إسلام ويب

شرح الترمذي - مقدمات [10]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان للإمام الترمذي من تأليف كتابه الجامع ثلاثة أغراض، هي: جمع الأحاديث بطرقها المختلفة في مكان واحد، وذكر ما يتعلق بها من علوم الحديث، وبيان المسائل المستنبطة من هذه الأحاديث مع ذكر أقوال الفقهاء، ولهذا أثنى أهل العلم على كتابه السنن، بل قدمه بعضهم على الصحيحين، وقد افتتح الترمذي كتابه بالبسملة اتباعاً للسنة ثم بدأ كتابه بذكر أبواب الطهارة.

    1.   

    غرض الإمام الترمذي من تأليف كتابه الجامع

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! فهذا هو الدرس العاشر في المقدمة التي قدرت لها خمسة دروس وإن طالت فلن تتجاوز الدرس العاشر إن شاء الله، وسننتهي بعون الله جل وعلا من مدارسة المقدمة في هذه الليلة المباركة، ثم نقرأ ما تيسر من الكتاب المبارك وهو جامع الإمام الترمذي المعروف بسنن الترمذي عليه وعلى أئمتنا والمسلمين جميعاً رحمة الله جل وعلا.

    إخوتي الكرام! كان آخر شيء تدارسناه في المقدمة ما يتعلق بغرض الإمام الترمذي ومقاصده من تأليف كتابه الجامع أو السنن، وقلت: إن غرضه من جمع هذا الكتاب وتصنيفه ثلاثة أمور:

    الغرض الأول: جمع الحديث ليستنبط منه الأحكام الفقهية

    أولها: الحديث من حيث الناحية الفقهية، أي: أنه جمع الحديث ليستنبط منه أحكاماً يقررها، وهو بهذا تأثر بشيخه الإمام البخاري عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا، لكن بينه وبين شيخه فارق في هذا الأمر، فالإمام البخاري جمع الحديث ليدلل به على فقهه وعلى استنباطه؛ ولذلك قال أئمتنا: فقه البخاري في تراجمه أي: يظهر فقهه واستنباطه ومأخذه للأحكام في تراجم أبوابه، فالإمام البخاري يورد الترجمة ثم يدلل عليها بآيات القرآن وبما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وأحياناً بأقوال السلف الكرام.

    فالإمام الترمذي تأثر بشيخه البخاري في هذا الأمر، فأورد الأحاديث، واستنبط منها الأحكام، وذكر منها أحكاماً عزاها إلى أئمة الإسلام الذين استنبطوها، وملأ كتابه -كما سيأتينا- بالنقول عن أئمة المسلمين، لا سيما ستةً منهم كان ينقل عنهم بالإسناد إليهم -كما بين هذا في كتابه (العلل) الملحق بكتابه الجامع، وهم: سفيان الثوري ، ومالك بن أنس ، وعبد الله بن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق بن راهويه عليهم جميعاً رحمة الله، ونقل عن غيرهم -كما سيأتينا- كثيراً، لكن هؤلاء امتاز بالنقل عنهم أكثر، ثم روى إسناده إليهم عندما ينقل عنهم.

    هذا الغرض الأول من تأليف الإمام الترمذي لسننه.

    الغرض الثاني: ذكر الحديث باختلاف طرقه ورواته في مكان واحد

    الأمر الثاني: أن يجمع الأحاديث وأن يشير إلى طرقها واختلاف رواتها، وتعدد رواياتها في مكان واحد، وقد تأثر في هذا المسلك بشيخه الثاني الإمام مسلم رحمه الله فهو تأثر بشيخيه البخاري ومسلم في طريقة التصنيف، فالإمام البخاري لا يجمع روايات الحديث وطرق الحديث في مكان واحد وإنما يفرقه في كتبه، بينما الإمام مسلم امتاز عنه في هذا الأمر -كما تقدم معنا- فيجمع الأحاديث التي هي في موضوع واحد، ويورد الحديث من عدة طرق، ولا يذكر أحياناً لفظه إلا أنه يروي الحديث ثم يقول: وحدثناه فلان وفلان ثم يورد الأسانيد في مكان واحد بحيث تقف على عدة أسانيد لحديث واحد، وعدة أحاديث لموضوع واحد، فالإمام الترمذي فعل هذا أيضاً في كتابه الجامع سنن الترمذي ، وهذه ناحية حديثية نافعة لطالب العلم عندما يقف على طرق الحديث ورواياته وعلى الأحاديث التي بمعناه وتشهد له، وإذا كان في الحديث أحياناً شيء من الضعف يزول هذا الضعف وينجبر عندما تقف على الطرق المتعددة.

