إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [2]

شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن مكانة الصحابة عالية، فهم نقلة الشريعة المطهرة، والطاعن فيهم طاعن في صاحب الشريعة ومتهم له، ومن جملتهم أبو هريرة راوية الإسلام، فهو أكثر من روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لازمه ودعا له. ومن مروياته حديث في فضل الوضوء وتكفيره للذنوب، وقد اختلف العلماء فيما يكفره الوضوء من الذنوب، هل الكبائر والصغائر، أم الصغائر فقط والكبائر لا بد لها من توبة؟

    1.   

    ترجمة أبي هريرة ومكانته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    كنا نتدارس الباب الثاني من أبواب الطهارة من جامع الإمام الترمذي رحمه الله، والباب الثاني دار حول فضل الطُهور، أي: التطهر واستعمال الماء أو التيمم، ثم ساق الإمام الترمذي الحديث من طريق شيخيه: إسحاق بن موسى المدني الأنصاري الخطمي ، وقتيبة بن سعيد إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب )، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.

    كنا في المبحث الأول حول تراجم رجال الإسناد، وانتهينا من ترجمة جميع الرجال، خلا ترجمة الصحابي الراوي أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وقلت: إن كل راوٍ من رواة الحديث من الصحابة الكرام سنقف عنده وقفة فيها شيء من التفصيل لأحواله ومكانته من حيث الرواية ومنزلته في الإسلام، ووقفتنا مع أبي هريرة رضي الله عنه ستكون حول حياته وإسلامه ومكانته، وهذه الوقفة أكثر وأطول من الوقفات نحو الرواة الآخرين من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؛ والسبب في ذلك أنه كان ألزم الناس للنبي عليه الصلاة والسلام في مدة إسلامه التي لم تزد على ثلاث سنين، ففي هذه السنوات كان يلازمه في جميع الأحوال والأوقات، ويده في يد النبي عليه الصلاة والسلام في كل مكان، فإجلالاً للنبي عليه الصلاة والسلام، وحباً للنبي عليه الصلاة والسلام، ينبغي أن نتعرف على أحوال هذا الصاحب الذي تأثر بنبيه عليه الصلاة والسلام في مدة صحبته، لا سيما كما قلت: إنه أحفظ الصحابة الكرام، وهو راوية الإسلام، وظهرت فيه معجزات كثيرة لنبينا عليه الصلاة والسلام.

    ذكرت فيما مضى بعضاً من أحواله فيما يتعلق باسمه، ومنزلته على وجه العموم في نفس كل مؤمن ومؤمنة، فلا يسمع به مؤمن إلى قيام الساعة إلا أحبه وتعلق به وترضى عنه.

    إسلام أبي هريرة وحياته

    أسلم أبو هريرة في العام السابع للهجرة، فمدة صحبته للنبي عليه الصلاة والسلام ثلاث سنين فقط، لازمه ملازمة تامة كاملة، فصار أكثر الصحابة رواية لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، لاسيما وقد امتدت به الحياة كما سيأتينا، فاحتاج المسلمون من صحابة متأخرين ومن تابعين جاءوا بعد حين احتاجوا إلى روايات هذا العبد الصالح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمعه منه ورآه وشاهده.

    توفي سنة (57 هـ)، فعمر في الإسلام خمسون سنة على التمام، عاش خمسين سنة وهو مسلم، توفي وعمره (78 عاماً)، وأسلم وعمره ثلاث وعشرون سنة، ولما توفي النبي عليه الصلاة والسلام كان عمر أبي هريرة ستاً وعشرين سنة، وتقدم معنا أنه قال: إني شاب وأخاف على نفسي العنت، وليس عندي ما أتزود به، ثم لازم النبي عليه الصلاة والسلام هذه الملازمة التامة، فصار أكثر الصحابة رواية لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    عدد مرويات أبي هريرة رضي الله عنه

    إن أبا هريرة عبد الرحمن بن صخر جمع بين العلم والعمل، جمع الرواية والحفظ والورع والعبادة، عالم حافظ، عامل عابد رضي الله عنه وأرضاه، أما علمه فالأمر كما قال الحافظ في الإصابة في كتاب الكنى عند ترجمة أبي هريرة في الجزء الرابع صفحة (204): أجمع أهل الحديث على أن أبا هريرة رضي الله عنه أكثر الصحابة حديثاً، قال الإمام الشافعي : هو أحفظ من روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الإمام البخاري عليه رحمة الله: بلغ الرواة عن أبي هريرة من الصحابة والتابعين قرابة ثمانمائة راوٍ، وقد بلغت رواياته التي رواها عن النبي عليه الصلاة والسلام خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعاً وسبعين حديثاً، كما في سير أعلام النبلاء في ترجمة أبي هريرة ، وهي آخر ترجمة من الجزء الثاني، وكما في الفتح المبين في شرح الأربعين للحافظ ابن حجر الهيتمي ، وقال ابن حجر : اتفق الشيخان على إخراج ثلاثمائة وخمسة وعشرين حديثاً، منها خمسة وعشرون حديثاً وثلاثمائة أخرجها الشيخان في الصحيحين، ثلاثمائة وخمسة وعشرون وزاد الذهبي واحداً أي: ثلاثمائة وستة وعشرون، وانفرد البخاري بإخراج ثلاثة وتسعين حديثاً، وأما ما انفرد بإخراجه مسلم فقد ذكر في ذلك قولان مختلفان، وما تحقق لي أن أحقق الأمر وأضبطه، ذكر الإمام الذهبي أن ما انفرد به مسلم ثمانية وتسعون حديثاً، ذكر هذا في سير أعلام النبلاء، وأما الحافظ ابن حجر في الفتح المبين فيقول: الذي به مسلم مائة وتسعون حديثاً، فلعل في أحد الأمرين تصحيف، والذي يغلب على ظني والعلم عند ربي أن طبعة سير أعلام النبلاء فيها تصحيف، فينبغي أن تكون بدل ثمانية وتسعين: مائة وتسعون، والتصحيف قريب بينهما، فالأمر يحتاج إلى تحقيق، ولعلني أخبركم في المستقبل بحقيقة الأمر، أما في هذه العجالة، ومع الكتب التي بين يدي فلم أستطع أن أقف على حقيقة الأمر.

    خلاصة الكلام: روايات أبي هريرة خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً، اتفق الشيخان على إخراج ثلاثمائة وخمسة وعشرين أو ثلاثمائة وستة وعشرين، انفرد البخاري بإخراج ثلاثة وتسعين حديثاً، وانفرد مسلم إما بثمانية وتسعين وإما بمائة وتسعين والعلم عند رب العالمين.

