إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [3]

شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف العلماء في توجيه قول الترمذي: حديث حسن صحيح، وأفضل ما ذكر قول ابن حجر: فإن جمعا -الصحة والحسن- فلتردد في الناقل حيث التفرد، وإلّا فباعتبار إسنادين، وبالنسبة للحديث الحسن فقد عرفه عدة علماء منهم الترمذي، والحكم للإسناد بالصحة حكم على المتن من إمام معتمد إذا لم يتبع الحكم بتضعيف.

    1.   

    تخريج حديث أبي هريرة في فضل الطهور

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس الباب الثاني من أبواب الطهارة من جامع الإمام الترمذي عليه رحمة الله: باب ما جاء في فضل الطهور.

    روى الإمام الترمذي حديثاً في هذا الباب عن شيخيه: إسحاق بن موسى الأنصاري ، وقتيبة بن سعيد بسنده من هنا إلى أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئةٍ بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب)، قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.

    وقد انتهينا من دراسة المبحث الأول المتعلق بإسناد الحديث، ومن دراسة المبحث الثاني المتعلق بمتن الحديث: بفقهه ومعناه، وسنتدارس إن شاء الله في هذه الليلة المباركة المبحثين الآخرين تتمة المباحث الأربعة فيما يتعلق بدرجة الحديث وتخريجه، وفيما يتعلق بتخريج الروايات التي أشار إليها الإمام الترمذي بقوله: وفي الباب عن فلانٍ وفلان.

    أما المبحث الثالث المتعلق بدرجة هذا الحديث وتخريجه فقد قال أبو عيسى عليه رحمة الله: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، والأمر كذلك إخوتي الكرام! كما تقدم معنا في دراسة الإسناد، فجميع رجال الإسناد أئمةٌ ثقاتٌ عدولٌ كرامٌ فحول، وكل واحدٍ وصف بصفةٍ أو صفتين من أوصاف التوثيق والتعديل ثقةٌ ثبت، ثقةٌ فاضل، إلا أحد الرواة الذين تقدم معنا ترجمتهم، وهو سهيل بن أبي صالح ، فقد نعته الحافظ بأنه صدوق. وقد أخرج حديثه الإمام البخاري تعليقاً ومقروناً، وأخرج حديثه الإمام مسلم في الصحيح وأهل السنن الأربعة، فحديثه مخرج إذاً عند جماعة أهل الكتب الستة. وأما من عدا هذا العالم الإمام الهمام فكلهم ثقاتٌ أثبات في أعلى درجات التوثيق والعدالة.

    والحديث له طرقٌ كثيرة وشواهد وتيرة، وعليه فهو صحيحٌ كما قال أبو عيسى عليه رحمة الله: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، وهو حديث مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين.

    وهذا الحديث قد أخرجه مالكٌ في موطئه أيضاً، والإمام الشافعي في مسنده، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، إذاً: أخرجه من أهل الكتب الستة اثنان: الإمام مسلم في صحيحه، والإمام الترمذي في سننه وجامعه، وهو -كما قلت- حديثٌ صحيح. ورواية الإمام مسلم فيها زيادة، وهذه الزيادة ضروريةٌ جداً، مما يدل على أن الحديث هنا فيه شيءٌ من الاختصار، والزيادة هي: (فإذا غسل رجليه خرجت من رجليه كل خطيئةٍ مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب)، والرواية التي هنا اقتصرت على ذكر الوجه وذكر اليدين، ولفظ الحديث عند مسلم: باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء.

    وترجمة الأبواب ليست من عمل الإمام مسلم في صحيحه، إنما هي من عمل شراح صحيح مسلم، فالإمام مسلم ترجم فقط للكتب مثل: كتاب الطهارة، وكل بابٍ بعد ذلك في كتبه فهو من عمل الشراح ومن عمل شيخ الإسلام النووي ، وهكذا من شرح صحيح مسلم ، فقوله: باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء من عمل الشراح، وهو في كتاب الطهارة.

    لفظ الحديث أيضاً من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن)، أيضاً على الشك هل نطق النبي عليه الصلاة والسلام بنعت الإسلام أو الإيمان شك الراوي، فحكاه حسبما علم لما لم يتأكد من أحد الصفتين رواه على الشك، (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن)، يعني: أحد اللفظين قاله النبي عليه الصلاة والسلام، وهما بمعنىً واحد، (فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء)، أيضاً الشك هنا موجود، (أو مع آخر قطر الماء)، يعني: أن هذه الخطايا تخرج مع ماء الوضوء، أو مع آخر قطرات الوضوء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئةٍ كانت بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، (فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب)، فأضاف في هذه الرواية ذكر الرجلين.

    ورواية الإمام مالك في الموطأ كرواية الترمذي ، إنما رواية صحيح مسلم فيها زيادة ذكر الرجلين، ولو لم تذكر فهي معلومة، فإذا غسلت الخطايا من الوجه خرجت الخطايا من الوجه واليدين، فتخرج من بقية أعضاء الوضوء بفضل الله ورحمته، لكن هنا تنصيصٌ على ذلك، وستأتينا الروايات الأخرى التي أشار إليها الترمذي وفيها التنصيص على ذلك أيضاً بما هو أوضح وأكثر تفصيلاً.

    إذاً: هذه الرواية في صحيح مسلم ، وموطأ الإمام مالك ، وأخرجها الترمذي ، ومعهم الإمام الشافعي في مسنده عليهم جميعاً رحمة الله، والرواية كما قلت: صحيحةٌ ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الحديث الحسن وتعريف الأئمة له

    يتعلق معنا بهذا المبحث -قبل أن ننتقل إلى قول الإمام الترمذي : وفي الباب- اصطلاحٌ معين، وهو أول شيءٍ ورد معنا في هذا الكتاب (حسنٌ صحيح)، تقدم معنا في الباب الأول: (لا تقبل صلاةٌ بغير طهور)، حديث أبي هريرة رضي الله عنه، هناك نعت للصحة فقط، هذا أصح شيءٍ في هذا الباب وأثبت، فبينت هناك معنى الصحيح، وشروط الحديث ليكون صحيحاً، وأما هنا فقال: (حسنٌ صحيح)، وهذا يدعونا إلى أن نبين معنى الحسن، ثم ماذا يراد بالحسن الصحيح عندما يقترن هذان اللفظان.

    ومعنى الحسن على انفراد؛ فكما تقدم معنا تعريف الصحيح أبين الآن معنى الحسن، ثم أبين اصطلاح أئمتنا في قولهم: هذا حسنٌ صحيح، وأجيب على سؤالٍ لبعض الإخوة وهو: هل إذا قيل: إسناده حسن صحيح، إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجاله أثبات، هل يلزم من هذا صحة الحديث؟ يعني: صحة المتن. نتكلم على هذا في هذه الموعظة إن شاء الله.

    أما الحديث الحسن فكثرت تعاريف أئمتنا له، وهي على كثرتها تنحصر في أمرين اثنين:

    تعريف الترمذي للحديث الحسن

    التعريف الأول: ذكره الإمام الترمذي عليه رحمة الله في آخر كتابه العلل، في الجزء الخامس من الطبعة التي بين يدي في صفحة ثمانٍ وخمسين وسبعمائة في المجلد الخامس، وكتاب العلل هو في آخر كتاب الجامع آخر سنن الترمذي ، ففي هذا المكان يقول الإمام الترمذي : وما ذكرنا في هذا الكتاب بقولنا: حديثٌ حسن، فإنما أردنا به حسناً إسناده عندنا، يعني على حسب اصطلاحهم، على حسب ما أصطلحه أنا -فانتبهوا لاصطلاحهم- وهو كل حديثٌ يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذاً، ويروى من غير وجهٍ نحو ذاك.

    إذاً: هذه ثلاثة حدود -انتبه لها- في تعريف الحسن عند الإمام الترمذي .

    أولها: ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، أي: مستور، لكن ما وصل إلى درجة الاتهام بالكذب، أو فيه ضعف، أو في حفظه نقص، لكن لم يصل إلى درجة الاتهام بالكذب.

    والثاني: ألا يكون شاذاً.