    وهذه ناحية حديثية معتبرة سلكها الإمام مسلم عليه رحمة الله؛ ولذلك أئمتنا يقولون: فلان لم يرو له مسلم في الأصول إنما روى له في الشواهد والمتابعات، فالإمام مسلم كان يتساهل في الرواية عن بعض الرواة في الشواهد والمتابعات ما لا يفعله في الأصول، فلا يروي في أصل الباب -أي: الأحاديث التي هي أصل عنده- إلا من طرق الأئمة اللذين بلغوا أعلى درجات التوثيق، ثم ينزل أحياناً كما فعل في محمد بن إسحاق -وحديثه في درجة الحسن- فكان يروي عنه لكن مقروناً بغيره في الشواهد والمتابعات، فلا يخرج له في الأصول، وهذه هي الصناعة الحديثية، عندما يورد الحديث من عدة طرق يظهر لك حقيقة ضبطه وإتقانه، وأنه لا خلل فيه، ولا احتمال للخلل عندما تتعدد الطرق وتكثر، هذا أيضاً مقصود ثانٍ للإمام الترمذي من جامعه أو سننه.

    الغرض الثالث: ذكر ما يتعلق بالحديث من قواعد المصطلح

    والأمر الثالث لعله انفرد به من بين المحدثين، ولا توجد هذه الميزة في غير كتاب جامع الترمذي ، وهي: أنه جمع الأحاديث في هذا الكتاب، وأراد أن يبين عند جمعه لها ما يتعلق بهذه الأحاديث من قواعد المصطلح، وفن الجرح والتعديل، وهذا قل أن تقف عليه في كتاب كما هو موجود في كتاب الإمام الترمذي ، فالناحية الأولى فقهية والناحية الثانية حديثية، ثم جاء بعد ذلك إلى ما يتعلق بعلوم الحديث ومصطلحه فتكلم على هذه الناحية وأسهب فيها.

    وهذا الكتاب انفرد بهذه الناحية الثالثة كما انفرد بالناحية الأولى فجمع أقوال أئمة الإسلام في هذا الكتاب، ثم بعد ذلك تكلم على قواعد علم المصطلح، فلذلك تكلم على الرجال وعلل الحديث، وبين درجة كل حديث حسب قواعد علوم الحديث.

    ويعتبر كتاب جامع الترمذي أول كتاب وصلنا في علم المصطلح، وفي علوم الحديث، كما يعتبر أول كتاب وصلنا في الموسوعة الفقهية والفقه المقارن.

    أئمتنا في كتب المصطلح يقولون: أول من ألف في علم المصطلح أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ، الذي توفي سنة ستين وثلاثمائة، لكنه لم يستوعب قواعد هذا العلم، وأنا أقول: قد سبقه إلى التأليف في هذا العلم الإمام الترمذي الذي توفي سنة تسع وسبعين ومائتين للهجرة، فهو قبله، فنوه بقواعد علوم الحديث ومصطلحه في كتابه من أوله إلى آخره.

    ويقولون: ثم تلاه الحاكم فألف كتابه معرفة علوم الحديث، لكنه لم يرتب، وجاء بعده أبو نعيم فترك أشياء للمتعقب، ثم جاء بعدهم الإمام الخطيب البغدادي فما ترك فناً من فنون مصطلح الحديث وعلومه إلا وألف فيه كتاباً مستقلاً؛ ولذلك جميع المحدثين بعده عيال على كتبه.

    أما الرامهرمزي فتوفي سنة ستين وثلاثمائة، وأما الحاكم فسنة خمس وأربعمائة، وأما أبو نعيم فسنة ثلاثين وأربعمائة، وأما الخطيب البغدادي فتوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة عليهم جميعاً رحمة الله، وأقدم هؤلاء الإمام الترمذي .

    نعم لم يجمع الترمذي هذه القواعد في كتاب مستقل، ولا رتبها، والرامهرمزي فعل مثله تقريباً، فكتابه بدون ترتيب وبدون جمع واستقصاء، نعم استقرت بعد ذلك كتب المصطلح في كتب خاصة مرتبة، كما كان ذلك في القرن الخامس للهجرة، لكن الإمام الترمذي هو من فتح الباب لهذه السعة وهذا الإحكام وهذه الدقة كما سيأتينا، فكتابه أول كتاب في المصطلح، وأول موسوعة فقهية، وأول كتاب في الفقه المقارن، وهذان الأمران انفرد بهما جامع الترمذي عن سائر كتب الحديث.