    أسباب كثرة روايات أبي هريرة

    إن السبب في كثرة رواياته وحفظه ونقله عن نبينا عليه الصلاة والسلام أمران معتبران ننتفع بهما في ترجمة هذا الصحابي المبارك:

    الأمر الأول: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالحفظ وقوة الضبط، وهذا حتماً من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام، وهي خصيصة لـأبي هريرة دون غيره.

    ولا غرابة عندما يأتي الزنادقة ويطعنون في أبي هريرة ؛ لأن هذا طعن فيمن دعا له بالحفظ والضبط، أي: في رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا كان أبو هريرة لا يوثق بحفظه وضبطه، فما قيمة تلك الدعوة التي دعا له بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وتقدم معنا أنه دعا لأمه، فقبل وصول أبي هريرة إلى البيت اغتسلت أمه ولبست درعها، وما استطاعت أن تلبس خمارها عندما جاء ولدها أبو هريرة بل خرجت لتفتح الباب بسرعة وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فما خيب الله نبيه عليه الصلاة والسلام في تلك الدعوة لأم أبي هريرة بالهداية، وأعطاه عين ما سأل، وكذلك في حق أبي هريرة ، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحفظ، فاستجاب الله دعاء نبيه ومصطفاه.

    ثبت في أصح الكتب بعد كتاب الله في صحيح البخاري في كتاب العلم، وبوب عليه البخاري باباً يشير به إلى هذه القضية، فقال: باب: حفظ العلم، وأعاد الحديث في كتاب المناقب فقال: باب: في مناقب أبي هريرة ، ثم روى الحديث بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه ( أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله! إني أسمع منك حديثاً كثيراً ثم أنساه، فادع الله لي ألا أنسى ما أسمع منك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ! اجمع عليك ثوبك، فجمعه أبو هريرة ، ففتحه وأشار به هكذا، يقول: فغرف النبي صلى الله عليه وسلم بيديه، ثم ألقى في هذا الثوب ودعا، ثم قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ضمه إليك كما كان، وأعد الثوب كما كان على حالته الأولى، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: فما نسيت شيئاً بعد ذلك )، قال الحافظ ابن حجر معلقاً على هذا الحديث: في الحديث فضيلة ظاهرة لـأبي هريرة ، ومعجزة واضحة من علامات النبوة، فكون أبي هريرة يسمع كثيراً وينسى، وبعد هذه الحادثة، أي جمع الثوب، وإلقاء النبي عليه الصلاة والسلام فيه شيئاً بعد أن غرف بيده، ثم قال: (ضمه إليك)، فما نسي شيئاً بعد ذلك؛ فهي كرامة ظاهرة لـأبي هريرة ومعجزة للنبي عليه الصلاة والسلام.

    وقال الحافظ في الإصابة معلقاً على هذا الحديث أيضاً: والحديث المذكور من علامات النبوة، فإنه كان أحفظ للأحاديث في عصره رضي الله عنه وأرضاه، وإلى مثل هذا أشار الذهبي في سير أعلام النبلاء، فقال: وقد كان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوة.

    الأمر الثاني: جد واجتهاد أبي هريرة ، وحرصه على المذاكرة والتعلم والإصغاء، والاهتمام بما يحفظ، وهذا الذي نملكه، فإذا كان أبو هريرة ملك الأمر الأول والثاني، والأول أي: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ليس في وسعنا، فلا أقل من أن نحرص على الثاني؛ أن نجد ونجتهد، وأن نبذل وسعنا في حفظ حديث نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لنحصل السبب الثاني للحفظ، وقد شهد النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي هريرة بأنه كان أحرص الصحابة على الحفظ والتلقي والسماع والضبط، ففي صحيح البخاري أيضاً في كتاب العلم: باب: الحرص على الحديث، والحديث رواه الإمام أحمد -أيضاً- وغيره، ولفظ الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ( قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ )، من أحق الناس بشفاعتك؟ ولمن ستشفع في الحالة الأولى؟ ومن الذي سيحظى بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الأمر أحد قبلك يا أبا هريرة! لما رأيت من حرصك على الحديث )، أنا في ظني أنه لن يسألني هذا السؤال أحد قبلك، لما أراه من حرصك على الحديث وعلى تلقي العلم: ( أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه )، من قال: لا إله إلا الله صدقاً من قلبه، فهؤلاء أسعد الناس بشفاعة خير الناس عليه صلوات الله وسلامه، فانظر لشهادة النبي عليه الصلاة والسلام: ( لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الأمر أحد قبلك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث ).

    فالنبي عليه الصلاة والسلام أعطى هذه الشهادة لـأبي هريرة ، وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يذكر الصحابة بذلك، وأنه كان أحرصهم على التلقي وضبط حديث النبي عليه الصلاة والسلام وحفظه، فما ينبغي أن يرتابوا في روايته؛ لأنه حضر ما لا يحضرون، فحفظ ما لا يحفظون، كما في صحيح البخاري في كتاب العلم، باب: حفظ العلم، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة ، يعني: في روايته عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بين سبب الإكثار، يقول: والله لولا آيتان في كتاب الله لما حدثت، ثم تلا قول الله جل وعلا من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160]، وكان يقول في بعض الروايات: والله الموعد، أي: فنئول إليه ويحاسبنا إذا كنا نكذب على نبينا عليه الصلاة والسلام.

    أما المهاجرون فكان يشغلهم الصفق في الأسواق، والصفق يعني: التجارة، مأخوذة من الصفقة عندما يضع الإنسان يده بيد البائع والمشتري، ولم يكن للمهاجرين أرض يزرعونها في المدينة المنورة، فكانوا يبيعون ويشترون في السوق، وأما إخواننا الأنصار فكانوا يشتغلون في مزارعهم وبساتينهم، وأنا لزمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني، فحضرت ما لا يحضرون، وحفظت ما لا يحفظون، يعني: لم تقولون: أكثر أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه؟! ما كنتم تحضرون المجالس التي أحضرها، وبالتالي سيغيب عنكم أشياء أنا حفظتها وضبطتها، والصحابة الكرام ما كانوا يشكون في روايته، وحاشاهم أن يشكوا في ذلك، ولكن عندما يقولون له: إنك تكثر، فإنه يبين لهم سبب الإكثار، فيقول: هذا الإكثار له سبب؛ أنني تفرغت لتلقي العلم، وأما أنتم فشغلتم في البيع والشراء، أو في المزارع والبساتين. وفي مستدرك الحاكم ، في الجزء الثالث صفحة (509)، وصححه وأقره عليه الذهبي ، وعند ابن سعد في الطبقات، وقال عنه الحافظ في الإصابة: إسناده جيد، أن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت لـأبي هريرة : من أين لك هذه الروايات عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ تعني: إنك تكثر من الروايات عنه، فمن أين لك هذا؟ وكيف حفظتها؟ ومتى سمعتها؟ فقال: يا أماه! أما أنا فقد طلقتها، يعني: الدنيا، فلا مال، ولا عيال، ولا زوجة، وإنما أكون في هذه الصفة أصحب النبي عليه الصلاة والسلام أينما ذهب، وأما أنتِ فقد شغلك عن حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام المرآة والمكحلة والتطلع لرسول الله عليه الصلاة والسلام.

