء، وهكذا بعض الناس أخطأ مفهوم الجماعة وظنها الحزبية والجماعات التي وجدت في الأمة الإسلامية، وهذه الأفكار والمبادئ التي لا يخرج عنها ولو جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهذا كله من الضلال الذي تعيشه الأمة في هذه الأيام، ونسأل الله الفرج وحسن الختام.

    هذا ما يتعلق بترجمة جابر بن عبد الله رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وندخل بعد ذلك في فقه الحديث، وبيان معناه إن شاء الله.

    1.   

    الطهارة وكونها مفتاح الصلاة

    هذان الحديثان يتضمنان أربعة أحكام:

    أولها: مشروعية الطهارة للصلاة.

    ثانيها: تكبيرة الإحرام، وحكمها، ولفظها.

    ثالثها: التحلل من الصلاة بأي شيءٍ يحصل، ولفظ السلام.

    رابعها: مفتاح الجنة الصلاة، كما أشار إلى ذلك الحديث الثاني، وما في هذه اللفظة من دلالةٍ معتبرةٍ.

    أولها: الطهارةُ شرطٌ للصلاة، ولا تقبل صلاةً بغير طهور، كما تقدم معنا، (لا يقبل الله صلاةً بغير طهور)، ولفظ حديث علي رضي الله عنه: (مفتاح الصلاة الطهور)، فلا بد من الطهارة لصحة الصلاة، وقد أجمع المسلمون على أن الطهارة شرطٌ لصحة الصلاة، سواءٌ كانت عن طريق الماء، أو عن طريق التراب، المقصود هل هي طهارةٌ شرعية؟

    وتقدم معنا في أول المباحث عند أول حديث أن من عجز عن استعمال أحد الطهورين الماء، أو التراب، أن ذلك خمسة أقوال أرجحها خامسها: وهو أنه يصلي من غير وضوءٍ، ولا تيمم، وليس عليه إعادة، وقلنا إذا أمكنه أن يتوضأ، أو يتيمم، فلا يصلي إلا بأحد هذين الطهورين على حسب حاله، فإذا كان الماء موجوداً وبإمكانه أن يستعمله فلابد له من استعماله، الماء غير موجود، أو موجود وعنده عذر لاستعماله، فلا بد هنا من الطهور الثاني، وهو التراب فيتيمم، وكما قلت: لا يجوز أن يصلي إلا بطهارة، وهي مفتاح الصلاة، فلا يمكن أن يدخل إلى الصلاة، ولا أن يشرع فيها إلا إذا تطهر، وأما حالة الاضطرار فهي أحوالٌ نادرة، إذا فقد الطهورين لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    أما لفظ المفتاح هنا (مفتاح الصلاة الطهور)، قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: المفتاح هو كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها، فكل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات، التي يتعذر الوصول إليها هذا يقال له: مفتاح، فمن كان بيده مفاتيح شيءٍ مخزون سهل عليه الوصول إليه بهذا المفتاح، وكذلك هنا هذه الصلاة، أنت ممنوعٌ من أدائها، ولا يمكن أن تتلبس بها إلا إذا كان عندك المفتاح لها وهي الطهارة، فإذا تطهرت جئت بعد ذلك للصلاة وحلت لك، وعليه فمفتاح الصلاة الموصل إليها، والطريق للدخول فيها وهو الطهارة وذلك عن طريق استعمال الماء، أو التراب، وكما قلت: هذا مجمعٌ عليه.

    ووجه تسمية الطهارة مفتاحاً: أن الحدث مانعٌ من الصلاة، فصار الحدث كأنه قفلٌ على الصلاة، فكأن الصلاة شيء وعليها قفل، وهذا القفل يُفتح بإزالة الحدث، ويكون بالطهور، فالحدث مانعٌ من الصلاة، فصار كالقفل على الباب يمنع من الدخول إلا بمفتاح، فإذا جئت بهذا المفتاح ألا وهو الطهارة أمكنك أن تدخل إلى الصلاة، وهذا المعنى ذكره النووي في المجموع في الجزء الثالث، صفحة تسعٍ وثمانين ومائتين، وذكره ابن العربي في عارضة الأحوذي في الجزء الأول صفحة ست عشرة، هذا ما يتعلق في هذا الأمر، وكنت بحثت ما يتعلق باشتراط الطهور للصلاة في أول بابٍ من أبواب الطهارة.