    والإمام الترمذي في كتابه العلل كأنه اعتذر عن هذا المسلك وأراد أن يلتمس لنفسه مبرراً في فعله؛ لأنه فعل ما لم يسبق إليه، فقال في كتاب العلل في الجزء التاسع، صفحة ست وثلاثين وأربعمائة في الطبعة الشامية الحمصية: (وإنما حملنا على ما بينا في هذا الكتاب من أقوال الفقهاء وعلل الحديث). هذان أمران انفرد بهما، أما الحديث من حيث الصناعة الحديثية وتتبع الطرق فهذا قد سبقه إليه محدثون كثر وأولهم الإمام مسلم رحمه الله، فلذلك ما نوه الإمام الترمذي بهذا الأمر، يقول: حملنا على جمع أقوال الفقهاء والكلام على علل الحديث؛ لأنا سئلنا عن هذا زماناً فلم نفعله، أي: سألنا طلبة العلم مراراً أن نجمع أقوال الفقهاء عند كل حديث، وأن نبين من ذهب إليه وأخذ به، وأن نتكلم على علل الحديث فلم نفعله، يقول: (ثم فعلناه لما رجونا فيه من منفعة الناس، ووجدنا غير واحد من الأئمة تكلف في التصنيف فيما لم يسبق إليه) أي أن هناك عدداً من الأئمة، صنفوا أشياء لم يسبقوا إليها فنحن وإن لم نسبق إلى مثل هذا التصنيف فلنا أسوة فيمن سبقنا عندما ألفوا ما لم يسبقوا إليه، ثم ذكر أمثلة كالإمام مالك عندما صنف موطأه وهو لم يسبق إلى ذلك، والإمام عبد الله بن المبارك عندما ألف كثيراً من الكتب منها كتاب الزهد ولم يسبق إليه، فهؤلاء فعلوا أشياء لم يسبقوا إليها رجاء نفع الناس والأجر عند ربنا، فنحن -إذاً- نقتدي بهم في هذا الفعل فنذكر أقوال الفقهاء ونجمعها في كتابنا، ونتكلم على علل الحديث وإن لم نسبق إلى ذلك.

    يقول: (فجعل الله في تلك الكتب منفعةً كبيرة، ولهم في ذلك الثواب الجزيل عند الله الجليل، ولنا فيهم قدوة).

    1.   

    ثناء أهل العلم على جامع الترمذي

    ذكرت سابقاً أن جامع الترمذي يمتاز بأمرين اثنين لا يوجدان في كتاب: جمع أقوال الفقهاء وبيان علل الحديث، والتنويه بقواعد علوم الحديث عقب الحديث، أما جمع الحديث في مكان واحد فهذا موجود في سائر كتب المحدثين، وبسبب هاتين الميزتين فضل عدد من أئمتنا كتاب الترمذي على الصحيحين: البخاري ومسلم ، لا من حيث الصحة والمكانة، إنما من حيث الفائدة المرجوة، فطالب العلم إن قرأ جامع الترمذي يستفيد ما لا يستفيده من قراءة صحيح البخاري ، فهناك سيقرأ حديثاً يدل على استنباط رآه الإمام البخاري دون غيره من الفقهاء، فـالبخاري لا يذكر أقوال الفقهاء، ولم يذكر قواعد علوم الحديث من باب أولى، وهكذا صحيح مسلم يجد حديثاً من حيث الصناعة الحديثية ما أجمله وأحسنه! جمع للطرق والروايات في مكان واحد، لكن بلا فقه، وبلا قواعد حديث.

    وأما هنا فسيجمع الطالب هذه الفوائد مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثناء شيخ الإسلام الهروي على جامع الترمذي

    قال شيخ الإسلام الإمام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي الأنصاري صاحب كتاب منازل السائرين الذي شرحه الإمام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين، المتوفى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة للهجرة، قال: (جامع الترمذي أنفع عندي من الصحيحين، ثم علل هذا فقال: لأنه لا يقف على الفائدة في الصحيحين إلا المتبحر العالم، وأما سنن الترمذي فيصل إلى الفائدة المرجوة منه كل أحد)، فطالب العلم عندما يقرأ الحديث يرى أقوال الفقهاء واستنباطهم من هذا الحديث، ثم يرى بعد ذلك تعليق الإمام الترمذي على الحديث صحةً وتوثيقاً، ويتكلم على قواعد علوم الحديث بعد ذلك، ففائدته يصل إليها كل أحد، وأما الفائدة في الصحيحين فلا يصل إليها إلا المتبحر العالم.

    ثناء ابن العربي على جامع الترمذي

    وقد أثنى عدد من أئمتنا على كتاب الإمام الترمذي لامتيازه بهذه الأمور.