    والثالث: أن يروى من غير وجهٍ نحو ذلك. أي: أن يوجد له متابعٌ أو شاهد، فهذه الاعتبارات الثلاثة تجعل الحديث حسناً عند الإمام الترمذي ، وعليه لو لم يرو من غير وجهٍ فهو ضعيف، وهذا التعريف خاصٌ بما يقول الإمام الترمذي فيه حسنٌ فقط دون صفةٍ أخرى، انتبه لهذا؛ لئلا تقع في إشكالاتٍ كثيرة، وإذا قال: حسنٌ صحيح فلا يقصد هذا الاصطلاح، إذا قال: حسنٌ غريب، -الغريب ما له طريقٌ واحد- فلا يقصد هذا الاصطلاح. وهذا الأمر الأول.

    ومعنى ألا يكون شاذاً، تقدم معنا الشذوذ عند تعريف الحديث الصحيح، وقلنا: ألا يخالف الثقة من هو أوثق منه، إذا كان الراوي فيه ضعفٌ يسير فيشترط ألا يخالف الثقة؛ لأن مخالفته تلحق حديثه بدرجة الإنكار، ويكون منكراً مطروحاً. وهذا الأمر الثاني.

    والأمر الثالث: أن يروى من غير وجهٍ نحو ذاك، إذا وجدت هذه الأمور في إسناد الحديث فهو حسن عند أبي عيسى محمد بن عيسى الإمام الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا. وهذا الكلام ذكره في كتاب العلل ونقله عنه أئمتنا. ومن العجيب الغريب قول شيخ الإسلام الإمام ابن كثير في كتابه الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث للإمام ابن الصلاح ، الباعث الحثيث في الأصل تأليف الشيخ أحمد شاكر ، إنما اختصار علوم الحديث للإمام ابن الصلاح ، لما جاء الإمام ابن كثير في اختصار علوم الحديث استغرب هذا الكلام الذي أضيف إلى الإمام الترمذي بعد أن نقله عن الإمام ابن الصلاح ، وأن تعريف الحسن عند الإمام الترمذي هو كذا.

    قال ابن الصلاح : وروينا عن الترمذي أنه يريد بالحسن ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً، ويروى من غير وجهٍ نحو ذلك. انتبه هذا كلام الإمام ابن الصلاح في علوم الحديث فيما نقله عن الإمام الترمذي ، وهذا تعقيب الإمام ابن كثير يقول: إذا كان قد روي عن الترمذي أنه قاله ففي أي كتابٍ له قاله؟ وأين إسناده عنه؟ وإن كان فهم من اصطلاحه في كتابه الجامع فليس ذلك بصحيح، فإنه يقول في كثيرٍ من الأحاديث: هذا حديثٌ حسنٌ غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، إذاً: لم يرو من غير وجه.

    وختم الإمام ابن كثير كلامه بهذه المقولة والتعليقة، وكما قلت: هذا كلام الإمام أبي عيسى عليه رحمة الله في كتابه، وقد علق شيخ الإسلام زين الدين عبد الرحيم الأثري العراقي في التقييد والإيضاح في شرح علوم الحديث لـابن الصلاح ، علق على هذه العبارة في صفحة خمسٍ وأربعين من التقييد والإيضاح فقال: وهذا الإنكار عجيب، فإنه في آخر العلل التي في آخر الجامع -انتبه لهذه التعليقة اللطيفة الظريفة- وهي أعني كتاب العلل داخلةٌ في سماعنا وسماع المنكر لذلك، وسماع الناس، يعني: الإمام ابن كثير إسناده إلى الإمام الترمذي عن طريق شيوخه، يوجد في إسناده عندما قرأ كتاب الجامع ومعه العلل تعريف الترمذي للحسن، وهذا موجود في إسناده عن شيوخه، لكن ذهل عنه، فكم من إنسانٍ يعلم شيئاً ثم يذهب عنه وينساه! وسيأتينا ضمن مباحث الحديث باب من حدث ثم نسي، حدث بشيءٍ ثم نسيه فكان يرويه عن الراوي عنه، يقول: حدثني فلانٌ عني، وهذا من عجائب الإنسان وضعفه، يقول: حدثني فلان عني، أنا حدثت لكن نسيت وهو ثقة، ولا أتهمه، وبما أنني نسيت فأنا أروي الحديث عنه عني، فأنا شيخه وأنا تلميذه في هذا الحديث.

    وهنا يقول: كتاب العلل في آخر الجامع وهي داخلةٌ في سماعنا، وسماع المنكر لذلك، وسماع الناس، أي: الناس سمعوا، وهذا معلومٌ عندهم أن الإمام الترمذي يريد بالحسن ألا يكون في رجال الإسناد من يتهم بالكذب، وألا يكون الحديث شاذاً، وأن يروى من غير وجهٍ نحوه، فهذا موجودٌ في كتاب العلل في آخر الجامع، لكن سبحان من لا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في السموات ولا في الأرض، هذا هو الله جل وعلا، ومن عداه بعد ذلك يغيب ويخفى عنه ما يحفظه، فضلاً عما لا يحفظه.

    إذاً: هذا تعريف الإمام الترمذي للحسن، وكما قلت: هذا أحد نوعي الحسن، فانتبهوا له واضبطوه وعضوا عليه بالنواجذ.

    خلاصة الكلام: أن الحديث في أصله شيءٌ من الضعف، ففيه راوٍ مستور، أو في حفظه نقص، لكن ما وصل الطعن لحد اتهامه بالكذب، فيه ضعفٌ يسير زال بمجيئه من طريقٍ آخر، أي: بوجود متابع للراوي عن شيخه، فإذا وجد متابع له، أي: هو نقل الحديث عن شيخ، ونقله معه واحدٌ آخر في درجته، فيتقوى الحديث، أو أن هذا الحديث الذي عن أبي هريرة وجد شاهدٌ له من حديث ابن عمر . والشاهد رواية صحابيٍ آخر، والمتابع أن يتابعه راوٍ آخر في الرواية عن هذا الشيخ، فإذاً لا يخشى من عدم ضبطه لنقص حفظه؛ لأنه مستور كما قلت: ليس يعني من الأئمة الثقات الأثبات الحفاظ المتقنين، إذا كان كذلك فالحديث سينزل، لكن لما وجد متابعٌ أو شاهد ارتقى الحديث إلى درجة الحسن، هذا تعريف الإمام الترمذي للحسن.

    تعريف الخطابي للحديث الحسن

    التعريف الثاني ذكره الإمام الخطابي عليهم جميعاً رحمة الله، وهو حمد بن محمد أبو سليمان الخطابي الذي توفي سنة ثمانٍ وثمانين وثلاثمائة، وهو أول من شرح السنة في كتابه معالم السنن في شرح سنن أبي داود ، ما بينه وبين صاحب السنن إلا راوٍ واحد، ويعتبر أول من شرح السنة، وكل من جاء بعده نقل عنه.

    أبو سليمان الخطابي من أئمة الهدى والصلاح والخير والرشاد، يقول في تعريف الحديث الحسن: ما عرف مخرجه، واشتهرت رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، قوله: (ما عرف مخرجه) يعني: إسناد رجاله، يعني عرفوا، لكن انتبه ماذا يقصد بالمعرفة، يقصد: معرفةً دون معرفة مخرج الحديث الصحيح، فأولئك أئمة جهابذة مشهورون، أما هنا فالمخرج معروف، وليس بمجهولٍ، وليس فيه انقطاع، وليس هناك إرسال، وليس هناك إعضال: وهو سقوط راويين. أي: المخرج معروف، لكن ليس كمعرفة الحديث الصحيح، ولذلك سيأتينا انتقادات وجهت لهذين الاصطلاحين، لكن بهذا التعليل بكلام أبي سليمان الخطابي يزول الانتقاد، ما عرف مخرجه معرفةً أقل من معرفة الحديث الصحيح فذاك كالقمر ليلة البدر، قال: (واشتهرت رجاله) أي: دون اشتهار رجال الحديث الصحيح، قال: (وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء).

    هذان التعريفان للحديث الحسن كل واحدٍ منهما عرف أحد قسمي الحديث الحسن، أبو سليمان عرف الحديث الحسن لذاته، والترمذي عرف الحديث الحسن لغيره.

    والحديث الحسن إما حسنٌ لذاته، وإما حسنٌ لغيره.