    1.   

    تكبيرة الإحرام صفتها وحكمها

    المسألة الثانية: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (وتحريمها التكبير)، تحريم الصلاة: التكبير، المراد من التحريم التحريمة التي يدخل بها الإنسان في الصلاة، وهي لفظة: الله أكبر، وهل تتعين لذلك أم لا؟ يأتينا ضبط الكلام في ذلك والترجيح بإذن الله إن شاء الله.

    والتحريم في بداية الصلاة ركنٌ -عند المذاهب الأربعة- من أركان الصلاة، بحيث لو لم يأت بالتحريمة التي يحرم عليه بها ما كان مباحاً عليه قبل صلاته مما ينافي الصلاة من أكلٍ وشربٍ وكلامٍ وغير ذلك، من هذه المباحات التي تنافي الصلاة وليست من أفعالها؛ فصلاته باطلة ولا تصح، فمتى ما دخلت في الصلاة بالتحريمة، حرُمت عليك تلك الأشياء تحريماً، فالتحريمة ركن عند المذاهب الأربعة.

    قال أئمتنا: سميت بذلك؛ لأن التحريمة تحرم الأشياء التي تباين الصلاة ولا تصح فيها، من أكلٍ وشربٍ وكلامٍ وحركاتٍ وغير ذلك.

    (تحريمها التكبير)، يقال: حرمت فلاناً: إذا منعته، فحرمته: منعته، وكل ممنوعٍ فهو محرم، فتحريمها التكبير، يعني: الذي يحرم فعل الأشياء المباحة في الصلاة، وليست التحريمة التي تأتي بها وهي لفظة: الله أكبر، أو صيغة تكبيرة الإحرام داخلة في التحريم بل هي مشروعةٌ ومستحبةٌ، وإذا أتى بها فصلاته صحيحةٌ بلا خلاف، وما يفعله المسلمون في أقطار الأرض من قولهم: الله أكبر معلوم، لكن مع هذا الوضوح الجلي حقيقةً يجد الإنسان حيرةً في بعض الأقوال المقولة في هذا الأمر، وأريد أن أذكرها لبيان القضية في هذه المسألة، والخلاف الواقع فيها؛ لأبين ما يشهدُ له الدليل، والأقوال الأخرى حقيقةً لو حذفت ولم تقل لكان أحسن، ولكن قيلت وقالها عددٌ من أئمة الإسلام الكبار، فانتبهوا لهذه الأقوال.

    (تحريمها التكبير)، كما قلت: الصيغة المتفق على جوازها واستحسانها لفظة: الله أكبر، إذاً فغير هذه الصيغة هل تنعقد الصلاة وتصح بها أم لا؟

    أقوال العلماء في صفة التكبير

    القول الأول: ذهب إليه الإمام أحمد والمالكية: أنه يشترط لتكبيرة الإحرام الصيغة المتقدمة دون زيادةٍ ولا نقصان، الله أكبر، فإذا زاد فيها أو نقص منها لا تنعقد صلاته، وإذا بدل هذه الصيغة بشيءٍ يساويها فصلاته لا تصح، فلو قال: الرحمن أكبر، الله أكبر، الله كبير، الله أعظم وما شاكل هذا، كل هذا لا تصح به الصلاة عند هذين الإمامين، أحمد ومالك ، وسيأتينا أن هذا القول هو أصح الأقوال المقولة في هذه المسألة، وما ينبغي أن يقال غير هذا، مع جلالة من قال بغير هذا القول كما سيأتينا إن شاء الله، فقول الحنابلة في المغني في الجزء الأول، صفحة خمسٍ وخمسمائة، يقول ابن قدامة في المغني: لا تنعقد الصلاة إلا بلفظ: الله أكبر بالتكبير، ولا يدخل الإنسان في الصلاة بدونها، الله أكبر.