    قال الإمام أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي في أول شرحه لسنن الترمذي ، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة للهجرة، يقول في الجزء الأول صفحة خمسة: (اعلموا أنار الله أفئدتكم، أن كتاب الجعفي - يعني كتاب الإمام البخاري - هو الأصل الثاني في هذا الباب -يعني من كتب علوم الحديث والسنة- وأن موطأ الإمام مالك هو الأول واللباب -أي: هو الأول في التصنيف، وهو الذي افتتح الباب للتصنيف وجمع حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام- وعليهما بناء الجميع -يعني: من جاء بعد الإمام مالك والبخاري تأثر بهذين الإمامين وصنف وجمع كـأبي الحجاج مسلم القشيري ، والإمام الترمذي - وليس فيهم مثل الإمام الترمذي ، حلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علماً، وذلك أقرب إلى العمل وأتبع -عدوا هذه العلوم- أسند، وصحح، وضعف، وعدد الطرق، وجرح، وعدل، وأسمى -أي: ذكر أسماء الرواة- وأكنى -ذكر كناهم- ووصل، وقطع، وأوضح المعمول به، وأوضح المتروك، وبين اختلافهم في رد الحديث وقبوله، وبين اختلافهم في تأويله وتفسيره، هذه أربعة عشر علماً في سنن الإمام الترمذي ، وكل علم من هذه العلوم أصل في بابه، وفرد في نصابه، فالقارئ له لا يزال في رياض مونقة، وعلوم مثقفة منسقة، وهذا شيء لا يعمه إلا العلم الغزير، والتوفيق الكثير، والفراغ والتدبير) أي: كان الإمام الترمذي عنده علم ووقت وتوفيق من الله جل وعلا، حتى جمع هذه العلوم الأربعة عشر في جامعه.

    ثناء ابن الأثير على جامع الترمذي

    وهكذا الإمام ابن الأثير صاحب كتاب جامع الأصول الذي توفي سنة ست وستمائة للهجرة، وهو يقصد بالأصول الأصول الستة، وهي الأصول الخمسة المتفق عليها بزيادة الموطأ؛ لأنه زاد الموطأ بدل سنن ابن ماجه ، وهذا الكتاب من الكتب النفيسة التي ينبغي أن يقتنيها طالب العلم، خاصة التي بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرنؤوط ففيها خير كثير، فكل ما في الكتب الستة من الصحيحين والسنن الثلاثة مع موطأ الإمام مالك موجود في هذا الكتاب، وهو في أحد عشر مجلداً، بحذف الأسانيد والاقتصار على الصحابي الراوي، ثم تبيين بعد ذلك منزلة كل حديث على وجه الاختصار في الحاشية، فهو كتاب نافع، وفيه خير كثير.

    يقول هذا في بيان منزلة كتاب الإمام الترمذي الذي ضمن أحاديثه في كتابه جامع الأصول في الجزء الأول صفحة ثلاث وتسعين ومائة: (وهذا كتابه الصحيح) يعني: الجامع الصحيح، ويقال له: جامع الترمذي ، وقوله: الصحيح من باب الغالب، (أحسن الكتب وأكثرها فائدةً، وأحسنها ترتيباً، وأقلها تكراراً، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب العلل، قد جمع فيه فوائد حسنةً لا يخفى قدرها على من وقف عليها).

    1.   

    وصف الإمام الترمذي لكتابه

    قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: (صنفت هذا الكتاب وعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعلى علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم).

    هذا فيما يتعلق بغرض الإمام الترمذي ، ومقصوده من جامعه أن يجمع لنا ثلاث فوائد عظيمة نستفيدها من هذا الجامع عندما نقرؤه.

    الأمور التي تثبت بها صحة الحديث

    قبل أن ننتقل إلى قراءة شيء من كتاب الإمام الترمذي أحب أن أنبه إلى أمر في آخر هذه المقدمة، وهو أن الأحاديث الموجودة في جامع الإمام الترمذي وفي سائر كتب السنة إلا في الصحيحين والكتب التي التزم أصحابها ألا يوردوا فيها إلا ما كان صحيحاً، لا يجوز للإنسان أن يستدل بحديث منها على أمر من الأمور إلا إذا ثبتت صحته، والصحة تثبت بأحد أمرين: إذا كان من العلماء الماهرين المحققين فليدرس الإسناد وليتكلم على صحته حسبما يليق بحاله، وإلا فإذا سبقه إمام إلى تصحيح الحديث فيكفيه أن يقلده، وإلا فلا ينبغي أن يستدل به خشية أن يكون الحديث غير ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فيستدل بما لم يثبت، وهذا حرام شرعاً.