    يقول الإمام ابن حجر عليه رحمة الله في نزهة النظر وشرحه نخبة الفكر في شرح نزهة النظر عند بحث الحديث الآحاد، يقول: وخبر الآحاد بنقل عدلٍ تام الضبط متصل السند، غير معللٍ ولا شاذ هو الصحيح لذاته. هذا وجدت فيه الصفات الخمس التي تقدمت معنا في الحديث الصحيح: عدل، تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ، وتتفاوت رتبه بتفاوت هذه الأوصاف فيه، قال: ومن أجل ذلك قدم الصحيحان ثم صحيح البخاري ثم صحيح مسلم ثم شرطهما كما تقدم معنا، يقول: فإن خف الضبط فالحسن لذاته، ولكثرة طرقه يصحح: يصبح صحيحاً، فإن جمعا -وهذا سيأتينا في المبحث الثاني- يعني: وصف الصحة والحسن، فلتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين. وهذا سأتكلم عليه في المرحلة الثانية إن شاء الله.

    إذاً: هذان التعريفان للحديث الحسن كل واحدٍ عرف قسماً من قسمي الحسن، الترمذي عرف الحسن لغيره، وأبو سليمان الخطابي عرف الحسن لذاته.

    تعريف ابن الجوزي للحديث الحسن

    وأما ما قاله الإمام ابن الجوزي في أول كتابه الموضوعات أو العلل، وهو شيخ الإسلام، توفي سنة سبعٍ وسبعين وخمسمائةٍ للهجرة، فيقول: الحديث الحسن: ما فيه ضعفٌ قريبٌ محتمل، والعبارة الثانية: (ما فيه) يشمل قسمي الحديث الحسن؛ لأنه إذا خف الضبط فهو ضعيفٌ لكن هذا بالنسبة للحديث الصحيح، وإذا كان هناك ضعفٌ بحيث أن الراوي مستور أو في حفظه نقص، ففيه أيضاً ضعف لو كان على انفراد، هناك ضعف نسبي، يعني: هناك حسن لذاته لكن بالنسبة للصحيح يعتبر نازلاً، وأما إذا كان الضعف بأنه مستورٌ كما قلنا، أو فيه خطأ ووهمٌ كثير فما نزل عن درجة الحسن لذاته ففيه ضعف، لكن هذا الضعف يحتمل ويزول بتعدد الطرق، فتعريفه شاملٌ للحسن بقسميه: الحسن لذاته، والحسن لغيره، ما فيه ضعفٌ يسيرٌ محتمل ينطبق على الحديث الحسن، خف فيه الضبط فنقول: إذاً فيه ضعفٌ يسير، لكن ليس بضعفٍ في الحقيقة، إنما إذا قارنته بمن هو أضبط -بضبط الصحيح- فهو ضعيف، وعليه ما فيه ضعف يسيرٌ محتمل ينطبق على الحسن لذاته، وينطبق على الحسن لغيره، فالراوي فيه مستور، ضبطه ليس بضبطٍ خفيف بحيث يكون حديثه في درجة الحسن، إنما ضبطه ناقص، لكن وجد له متابعٌ أو شاهدٌ، فإذاً ضعفٌ يسير محتمل زال بوروده من طريقٍ آخر، فهو تعريفٌ للحديث الحسن لغيره.

    فكلام ابن الجوزي شاملٌ لقسمي الحديث الحسن، شاملٌ للحسن الذي عرفه الترمذي ، وللحسن الذي عرفه الإمام الخطابي عليهم جميعاً رحمة الله. وهذا الكلام بهذه التفريعات والتقسيمات ذكره أئمتنا ونظموه في مصطلح الحديث، فاستمعوا إلى أبيات شيخ الإسلام الإمام العراقي في الألفية عندما يقول:

    والحسن المعروف مخرجاً وقد اشتهرت رجاله بذاك حد

    يعني: ضبط وعرف وبين، من عرفه؟ الخطابي ، بذاك حد، حمدٌ هو: حمد بن محمد أبو سليمان الخطابي .

    والحسن المعروف مخرجاً وقد اشتهرت رجاله بذات حد

    حمدٌ وقال الترمذي ما سلم من الشذوذ مع راوٍ ما اتهم

    إذاً سلم من أمرين: من الشذوذ، ومن اتهام الراوي بالكذب.

    وقال الترمذي ما سلم من الشذوذ مع راوٍ ما اتهم

    بكذبٍ ولم يكن فرداً ورد قلت وقد حسَّن بعض ما انفرد

    هذه الشروط الثلاثة: ولم يكن فرداً ورد، قلت: وقد حسن بعض ما انفرد، القائل ليس ابن الصلاح وإنما ناظم الألفية الإمام العراقي ، يقول: وقد حسن بعض ما انفرد، لكن هذا التحسين متى؟ إذا أتبعه بوصفٍ آخر، فلا يرد الاعتراض على الترمذي عندما يقول: حسنٌ غريب، ما عرف الحسن الآن على حسب اصطلاحه، إنما عرف الحسن على حسب اصطلاح الجمهور، أي: أنه خف ضبط الراوي، ولا يشترط أن يأتي من طريقٍ آخر، هذا حسن بذاته، فعندما يقول: حسنٌ غريب فهو يعرف الحسن عند الجمهور لا الحسن عنده، وهذا الاعتراض لا يرد عليه؛ لأن اصطلاحه فيما قال عنه حسنٌ فقط، كما حقق ذلك شيخ الإسلام الإمام ابن حجر في نزهة النظر شرح نخبة الفكر، هذا فيما يقول فيه: حسنٌ فقط، ينبغي أن يروى من غير وجهٍ نحو ذلك، أما حسنٌ غريب فهذا جرى على اصطلاح الجمهور في تعريف الحسن، الحسن الذي عرفه الترمذي اختص به، فنوه به لأنه اصطلاحٌ خاص به، فقال: انتبهوا له، هذا اصطلاحي، أما الحسن إذا أطلقته وأتبعته بوصفٍ آخر فلا أمشي على اصطلاحي، إنما هناك اصطلاحٌ آخر فانتبهوا له، قلت: وقد حسن بعض من انفرد، والتعريف الثالث للإمام ابن الجوزي :

    وقيل ما ضعفٌ قريبٌ محتمل فيه وما بكل ذا حد حصل

    انتقاد ابن الصلاح لتعاريف الحديث الحسن كما في ألفية العراقي

    يقول الإمام ابن الصلاح الذي ينقل كلامه الإمام العراقي في الألفية: وما بكل ذا حدٍ حصل، يعني: هذه التعريفات الثلاثة كلها عليها اعتراضات، وليس واحدٌ منها حدَّ وعرَّف وقيَّد وضبط الحديث الحسن.

    لا بكلام الخطابي ، ولا بكلام الترمذي ، ولا بكلام ابن الجوزي ، وبالبيان الذي ذكرته لكم حصلت حدودٌ وتعريفاتٍ للحديث الحسن بتعريفي لا يخرج الحسن عنهما، ولا يرد الاعتراض على حسب ما ذكرت.

    ثم قال الإمام ابن الصلاح كما نقل كلامه الإمام العراقي في الألفية:

    وقال بان لي فيه بإمعانِ النظر أنَّ له قسمين كلٌ قد ذكر

    يقول: بان لي بعد إعمال فكري وتدقيق نظري في كلام أئمتنا في إطلاقهم لفظ الحسن على الحديث أن له قسمين كلٌ قد ذكر

    فـالخطابي ذكر قسماً، والترمذي ذكر قسماً، وكلام ابن الجوزي شامل للقسمين:

    أن له قسمين كلٌ قد ذكر

    قسماً وزاد كونه ما عُلِّلا ولا بنكرٍ شذوذ شملا

    ومن الذي زاد؟ ابن الصلاح في تعريف الحديث الحسن: ألا يكون شاذاً ولا معللاً بعلة قادحة، وهذا معلوم؛ لأن العلة التي توجد في الإسناد إذا كانت تقدح في الحديث الصحيح فهي تقدح في الحديث الحسن، كرفع الموقوف: الحديث موقوف ورفعه، أو وصل المنقطع، هذه علة قادحة للوهم، يرد هذا الحديث لوجود هذه العلة فيه، فلا يكون مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    والفقهاء كلهم يستعمله والعلماء الجُلُّ منهم يقبله

    وهو بأقسام الصحيح ملحق

    أي: يلتحق برتبة الحديث الصحيح فيحتج به.

    حجية وإن يكن لا يلحق

    يعني: لا يلحقه في الرتبة ويساويه، فهو دونه، لكن في الاحتجاج يحتج به كما يحتج بالحديث الصحيح.

    وهذه خلاصة تعريف الحديث الحسن.