    اعتراف الصحابة بحفظ أبي هريرة

    وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يقرون لـأبي هريرة أنه كان ألزمهم وأحفظهم، كما ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح، والحديث رواه البغوي وغيره، وإسناده كما قلت: صحيح، وحسنه الإمام الترمذي ، وصححه الحافظ في الإصابة، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال لـأبي هريرة رضي الله عنه: يا أبا هريرة ! كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحفظنا لحديثه، أي: أنت كنت تصاحبه في هذه الفترة مصاحبة تامة كاملة، وما تغيبت عنه في مجلس، ولذلك كنت تحفظ لما فيك من جد، وللدعوة التي دعا لك بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قلت إخوتي الكرام: لا شك عند الصحابة في روايات أبي هريرة رضي الله عنه، وعندما كانوا يستفسرون عن سبب كثرة رواياته يبين لهم السبب، والسبب واضح ظاهر مقنع لا يرتاب فيه أحد، فإذا حضر ما لا يحضرون فإنه سيحفظ ما لا يحفظون قطعاً وجزماً، وقد أخبر الصحابة رضوان الله عنهم عن هذه الحقيقة أيضاً بأقوالهم، فقد ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي ، وعند الحاكم في المستدرك والبخاري في التاريخ الكبير، وإسناده صحيح، عن مالك بن عامر قال: جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فقال: يا أبا محمد ! أرأيت هذا اليماني؟ يعني: أبا هريرة رضي الله عنه، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهو أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فإننا نسمع منه ما لا نسمعه منك، أو هو يقول ويفتري على رسول الله عليه الصلاة والسلام ما لم يقله؟ فقال طلحة رضي الله عنه وأرضاه: كان أبو هريرة رضي الله عنه مسكيناً لا شيء له، وكان ضيفاً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يده مع يد رسول الله أينما كان، وكنا نحن أصحاب تجارات ومزارع، فكنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرفي النهار، نحضر عنده في الصباح وفي آخر اليوم، وما عدا هذا فإننا مشغولون بأعمالنا الدنيوية، وأما أبو هريرة فإنه يلازمه في كل وقت، فهذا يده مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في كل مناسبة وفي كل مجلس، فما كان ليكذب، ولكنه يحفظ ما لا نحفظ.

    وقفة مع حديث المصراة الذي رواه أبو هريرة

    وقال الإمام الذهبي في السير: إليه المنتهى في حفظ ما سمعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأدائه بحروفه، يسمع الحديث ويؤديه كما سمع بالحرف دون زيادة أو نقصان، وهذه بركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فما نسي شيئاً بعد تلك الدعوة جداً وحرصاً واجتهاداً.

    واستمع لهذه القصة حول حديث المصراة الذي رواه أبو هريرة في الصحيحين وغيرهما، والمصراة هي الشاة أو البقرة أو الناقة إذا صريت من التصرية وهي: الحبس والجمع، أي: حبست عدة أيام ولم تحلب ليجتمع اللبن في ضرعها، ثم ينزلها إلى السوق ليبيعها على أنها كثيرة اللبن، وهذا من باب الغش والتدليس على الناس، فليس فيها لبن كثير، وإنما اللبن اجتمع في ضرعها لأنها لم تحلب ثلاثة أيام، أما لو حلبت كل يوم لكان الضرع عادياً، ليس فيه هذا الانتفاخ وهذا الامتلاء، فروى أبو هريرة رضي الله عنه الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في النهي عن بيع المصراة، وأن من اشترى شاة مصراة أو بقرة أو ناقة ولم تعجبه فله أن يعيدها مع صاع من التمر، ولفظ الحديث قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تصروا الإبل والغنم، ومن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين، بعد أن يحلبها )، بخير النظرين أي: يختار بين أمرين، ( فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر )، هذا هو مذهب الجمهور والأئمة الثلاثة؛ مالك والشافعي وأحمد عليهم جميعاً رحمة الله.

    وغفر الله للحنفية الذين لم يأخذوا بهذا الحديث، وقالوا: إنه يعارض الأصول والقياس، وإذا ثبت على خلاف القياس فلا يؤخذ به، فكيف نردها مع صاع تمر، وهذا فيه جهالة، فإذا كان نقص الدر عيباً فإنها ترد بدون صاعٍ من تمر، ويكفي أنه أطعمها، وإذا لم يكن عيباً فهو ملزم بشرائها، أما أن يرد صاعاً من تمر معها فكيف هذا؟

    على كل حال قول الجمهور يشهد له هذا الحديث، وأنت إذا اشتريت شاة أو بقرة أو ناقة مصراة بعد أن حلبتها، جلست عندك يوم أو يومين، وما رأيت الضرع يمتلئ كما كان عند شرائها، جاز أن تذهب إلى صاحبها وتقول: أنت غششتني وأعطيتني البهيمة والضرع ممتلئ فظننت أن هذه عادتها، ثم عندما حلبته ما عاد الحليب يأتي بتلك الوفرة، أي: أن ذاك كان مجموعاً من عدة أيام، فتعيد إليه ناقته وبقرته وشاته، مع صاعٍ من تمر؛ بمقدار ما انتفعت من اللبن، وإن شئت الانتفاع بها فأنت بالخيار، وذكر التمر في الحديث كما قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: على حسب فتيا أهل الحجاز، ولا يتعين التمر في البلاد الأخرى، ففي بلاد الشام يمكن أن يكون صاعاً من تين؛ لأن التين قوت لأهل الشام كالتمر لأهل الحجاز، وهكذا الأرز والذرة على حسب قوت كل بلد. انظر إعلام الموقعين الجزء الثالث صفحة (25).