    القول الثاني: ذهب إليه الشافعي ، مع شيءٍ من التجاوز والتساهل في قوله بالنسبة للقول الثاني، فقال: تنعقد الصلاة بلفظ التكبير الوارد: الله أكبر، وبما هو في معناه، مما لا يخرج عنه بل يتضمنه وزيادة، فلو قال: الله الأكبر صح، ولو قال: الله أكبر كبيراً صح، يقول الشافعي رحمه الله: لأنه أتى به وزاد عليه زيادةً لا تخل بالمعنى، فهذا فيه تكبير وزيادة، فلا يخل هذا بالمعنى، لكن لو قال: الله كبير، الرحمن أكبر لا يصح عند الشافعي ، الله كبير، الرحمن أكبر، ولو قال: أكبر الله لا يصح عنده، إذاً فالشافعية تجوزوا تجوزاً يسيراً، إذا زاد زيادةً لا تخل بالمعنى، وأتى بالمطلوب فلا حرج عليه عند الشافعية، ويكفي لرده أن هذا محض قياس، والقياس في العبادات غير مشروع، مع جلالة من قال به وإن كان الترخص هنا يسير.

    القول الثالث: ذهب إليه أبو حنيفة : فقال: تحصل تكبيرة الإحرام بكل ذكرٍ خالصٍ لله، فيه تعظيمٌ لله، فلو قال: سبحان الله صح، ولو قال: لا إله إلا الله صح، ولو قال: الله أكبر، الله أعظم، الله كبير، الله جليل، كل هذا يصح، قال: لأن هذا فيه ثناء على الله وتعظيم له، يساوي التكبير من حيث المعنى، والفرق بين أبي حنيفة والشافعي : أن الشافعي: يساويها من حيث الحروف لم يخرج عنها، أتى باللفظ وزاد عليه، أما أبو حنيفة فيقول: هناك تعظيم وهنا تعظيم، وعليه أي ذكرٍ يشتمل على ثناءٍ خالص لله يحصل به تعظيمٌ لله صح حتى لو قال سبحان الله صح.

    وكما قلت الأقوال في منتهى الغرابة، لكنها موجودةٌ في كتب الفقه، وإنما أذكرها من أجل أن نعرفها، ثم بعد ذلك إن شاء الله سنبين القول السديد من هذه الأقوال.

    أما ابن حزم فقال: أي اسمٍ من أسماء الله ذكره وأتبعه بلفظ التكبير، قدم اسم الله، أو أخره، كل هذا يصح ويجوز، وعليه يقول: يجوز الله كبير، الرحمن أكبر، الكبير الله، كل هذا يجوز عند ابن حزم ، لكن لا يجوز أن يقول: سبحان الله، ولا إله إلا الله؛ لأنه ما أتى باسمٍ من أسماء الله معه مع التكبير، فتوسع أكثر من مذهب الشافعي، لكن لم يصل إلى درجة أبي حنيفة.

    ذكر القول الراجح في صفة التكبير وأدلة ذلك

    هذه أقوالٌ ثلاثة أرجحُها، أولها والعلم عند الله، وهو الذي ينبغي أن نأخذ به وأن نعض عليه بالنواجذ؛ لأنه القول الذي شهد له الدليل، وهو قول أحمد ومالك ، عليهم جميعاً رحمة الله.

    وقد دلّ على ذلك أمورٌ كثيرة:

    أولاً: سنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية والقولية، فما نقل عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلى بغير لفظ: الله أكبر، ولا علمنا أحداً صلى بغير تكبيرة الإحرام، التي يكبر بها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ألا وهي: الله أكبر، هذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية والقولية.

    وهذا نصٌ صريحٌ صحيحٌ في هذا الأمر، ورد على ادعاء ابن حزم أنه لم يرد لفظ التكبير عن النبي عليه الصلاة والسلام بعينه، إنما ورد أنه كان يفتتح الصلاة بالتكبير، فيقول: إذاً: أي ذكر باسمٍ من أسماء الله تقرن به التكبير صح، أما لفظ الله أكبر فلم يرد، هذا كلام ابن حزم ، وهو كلامٌ باطل قطعاً، وجزماً، قال: هذا في المحلى، وعندما رد قول مالك : أن الصلاة لا تصح إلا بلفظ التكبير المنصوص: الله أكبر قال ابن حزم: هذا تخصيصٌ للتكبير بلا برهان، وادعى بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قمت فقل: الله أكبر)، وهذا باطلٌ ما عرف قط، ولو وجدناه صحيحاً لقلنا به.