    أما الصحيحان فلا يحتاج إلى البحث عن صحة ما ورد فيهما، فكل ما فيهما صحيح ومقطوع بصحته وبثبوت نسبته إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، ويبقى ما عداهما لا بد من التنصيص على صحته، ولذلك قال أئمتنا كما قال الإمام العراقي في ألفيته مبيناً من أين يؤخذ الحديث الصحيح الزائد على الصحيحين:

    وخذ زيادة الصحيح إذ تنص صحته أو من مصنف يخص

    بجمعه نحو ابن حبان الزكي وابن خزيمة وكالمستدرك

    على تساهل وقال ما انفرد به فذاك حسن ما لم يرد

    بعلة والحق أن يحكم بما يليق والبستي يداني الحاكم

    ومراد الإمام العراقي عليه رحمة الله من هذا الكلام أن صاحبي الصحيحين: الإمامان البخاري ومسلم لم يستوعبا في صحيحيهما كل الأحاديث الصحيحة.

    وعليه: إذا أراد طالب العلم أن يأخذ الحديث الصحيح من غير الصحيحين فإذاً هو في حالتين:

    الحالة الأولى: أن يأخذ الحديث الصحيح من غير الصحيحين من كتب اشترط مؤلفوها ألا يوردوا فيها إلا الصحيح، كصحيح ابن خزيمة ، وصحيح ابن حبان ، ومستدرك الحاكم .

    الحالة الثانية: الكتب الأخرى، ككتب السنن، مثل سنن الترمذي وغيره، والمسانيد والمصنفات وغيرها من الكتب الحديثية الأخرى التي لم يشترط فيها جامعوها الصحة، فكان فيها الصحيح والحسن والضعيف بأقسامه، فينبغي على طالب العلم نحو تلك الأحاديث -إن كان عنده قدرة على التصحيح والتضعيف- أن يبذل جهده للوقوف على درجة الحديث، فإن كان صحيحاً أخذ به واحتج به، وإذا لم يكن عنده القدرة على ذلك وجب عليه أن يقلد الأئمة الذين سبقوه في التصحيح والتحسين والتضعيف، وهذا هو مراد الإمام العراقي من هذه الأبيات في ألفيته، فقد قال:

    (وخذ زيادة الصحيح إذ تنص صحته) أي: نص على صحته من قبل إمام من أئمة الحديث.

    (أو من مصنف يخص) يعني: يختص هذا المصنف بجمع الحديث الصحيح، (نحو ابن حبان الزكي) يعني كتاب صحيح ابن حبان المسمى بالأنواع والتقاسيم.

    (وابن خزيمة)، يعني: كتاب صحيح ابن خزيمة ، (وكالمستدرك): وهو مستدرك أبي عبد الله الحاكم ، عليهم جميعاً رحمة الله.

    (على تساهل)، يعني: تساهل الحاكم في مستدركه.

    عندما يأتي الفعل بصيغة المفرد، مثل: قال، أو أن يكون هناك ضمير للغيبة كقوله: هو، فالإمام العراقي يريد به في ألفيته ابن الصلاح ، فقوله: (وقال)، يعني: قال ابن الصلاح في علوم الحديث؛ لأن الإمام العراقي نظم علوم الحديث للإمام ابن الصلاح في ألفيته، (ما انفرد)، يعني: الحاكم ، ما انفرد به فذاك حسن ما لم يرد بعلة، أي: أن الإمام ابن الصلاح يرى أن ما أخرجه الحاكم وصححه ولم يرد الحديث لوجود علة في الإسناد، فنحن نتوسط في أمر الحاكم ، فلا نعتبر تصحيحه ولا نرده إنما نتوسط فننزله إلى درجة الحسن بسبب تساهل الحاكم .

    ثم قال العراقي معقباً على كلام ابن الصلاح : (والحق أن يحكم بما يليق) يعني: المعتمد أننا نعامل أحاديث المستدرك على حسب حالها، فإن كانت صحيحةً فهي صحيحة، وإن كانت حسنةً فهي حسنة، وإن كانت ضعيفةً فهي ضعيفة، كل هذا حسب حال الإسناد.

    (والبستي) يعني: الإمام ابن حبان ، (يداني الحاكم )، أي: يقرب منه في التساهل، وهذا الكلام من الإمام العراقي عليه رحمة الله حوله -كما قال أئمتنا- مؤاخذة لطيفة، فالإمام ابن حبان البستي ما تساهل في كتابه، إنما شرطه -فقط- خفيف، بمعنى: أنه وضع شرطاً خفيفاً والتزم به. وأما الإمام الحاكم فقد وضع شرطاً قوياً، وهو تخريج الأحاديث الصحيحة على شرط الشيخين أو هي صحيحة لكنها ليست على شرطهما، لكنه ما التزم بشرطه، وله عذر في ذلك؛ لأنه أملى كتابه من صدره ثم توفي قبل أن يبيضه وينظر فيه.