    ومثل هذا يقال في صدقة الفطر، تخرج صاعاً من قوت أهل البلد، فإذا كانوا يقتاتون السمك فأخرج صاعاً من سمك، ولا يتعين صاعاً من تمر فمن أين ستأتي بالتمر -مثلاً- في إندونيسيا ولا يوجد في تلك البلاد كلها تمرة واحدة؟ فإذاً: أنت ملزم بهذه المصراة، فردها مع صاعٍ من أرز، والأرز عندهم ما أكثره.

    الشاهد إخوتي الكرام! أن هذا الحديث في العصور المتأخرة في بلاد بغداد حدث به في جامع المنصور من رواية أبي هريرة بعض أهل الحديث، فقام بعض الناس وقال: أبو هريرة ليس بفقيه، أي: ليس من طلبة الفقه والعلم، وروايته في هذا الباب لحديث المصراة لا يعول عليها؛ لأنها ما جاءت من طريق فقيه يعلم الأصول والقياس، كأنه يقول: قد يكون وهم -هو لا يتهمه بالكذب- والرواية إذا جاءت على خلاف الأصول وصادمت القياس من غير فقيه، فإنه يدل على أنه وهم فيها فلا نأخذها، فبينا الرجل كذلك إذ انفرج سقف المسجد فنزلت منه حية عظيمة، فتفرق الناس وهربوا، فتبعت هذا الشاب الذي قال: أبو هريرة ليس بفقيه ولا تؤخذ روايته في هذا الأمر، تتبعه حيثما هرب، فلحقه الناس وهم يقولون له: تب إلى الله من قولك في أبي هريرة ، فقال: تبت إلى الله، أبو هريرة فقيه، فتوارت الحية وما يعلمون أين ذهبت، يقول الإمام الذهبي في السير: رواها الأئمة، أي: أئمة حفاظ متقنون رووا هذه القصة وفيها خرق للعادة من أجل توثيق هذا العبد الصالح الذي وثقه رب العالمين، فحقيقة: عندما يطعن في أبي هريرة الزنادقة إنما يريدون الطعن في الله وفي رسوله عليه الصلاة والسلام.

    ضبط أبي هريرة في حفظه وفقهه

    وأما أبو هريرة فإليه المنتهى في حفظ ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدائه بحروفه، يؤدي الحديث بالحرف كأنه آلة تسجيل ضابطة سليمة ليس فيه آفة.

    وانظر لهذه القصة التي رواها الحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي وابن عساكر في تاريخ دمشق التي تبين ضبط أبي هريرة رضي الله عنه، استدعاه مروان بن الحكم وكان أميراً على المدينة في عهد بني أمية، وطلب منه أن يحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وجعل وراء الستار من يكتب هذه الأحاديث، وأبو هريرة رضي الله عنه يحدث، وما أعلموه أنهم كتبوا شيئاً، واحتفظ مروان بن الحكم بهذا الكتاب سنة كاملة، ثم استدعاه بعد سنة وقال: يا أبا هريرة ! حدثنا بالأحاديث التي حدثتنا بها في ذلك المجلس قبل عام، والكتاب بين يدي مروان ينظر فيه، فحدث أبو هريرة بتلك الأحاديث، فما زاد حرفاً ولا أنقص حرفاً. علق الإمام الذهبي في السير على هذه القصة بقوله: فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخر، قلت: هكذا فليكن الحفظ، هذا بعد مرور سنة يحدث به من فاتحته إلى خاتمته، ما زاد حرفاً ولا أنقص حرفاً، رحمه الله ورضي عنه، وبركة النبي عليه الصلاة والسلام لا تخيب عندما دعا له فما نسي شيئاً، ثم هذا الجد والاجتهاد، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    أبو هريرة فقيه محدث قارئ، ولذلك أورده الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ، فهو شيخ الحفاظ وإمام الرواة، وأورده في طبقات القراء في كتابه: معرفة القراء الكبار، فهو من المقرئين المهرة في ضبط القرآن بوجوه القراءات، الذين تلقوا القرآن الكريم عن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، وأورده في سير أعلام النبلاء، فهو من العلماء الفقهاء البارزين المبرزين، قال الذهبي : هو رأس في القرآن، رأس في السنة، رأس في الفقه، وقد بين الذهبي السبب لترجمته له في كل هذه الكتب، فقال: لأنه رأس في القرآن، رأس في السنة، رأس في الفقه، هذا فيما يتعلق بعلمه وحفظه وضبطه.

    عبادة أبي هريرة وذكره واجتهاده في العمل

    أما عمله وعبادته فلا ينقصان عن علمه وحفظه، وكلما كثر العلم زاد العمل والخشية لله عز وجل، فقد ثبت في صحيح البخاري في كتاب الأطعمة وعند أحمد في المسند وفي الزهد، وهو في حلية الأولياء، عن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعة، أي: مدة سبعة أيام نزلت عليه ضيفاً، فكان هو وزوجه وخادمه يقتسمون الليل أثلاثاً، فلا يخلو بيتهم في الليل من قائم، يقوم هو الثلث، فإذا انتهت نوبته قام الثاني مثل الحراس الذين يكونون في الجيش، وما أعجب أهل الدنيا يحرصون عليها ولا يحرصون على الآخرة، عجباً للجنة نام طالبها، وعجباً للنار نام هاربها، لو فشت فينا هذه الخصلة الطيبة، أعني: لو أن أهل كل بيت يقتسمون في قيام الليل، كل واحد يتعبد ساعتان أو ثلاثة بحيث لا يخلو الليل من قائم لله في هذا البيت، كل واحد في بيت أبي هريرة له ثلث، وإذا مرض أحد الثلاثة تحمل نوبته صاحباه، وهذا الذي كان يفعله الحسن بن صالح بن حي هو وأخوه وأمه، فلما ماتت الأم اقتسم الأخوان، فلما مات أحد الأخوين قام الثالث الليل كله، فيعدون البيت الذي لا يوجد فيه مناجاة لله جل وعلا، يعدون هذا منقصة، كانوا يتعاقبون على القيام لمناجاة رب العالمين كما يتعاقب الآن الشرطة، لكن على حراسة أهل الدنيا، من ملوك وأمراء ومسئولين، وشتان شتان بين الأمرين، وثمرة العلم العمل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    وأما ذكر أبي هريرة لربه، فكان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، والأثر ثابت عنه بإسناد صحيح كالشمس في الحلية وطبقات ابن سعد وتاريخ دمشق لـابن عساكر ، قال الحافظ في الإصابة: إسناده صحيح، وكان يقول: أسبح بمقدار ديتي، أي: أفك رقبتي من النار كل يوم بمقدار الدية، والدية: إما ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهماً.

