إسلام ويب

شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [7]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للطاعة تأثير على تكفير الذنوب إذا أديت بشروطها وانتفى عنها موانعها، وخير مثال لهذه الطاعة صلاة الصحابي في غزوة ذات الرقاع حين أصيب بسهم وهو يصلي صلاة ذات خشوع، ولذلك لم يقطع صلاته حين أصيب، وللصلاة بخشوع أثرها على سلوك الإنسان وعلى تكفير ذنوبه.

    1.   

    التقصير والتفريط من جانب الإنسان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فلا زلنا نتدارس الباب الثاني من أبواب الطهارة من سنن الترمذي رحمه الله، ويدور هذا الباب حول ما جاء في فضل الطهور، وقد روى فيه الترمذي الحديث الذي يدل على فضل الطهور عن شيخيه إسحاق بن موسى الأنصاري ، وقتيبة بن سعيد عليهم جميعاً رحمة الله بسنده المتصل من طريق شيخيه إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرجت كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب ) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.

    وكنا نتكلم على فقه الحديث ومعناه، وقلت: بأننا سنتدارس أمرين اثنين فيما يتعلق بفقه الحديث ومعناه.

    الأمر الأول: في تكفير الوضوء وسائر الطاعات للمعاصي والسيئات.

    والأمر الثاني: في كيفية خروج الخطايا من بدن الإنسان وأعضائه عندما يتوضأ.

    أما الأمر الأول فتقدم معنا أن تقصير الإنسان لا يخرج عن حالتين اثنتين:

    الحالة الأولى: تقصيره في حق الله جل وعلا.

    الحالة الثانية: تقصيره في حق العباد.

    تقصير العبد في حق الله

    أما التقصير في حق الله فله ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: لا يغفر ولا يكفر إلا بالإقلاع عنه والتوبة منه وهو الشرك.

    النوع الثاني: هو الكبيرة وتغفر بالتوبة، وإذا لم يتب الإنسان منها، ولقي ربه بالإيمان فيقتص لسيئاته الكبائر من حسناته.

    النوع الثالث: فيما يقع منه من الصغائر، والصغائر هي: كل ذنب ليس فيه عقوبة مقدرة في الدنيا، ولا وعيد شديد في الآخرة، فهذه الصغائر تكفرها الطاعات، فإذا توضأ الإنسان وعليه صغائر تغفر له بكرم الرحمن سبحانه وتعالى، وهذا محل اتفاق.

    الحالة الثانية: هي تقصير الإنسان فيما بينه وبين العباد وسيأتينا بحثه إن شاء الله.

    إن تقصير الإنسان في حق ربه إذا كان ضمن الصغائر فالطاعات تزيل هذه الصغائر وتغفرها وتكفرها وتمحوها بفضل الله جل وعلا، وقد نقل اتفاق أهل السنة وأهل الإسلام على هذا.

    أما الكبائر فتقدم معنا أن المعتمد عند أهل السنة أن الطاعات لا تكفرها ولا تزيلها ولا تمحوها، إنما لا بد لها من توبة صادقة بين العبد وبين ربه سبحانه وتعالى، وقررت هذا بأدلته، وقلت: إن ما ورد من أحاديث فيها أن الطاعات تزيل الموبقات، أي: الكبائر من السيئات والخطيئات، فهذا في حق من جاء تائباً نادماً من ذنبه فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمل صالح مع توبة، وأما من مات ولم يتب من كبائره فستقع المقاصة يوم القيامة، سواء أقلع عن الكبائر، أو لقي الله وهو مصر عليها، فتقع المقاصة بين حسناته وسيئاته، وعليه فإذا كانت الحسنات كثيرة فإنها تمحى بها الكبائر، فإذا بقي له فضل من الحسنات ولو كانت حسنةً واحدة وسع الله له فيها في الجنة بفضله ورحمته فهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وإذا لم يبق عنده ولا حسنة فأمره إلى الله، ولعله يدخل في قول الله: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16].

    فأمره موكول إلى الله إذا لم يبق له حسنة.