    أما ابن حبان فشرطه خفيف مع التزامه به؛ لأنه يرى قبول الراوي المجهول إذا روى عن ثقة، وروى عنه الثقة، ويعتبر أن هذا الحديث مقبول مع جهالة هذا الراوي، وهكذا يرى أن الراوي تزول عنه جهالة العين إذا روى عنه راو واحد فقط، هذا مذهبه، وفيه توسع -كما قال أئمتنا- غير مرضي، لكن هذا التوسع هو مذهبه والتزم به، ولذلك قال الإمام السيوطي في ألفيته:

    ما ساهل البستي في كتابه بل شرطه خفَّ وقد وفىّ به

    وخلاصة الكلام: ما في صحيح ابن خزيمة كله صحيح إلا إذا توقف في الخبر، وأحياناً يورده ويعلق بقوله: (إن صح الخبر) فهذا ليس له شرط الصحة عنده، وعليك البحث في إسناده.

    وابن خزيمة هو شيخ الإمام ابن حبان ، وقد توفي ابن خزيمة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة للهجرة، وأما بالنسبة لشرط ابن حبان فشرطه خفيف، فلا بد من النظر في الإسناد ومعرفة رأي الأئمة في إسناده، وقد توفي ابن حبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وأما الحاكم في المستدرك فقد وضع شرطاً قوياً، لكن له أحياناً مخالفات، فلا بد من النظر في إسناد أحاديثه، وقد توفي الحاكم سنة خمس وأربعمائة للهجرة.

    إذاً: تبين لنا أن الحديث إذا لم يكن في الصحيحين فيؤخذ تصحيحه: إما من تنصيص إمام على صحته، أو من وجوده في كتب تختص بجمع الحديث الصحيح، وأن من عنده قدرة على التصحيح والتحسين فليتقدم وإلا فلا يجوز أن يستدل بحديث في كتب السنن أو المسانيد أو غيرها إلا بعد الوقوف على حال هذا الحديث بأحد أمرين: إما عن بحث، وإما عن تقليد، فتقلد إماماً سبقك، على أن الإمام ابن الصلاح طوى باب التصحيح والتحسين في زمنه، وقال: لا ينبغي للمتأخرين أن يتكلموا في هذا؛ فعلل الحديث وأحوال الرواة لا يمكن أن يقف المتأخرون عليها على التمام.

    وعليه؛ فما علينا إلا أن نأخذ بأقوال المتقدمين، وأن نقف عند حدنا، وهذا الذي قاله مذهب له وإن خالفه بعد ذلك أئمتنا كشيخ الإسلام النووي والإمام العراقي وابن حجر وأئمة الإسلام قاطبةً، وقالوا: نبحث على حسب جهدنا، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    إذاً: ما في جامع الإمام الترمذي ينبغي أن ننظر إلى من صححه من أئمة الإسلام، وهذا ما سنراه في هذا الكتاب إن شاء ربنا الرحمن.

    منهج الطحان في شرح أحاديث جامع الترمذي

    إخوتي الكرام! الأحاديث التي سنقرؤها من كتاب جامع الإمام الترمذي سنتدارسها ضمن أربع نقاط موجزة:

    أولها: من حيث الإسناد، نتكلم على رجال الإسناد باختصار شديد لنقف على أحوال الرواة، ليكون عندنا علم بهم بشكل موجز.

    الأمر الثاني: ننتقل إلى معنى الحديث وفقهه والأحكام التي يدل عليها الحديث بشكل موجز إن شاء الله.

    الأمر الثالث: ننتقل بعد ذلك إلى بيان درجة الحديث، ومن خرجه من أئمتنا، ونتكلم على منزلته ومكانته.

    ثم نختم بالأمر الرابع: وهو ما ذكره الإمام الترمذي في آخر كل حديث بقوله: (وفي الباب)، أي: الروايات الأخرى التي أشار إليها دون أن يروي أسانيدها، فهو يقول: وفي الباب عن فلان وفلان وفلان، هذه كلها أحاديث، ما ذكر إسناداً لواحد منها، وقد ألف الحافظ ابن حجر كتاباً سماه (اللباب في قول الترمذي : وفي الباب). ولو وقفنا عليه لكان كنزاً ثميناً، لكن ما عندي علم عن هذا الكتاب، وعلى كل حال فالوقوف على هذه الروايات في كتب الحديث ميسور إن شاء الله، وسأبذل جهدي -إن شاء الله- في بيان تخريج تلك الروايات التي أشار إليها الإمام الترمذي ، فمثلاً روى الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، ثم قال: وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس وعمر رضي الله عنهم أجمعين، أي: ثلاث روايات، فأحقق من روى هذه الروايات من أئمتنا عليهم جميعاً رحمات ربنا.

    1.   