    وبمناسبة ذكر التسبيح أريد أن أنبه إلى أمر يكثر حوله القيل والقال في هذه الأيام؛ ألا وهو موضوع السبحة، وهل هي مستحبة أو بدعة؟ الجواب وسط بين قولين متطرفين، فهذا يعتبرها من علامات البدعة والمبتدعين، وذاك يعتبرها من علامات الذكر والذاكرين، والأمر فيها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني والعشرين صفحة (506)، عند موضوع التسبيح بالخرز، يقول: وأما التسبيح بالخرز الذي يدعى النظام، يعني: الخيط الذي يربط فيه خرز كخرز السبحة، فمن الناس من استحبه، ومنهم من كرهه، والصواب: أنه حسن إذا صح فيه القصد، أما إذا كان قصد الإنسان باقتناء هذه السبحة أو هذا الخرز الرياء، فالرياء مذموم في كل شيء في الفرائض والنوافل، ولا نستطيع أن نحكم على إنسان بأنه يرائي أو لا، فهو أدرى بحاله والله جل وعلا رقيب على عباده، وأما إذا جعلها وسيلة للعد والضبط، فحكمها كحكم الدابة التي تركبها إلى مكة المكرمة، إن شئت أن تركب على حمار أو ناقة أو سيارة أو طائرة أو تمشي على رجليك، الأمر -إن شاء الله- فيه سعة، وهي كما قلت وسيلة للعد، ويسن ويشرع العد بأصابع اليدين، والذي سيسبح اثنتي عشرة ألف تسبيحة، يحتاج إلى سبحة؛ لأنه لا يستطيع أن يعد بأصابع يديه، أما إذا كانت ذاكرته كذاكرة أبي هريرة فهذا موضوع آخر، والغالب لو أن واحداً منا أراد أن يسبح ألف تسبيحة بأصابع يديه لما ضبط العد، فما الحرج في أن يكون عنده حصى أو خرز أو نوى تمر أو زيتون يعد بها تسبيحاته؟

    الذي أراه والعلم عند الله أن الإنسان يكون عنده سبحة لكن يخفيها ويجعلها في بيته، ويسبح بها ولا يظهرها أمام الناس، ولا أقول: إن إظهارها حرام أو بدعة، لكن يكون هذا في الخلوة لمن أراد أن يسبح أعداداً كبيرة، وأما قول بعض المشايخ في هذا العصر: إن أكثر ما ورد من الأعداد في التسبيح مائة.

    أقول: قال الله: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35]، يعني: هل الذي يسبح أكثر من مائة في ذكر من الأذكار يقال عنه: مبتدع؟ أو يقال عنه: غافل يتقرب إلى الله؟ لا شيء في ذلك، فمثلاً الذكر المشهور: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ورد أننا نقوله مائة مرة، فيكون لنا عدل عشر رقاب، وتكتب لنا مائة حسنة، ويمحى عنا مائة سيئة، والحديث في الصحيحين وغيرهما، وتكون هذه الصيغة حرزاً لنا من الشيطان في ذلك اليوم، ولا يأتي أحد بأفضل مما فعلناه إلا من زاد عليها، فإذا أراد مسلم أن يقول بعد المائة عشرة آلاف مرة فهنيئاً له ذلك وما أعلم في هذا خلافاً، فإذا أراد أن يعد العشرة آلاف، هل يستطيع أن يعدها بأصابع اليدين؟ فالمائة تعد بسهولة، ولكن هذه عشرة آلاف، لا يمكن ضبطها، فإذا كان كذلك فلا حرج، وأنا أدركت نساء عجائز عندما يصلين التراويح في البيت أو في المسجد، يتخذن حبيبات عشر، وفي الغالب إما من زبيب وإما من هذا الفصفص الذي يؤكل -لا أعلم ماذا يقال بلهجة هذه البلاد- يكون عندها عشرة حبوب، كلما صلت ركعتين تضع واحدة على طرف، حتى إذا انتهت الزبيبات العشرة انتهت صلاتها، وأحياناً كنا ونحن صغار نأتي ونأكل الزبيب، فتتأثر العجوز غاية التأثر؛ لأنها لا تدري كم صلت، أهي سبع أو عشر زبيبات تحصيها، بعد أن انتهت، فمن باب أولى الأعداد الكثيرة لا ينضبط إحصاؤها إلا بنحو ذلك.

    إذاً: فلا إفراط ولا تفريط، فالسبحة غاية ما يقال في أمرها أنها مباحة، وإذا أراد الإنسان اقتناءها لأنه يكثر من الذكر فلا حرج، وإذا كانت في خلوته فهو أحسن وأفضل، وإذا أظهرها فإننا لا نتهم أحداً في نيته.

    موت أبي هريرة

    أختم ترجمة أبي هريرة -رضي الله عنه- بما حصل له عند الموت، وما في ذلك من العبر، ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم وأقره عليه الذهبي : عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، اختلف في اسمه فقيل: عبد الله وقيل: إسماعيل ، وهو من التابعين، أبوه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، يقول: لما اشتد بـأبي هريرة رضي الله عنه وجعه دخلت عليه وأسندته على صدري، ثم قلت: اللهم اشف أبا هريرة ، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: اللهم لا ترجعها، يعني: روحي لا ترجعها إلى بدني، الآن تخرج فلا أريد أن تعود ولا أن أبقى حياً، ثم قال لـأبي سلمة بن عبد الرحمن : يا أبا سلمة ! إن استطعت أن تموت فمت، فقال أبو سلمة : إنا نحب الحياة، نتمنى أن نعيش وأن تطول أعمارنا في طاعة ربنا سبحانه وتعالى، فقال أبو هريرة : ليأتين على العلماء زمان يكون الموت فيه أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، وليأتين أحدكم إلى قبر أخيه فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكانك، يعني: لا تسأل ربك طول البقاء، وإذا جاءك الموت فقل: لا أفلح من ندم، حبيب جاء على فاقة، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.