    تكفير الكبائر بالطاعات المؤداة بشروطها المنتفية عنها موانعها

    لو قال قائل: إذا كانت الكبائر في نهاية الأمر ستغفر بالطاعات، فما الفارق إذاً بينها وبين الصغائر؟ لقد قلنا: إن الفارق كبير؛ لأن الصغائر تغفر بالطاعات ويبقى ثواب الطاعات، فلا ينقص من ثوابها شيء، وأما الكبائر عندما تكفر بالطاعات يذهب أجر الطاعات؛ لأن هذا عن طريق القصاص، فهي مقاصة بين الحسنات والسيئات، وهذا هو المعتمد عند أهل السنة، وذهب بعض أئمتنا الكرام إلى أن الكبائر تغفر بالطاعات ويزول أثر الكبائر وتمحى عقوبتها إذا فعل الإنسان طاعة خالصة لله كالحج، وصيام رمضان، وقيام رمضان، وقيام ليلة القدر، وهذا القول يدل عليه أدلة صحيحة وهي على المطلوب واضحة صريحة، لكن مع ذلك ليس فيها دلالة على هذا القول عند التحقيق في الأمر.

    قلت: لأن هذا متوقف على وجود شروط لتلك العبادة، وانتفاء الموانع، ووجود الشروط فيها وانتفاء الموانع يقتضي أن توجد التوبة إلى الله جل وعلا، والندم مما صدر من الإنسان، ومما فعله من تقصير وتفريط في حق الرحمن، وعليه فإن حج مع توبة تغفر كبائره بفضل الله ورحمته، وإن صام مع توبة تغفر كبائره بفضل الله ورحمته، أما إن صام بلا توبة، فلا نعلم هل قبل منه ذلك أم لا؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] ومعلوم أن الذي لا يتوب من ذنبه ليس بتقي، وعليه فهذه العبادة لم تقبل منه، بل ردت عليه، ولذلك قلت: إن هذا القول مع صحة أدلته لابد من توجيهه بما يتفق مع قول أهل السنة، وعليه فنقول: العبادة التي تكفر الموبقات وكبائر الخطيئات هي التي توجد فيها شروطها وتنتفي عنها الموانع المبطلة لقبولها، ولذلك لابد من أن يصلي الإنسان كما أمر، وأن يتوضأ كما أمر، وأن يقبل بقلبه ووجهه على ربه، فإذا فعل هذا يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ لأنه تاب وأناب وخشع في عبادته وأخلص فيها، فإذا قبلت بعد ذلك ينال تلك الجائزة، أما أنه لا توبة، والعبادة فقدت بعض شروطها، ووجد مانع يمنع من قبولها، فلا تقبل فكيف تقوى على تكفير الكبيرة.

    فالصلاة إذا وجدت شروطها، وانتفى عنها موانعها كان لها هذا الأثر، وهو تكفير الخطايا من الصغائر والكبائر؛ لأنها قارنتها توبة، وقارنها خشوع وإنابة إلى الله ورجوع إليه، وهذا الذي كان يحصل لسلفنا الكرام، وكما كنت وعدت سأذكر لكم الحديث الذي في سنن أبي داود ، وصحيح ابن حبان ، ومستدرك الحاكم، وصحيح ابن خزيمة ، من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

    1.   

    تقرير قاعدة: جهاد النفس أكبر الجهادين

    وقبل البدء به فقد يتساءل البعض حول الكلام الذي كنت ذكرته في المباحث الماضية، حول قولي: الجهاد الأكبر جهاد النفس، والجهاد الأصغر جهاد الأعداء، وقد يفهم البعض أنه حديث، وكنت ذكرت هذا عند مبحث الصغائر، وقلت: إن الطاعات تكفرها ويبقى أجرها عند قول النبي عليه الصلاة والسلام: (... انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط )، وقلت: إن الرباط الأكبر والحقيقي: أن يلازم الإنسان طاعة الله، وأن يتعلق قلبه ببيت الله، هذا هو الرباط الحقيقي، وهناك رباط شرعي له أجر، لكن لا يقوى عليه إلا من حقق هذا الرباط، وهو الرباط على الثغور، وهو فرض عين، أو فرض كفاية، فإذا حصل المطلوب من البعض، أجزأ عن الباقين، وأما جهاد النفس والهوى فهو فرض عين على كل ذكر وأنثى إذا كان بالغاً عاقلاً، سواء كان حراً أو عبداً، فجهاد النفس أصلاً هو جهاد الأعداء، وهو جهاد أكبر، وذاك جهاد أصغر، وقلت: إننا لا نقلل بهذا من شأن الجهاد في سبيل الله فهو ذروة سنام الإسلام، لكن من باب وضع الأمور في مواضعها، فلعل البعض يظن أن هذا حديث.