    الإمام الترمذي عرف الحسن لغيره، والإمام الخطابي عرف الحسن لذاته، وكلام ابن الجوزي شامل لهما، وإنما خصّ الإمام الترمذي تعريف الحسن؛ لأنه بالتعريف الذي ذكره فيه شيءٌ من الغموض، فأراد أن يبينه، ثم بعد ذلك هذا اصطلاحٌ جديد، أول من نوه بالحديث الحسن وأكثر من استعماله في كتابه هو الإمام أبو عيسى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    هذا فيما يتعلق بالنقطة الأولى والأمر الأول، وهو ما يتعلق بالحديث الحسن، وعليه إذا أردنا أن نفرق بينه وبين الحديث الصحيح، فنقول: شروط الحديث الصحيح خمسة: أن يكون الرواة عدولاً، وضبطهم تام، والسند متصل، ولا يوجد شذوذٌ ولا علةٌ قادحة، والحديث الحسن لذاته شروطه نفس الشروط إنما نضع بدل تمام الضبط خفة الضبط، والحسن لغيره ليس راويه عدلاً تام الضبط، فيه شيءٌ من الضعف، هو مستور ليس بتام الضبط ولا بخفيف الضبط، ضبطه ناقص، ولا يمكن أن يحسن حديثه على انفراده، لكن هذا النقص انجبر بوروده من طريقٍ آخر.

    1.   

    توجيهات العلماء على قول الترمذي: حسن صحيح

    النقطة الثانية: حسنٌ صحيح، يوجد فيه إشكال؛ لأن الحسن نازل عن الصحيح، والصحيح فوقه، فأنت الآن تثبت القصور وتنفيه، تقول: حسن دون الصحيح، ثم تقول: صحيح تنفي القصور، كيف تثبت القصور وتنفيه في لفظٍ واحد، إن كان صحيحاً فليس بحسن، وإن كان حسناً فليس بصحيح، أما أن تجمع بين القصور عن الصحة وبلوغه الصحة في لفظٍ واحد هذا فيه إشكال. وهذا أول حديثٍ مرت معنا فيه هذه العبارة، قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. وهو حديث مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين.

    أئمتنا ذكروا أربعة أجوبة للخلاص من هذا الإشكال: جوابان معتبران، وجوابان أذكرهما بناءً على تقرير أئمة الإسلام لهما، لكن لا اعتبار لهذين القولين والجوابين.

    توجيه ابن حجر لقول الترمذي: حسن صحيح

    أما الجوابان المعتبران فذكرتهما عند كلام الحافظ في النخبة: فإن جمعا، أي: الصحة والحسن، أي: الوصفان، صحيحٌ حسن، فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين، هذان الجوابان معتمدان، أي: إذا كان للحديث إسنادٌ واحد تردد الحافظ الإمام الهمام الجهبذ المحدث في درجة الحديث، هل بلغ الرواة أعلى الصفات فحديثهم صحيح، أو خف الضبط في بعضهم فحديثهم حسن؟ فالذي يحتاط في العبارة لو قال: حسن يكون قد نزل بهم، ولو قال: صحيح رفعهم، فليحتاط بقوله: حسنٌ صحيح، يعني: حسن أو صحيح، أي: متردد بين الصحة والحسن، لا يمكن أن حسناً صحيحاً وليس له إلا إسناد واحد، إما أن يكون حسناً أو صحيحاً.

    هنا يحصل التردد فيقول: إذا أطلقت الصفة الدنيا وهي الحسن عليهم أخشى أن أجحف في حقهم وفي رتبة الحديث، وإذا أطلقت الصفة العليا أخشى ألا يبلغوا ذلك، فأنا أحتاط في العبارة، فأقول: حسن صحيح، أي: حسن أو صحيح، يعني على القولين هو حجة، فاعملوا به سواء كان حسناً أو صحيحاً، وليس فيه ضعف فكونوا على بينةٍ من ذلك، هو لن ينزل عن درجة الحسن، وقد يكون صحيحاً فاطمئنوا، وعليه فما يقال فيه: صحيح أعلى مما يقال فيه: حسنٌ صحيح؛ لأنك هناك جزمت بالصحة، وهنا ترددت، هذا إذا كان له إسنادٍ واحد.

    فإن جمعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين، إذا كان لا يوجد للحديث إسناد واحد، بل أسانيد متعددة، فالحافظ عندما سبر غور تلك الأسانيد وبحث عن أحوال الرجال رأى أن بعض الأسانيد فيها أعلى الصفات، فهي تأخذ الوصف الأول الصحة، وبعضها خف فيها ضبط بعض الرواة فتأخذ وصف الحسن، وهو ليخبرنا أن هذا الحديث تعددت طرقه، فبعض الروايات صحيحة، وبعض الروايات حسنة، وبعضها تأخذ وصف الصحة، وبعض الأسانيد وصف الحسن، قال: حسنٌ صحيح، يعني: حسنٌ وصحيح، وعليه فما يقال فيه: حسنٌ صحيح أعلى مما يقال فيه: صحيح؛ لأنه هنا صحيحٌ وحسن، له طريقٌ صحيح، وطريقٌ حسن، وأما هناك فليس إلا طريقٌ واحد صحيح، وهنا طريقان أو أكثر بعضها صحيح وبعضها حسن، وعليه فما يقال فيه هنا: حسنٌ صحيح أعلى مما يقال فيه هناك: صحيح بعكس الأول، ما يقال فيه: صحيح أعلى مما يقال فيه: حسنٌ صحيح؛ لأن هناك حسن أو صحيح، وهنا حسن وصحيح، فاختلف الأمر.

    فإن جمعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين، هذان الجوابان معتبران، وقررهما شيخ الإسلام الإمام ابن حجر في نزهة النظر شرح نخبة الفكر، انظروه في صفحة خمسٍ وثلاثين فما بعدها، وبهذا الجواب يزول الإشكال.

    توجيه لابن الصلاح لقول الترمذي: (حسن صحيح)

    الجواب الثاني ذكره الإمام ابن الصلاح فقال: لا يستبعد أن الإمام يريد بالحسن الحسن اللغوي، بمعنى أنه مقبول، أي: أن معناه مستحسن، النفس تتعلق به وتميل إليه، وليس المراد من الحسن: الحسن الاصطلاحي، وعليه فالحديث الصحيح يجوز أن تقول عنه: هذا حسن، بمعنى أن النفوس تميل إليه، وتتعلق به؛ لثبوت إسناده، أو لجودة معناه، أو لحلاوة ألفاظه، أو ما شاكل هذا من هذه المعاني، وعليه حسنٌ صحيح، يعني هو صحيح، لكن هذا الصحيح حسن فيه بهجة، قال: يحتمل أنه أراد الحسن اللغوي لا الاصطلاحي، وعليهما فلا تعارض.

    وقد رد عليه شيخ الإسلام الإمام ابن دقيق العيد ، توفي سنة اثنتين وسبعمائةٍ للهجرة في كتابه الاقتراح في علم الحديث والاصطلاح، قال: لو كان الأمر كما قال ابن الصلاح لصح أن نسمي الحديث الضعيف حسناً، إذا كانت ألفاظه جزلةً فخمة، ومعانيه رقيقةً رشيقة، يعني لو جئت إلى حديث ضعيف لكن ألفاظه حسنة، ممكن تقول عنه: حسن، قال: بل يمكن أن يكون الموضوع حسناً، إذا الألفاظ كانت مقبولة ولا تتنافى مع الشريعة المطهرة، ونقول: حسن من حيث اللغة، فمثلاً: المعدة بيت الداء، والحمية أصل الدواء، فيه كلام حسن، أما هل هو حديث أو لا؟ فهذا موضوعٌ آخر، فقال: لو كان المراد من الحسن الحسن اللغوي لكان الأمر واسعاً، ولا داعي أن نخص هذا بالحديث الصحيح، ونقول إذاً: الحديث الضعيف يجوز أن نسميه حسناً، والحديث الموضوع يجوز أن نسميه حسناً، وهذا لا يقصده أئمتنا، هم يتكلمون في اصطلاحٍ دقيق في علم الحديث، فما الذي أخذهم الآن للاصطلاحات العامة اللغوية؟

    وحقيقةً ما قاله ابن الصلاح بعيدٌ بعيد، وما أعلم أن أحداً سبقه إليه، وأئمتنا ردوا هذا المعنى عليه، والعلم عند الله جل وعلا، جمع بين الوصفين وأراد بالحسن اللغوي لا الاصطلاحي، لا يستبعد، والعلم عند الله، أئمتنا قالوا: ضعيف؛ لأنه لو كان المراد من الحسن الحسن اللغوي لجاز أن يطلق هذا على الضعيف بل وعلى الموضوع.