    إذاً: فخلاصة كلام ابن حزم أنه يقول: لم يثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بها، إنما ورد أنه كان يكبر، وأمر الصحابة أن يفتتحوا الصلاة بالتكبير، لكن لا يتعين ذكر لفظ الجلالة مع التكبير، ولا يتعين التزام هذا الترتيب، أن تبدأ باسم الله، وتخبر عنه بلفظ التكبير، بل الصواب أنك إن قدمت، أو أخرت أو غيرت، اسم الله بأي اسمٍ من أسمائه فلا حرج، هذا كلام ابن حزم في المحلى وهو قولٌ باطل مردود.

    الأدلة على وجوب التكبير بـ(الله أكبر)

    وتأمل هذه الأحاديث من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وقوله عليه صلوات الله وسلامه.

    الحديث الأول من السنة الفعلية رواه ابن ماجه عليه رحمة الله من رواية أبي حميد ، وهو في المعجم الأول، صفحة أربعٍ وستين ومائتين، وصححه الإمام ابن خزيمة ، وابن حبان ، والحافظ ابن حجر كما في فتح الباري، في الجزء الثاني، صفحة سبع عشرة ومائتين، عن أبي حميد قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة واستقبل القبلة رفع يديه وقال: الله أكبر)، هذه صيغة التكبير التي كان ينطق بها نبينا صلى الله عليه وسلم، قال القرطبي في تفسيره، في الجزء الأول، صفحة ستٍ وسبعين ومائة: وهذا نصٌ صريح، وحديثٌ صحيح في تعيين التكبير، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفتتح صلاته بلفظ: الله أكبر.

    الحديث الثاني من السنة الفعلية: فعل النبي عليه الصلاة والسلام رواه البزار ، وقال الحافظ ابن حجر : صحيحٌ على شرط الإمام مسلم كما في الفتح، وفي التلخيص الحبير، عن علي رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة، رفع يديه حذو منكبيه وقال: الله أكبر).

    وحديث البزار عن علي ، هو أيضاً في سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان عن أبي حميد من فعل النبي عليه الصلاة والسلام: (أنه كان إذا كبر يقول -هذه الصيغة-: الله أكبر)، فالزعم بأن هذه الصيغة لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام زعمٌ باطل.

    وأما الأحاديث القولية فهي كثيرةٌ، منها:

    الحديث الأول من السنة القولية: حديث رفاعة بن رافع ، وهذا لفظ الطبراني ، وهو في المجمع، في الجزء الثاني، صفحة مائة وأربعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه لا تتم صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه -يعني: يضع الماء في المواضع التي أمر الله أن نضعه فيها من هذه الأعضاء- ثم يقول: الله أكبر)، الحديث كما قلت: رجاله رجال الصحيح، وأخرجه أهل السنن الأربعة، لكن فيه لفظ بدل: (ثم يقول: الله أكبر)، (ثم يكبر)، وعليه فلفظة: الله أكبر الواردة في رواية الطبراني هي بيان للتكبير في رواية أهل السنن، كما أنه هنا كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر بياناً للتكبير في الحديث الذي معنا: (تحريمها التكبير)، فالروايتين بمعنىً واحد: رواية السنن (ثم يكبر)، ورواية الطبراني ، بإسنادٍ صحيح: (توضأ ثم قال: الله أكبر)، وبدون هذا لا تتم صلاة الإنسان ولا تقبل.

    والحديث الثاني من السنة القولية: رواه البيهقي ، والبزار ، وسنذكره في لاحقاً إن شاء الله، وأنقل بعد ذلك كلام ابن القيم في هذه المسألة، وكلام أبي بكر بن العربي ومع جلالة من قال بها نردها، وإذا ثبت الأمر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز بعد ذلك أن نغيره باجتهادٍ من عند الإنسان، نعم من فعل هذا متأولاً مجتهداً نقول: أجره عند الله جل وعلا لا يضيع، لكن ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام لا نضيعه أيضاً، فلا نضلل من خالف باجتهادٍ وتأويل، ولا نترك ما ثبت عن نبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.