    تحقيق حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر...)

    أريد أن أقف عند أمرين على وجه الاختصار إن شاء الله:

    أولاً: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) أو (رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)، هذه ألفاظ حديث روي عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن في إسناده ضعف، ولذلك لم أصرح بنسبة الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن الموضوع في تحقيق الأثر، إنما في تقرير قاعدة شرعية وهي أن جهاد النفس أكبر الجهادين، وهذا أصلاً من جهاد العدو.

    والحديث روي عن النبي عليه الصلاة والسلام، رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في الجزء الثالث عشر (ص:493)، وهو آخر شيء في الجزء الثالث عشر من تاريخ بغداد، وتاريخ بغداد أربعة عشر مجلداً، ورواه البيهقي في كتاب الزهد ورقم الحديث (373)، وهو في (ص165)، ورواه الديلمي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وليس هو حديث جابر الذي سأذكره لاحقاً أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة الكرام بعد أن انتهوا من غزوة تبوك ورجعوا قال: ( قدمتم خير مقدم، رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس، وجهاد الهوى ).

    روي في هذه الكتب وإسناده ضعيف كما نص على ذلك البيهقي ، فبعد أن روى الحديث في كتاب الزهد قال: إسناده ضعيف، وتبعه على هذا العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، فذكر أيضاً أن إسناد الحديث ضعيف، انظروا هذا في الجزء الثالث (ص:6) من تخريج أحاديث الإحياء للإمام العراقي، واسم كتابه المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، لـعبد الرحيم بن الحسين الأثري المعروف بالإمام العراقي عليه رحمة الله، وغالب ظني أنه توفي سنة (802)، وهو من علماء القرن التاسع عشر من بدايته، وهو شيخ الحافظ ابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله، لكن هذا الإسناد الذي هو ضعيف معناه صحيح، وكون هذا اللفظ ثبت أو لم يثبت، أنا لم أبن تقريري على هذا اللفظ، ولكن على معناه وهذا المعنى ثابت في شريعة الله جل وعلا.

    شواهد لحديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر...

    يشهد لحديث رجعنا من الجهاد الأصغر... الضعيف حديث صحيح ثبت في مسند الإمام أحمد، وصحيح ابن حبان، والحديث إسناده صحيح كالشمس من رواية فضالة بن عبيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب )، فالمجاهد الحقيقي من جاهد نفسه في طاعة الله، ومن جهاد النفس في طاعة الله أن تقاتل أعداء الله، ذاك فرض؛ لأن النفس لا تريد قتال الأعداء، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، فأنت عندما تجاهد نفسك في هذا الجهاد وهو قتال أعداء الله، فأنت في جهاد، لكن الجهاد الحقيقي أن تزم نفسك بزمام التقوى، وأن تدور مع الحق حيث دار، وأن تزن أمورك وأحوالك بالميزان الذي تكلمنا عليه في المباحث السابقة، والمقياس هو شرع الله، حلال وحرام لا تخرج عنه، هذا هو الجهاد.

    وبعض هذه الجمل وهذه العبارات ثابتة في الصحيح، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ثابتة في صحيح البخاري من رواية عبد الله بن عمرو، وثابتة في صحيح مسلم من رواية جابر بن عبد الله، وقوله: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب ) في صحيح البخاري من رواية عبد الله بن عمرو، وقوله: ( والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) أيضاً في صحيح البخاري ، وقوله: ( المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ) ثابت في المسند، وسنن الترمذي، والنسائي ، وصحيح ابن حبان ، ومستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأما قوله: ( والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ) فهي في المسند، وصحيح ابن حبان من حديث فضالة بن عبيد.

    ثبوت حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر...) من قول بعض السلف

    وهذا الأثر: (رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) مع ضعف في إسناده هو فاش في كلام أئمتنا، وكانوا يقولونه دون نسبته إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ولذلك قال الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله: هذا الأثر مشهور على الألسنة، والناس يتداولونه ويقولونه من القرن الثامن أو التاسع للهجرة، ويعرف من كلام إبراهيم بن أبي عبلة ، وهو من أئمة التابعين توفي سنة (152)، وروى عن عدة من الصحابة الكرام، وحديثه مخرج في الصحيحين، وسنن أبي داود ، والنسائي، وكذلك نسبه إليه الذهبي في سير أعلام النبلاء، في ترجمة إبراهيم بن أبي عبلة في الجزء السادس (ص:325) وأورده منسوباً إليه.