    ولكن يمكن للإمام ابن الصلاح أن يتخلص من هذا الاعتراض فيقول: الحديث إذا ثبت إسناده فهذا في الحقيقة حسن، النفس تميل إليه، أما إذا لم يثبت، فالنفس تنفر منه، يمكن أن يقال هذا، للاعتذار عن ابن الصلاح ، وحقيقةً الأمر كذلك، فعندما يقال: هذا حديث موضوع نفس المؤمن تنفر منه ولا تريده، تقول: دعنا منه، ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ما لنا وله، وعندما يقال: هذا حديثٌ صحيح، نقول: هذا حسن، حدثنا به، أطربنا بهذه الألفاظ النبوية الثابتة عن خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، فلازمٌ أن يعتذر للإمام ابن الصلاح بهذا والعلم عند الله جل وعلا.

    توجيه ابن دقيق العيد لقول الترمذي: حسن صحيح

    الجواب الرابع: ذكره الإمام ابن دقيق العيد بعد أن رد على ابن الصلاح ما تقدم، وقال: إنه ضعيف.

    قال: الحديث عندما يقال عنه: حسنٌ صحيح هو صحيح، وكيف أطلق عليه لفظ الحسن؟ قال: لاندراج الحسن في تعريف الصحيح؛ لأن الرجال إذا أحرزوا الصفة العليا فقد أحرزوا الدنيا من باب أولى، وقال: كل صحيحٍ حسن دون عكس، وعليه يجوز أن نقول للحديث الصحيح: حسن صحيح، يعني الصفة الدنيا موجودة، والعليا موجودة، وهذا واضح، أما الحديث الحسن على انفراده فلا يجوز أن تقول عنه: إنه صحيح، قل: حسن وصحيح بمعنى صحيح؛ لأنه إذا أحرز الصفة العليا فإحراز الحديث للصفة الدنيا من باب أولى، وهذا فيه نظر واضح؛ لأنه إذا أحرز الصفة العليا فما الداعي لذكر الدنيا؟ هذا شيءٌ من الفضول في الكلام.

    لا بد أن الأئمة يتكلمون في اصطلاحٍ دقيق، وما ذكره شيخ الإسلام ابن حجر عليه المعول في هذا الأمر والعلم عند الله جل وعلا: فإن جمعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين، وعليه تقول: حسنٌ صحيح، أو حسنٌ أو صحيح.

    نقل كلام الحافظ العراقي لخلاف العلماء في معنى قول الترمذي: حسن صحيح

    الكلام الذي ذكرته أشار إليه شيخ الإسلام الإمام العراقي في الألفية، والألفاظ احفظوها هي أحلى من العسل.

    يقول عليه رحمة الله:

    واستشكل الحسن مع الصحة في متن فإن لفظاً يرد فقل: صِفِ

    واستشكل الحسن مع الصحة في متن، أعني: متن من المتون قيل: حسنٌ صحيح.

    واستشكل الحسن مع الصحة في متنٍ فإن لفظاً يرد ...

    يعني: أراد من الحسن الحسن اللفظي اللغوي، وهو كلام ابن الصلاح .

    فإن لفظاً يرد فقل: صِفِ به الضعيف

    يعني: يجوز أن نصف الضعيف إذا فهمت من الحسن حسن اللفظ اللغوي، وعليه فكلامك فيه مؤاخذة.

    فقل: صفِ به الضعيف.

    أو يرد- هذا التعليل الثاني للحسن الصحيح- أو يرد ما يختلف سنده

    فكيف إن فرد وصف؟

    يعني: إذا قيل: حسنٌ صحيح يراد ما اختلف إسناده، يعني له إسنادان أو أكثر، يقول: العراقي يرد على هذا الاعتراض الذي أثاره بعض العلماء، قال: فكيف إن فردٌ وصف؟ ما هو الفرد الذي وصف؟ بعض العبارات تأتينا في كلام الترمذي ، هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب، إذاً: لا يوجد إسنادان قطعاً وجزماً، وسيأتينا من هذا الشيءٌ الكثير. أو يرد ما يختلف إسناده، فكيف إن فردٌ وصف؟ أي: كيف تتخلص من هذا الإشكال إذا كان هناك حديث واحد كما قال الترمذي : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب، فليس عندنا الآن تعدد الإسناد، ليس عندنا إلا إسنادٌ واحد، فنقول: إذا ذكر فردٌ واحد فنلجأ للاصطلاح الثاني، حسنٌ أو صحيح أي: متردد. الحافظ ابن حجر عبارته في منتهى الدقة، وتخلص من هذا الإشكال، ولم يقل: حسنٌ وصحيح حتى تقول: ليس لهذا المتن إسنادان، فكيف إن فردٌ وصف؟ إن كان الإسناد واحد حسن أو صحيح، فلا يرد هذا الاعتراض على الإمام ابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله.

    إذاً هنا:

    واستشكل الحسن مع الصحة في متن فإن لفظاً يرد فقل: صف

    به الضعيف أو يرد ما يختلف سنده فكيف إن فردٌ وصف؟

    ولأبي الفتح في الاقتراح

    وهو الإمام ابن دقيق العيد .

    ولـأبي الفتح في الاقتراح أن انفراد الحسن ذو اصطلاح

    وإن يكن صحّ فليس يلتبس كل صحيحٍ حسنٌ لا ينعكس

    وأوردوا ما صحَّ من أفرادِ حيثُ اشترطنا غير ما إسناد

    يقول: للإمام أبي الفتح ابن دقيق العيد اصطلاحٌ خاص، وهو: أن الحديث الصحيح حسنٌ من باب أولى، فلا إشكال في الجمع بينهما؛ لأنه إذا أحرز الصفة العليا فقد أحرز الدنيا، فلا تتردد في قول الإمام: حسنٌ صحيح؛ لأنه صحيح، وهو حسن من باب أولى، فلا إشكال في ذلك، إذاً هو صحيح، لكن الحسن متمكنٌ فيه من باب أولى.

    ولأبي الفتح في الاقتراح أن انفراد الحسن ذو اصطلاح

    يعني: إذا كان الحديث حسناً فله تعريفٌ خاص، هو نزل عن درجة الصحة، أما عندما يصح الحديث فيجوز أن تقول: إنه صحيحٌ وحسن، وإن يكن صح فليس يلتبس لا إشكال.

    وإن يكن صحّ فليس يلتبس كل صحيحٍ حسنٌ لا ينعكس

    وأوردوا ما صحّ من أفراد حيث اشترطنا غير ما إسناد

    إذاً: هذا ما يتعلق بالنقطة الثانية وهي حسنٌ صحيح، حسنٌ أو صحيح، حسنٌ وصحيح، وقيل: المراد بالحسن الحسن اللغوي، وهو الجمع الثالث.

    وقيل: المراد بالحسن هنا مع الصحة ما انطبق هذا الوصف عليه من باب أولى؛ لأنه إذا كان صحيحاً فهو حسن ولا إشكال في ذلك، يعني: هو صحيح، وإذا كان صحيحاً فقد وجدت فيه صفات الحسن من باب أولى فكن على علمٍ بذلك. هذه -كما قلت- أربع تخريجات أقواها الأول والثاني والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    وقفة عند قول الأئمة: إسناد رجاله ثقات ورجاله رجال الصحيح

    الأمر الثالث: وهو ما أثاره بعض الإخوة عندما يقول: إسناد رجاله ثقات، قال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح، كما يأتي معنا مثل هذه العبارات بكثرة، وعدد من الأسئلة يأتي فيها: هل يلزم من قولهم رجاله ثقات صحة الحديث (صحة المتن)؟ نقول: هذه العبارة إذا أطلقها أنا أو أنت فلا يلزم، إذا بحثنا في رجال الإسناد وقلنا: الذي ثبت عندنا أن رجال الإسناد ثقات، لا يلزم من هذا أننا حكمنا على المتن؛ لاحتمال أن يكون رجال الإسناد -كما قلت- ثقات، لكن هناك انقطاع، أو هناك شذوذ، أو هناك علة خفية ما ظهرت لنا، هذا موضوع آخر، لكن عندما يأتي الإمام الحاذق الماهر المدقق ابن حجر وشيخ الإسلام النووي والمنذري وأئمة الإسلام، ويقولون: رجاله رجال الصحيح، رجاله ثقات، ولا يعقب هذا بكلامٍ ينتقد به حكمه على الإسناد، فهذا حكمٌ منه على الإسناد وعلى المتن، وهذا ما أشار إليه أئمتنا فاسمعوا نظم الإمام العراقي في الألفية عند مبحث الحسن أيضاً، يقول:

    والحكم للإسناد بالصحة أو بالحسن دون الحكم للمتن رأوا

    عندما تقول: إسناده حسن ليس معنى هذا أن الحديث حسن، فالإسناد قد يكون على حسب الظاهر، رواته عندنا في درجة الحسن، لكن قد يكون فيه انقطاع، فهم عندنا عدول وضبطهم فيه شيء من الخفة جعلهم عندنا في درجة الحسن، ليس هذا حكم منا على المتن.