    وكان يقول كما في حلية الأولياء الجزء الأول صفحة (384): إذا رأيتم ستاً، فإن كانت نفس أحدكم في يده فليلقها، أي: لو كانت روحه في يده، فليطرحها وليمت، ولا حاجة في أن يبقى، وهذه الست مذكورة في حديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام ورد في مسند أحمد ومستدرك الحاكم ، ومعجم الطبراني الكبير، والحديث صحيح؛ صححه الحاكم ، والحافظ ابن حجر في الإصابة من رواية عبس ويقال: عابس الغفاري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( بادروا بالموت ستاً )، بادروا بالموت: تعجلوا بالموت، والمراد من التعجل هنا: أن الإنسان لا يركن إلى الدنيا، ولا يسأل ربه طول البقاء فيها، فإذا جاءه الموت فرح بطلوله ورغب في حصوله، ( بادروا بالموت ستاً: إمرة السفهاء )، يصبح المسلمون سفهاء، لا عقل ولا دين، ( إمرة السفهاء، وكثرة الشرط )، أي: من أجل إذلال الناس في ضبطهم وإرعابهم في جميع أحوالهم، وكأن الشرط لا هم لها في هذه الأيام إلا إفزاع عباد الرحمن، إلا ما رحم ربك وقليل ما هم: ( إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم )، عمالة وخيانة، فينصب على المسلمين من يريده أعداء رب العالمين، مقابل عمالات وخيانات، إذا أعطاهم عهوداً بالقضاء على عباد الله، ومطاردة أولياء الله، مكنوا له وقووه وأمدوه بأسلحة كالمطر، وإلا فلا، وليس المراد من بيع الحكم أن يشتريه من أفراد الرعية، إنما المقصود أن الحكم صار عمالة لشرق أو لغرب، ( إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، وقطيعة الرحم، واستخفافاً بالدم، ونشأً يتخذون القرآن مزامير؛ يقدمون من يغنيهم وإن كان أقل منهم فقهاً )، من أجل جمال الصوت والتمطيط والترقيق والتفخيم دون القراءة الشرعية للقرآن الكريم، إذا رأيتم هذه الأمور الستة واستطعتم أن تموتوا فموتوا، وإذا كانت نفس أحدكم في يده فليطرحها، وقوله: استخفافاً بالدم، ما أيسر دماء المسلمين في هذه الأيام! ولعل قتل الذبابة أصعب من قتل المسلم، ولعل الذبابة لها حصانة أكثر من المؤمن! ومع ذلك لما احتضر أبو هريرة رضي الله عنه اعتراه ما اعتراه من الفزع، وإن حقيقة الموت شديدة شديدة، نسأل الله أن يهون علينا سكرات الموت، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    ثبت في حلية الأولياء، وعند ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين، كما قال الحافظ في الإصابة وإسناده صحيح: أنه لما احتضر أبو هريرة وجاءه الموت بكى رضي الله عنه، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي من قلة الزاد وشدة المفازة، أي: أبكي لأن بضاعتي قليلة، فإذا كانت بضاعته قليلة في العلم والعمل، فماذا نقول نحن؟! وبعد ذلك شدة المفازة وطولها.

    إخوتي الكرام! كما بدأت حياته لأمر يدل على مكانته في نفس كل مؤمن ومؤمنة، فأختم ترجمته بحديث، وسيأتي معنا هذا الحديث في سنن الترمذي ، يدل على مكانته وكرامته عند النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا الحديث معجزة لنبينا عليه الصلاة والسلام، وكرامة لـأبي هريرة رضي الله عنه في كتاب المناقب مناقب أبي هريرة رضي الله عنه عن أبي العالية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بتمرات ) وهذا في آخر عهده، ولو فعل هذا في أول حياته لما جاع ولما صرع، ولكن لله حكمة فيما يقدر ويدبر سبحانه وتعالى: ( فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! ادع الله فيهن بالبركة )، أي: فأنت صاحب كرامات ولك منزلة عند رب الأرض والسماوات، فهذه التمرات ادع الله أن يبارك فيهن، قال: ( فضمهن، ثم دعا فيهن بالبركة )، كحال الرداء عندما بسطه وغرف فيه ودعا ثم أمره بضمه، وهنا كذلك: ( فضمهن ثم دعا فيهن بالبركة، فقال: خذهن واجعلهن في مزودك هذا، أو في هذا المزود )، والمزود: وعاء من جلد صغير يضع الإنسان فيه زاده، ويربطه بثيابه عند خاصرته، وهذا يفعله أحياناً بعض طلبة المدارس، تراه يحمل وعاء حول حقوه يضع فيه الزاد من ماء ومعه شيء من زبيب أو تمر يأكله عند فسحة الطلاب، ( كلما أردت أن تأخذ منه شيئاً فأدخل يدك فيه فخذه ولا تنثره نثراً )، أي: لا تفرغ المزود وتصب ما فيه من تمر، بل مد يدك وخذ، والله على كل شيء قدير سبحانه وتعالى، يبارك لك في هذا المزود بما لا يخطر في بالك.

    يقول أبو هريرة : ( فلقد حملت من ذاك التمر كذا وكذا وسقاً في سبيل الله )، والوسق مائة واثنان كيلو جرام، ومن ذلك الحديث: ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )، والخمسة أوسق خمسمائة وعشرة كيلوهات، أي أن من يكون عندهم من الزروع والثمار نصف طن فإنه تجب عليهم الزكاة، وفيما دون ذلك لا تجب الزكاة، فمن هذا المزود يقول أبو هريرة : حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله، إشارة إلى كثرة الفائدة، يقول: وكان لا يفارق حقوي، أي: هذا المزود لا يفارقه، كلما رأى محتاجاً أعطاه من هذا التمر، حتى كان يوم قتل عثمان فانقطع هذا المزود وضاع، فحزن عليه أبو هريرة حزناً كثيراً، وذلك سنة (35هـ)، يعني: بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام بخمسٍ وعشرين سنة، فبقي هذا المزود مع أبي هريرة على أقل تقدير خمساً وعشرين سنة، هذا على فرض أن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام له في أيامه الأخيرة، خمساً وعشرين سنة يأكل منه ويطعم ويحمل في سبيل الله، والمزود باقٍ عنده ممتلئ تمراً حتى انقطع يوم قتل عثمان رضي الله عنه، وكان أبو هريرة من جملة المدافعين عن عثمان رضوان الله عنه، ففي تلك الفتنة انقطع هذا المزود من حقوه، فضاع منه وحزن عليه حزناً كثيراً، هذا ختام ترجمة أبي هريرة رضي الله عنه.

    1.   

    فوائد من حديث: (إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة...)

    الحديث حوله مسألتان أريد أن أتكلم عليهما ولا أريد أن أطيل في تعداد المسائل.