    يقول: قال محمد بن هيال المقدسي : سمعت ابن أبي عبلة يعني: إبراهيم بن أبي عبلة، وهو يقول لمن جاء من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر فما فعلتم في الجهاد الأكبر، ويعني: جهاد القلب، وجهاد النفس، وتأمل قوله: سمعته يقول لمن جاء من الغزو، دون أن يقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    قال المعلق بعد أن نقل كلام العراقي عليه رحمة الله الذي ذكرته في المراجع التي تقدمت: وهو من كلام إبراهيم بن أبي عبلة، قلت -أي: المعلق على الكتاب-: وهو مخالف -أي: هذا الأثر- لقوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:19].

    قلت: وأنا أحذر غاية الحذر! الناس عندما يكتبون هل عندهم عقول أم لا؟ أين المعارضة بين الأثر وبين الآية؟ الله يقول: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:19] والآية نزلت تعييراً للمشركين الذين كانوا يفتخرون بإكرام الحجيج، ورفادتهم، وسقايتهم، وعمارة المسجد الحرام، ولم يؤمنوا بذي الجلال والإكرام، والله يقول: هل يستوي من بنى المسجد وأطعم الناس كمن آمن بالله وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله، فما وجه المعارضة؟ هل قال الله: (أجعلتم من جاهد نفسه كمن جاهد عدوه؟)، حتى نقول: إن هذا الأثر فيه مخالفة لقول الله، أين المخالفة؟ فلو كان عند أحد علم بهذه المخالفة فليبينه لنا، لقد تأملت في كلامه مرات ومرات، ولما قرأت كلامه علقت عليه، فقلت: أليس عندك عقل تعقل به عندما تتكلم؟ أين المخالفة؟ وقد أوضحت معنى الأثر، وبينت أن جهاد العدو فرع وجزء من جهاد النفس، فأين المخالفة؟ لا مخالفة على الإطلاق.

    لو أن إنساناً عمر مسجداً وما صلى، فهو يقول: لو صليت وما بنيت المسجد لكان أحسن، مع أنه لو بنى المسجد وصلى وآمن بالله لكان حسناً فكيف يعير، وكذلك المجاهد لا يعير فهو يجاهد عدو الله، وهو مؤمن بالله، وهو يجاهد نفسه، فلا يصح أن نقول: هذه الآية رد صريح لذلك الأثر، والأثر يخالف الآية، وختم الكلام بذلك ولم يزد ولا كلمة، يقول: قلت: وهو مخالف لقوله تعالى، ثم ذكر الآية التي في سورة التوبة آية (18) وانتهى الكلام، أين المخالفة؟ لا مخالفة بين هذا الأثر وبين قول الله جل وعلا: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:19].

    هذا الأثر ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى، في الجزء الحادي عشر، عند مبحث التصوف، وقال: لا أصل له من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ذكر كلمة لا تسلم لهذا الإمام عليه رحمة الله، وهي قوله: بأنه لم يروه أحد ممن يعرف أقوال النبي عليه الصلاة والسلام وأفعاله، مع أن الأثر مروي كما قلت في كتاب الزهد للإمام البيهقي، ورواه الخطيب البغدادي والديلمي ، أما أنه ضعيف فنعم، ولكنه لا يصل إلى درجة الوضع، وقوله: لم يروه أحد يعرف كلام النبي عليه الصلاة والسلام وأقواله وأفعاله من أئمتنا المحدثين، هذا كلام لا يسلم.

    الاستدلال بحديث: (رجعنا من الجهاد...) على أفضلية الدعوة والتبليغ على جهاد العدو

    ذكر لي بعض الإخوة أن بعض الناس يستدلون بهذا الأثر على أن عملهم في موضوع التبليغ والخروج إلى الدعوة هو الجهاد الأكبر، وهذا يغنيهم عن العلم وعن جهاد أعداء الله جل وعلا.

    فكان الجواب أن من قال هذا فهو مخطئ، وتحصيل العلم فرض، وجهاد أعداء الله فرض، وتبليغ دعوة الله فرض، ولا يستدل بهذا الأثر على أننا نخرج للتبليغ ولدعوة الله ولنشر دين الله، وننحرف عن العلم وعن جهاد أعداء الله؛ لأننا نقوم بالجهاد الأكبر، لا، نعم الخروج لتذكير الناس ووعظهم وتبليغ دين الله لهم، هذا واجب عليه أدلة كثيرة، لكن لا يجوز أن نقول: هذا هو الجهاد الأكبر، الجهاد الأكبر -كما قلت- أعم من ذلك، وهو أن توقف النفس عند شريعة الله في جميع أحوالك وأفعالك وأقوالك.