    والحكم للإسناد بالصحة أو بالحسن دون الحكم للمتن رأوا

    انتبه.

    واقبله إن أطلقه من يعتمد ولم يعقبه بضعفٍ ينتقد

    أي: اقبل هذا الحكم على الإسناد وعلى المتن، إذا قال: إسناده صحيح، إسناده حسن، رجاله ثقات، أو رجاله رجال الصحيح، اقبل هذا الحكم منه عليه وعلى المتن، إذا صدر من إمامٍ يعتمد عليه، ولم يتبع هذا الحكم بضعف، ولذلك يقول الحافظ الهيثمي في المجمع بكثرة أحياناً: رجاله رجال الصحيح، رجاله ثقات، لكن فيه فلان وهو مدلسٌ وقد عنعن، يعني: هو من رجال الصحيح، لكن روايته في الصحيح محمولة على الاتصال لما علم من شرط صاحبي الصحيح في صحيحيهما، أما هنا -في رواية المسند- فهو من رجال الصحيح لكنه مدلس، فانتبه، فكأنه هنا يتوقف في الحكم على المتن، ولذلك لا يحكم لهذا الإسناد بالاتصال؛ لأنه ليس في أحد الصحيحين، فانتبه لذلك، والأصل أن الإمام العالم إذا أطلق هذه العبارة فهذا حكمٌ منه على الإسناد وعلى المتن والعلم عند الله جل وعلا، هذا فيما يتعلق بالنقطة الأولى في تخريج الحديث، وبيان ما يتعلق بقول الترمذي : حسنٌ صحيح.

    1.   

    اختلاف الأئمة في اسم أبي هريرة

    يقول أبو صالح والد سهيل ، هو أبو صالح السمان واسمه ذكوان تقدمت معنا ترجمته وأنه إمامٌ ثبت، حديثه مخرج في الكتب الستة.

    و أبو هريرة اختلف في اسمه، تقدمت معنا ترجمته مفصلة، فقالوا: عبد شمس، فقلت: هذا في الجاهلية، وقالوا: عبد الله بن عمرو ، والنقل الذي نقله الإمام الترمذي عن شيخه البخاري خلاف ما ينقله أئمتنا عن البخاري ، فالإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغة عند ترجمة أبي هريرة نقل عن البخاري أن اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ، وقال: الأصح عند المحققين الأكثرين ما صححه البخاري وغيره من المسلمين أن اسمه عبد الرحمن بن صخر ، وأنا أقول: التلميذ أدرى بالنقل عن شيخه، والإمام النووي ما ذكر مستنده في ذلك، نعم كتب التراجم جرت على أن أشهر ما يضبط به اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ، هذا الذي مال إليه الذهبي في السير، وفي تذكرة الحفاظ، والإمام ابن كثير في البداية والنهاية، والحافظ ابن حجر في التهذيب وغير ذلك، هذا الذي استقر عليه عمل العلماء، لكن حكاية هذا عن البخاري ، في الحقيقة قول الترمذي بأنه عبد الله بن عمرو يقدم، فنقول: قول الجمهور: عبد الرحمن بن صخر مقدم عندنا ثم اختلفوا على ثلاثين قولاً في اسمه واسم أبيه في الجاهلية والإسلام، والإمام النووي ينقل عن البخاري أن اسمه عبد الرحمن بن صخر ، والترمذي ينقل عن شيخه أن اسمه عبد الله بن عمرو ، فكونوا على علمٍ بذلك، وبحثت وفتشت كثيراً لأتحقق من هذا المتن، ورجعت للتاريخ الكبير ولغيره فما وقفت على شيء، لكن كتب التراجم مثل: تهذيب الأسماء واللغة للنووي ، على أئمتنا جميعاً رحمة الله نقل عن البخاري أن اسمه عبد الرحمن بن صخر ، وعندنا في هذا الكتاب نقل الترمذي عن شيخه الذي روى عنه أنه عبد الله بن عمرو فهذا يقدم على من ينسب إلى البخاري أن اسمه عبد الرحمن بن صخر ، والعلم عند الله.

    يقول: وهو الأصح، هذا الذي رجحه الإمام الترمذي ، أن اسمه عبد الله بن عمرو ، وهو اختيار شيخه وهو الذي رجحه، والجمهور بعد ذلك على ترجيح عبد الرحمن بن صخر ، والمسألة يسيرة رضي الله بأي اسمٍ سمي، سواءٌ كان يسمى بـعبد الرحمن أو بـعبد الله، وكلنا عبيدٌ لله عز وجل.

    1.   

    ذكر الروايات التي أشار إليها الترمذي عقب حديث: (إذا توضأ العبد المسلم...)

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن عثمان بن عفان ، هذه رواية، وثوبان مولى نبينا عليه الصلاة والسلام، والصنابحي ، وعمرو بن عبسة ، وسلمان ، وعبد الله بن عمرو ، هذه ست روايات تحتاج إلى إيجاز نذكر تخريجها لننتهي بعد ذلك من هذا، وننتقل إلى الصنابحي الذي تكلم عنه الإمام الترمذي تكملةً لهذا الباب إن شاء الله.

    الكلام على رواية عثمان رضي الله عنه

    أما رواية عثمان رضي الله عنه فقد أخرجها الإمام أحمد في المسند، وأخرجها الإمام مسلم في صحيحه، ونسب الشيخ المباركفوري تخريجها للبخاري ، وفي ظني وتخريجي أنه واهم كما تقدم معنا وهمه في الحديث الأول، فالرواية لم يخرجها البخاري إنما خرج أصل الحديث وليس فيه فضل الوضوء، فانتبهوا للرواية لتشاركوني في البحث، والعلم عند الله جل وعلا، أما رواية الإمام مسلم كما قلت عن عثمان رضي الله عنه، ولم يخرجها البخاري عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره)، هذا في فضل الطهور.

    وانظروا الحديث في صحيح مسلم ففيه روايةٌ أخرى رقمها مائتان وستٌ وعشرون، مائتان وخمسٌ وأربعون في صحيح مسلم من كتاب الطهارة: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره).

    ورواه الإمام مسلم أيضاً في صحيحه بالرقم الذي ذكرته تسعٌ وعشرون ومائتين، عن عثمان رضي الله عنه يقول: (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلةً)، الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام، هذه رواية الإمام مسلم وهي في المسند، وقد خرجها كما قلت الإمام مسلم من رواية عثمان ، ونسبة هذه الرواية إلى البخاري ليس كذلك، البخاري عليه رحمة الله خرج حديث عثمان ، وكرر ذكره في كتابه لكن ليس في فضل الوضوء فقط، وإنما وضوءٌ ومعه صلاة، فالفضيلة التي في رواية البخاري لأمرين: لوضوءٍ مع صلاة، وإن كان كما قلت: يستدل بهذا الحديث على فضل الوضوء، لكن ليس هو الرواية التي يشير إليها الترمذي على أنها في فضل الوضوء فقط، والعلم عند الله جل وعلا.

    ورواية عثمان في صحيح البخاري وكررها في خمسة أماكن من صحيحه عن حمران مولى عثمان أخبره: (أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناءٍ فأفرغ على كفيه ثلاث مرارٍ فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرارٍ، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرارٍ إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه).