    افتتاح الترمذي جامعه بالبسملة دون الحمدلة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    قال أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي : أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    باب: ما جاء (لا تقبل صلاة بغير طهور).

    قال الإمام الترمذي عليه رحمة الله: حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال: حدثنا، كلمة: (قال) تحذف من الإسناد وتنطق عند القراءة فلينتبه لهذا.

    قال: حدثنا أبو عوانة ، عن سماك بن حرب، (ح)، وهنا ثلاث حالات في قراءة السند ينتبه لها، وهي:

    عن سماك بن حرب ، (ح).

    عن سماك بن حرب .

    وقال الإمام الترمذي : حدثنا هناد .

    قال: حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن مصعب بن سعد ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول).

    قال هناد في حديثه: (إلا بطهور)، يعني: لفظ الحديث في رواية هناد : (لا تقبل صلاة إلا بطهور)، والرواية التي ساقها: (لا تقبل صلاة بغير طهور)، قال أبو عيسى : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وفي الباب -هذه رواية أخرى سيشير إليها الإمام الترمذي- عن أبي المليح عن أبيه، وأبي هريرة ، وأنس .

    هذه ثلاث روايات. وأبو المليح بن أسامة اسمه عامر ، ويقال: زيد بن أسامة بن عمير الهذلي .

    هذا الحديث الأول والباب الأول من أبواب الطهارة.

    ذكر الروايات في الابتداء بالبسملة والحمدلة

    افتتح الإمام الترمذي كتابه ببسم الله الرحمن الرحيم، ولم يفتتحه بغير البسملة، فما ذكر حمدلةً ولا خطبةً في كتابه ولا شهادةً ولا صلاةً على النبي عليه الصلاة والسلام، إنما اقتصر على البسملة ثم دخل في أبواب الطهارة.

    وافتتاح الكتب بالبسملة أو بالحمدلة أو بأي شيء من ذكر الله جل وعلا جائز ومجزئ.

    وإليكم روايات الحديث الواردة في ذلك، ثم الجمع بينها على وجه الإيجاز إن شاء الله.

    أخرج أبو داود في سننه، وابن ماجه في سننه، والدارقطني في السنن، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وأبو عوانة في مستخرجه على صحيح مسلم ، وابن حبان في صحيحه، والحافظ عبد القادر الرهاوي في كتابه الأربعين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع)، وفي رواية: (لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع)، وفي رواية: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع)، وفي بعض الروايات: (فهو أجذم)، والجذام: آفة وعلة ومرض يصيب الإنسان، فيتناثر لحمه ويتساقط، يعني: لا بركة فيه فهو ممحوق من كل خير.

    والحديث في بعض رواياته كما في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي : (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع)، وفي بعض الروايات -وهذه الرواية ثابتة في المسند-: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر أو أقطع).

    والرواية الرابعة في كتاب الأربعين لـعبد القادر الرهاوي عليه وعلى أئمتنا رحمة الله: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم فهو أقطع أبتر ممحوق من كل بركة).

    إذاً: هذه أربع روايات، والحديث لكثرة رواياته وتعدد طرقه صححه عدد من أئمتنا منهم الإمام النووي شيخ الإسلام في كتابه الأذكار، في صفحة أربع وتسعين فحكم على الحديث بأنه في درجة الحسن، وصححه الإمام ابن حبان ، وحسنه الحافظ ابن الصلاح ، وأطال الإمام السبكي عليه رحمة الله في تقرير هذا الحديث وبيان طرقه في أول كتابه طبقات الشافعية، فذكر حول الحديث عشرين صفحةً متتاليةً، في بيان طرقه وتعدد رواياته، ومال إلى أن الحديث في درجة الحسن، فانظروا كلامه من صفحة خمسة إلى صفحة أربع وعشرين حول هذا الحديث وبيان من خرجه من أئمتنا، والجمع بين هذه الروايات.

    جمع العلماء بين روايات الابتداء بالبسملة والحمدلة وذكر الله

    لكن هل نبدأ بحمد الله أو بذكر الله أو باسم الله أو بحمد الله والصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ ما هو الجمع بين هذه الروايات؟

    الذي ذهب إليه أئمتنا في الجمع بين هذه الروايات -وهذا أحسن ما يقال في هذه الأحاديث- أن المراد من هذه الروايات أن نبدأ الأمور المهمة بالثناء على الله جل وعلا وذكره بأي صيغة كانت، فإذا حمدت الله من غير بسملة أجزأك، وإذا سميت من غير حمدلة أجزأك، وإذا سبحت في أول كتابك وعظمت الله أجزأك، وإذا ضممت إلى البسملة الحمدلة وخطبة والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أجزأك، وهذا أحسن الأمور، والاقتصار على بعضها جائز، والرواية العامة التي في المسند: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله)، فالمقصود أن تأتي بذكر الله.