    قال لي بعض الإخوة: إنهم لم يقولوا هذا، وأنا أقول دائماً: عندما نقول: قال بعض الناس هذا، سواء ثبت عن ذلك البعض أم لا، ما لنا وله، نحن نحكم على هذا الكلام هل هو كلام باطل أم لا؟ بغض النظر عن حال قائله، وهل قالته جماعة من الجماعات، أو أن هذا كلام باطل، هذا يتحمله المستفتي، فإذا كان يحملهم ما لا يقولون، إما بالافتراء عليهم أو بأن يأخذ هذا من قبل من يفتري عليهم، فهذا ننكر عليه، لأنه هو من افترى، أما طالب العلم الشرعي فيبين حكم الله فيه.

    لكن عند هذا الحديث وما جرى حوله من كلام، أريد أن يتقي كل واحد منا ربه، وأن لا يتسرع في اتهام الناس بما لم يقولوا، وإذا سمع من أحد شيئاً من نسبته إلى الآخرين، فليتحقق من هؤلاء الآخرين، وهل هذا صحيح عنهم، وليسأل بعد ذلك عن حكم الله في هذا بعد ثبوته، أما أن يُقال لك بأنه قال، فتذهب لتستفتي من قبل شيخ: ما حكم فلان لأنه يقول كذا؟ وهو ما قال، لا بد من أن نتقي الله في أقوالنا وفي جميع أحوالنا، وكل واحد يؤخذ من قوله ويرد، ويخطئ ويصيب إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه، لكن لا ينبغي أن يكون في القلوب -كما قلت- تحامل، ولا أن يحصل افتراء ولا تجني على أحد من خلق الله، يأتي أحدهم عندنا يقول: هذا لا علم لنا به إنه مجرد افتراء علينا، هذا يجري بين المسلمين، أوليس هذا بحرام؟ فهذا مسلم يسألك سؤالاً فتجيبه عليه، ثم يأتي آخر يقول: هذا يفتري علينا، لماذا هذا؟

    وأنا لا أقول أيضاً للسائل إنه مفترٍ، أعيذه بالله وأعيذ المسلمين أجمعين من ذلك، لكن إذا كانت هناك دعاية سوء من قبل بعض المفسدين، أو من غيرهم، فلماذا نحن نتلقفها؟ ثم بعد ذلك نسمعها ونذيعها ونبني عليها أسئلة وأحكاماً؟ هلا تحققنا فيما نقول لنسأل بعد ذلك، بدل أن يحصل تشويش؟ وهذا واجب على المسلمين أن يتقوا الله فيما يقولونه، لكن فيما يتعلق بإخوانه من عباد الله جل وعلا فهذا أمر لا بد من أن نعيه، ولا يسأل إنسان عن شيء إلا بعد أن يتحقق منه والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    دلالة حديث جابر على مدى تأثير الطاعة في تكفير الذنوب

    كنت ذكرت فيما يتعلق بالقول الثاني في أهل الكبائر: أن الطاعات تكفر عنهم كبائرهم وإن لم يتوبوا إلى الله جل وعلا، قلت: ومع صحة الأدلة التي استدلوا بها إلا أنها لا دلالة فيها على هذا القول؛ لأن الطاعات لا بد لها من وجود شروط فيها وانتفاء موانع عنها، فإذا وقعت الطاعات بالصيغة المقبولة، أي: أنه حقق الشروط فيها وانتفت الموانع التي تفسدها فتكفر الكبائر، لكن من الشروط أن يتوب الإنسان إلى ربه جل وعلا، ولذلك ما ثبت للطاعات المتقدمة من حج، وصيام، وقيام، وقيام ليلة القدر، ووضوء، وصلاة، لا بد من تحقيق الشرط لتحقيق العبادة وانتفاء المنهي عنها، وهذا الحديث الذي يبين لنا أحوال صحابة نبينا عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه في عباداتهم؛ لنعلم أن الواحد منهم إذا وقع في كبيرة سيقلع عنها ويتوب إلى الله منها، ثم عندما يقوم بهذه الطاعة يقوم بها على الوجه المرضي فتكفر عنه كبيرته وخطيئته بفضل الله ورحمته، والحديث في سنن أبي داود ، وصحيح ابن حبان، ورواه ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه وذكره أئمتنا في مبحث غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة عجيبة غريبة، مال البخاري عليه رحمة الله إلى أنها وقعت قبل موقعة خيبر، وبعض أئمتنا من أهل السير يرون أنها وقعت بعد ذلك، وهل وقعت بعد العام السابع للهجرة أو دون ذلك؟ لا يضرنا تحقيق الكلام في العام الذي وقعت فيه.