    فضل الوضوء

    المسألة الأولى: وهي التي يدل عليها الحديث بلفظه ومعناه: أن الوضوء يكفر الخطيئات، ويمحو السيئات، ويزيل الزلات، ولذلك بوب عليه الترمذي : باب: فضل الطهور، وانظر لفقهه وحكمته رضي الله عنه، فبعد أن قال في الباب الأول: لا تقبل صلاة بغير طهور، كأنه في الباب الثاني أراد أن يخبرنا أن هذا الشرط الذي لابد منه للصلاة وهو الطهور، لنا عليه أجر، يعني: هو واجب، ولنا عليه من الأجر ما لا يخطر بالبال، وله منزلة في السماء، فإذا توضأت وغسلت وجهك تخرج كل خطيئة من وجهك نظرت إليها بعينيك مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وهكذا في اليدين، واقتصر الترمذي على هذين الأمرين، وزاد في رواية مسلم وغيره: وإذا غسل رجليه خرج من رجليه أيضاً كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب، فجميع أعضاء الوضوء يخرج منها الخطايا.

    كيفية خروج الخطايا من الأعضاء أثناء الوضوء

    المسألة الثانية: قوله: ( خرجت من وجهه كل خطيئة )، فما كيفية خروج الخطايا من الأعضاء؟

    ولولا أن بعض شراح الحديث تكلموا فيه مع التكلف لما أحببت أن أذكره، فهذا غيب لا يعلمه إلا الرب المعبود، وإذا كان الكلام في مثل هذه الأمور من فضة فالسكوت من ذهب، إنما سأقرر عند هذه المسألة قضية ينبغي أن نعض عليها بالنواجذ في أمور الغيب، وهي أن أمور الغيب التي لا تقف العقول على كنهها وحقيقتها، فنقرها ونمرها، ونجل شرع ربنا، ونحترم عقولنا، ولا نبحث في كيفيتها، فلا نقول: كيف ستخرج؟ وهل هذا صورة مثالية وعالم مثالي، كما فعل السيوطي وغيره؟ ما لنا ولهذا، وأذكر لهذا نظائر حُشيت بها كثير من كتب شروح الحديث، والحقيقة أن تركها أولى، مثل تسلسل الشياطين في رمضان، فتسلسل بمعنى تصفد، فمعلوم كيف تسلسل، ولكن بعض الشراح يقول: المراد من هذا التصفيد وهذه السلسلة أمر معنوي؛ لأنك عندما تجوع تضيق مجاري الشيطان في نفسك، فالمراد من التصفيد كناية عن تضييق مجاري الشيطان في نفس الإنسان! وهذا الكلام باطل قطعاً وجزماً، ما الذي أدراك؟ وهل استحال التصفيد الحقيقي؟ هل هو مستحيل حتى تتكلف هذا المعنى؟

    وقد سمعت مرة بعض الإخوة يخطب الجمعة يقول هذا وهو ممن يدرس التوحيد، فقلت: سبحان الله! ها أنت في جميع دروسك تنهى عن التأويل، ثم جئت تذكر التأويلات والأباطيل على المنبر، وقال: هذا مذكور في كتب الحديث، قلت: يا أخي! أما عندك إدراك، وإذا كان موجوداً حتى في الفتح مثل هذا التأويل، فكيف يدرك العقل المغيبات؟ يعني: أن تسلسل الشياطين وتصفد مثل: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] تماماً، كما نقول هناك: إقرار وإمرار، لله يدان سبحانه وتعالى تناسبان ذاته لا ندرك كنههما ولا كيفيتهما ولا حقيقتهما، فتسلسل الشياطين وتصفد بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها، هل هذا مستحيل؟ قال: لا، قلت: فلم تقول: هذا كناية عن كذا، ما الذي أدراك؟

    إذا وقفت أمام النبي عليه الصلاة والسلام وقال لك: يا فلان! كيف قلت: إن كذا وكذا معنى ما قلته، من الذي أطلعك؟ فبأي جواب ترد؟ قل آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا داعي للتكلف في أمور الغيب؛ لأن ذلك من الشطط وإدخال العقل فيما لا يعنيه.

    حد الصغائر والكبائر وما الذي يكفره الوضوء

    إن الوضوء يزيل الخطيئات، ويمحو السيئات، ويذهب الزلات، وكما قلنا: نص الحديث ومعناه يدل على هذه القضية بلا خلاف، وهذه المسألة لأئمتنا الكرام نحوها وفيها اجتماع وافتراق، أما الاجتماع فقد أجمع أهل الإسلام على أن الوضوء يكفر صغائر الذنوب والخطايا.

    وتعريف الذنب الصغير: هو كل جرم ليس عليه عقوبة مقدرة في الدنيا، وليس عليه وعيد شديد في الآخرة، ويقال عنه: هذا من اللمم، كنظرة أو هذيان أو قيل وقال، وما شاكل هذا من قبلة أو لمس فكل هذه صغائر، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.

    ولا يوجد ذنب -صغيرة أو كبيرة- إلا وعليه وعيد، لكن على الكبيرة وعيد شديد، إما بلعنة أو بذكر الغضب، أو المقت، أو السخط، أو العذاب الأليم، أو الخلود في نار الجحيم، فهذه عقوبة فظيعة، فقول الله -مثلاً- في الربا: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( ودرهم ربا أعظم وأشنع من ستة وثلاثين زنية )، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( الربا اثنان وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه )، وهذا في منتهى التشنيع على صاحبه، فهو كبيرة مع أنه ليس فيه حد مقدر في الدنيا، والسرقة فيها حد مقدر، فمن سرق ما قيمته ربع دينار فإنه تقطع يده، وأما الربا فقد يرابي بملايين وليس في ذلك قطع يد، لكن عقوبة الربا شديدة أليمة فظيعة في الآخرة، والأصل في العقوبات أن تكون في الآخرة، وموضوع العقوبات وما فيها من حكم وأسرار، وضابط الكبيرة والصغيرة، كل هذا يأتينا إن شاء الله في كتاب الحدود، إنما الآن نأخذ هذا التعريف للكبيرة والصغيرة والذي ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما واختاره سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل ، وهو المقرر عندنا في كتب التوحيد كما في شرح الطحاوية وغيره قال: الكبيرة: كل ما فيه وعيد شديد في الآخرة، أو عقوبة مقدرة في الدنيا، والصغيرة ما دون الحدين، يعني: ليس فيه عقوبة شديدة في الآخرة، وليس فيه حد مقدر في الدنيا.