    فإذاً عندنا وضوءٌ وصلاة، وأما الرواية المتقدمة في فضل الوضوء وهي في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد ، فالقول: بأن الإمام البخاري أخرجها فالحقيقة أن في العبارة شيءٌ من المؤاخذة، إنما الرواية التي تتعلق بفضل الوضوء عن عثمان رضي الله عنه أخرجها الإمام أحمد ومسلم في صحيحه، وهناك رواياتٌ أخرى أخرجها الإمام أحمد بسندٍ جيد، وأبو يعلى ، والبزار ، وإسناد البزار صحيح كما قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الأول صفحة ثلاثٍ وخمسين ومائة، وانظروا الحديث في مجمع الزوائد أيضاً في الجزء الأول صفحة أربعٍ وعشرين ومائتين، وقال: رجال الإسناد ثقات، بعد أن عزاه إلى المسند وأبي يعلى .

    ولفظ الحديث عنه -أي: عن عثمان رضي الله عنه-: (أنه دعا بماءٍ فتوضأ، ثم ضحك، فقال لأصحابه: ألا تسألوني: ما أضحكني؟ قالوا: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ كما توضأت ثم ضحك، فقال: ألا تسألوني: ما أضحكك؟ فقالوا: ما أضحكك يا رسول الله! عليه صلوات الله وسلامه؟ قال: إن العبد إذا دعا بوضوءٍ فغسل وجهه حط الله عنه كل خطيئةٍ أصابها بوجهه، فإذا غسل ذراعيه كان كذلك، وإذا طهر قدميه كان كذلك)، رواه أحمد بإسنادٍ جيد وأبو يعلى ، ورواه البزار بإسنادٍ صحيح، وزاد فيه: (فإذا مسح رأسه كان كذلك)، انظروا هذه الرواية أيضاً في مجمع الزوائد في الجزء الأول صفحة أربعٍ وعشرين ومائتين، إذاً هذه رواية أخرى في غير صحيح مسلم ، أخرجها الإمام أحمد ، وأبو يعلى ، والبزار بلفظٍ آخر، عن عثمان رضي الله عنه، وأما الفضيلة للوضوء فقط فلم يخرج البخاري الحديث عن عثمان في فضيلة الوضوء فقط، إنما في الوضوء مع الصلاة، إذاً قوله: وفي الباب عن عثمان ، هذه رواية عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

    الكلام على رواية ثوبان رضي الله عنه

    ورواية ثوبان مولى نبينا عليه الصلاة والسلام التي رويت عنه في فضل الوضوء والطهور، إشارة الإمام الترمذي إليها مما يدل على فقهه وبعد نظره رحمه الله ورضي عنه، وقد تقدم معنا أنه جمع في الكتاب بين الحديث والفقه والمصطلح، فانظر لهذا الاستنباط، الرواية تدل على فضل الطهور من حيثية اعتبار أن الذي يتوضأ ويحافظ على ذلك شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالإيمان فقط، لكن ليس فيه فضيلة بخروج الخطايا من الوجه أو كذا، إنما فيه الذي يحافظ على الطهور مؤمن، ولذلك الترمذي يقصد بقوله: وفي الباب، أي: في الباب أحاديث تدل على فضل الطهور ولا يشترط أن يكون فيها خرجت الخطايا من الوجه أو من اليدين، هذا ما يقصده، إنما يقصد أن فضل الطهور وارد في أحاديث غير ما ذكرته، فانتبه لها، منها حديث ثوبان ، حديث ثوبان أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والدارمي في مسنده، وروي عن عبد الله بن عمرو كذلك، وإسناده صحيح، وسأذكر الروايات بعد ذلك إن شاء الله.

    ولفظ حديث ثوبان عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن). فهذه فضيلة للطهور.

    فإذاً: هذه الرواية التي يشير إليها الإمام الترمذي عليه رحمة الله، وهذه الرواية رواها ابن ماجه أيضاً عن عبد الله بن عمرو ، وهذه الآن تذكرتها بعد تعب سيأتينا عند رواية عبد الله بن عمرو ، وليتني انتبهت لذلك؛ لأن الشيخ المباركفوري يقول: لم أقف على رواية عبد الله بن عمرو التي أشار إليها الإمام الترمذي ، وبحثت يعلم الله أسبوعاً كاملاً في الكتب وقلبت المسانيد والسنن ومسند الإمام أحمد في مسند عبد الله بن عمرو من أوله لآخره؛ لأقف على حديث عن عبد الله بن عمرو في فضل الطهور فما وجدت، أوردوا: (أسبغوا الوضوء، ويلٌ للأعقاب من النار)، من روايته، وأن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ مرةً مرة، لكن هذه الرواية ما وقفت عليها، ثم من جهلي وقصوري هي في دفتري وأنا الآن استحضرتها، رواية ابن ماجه هي عن عبد الله بن عمرو ، إذاً حديث عبد الله بن عمرو بمعنى حديث ثوبان ، وهو بهذا الإسناد، والحمد لله الذي ذكرنا وله الحمد والمنة.

    رواية ثوبان أخرجها ابن ماجه أيضاً عن عبد الله بن عمرو ، وزال الإشكال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، استقيموا ولن تحصوا، أي: لن تطيقوا الاستقامة كما أراد الله منكم فابذلوا ما في وسعكم، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، وقيل المعنى: لن تطيقوا تقدير ثواب الاستقامة إن استقمتم، فالله سيعطيكم ما لا يخطر على بالكم، تأويلان معتبران، وذكر أئمتنا تأويلاً ثالثاً لا مانع من ذكره وقبوله: (استقيموا ولن تحصوا)، أي: لن تطيقوا الاستقامة إلا إذا منّ الله عليكم بذلك وأقدركم ومكنكم، لن تطيقوا ذلك بحولكم وقوتكم، إنما إذا استقمتم فهذا بفضل ربكم جل وعلا.

    إذاً: هذه رواية ثوبان ، رويت -كما قلت- في سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ، ورواها ابن ماجه والطبراني في معجمه الكبير عن أبي أمامة ، ورواها الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد الله ، ورواها الطبراني في معجمه الكبير عن ربيعة الجرشي ، ورواها الإمام الطبراني أيضاً عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنهم أجمعين، هذه الآن خمس روايات لخمسة من الصحابة فيها المعنى المتقدم، (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، في رواية سلمة بن الأكوع وهي الأخيرة: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة)، ووقف هنا، ولم يذكر: (ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن).

    قال الحافظ في الفتح: إسناد الحديث صحيح، انظروه في الجزء الرابع صفحة مائة وثمانية، وقال الإمام ابن عبد البر : رويناه من طرقٍ صحاح، هذه رواية ثوبان وهي الثانية.

    الكلام على رواية الصنابحي

    والرواية الثالثة: رواية الصنابحي، عندنا ثلاثة من الصنابحة وهم بطنٌ من مراد من بلاد اليمن، البلاد المباركة، صنابح بن الأعسر ، والصنابحي أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة ، والصنابح عبد الله ، صحابيان وتابعي، فانتبهوا للفارق بينهم لئلا تخلطوا واحداً بآخر، والصنابحي الذي يقصده الترمذي هنا هو عبد الله الصحابي وليس ابن الأعسر وهو صحابي أيضاً، لكن ذاك يقال له: صنابح بن الأعسر، وهذا يقال له: الصنابحي، ويقال له: عبد الله ، والتابعي عبد الرحمن بن عسيلة يقال له: أبو عبد الله ، وكثيراً ما يخطئ كثيرٌ من المحدثين بين عبد الله الصنابحي وأبي عبد الله الصنابحي ، فانتبه لهذا، عبد الله الصنابحي الذي معنا صحابي، أخرج حديثه الإمام أحمد في المسند، وأخرجه مالكٌ في الموطأ، والنسائي في السنن، وأخرجه ابن ماجه والحاكم في المستدرك، وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى وفي شعب الإيمان.

    ولفظ حديث الإمام الصنابحي : (إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أستار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة)، والحديث صحيحٌ ثابتٌ عن نبينا عليه الصلاة والسلام، هذه رواية الصنابحي .

    إخوتي الكرام! كما قلت: الصنابحي هو عبد الله الصنابحي ، حديثه مخرج في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، أخرج حديثه غير هذا الحديث فهو من رجال هذه الكتب، وهذه الرواية كما تقدم معنا في موطأ مالك ، فحديثه مخرج في ثلاثة من كتبٍ ستة، في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، فالحديث الذي معنا هنا أخرجه النسائي وابن ماجه ، ولم يخرجه أبو داود من الثلاثة.