    سبب التسمية بغزوة ذات الرقاع

    سبب تسمية غزوة ذات الرقاع بهذا الاسم قيل: إنها إنما سميت بغزوة ذات الرقاع؛ لأن الصحابة الكرام عانوا فيها شدائد جسيمة، كانوا يمشون حفاة فتنقبت أقدامهم فربطوها بالخرق ولفوا عليها الخرق، فقيل لها: غزوة ذات الرقاع، وانضم إلى هذا تمزق رايات الجيش التي يحملونها فرفعوها، فلفوا على الأرجل الخرق، ورقعوا الرايات، فقيل لها: ذات الرقاع.

    وقيل: سميت بذلك لأن الأرض التي نزلوا فيها كانت ملونة مختلفة الألوان كأنها رقاع متصلة ببعضها، فمنها حمراء وبيضاء وسوداء، فقيل لها: غزوة ذات الرقاع، وفي هذا شيء من البعد، والعلم عند الله، وقيل: لشجرة هناك كانت تسمى بذات الرقاع، وقيل: لجبل يسمى بذلك، وقيل: كانت خيولهم ملونة ما بين بياض وسواد فكأنها مرقعة ملونة، وبعض أئمتنا يقول: هذا تصحيف، لعل الخيل أصلها جبل فتوهم بعض الناس في الأمر فبدل من أن يقول: الجبل فيه ألوان قال: الخيل فيه ألوان.

    على كل حال وقيل: سميت بذلك لوقوع صلاة الخوف فيها وهي باتفاق قد شرعت في غزوة ذات الرقاع، فقيل: لأن صلاة الخوف شرعت فيها فصارت الصلاة كأنها مرقعة؛ لأن الإمام يصلي بطائفة ركعة، ثم تنصرف هذه الطائفة لمقابلة العدو، ويأتي الفريق الذين يحرسون العدو فيصلون مع الإمام، والإمام يقوم للركعة الثانية حتى تأتي تلك الطائفة فيصلي بهم ركعة ويسلم، ثم تأتي تلك الطائفة فتتم الصلاة، وهذه هي إحدى كيفيات صلاة الخوف.

    إذاً: شرعت صلاة الخوف فيها، وهي كأنها صلاة مرقعة، فقيل لها: غزوة ذات الرقاع، وأوجه التعليلات كما قلت الأمر الأول، والثاني: وهو بسبب ترقيع الرايات ولف الخرق على الأرجل من الشدة التي عاناها الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    حال الصحابي عند تأديته للصلاة في حديث جابر

    تأملوا إلى ما جرى في هذه الغزوة من قصة عجيبة في صلاة من قبل الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين، والحديث -كما قلت- في سنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة ، وصحيح ابن حبان ، ومستدرك الحاكم ، من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وقد نص النووي في المجموع في الجزء الثالث، صفحة خمس وخمسين على أن إسناد الحديث في درجة الحسن، وصححه ثلاثة من أئمتنا.