    وهنا مسألة: عندنا صغائر وكبائر وهي إما متعلقة في حق الله أو حق العباد، فما الذي سيكفره الوضوء منها؟

    والجواب: لا خلاف بين أهل الإسلام بأن الوضوء يكفر الصغائر، فإذا نظر، أو قبل، أو صدر منه هذيان أو غناء أو ما شاكل هذا، مما لا يصل إلى حنث، أما القذف فإن فيه حد مقدر في الدنيا، ووعيد شديد في الآخرة، وقذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، فإذا سببت إنساناً فهذا معصية، ولكن لم تصل إلى حد القذف، كأن عيرته بخصلة من خصال الجاهلية فهذه معصية، تكفر بالوضوء وبالطاعات، هذا محل الاتفاق، وثبت في مسند أحمد وصحيح مسلم وسنن الترمذي ، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر )، وفي رواية: ( ما لم تغش الكبائر )، أي: تفعل من الغشيان، إذاً: عندنا هنا قيد، وهو أن الصغائر هي التي تكفر، والمعنى: إن هذه الطاعات مكفرات لما بينهن، من الصغائر ما لم تفعل كبيرة، فإن أتى كبيرة فالطاعات لا تقوى على التكفير والتغيير والإزالة كما هو نص هذا الحديث.

    وحكى الإجماع على أن الطاعات من وضوء وغيره تكفر الصغائر، ابن عبد البر كما في جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب الحنبلي في صفحة تسعٍ وخمسين ومائة، وإذا كانت هذه المسألة محل إجماع واتفاق فلا داعي للإفاضة في تقريرها، فهي مجمع عليها.

    أما الذنوب التي ليست بصغائر، بل هي كبائر، وأكبر الكبائر الشرك فحكمه متفق عليه كالصغيرة، فالوضوء لا يكفر الشرك والكفر، إذ لابد من أن يقلع عن الشرك، وأن يتوب إلى ربه جل وعلا، فالله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، كمن يعبد غير الله، فيحكم بغير ما أنزل الله، أو يطوف حول قبر، أو يعمل عملاً يدخله في الشرك، كمن يستغيث بغير الله، فهذه الأمور إذا أتبعها بوضوء وصلاة وصيام، لا تنفعه صلاته ولا طاعاته ولا أثر لها على الإطلاق؛ لأنه من يشرك بالله فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين، فالنصارى عندما يؤمنون بالله ويشركون به هل ينفعهم إيمانهم؟ حتماً لا ينفعهم.

    1.   

    أقسام الكبائر ومكفراتها

    إن الكبائر قسمان: كبائر متعلقة بحق الله، وكبائر متعلقة بحق العباد، فلنأخذ القسم الأول:

    الكبائر المتعلقة بحق الله جل وعلا من زنا، وشرب خمر، وفطر في رمضان، وترك لبعض الصلوات، وغيرها مما فيه وعيد في الآخرة، أو عقوبة مقدرة في الدنيا، عند جمهور أهل السنة، وهو قول المذاهب الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد عليهم جميعاً رحمة الله، أن الطاعات لا تكفرها، ولا بد من توبة نصوح، وخالف في ذلك ابن حزم وابن المنذر ، وهو الذي يفهم من كلام ابن تيمية ، وقالوا: إن الطاعات تكفر الخطيئات صغيرة كانت أو كبيرة.

    إذاً: قول جمهور أهل السنة، أن هذه الكبائر المتعلقة بحق الله جل وعلا لا تكفرها الطاعات، ولا بد لها من توبة بخصوصها، أن يقلع منها، وأن يستغفر، وأن يندم، وأن يعزم أن لا يعود، وإذا لم يفعل هذا، فلا تنفعه الطاعات في تكفير هذا الذنب وتغييره مهما فعل من طاعات وخيرات، وحجتهم في ذلك عدة أمور:

    أولها: قالوا: أمر الله بالتوبة في آيات من القرآن، وتوارد في ذلك الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، وأجمعت الأمة على أن التوبة إلى الله جل وعلا فرض، وهذا الفرض لا يتأتى إلا بنية وقصد، فمن فعل معصية الزنا -مثلاً- ثم صلى وصام رمضان، ولكنه ما استغفر ربه، وما ندم على فعله الزنا، وما عزم على عدم العود، أي: أنه لم تحصل منه نية التوبة، فلا زال فرض التوبة من الزنا في رقبته، فرض لا يتأدى إلا بنية، والأعمال بالنيات، فإذاً: طاعته لا تكفر خطيئته.

    الدليل الثاني: قالوا: أخبر الله جل وعلا في كتابه أن من لم يتب فهو ظالم، فإذا كان ظالماً كيف ستكفر طاعته ظلمه وهو ظالم بنص القرآن؟ يقول الله جل وعلا في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات:11]، انتبه للقضية الشرعية، وهذه الحقيقة الجلية: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11]، فكل من لم يتب إلى الله فإنه ظالم وصف يلازمه مهما عمل من طاعات؛ لأن التوبة فرض، فكيف سيزول عنه الظلم بوضوئه وصلاته وصومه وحجه؟! والآية في منتهى الصراحة والوضوح: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11].

    الدليل الثالث عند جمهور أهل السنة: يقولون: لو كانت الموبقة تكفر بالطاعات لما احتيج إلى التوبة، فمن يفعل كبيرة ثم يعقبها بطاعة، زال عنه إثمها ووعيدها، ما دامت المعصية تزول بلا توبة، إذاً: باب التوبة كله من أوله إلى آخره لا داعي لذكره في شريعة الله المطهرة، لا في الآيات ولا في الأحاديث.

    الدليل الرابع، وهو من الأدلة القوية والأركان في هذه المسألة: قالوا: لو كانت الموبقات تغفر بالطاعات لفتحنا باب الإرجاء الذي يدندن حوله المرجئة، وهو أنه لا يضر مع الإيمان خطيئة وذنب، وهنا بما أنه يقوم بالطاعات، فمهما فعل من الموبقات فلا حرج عليه، فنحن بهذا نفتح باب الإرجاء ونوافق المرجئة، وإن كنا لا نوافقهم في جميع مذهبهم على هذا القول، لكن وافقناهم بأن هذه الخطيئات وهذه الموبقات زالت بالطاعات كما يقولون: بالإيمان يزول كل خطيئة.

    ولهذه الأمور الأربعة نقول: إن الطاعات لا تكفر الكبائر الموبقات، إذ لا بد لها من توبة نصوح صادقة مخلصة، وأما من خالف هذا فإن عندهم ما يشكل على قولهم ويعكر عليه، أورده إن شاء الله فيما يأتي، وأبين أنه لا دلالة في الأدلة التي ذكروها على قولهم، والعلم عند الله جل وعلا.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.