    قال الحافظ في ترجمته في تقريب التهذيب صحابيٌ مختلفٌ في وجوده، فقيل: صحابيٌ مدني، وقيل: هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الآتي الذي هو تابعي وسيأتي ذكره وترجمته بعد ذلك، عبد الله الصنابحي رقم ترجمته في الطبعة التي هي مجلد واحد صفحة ثلاثمائة وواحد وثلاثين.

    هذا صحابي، لكن أئمتنا كانوا يخلطون بينه وبين أبي عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة التابعي، ذاك قدم من اليمن، فلما وصل إلى الجحفة جاء راكبٌ من المدينة فقال: ما الخبر؟ قال: قبض النبي عليه الصلاة والسلام، ودفناه من خمسٍ، يعني: من خمسة أيام دفناه، فذاك تابعي، وصاحب أبي بكر وروى عنه، وأما عبد الله الصنابحي فصحابي، فانتبه لذلك.

    الترمذي ماذا يقول: والصنابحي الذي روى عن أبي بكر الصديق ليس له سماعٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة قال في التقريب أبو عبد الله الصنابحي ثقةٌ من كبار التابعين، قدم بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام بخمسة أيام، حديثه مخرجٌ في الكتب الستة، وأما الصحابي فحديثه في الكتب الثلاثة من السنن، قال عبادة بن الصامت : من سره أن ينظر إلى رجلٍ رقي به فوق سبع سموات، فعمل على ما رأى فلينظر إلى هذا، أي: إلى أبي عبد الله الصنابحي عبد الرحمن بن عسيلة رضي الله عنه وأرضاه، وقد روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث لكنها مرسلة، إذا لم يصرح بالصحابي الذي حدثه.

    و الصنابحي بن الأعسر هذا صحابي بالاتفاق، صحابيٌ سكن الكوفة، ووهم من قال: إنه الصنابحي ، هذا الصنابح بن الأعسر ، حديثه مخرجٌ في سنن ابن ماجه فقط، ويقال له: الصنابحي أيضاً، وإنما حديثه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إني مكاثرٌ بكم الأمم، فلا تقتتلن بعدي).

    أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند في الجزء الرابع صفحة واحد وخمسين وثلاثمائة، ولفظ المسند: (إني مكاثرٌ بكم الأمم، فلا ترجعن بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض)، هذا الصنابح بن الأعسر .

    إذاً عندنا ثلاثة: الصنابحي عبد الله الصنابحي ، والصنابحي بن الأعسر ، ويقال له: الصنابح ، والصنابحي أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة .

    وقد ألف الإمام البلقيني رسالةً سماها الطريقة الواضحة في تبيين الصنابحة، أشار إليها المعلق على كتاب الأم للإمام الشافعي في الجزء الأول صفحة مائة وسبعٍ وأربعين، أقرأ لكم كلامه حقيقةً هو في التحقيق أصفى من الذهب لتفرقوا بين هؤلاء الثلاثة؛ لأن عدداً من الأئمة وهموا الإمام مالك ومنهم البخاري في روايته عن عبد الله الصنابحي ، قال: وهو أبو عبد الله الصنابحي ، والحديث مرسل وليس بمتصل، وليس كذلك، فانتبه لهذا، والصنابحي الذي أشار إليه هو المذكور في رواية الترمذي الرواية التي ذكرتها لكم عبد الله الصنابحي ، قال السراج البلقيني: حديث الصنابحي هذا الذي ذكرته لكم آنفاً هو في الموطأ، ثم بعد أن ذكر هذا يقول: واعلم أن جماعةً من الأقدمين نسبوا الإمام مالكاً إلى أنه يقع له خللٌ في هذا الحديث باعتقادهم أن الصنابحي في هذا الحديث هو عبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله ، وإنما صحب أبا بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين، وليس الأمر كما زعموا، بل هذا صحابي غير عبد الرحمن بن عسيلة ، وغير الصنابحي بن الأعسر الأحنفي ، وقد بينت ذلك بياناً كافياً في تصنيف لطيف سميته الطريقة الواضحة في تبيين الصنابحة، فلينظر ما فيه فإنه مفيد. والكتاب ليس عندي، لكن هذا موجودٌ كما قلت في تعليق المعلق على كتاب الأم للإمام الشافعي عليه رحمة الله.

    و الحاكم في المستدرك روى حديث الصنابحي عبد الله كما ذكرت لكم في المستدرك في الجزء الأول صفحة مائة وثلاثين، لكن في التعبير عن الصنابحي كلامٌ مشوش، في غالب ظني أنه من سوء الطباعة، يقول هنا آخر الحديث: (حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة)، هذا حديثٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وليس له علة، إنما خرجا بعض هذا المتن من حديث حمران عن عثمان وأبي صالح ، عن أبي هريرة غير تمام، وعبد الله الصنابحي صحابي، انتبه للكلام المشوش بعد ذلك، ويقال: أبو عبد الله الصنابحي صاحب أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه عبد الرحمن بن عسيلة ، والصنابحي صاحب قيس بن أبي حازم يقال له: الصنابح بن الأعسر ، هذا الكلام مشوش، ضبطه: وعبد الله الصنابحي صحابي، انتهينا، وأبو عبد الله الصنابحي صاحب أبي بكر الصديق رضي الله عنه هو عبد الرحمن بن عسيلة ، أي واحد آخر، ففرق بين هذا وهذا، وأبو عبد الله الصنابحي صاحب أبي بكر هو عبد الرحمن بن عسيلة ، ليس عبد الله يقال: أبو عبد الله ، انتبه، والصنابحي واحدٌ ثالث صاحب قيس بن أبي حازم الذي روى عنه يقال له: الصنابح بن الأعسر .

    إذاً: الحاكم أشار إلى ثلاثةٍ من الصنابحة، لكن في الطباعة رداءةٌ وتشويشٌ في العبارة، فهنا قال: عبد الله الصنابحي صحابي، ثم قال: ويقال: أبو عبد الله صاحب أبي بكر ، فشوش في العبارة، والصنابحي صاحبه، هذا كله تشويش فاضبطوها كما بينت لكم، والعلم عند الله.

    الذهبي غفر الله له علق على كلام الحافظ ، قال: على شرطهما ولا علة لها أقره، قال: والصنابحي صحابيٌ مشهور، كذا قال، قلت: لا، الأمر نعم كما قال، عبد الله الصنابحي صحابي، وأبو عبد الله ليس بصحابي، ولذلك نقل الإمام المنذري في الترغيب والترهيب كلام الحاكم ووافقه عليه وقال: الصنابحي عبد الله صحابيٌ مشهور في الجزء الأول صفحة أربعٍ وخمسين ومائة من الترغيب والترهيب، ففرقوا بين الصنابحة الثلاثة الذين هم بطنٌ من مراد.

    وهذا لا بد من ضبطه، الحافظ في الإصابة في ترجمة الصنابحي قال: كلٌ منهما يقال له: صنابح وصنابحي لكنه الصواب في ابن الأعسر أنه بغير ياء، يقال: الصنابح بدل الصنابحي، والآخر بإفلات الياء، ويظهر الفرق بينما بالرواية عنهما، فحيث جاءت الرواية عن قيس بن أبي حازم ، فهو ابن الأعسر ، وهو صحابي، وحديثه موقوف، وحيث جاءت الرواية عن غير قيس فهو الصنابحي أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة ، وهو التابعي وحديثه مرسل، أما الصنابحي الذي هو عبد الله ولم يذكر نسبه فهو صحابي، حديثه كما قلت: في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والعلم عند الله جل وعلا.

    وهذا الذي أيضاً رجحه الإمام الزرقاني في شرح الموطأ في الجزء الأول صفحة سبعٍ وستين. والعلم عند رب العالمين، وكثير من الناس يخلطون بين الصنابحة الثلاثة، والإمام البلقيني ألف هذه الرسالة وأزال الإشكال، ماذا سمى الرسالة؟ قلنا: الطريقة الواضحة في تبيين الصنابحة، إذاً هذا حديث الإمام الصنابحي .

    وأما حديث عمرو بن عبسة وهو عندنا الآن الرواية الرابعة أوليس كذلك؟ عثمان ، وثوبان ، والصنابحي ، وعمرو بن عبسة ، بقي عندنا رواية عمرو بن عبسة وسلمان ، وعبد الله بن عمرو ، ورواية هؤلاء ومن خرجها سنتكلم عليها إن شاء الله في أول الموعظة الآتية بعون الله، ثم ندخل في الباب الرابع إن أحيانا الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل فينا ولا منا ولا معنا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.