    يقول جابر رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، وقوله: (أصابها) يعني: قتلها خلال القتال، فوقعت المرأة مقتولة، فحلف، يعني: هذا المشرك الذي ماتت زوجته، ألا ينتهي حتى يهريق دماً من أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، يريد أن يثأر لزوجته وأن يقتل بعض الصحابة الكرام، يقول جابر : فخرج هذا المشرك يتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلاً فقال: هل من رجل يكلؤنا؟ أي: يحرسنا في هذه الليلة حتى لا يباغتنا الأعداء ونحن نيام فيقضوا علينا جميعاً، فانتدب رجل من المهاجرين وهو عمار بن ياسر، ورجل من الأنصار وهو عباد بن بشر كما ثبت هذا في كتاب دلائل النبوة للإمام البيهقي رحمه الله، فقال: كونا بفم الشعب، والشعب منفرج بين جبلين، أو طريق بين جبلين، أي: احرسا هذا المكان الذي يتوقع منه مجيء الأعداء، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري وهو عمار بن ياسر بعد اتفاق بينهما من الذي يحرس أول الليل ومن الذي يحرس آخر الليل، وقام الأنصاري يصلي، فأتى المشرك الذي قتلت زوجته، فلما رأى الأنصاري عرف أنه رديئة للقوم، أي: حارس يحرسهم، فرماه بسهم فوضعه فيه، أي: نزل السهم في صدره وهو يصلي، فنزعه حتى رماه بثلاثة أسهم، كل سهم يقع في صدره ينزعه ويتم صلاته، ثم ركع وسجد، ثم نبه صاحبه أي: أيقضه، فلما عرف أنهم قد نزلوا به أي: فطنوا له وعلموا بهذا المشرك الذي ضرب هذا الصحابي عباد بن بشر بثلاثة أسهم في صدره ثم هرب، فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله! ألا أيقظتني أول ما رماك، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها، هذه رواية أبي داود.

    ورواية الحاكم قال: (لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها) أي: أن أقطع هذه السورة التي أنا أقرؤها، يعني: إما أن يقطع نفسي وأموت، أو أكمل هذه السورة، وكان يقرأ سورة الكهف كما ثبت في كتاب دلائل النبوة في تهجده.

    وقوله: لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله عليه الصلاة والسلام بحفظه؛ لأنه إذا مات وصاحبه ظل نائماً فقد يهجمون على المسلمين وهم نيام، فيحصل فيهم مقتلة عظيمة، فلأجل ذلك قطع الصلاة أيسر من أن يقتل هؤلاء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم فقطع الصلاة.

    الاستدلال بحديث جابر على عدم انتقاض الوضوء بخروج الدم

    يقول الحاكم: الحديث صحيح وأقره عليه الذهبي، يقول: لقد اعتقد بعض أئمتنا أن هذا الحديث دليل على أن خروج الدم من غير مخرج الحدث لا ينقض الوضوء، وهذه سنة ضيقة يعني: عزيزة أن تقف عليها، وأن هذا دليل على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء، وهذا هو مذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله، إذا خرج الدم من غير المخرجين، أي: من القبل والدبر لا ينقض الوضوء. وهذه دماء تسيل، ومع ذلك كان يصلي، والنبي عليه الصلاة والسلام عندما علم قال: غفر الله له، ولم يقل: إن صلاته باطلة، وكيف يصلي وقد انتقض وضوؤه؟

    أثر الصلاة بخشوع على تكفير الذنوب وعلى سلوك الإنسان

    انظر لخشوع الصحابي في حديث جابر وكيف يصلي بهذه الحالة، وثلاثة سهام تقع في صدره؟ ثم يخرجها وينزعها قبل أن يقطع الصلاة، ويقسم بعد ذلك بالله إنه لولا أن يضيع ثغراً لما قطع الصلاة ولما أيقظ صاحبه، فالصلاة إذا وقعت على هذه الكيفية، ووجدت فيها هذه الشروط، وانتفى عنها موانع القبول، فهذه هي التي تكفر، ولو كان على الإنسان أمثال الجبال من الخطايا لكفرت بهذه الصلاة.

    لكن إذا وقف الإنسان يصلي وجاءت ذبابة لشوشته، وبدأ يحرك يديه كالمروحة في مطاردة هذه الذبابة، أين الخشوع؟ ثم بعد ذلك ترى الواحد منا عندما يصلي يتثاءب ويعوي أحياناً كما يعوي الكلب، وهذا التثاؤب خارج الصلاة مذموم فكيف في الصلاة، ولو تثاءب وقال: هاه، بطلت صلاته؛ لأنه نطق بحرفين بتثاؤبه، هذا كلام الناس، وما أكثر من تبطل صلاته عند التثاؤب وهو لا يدري عندما يتثاءب ويخرج صوتاً، إذا خرج بمقدار حرفين بطلت الصلاة، فالتثاؤب مذموم وهو من الشيطان، ومن أخرج صوتاً معه بطلت الصلاة، ثم يريد أن تكفر صلاته أوزاره، يا عبد الله! صلاتك هذه ستلقيك في جهنم، وإذا أنت لم تحصل عليها أجراً سترتكب بسببها وزراً، ومع ذلك تقول: الكبائر تكفر، وأئمتنا عندما قالوا: تكفر الكبائر قولهم حق، والأدلة صحيحة، لكن متى؟ إذا وقعت الطاعة مستوفية للشروط، لماذا؟ لأننا لو رأينا الصحابة الكرام والسلف الصالح لقلنا عنهم كأنهم مجانين، ولو رأونا يقولون: كأن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الدين، ومن ينظر إلى أحوالنا يقول: هذا حالنا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] أي صلاة يصليها؟

    تراه يخرج من الصلاة إلى المسلسلات في التلفاز، فماذا استفدت من صلاتك، ألم يقل الله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]؟ من الذي أحل لك أن تنظر للمذيعة وللراقصة وللممثلة من الإناث، ومن الذي أحل لك أن تنظر إلى أشكال من لعنهم الله وغضب عليهم من الكفرة؟!

    إذا كان أئمتنا يقولون: النظر إلى الظالم خطيئة مكتوبة، فكيف عندما تنظر بعد ذلك إلى هؤلاء الكفرة وتسرح بنظرك ساعات طوال، الصلاة إن طالت ربع ساعة خاصمت الإمام، وأما المسلسلات فتجلس ساعات لا تنتهي وأنت في الظلام تحارب الرحمن، ثم بعد ذلك تقول: صلينا، والصلاة تكفر عنا أوزارنا، أي وزر؟ صلاتك الآن تحتاج إلى تكفير، وهذه الصلاة يضرب بها وجهك ولن تزيدك من الله إلا بعداً، إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45] وهكذا سائر العبادات، ولذلك إذا لم يكن حالك بعد الطاعة خيراً من حالك قبل الطاعة، فاعلم أن الطاعة ما قبلت، كل طاعة تقوم بها إذا حصل لها أثر، وصار حالك بعدها خيراً من حالك قبلها فهنئ نفسك، وإلا فاعلم أنك مطرود وأن هذه الطاعة لم يقبلها المعبود سبحانه وتعالى، لا بد من هذا ولذلك صلاة لا أثر لها ليست بصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

    وفي الحديث: ( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ).

    هذا الحديث المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام في إسناده ضعف، ومعناه صحيح ثابت، وقد دل على معناه أحاديث كثيرة صحيحة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، أما هذا الحديث فرواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ) ورواه ابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس ، عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    والأثر رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما، لكن موقوفاً عليه من قوله والطبري في تفسيره، والإمام أحمد في الزهد، ورواه الطبراني في معجمه الكبير بسند صحيح كما نص على ذلك الهيثمي في المجمع في الجزء الثاني صفحة (258)، والعراقي في تخريج أحاديث الإحياء في الجزء الأول (صفحة:156) بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفاً عليه من قوله: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهاه عن المنكر لم يزدد من الله إلا بعداً وهذا الأثر الثابت عن ابن مسعود رضي الله عنه ضعيف في رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأثر ابن مسعود الموقوف عليه له حكم الرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يمكن للصحابي أن يقول هذا من قبل رأيه ووهمه وظنه وتحليله، وهذا الأثر الموقوف في الصحيح له حكم الرفع، ولو لم يرد أثر ابن عباس الذي يشهد له أثر عبد الله بن مسعود لاقتصرنا على أثر عبد الله بن مسعود، وقلنا: له حكم الرفع إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    والإمام ابن كثير في تفسيره في الجزء الثالث صفحة خمسة عشرة وأربعمائة عند الآية: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] قال: الأصح في هذا أن هذه الآثار ثابتة عن ابن عباس وعن ابن مسعود ، أي: ليست مرفوعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام صراحة، وثابتة عن الحسن وقتادة والأعمش، أنهم قالوا: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً، فالمعنى صحيح، والأثر -كما قلت- ثابت إن شاء الله.

    ورواية الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما المرفوعة ليس فيه إلا رجل حوله كلام وهو ليث بن أبي سليم ، وقد أخرج حديثه الإمام البخاري عليه رحمة الله لكن معلقاً، والإمام مسلم أخرج حديثه في الشواهد، وأخرج حديثه أهل السنن الأربعة، وحكم عليه الحافظ بأنه صدوق، لكنه اختلط في آخر حياته.

    ونكمل الكلام على الليث وعلى هذا الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المبحث القادم إن شاء الله.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.