    ولا يقال: هذا العموم بينته الروايات الخاصة، أي: ذكر الله بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، نقول كما قال الإمام السبكي عليه رحمة الله: لا يقال هذا؛ لأن العام إذا قيد بقيدين متنافيين يرجع إلى أصل الإطلاق وتلغى هذه القيود، ويكون هذا التقييد من باب التمثيل، لا من باب تقييد ذلك الإطلاق بهذه الصورة، وأصل الإطلاق (بذكر الله)، والتقييد في رواية بالحمد، وفي رواية بالبسملة، إن بدأت بالبسملة لم تبدأ بالحمدلة، وإن بدأت بالحمدلة لم تبدأ بالبسملة، إذاً: قيدان متنافيان لا يمكن الإتيان بهما معاً، إذاً نرجع إلى أصل الإطلاق.

    اختر ما شئت مما فيه ثناء على الله جل وعلا وتعظيم له، وهذا الذي فعله الله في كتابه، فأول سورة نزلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام ليس فيها حمدلة، وإنما فيها البسملة التي تتقدم كل سورة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، وكتب رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى الملوك الذين كان يخاطبهم في وقته ليس فيها حمد إنما فيها بسملة، ثم بعد ذلك بيان مضمون الرسالة، ففي الصحيحين كتاب النبي عليه الصلاة والسلام إلى هرقل عظيم الروم: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين)، إلى آخر الحديث، وما حمد النبي عليه الصلاة والسلام في الكتاب، نعم أكمل الأمور أن يأتي الإنسان بالبسملة ليبتدئ بها ابتداءً حقيقياً، ثم يثني بالحمدلة ليبتدئ بها ابتداءً إضافياً، ثم بعد حمد الله التي جاءت بعد البسملة يصلي على رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يشرع في بيان مقصود كتابه، إن فعل هذا فهذا أكمل وأحسن، وإذا لم يفعل فإذا أتى بأي ذكر وثناء على الله أجزأه، وهذا ما فعله إمام المحدثين أبو عبد الله البخاري ، فليس في صحيحه خطبة ولا تشهد ولا حمدلة ولا شيء، إنما ابتدأه بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال: كتاب الوحي، باب: بدء الوحي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وهكذا صنع الإمام الترمذي : بدأه ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يجزئ، وهذا صواب، وكما قلت: نرجع إلى أصل الإطلاق، ويكون التقييد من باب التمثيل لا من باب تفسير ذلك الإطلاق، وقصره على ما ورد في هاتين الروايتين، يعني: إما بسملة وإما حمدلة، فهذا لا يمكن، فالقيدان متنافيان.

    فما فعله الإمام الترمذي -وهو السني المتبع- هدى ورشاد، ولا اعتراض عليه بوجه من الوجوه.

    والإمام الدارقطني عندما أورد حديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله)، أورده في كتاب الصلاة من سننه، ويشير عليه رحمة الله إشارةً لطيفة وهي: أن الصلاة إذا لم نقرأ فيها الفاتحة لا تصح؛ لأنها أمر له بال وشأن، ولها خطر ومنزلة، فإذا لم نبدأها بالفاتحة ونقدمها على قراءتنا ونذكرها في كل ركعة من ركعات صلاتنا فلا تصح صلاتنا، فلعله يقصد هذا بذكر هذا الحديث في كتاب الصلاة من سننه.

    1.   

    إشارات حول قول الترمذي: أبواب الطهارة

    أما قول الإمام الترمذي : (أبواب الطهارة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام) فالأبواب: جمع باب، ومعنى الباب في اللغة: ما يتوصل به إلى غيره، هذا معناه في لغة العرب.

    وأما معنى الباب في الاصطلاح: فهو جملة من المسائل المتناسبة. فأبواب الطهارة جملة لمسائل متناسبة كلها ضمن الطهارة، فلا يذكر في هذه الأبواب أحكام الزكاة أو الحج، ومن باب أولى الأنكحة والبيوع.

    وقد خالف في هذا التبويب غالب الأئمة والمصنفين. الأصل أن غالب المصنفين والأئمة إذا أرادوا أن يجعلوا عناوين متعددة ضمن الترجمة، يجعلون العنوان الأصلي كتاباً، فيقولون: كتاب الطهارة، وهذا الذي فعله الإمام البخاري ، بينما الإمام الترمذي جعل بدل الكتاب أبواباً، ثم عدد تلك الأبواب، ولو أتى بـ(كتاب) لكان التعبير أدق، فيقول: كتاب الطهارة، كتاب الإيمان، ثم يأتي بعد ذلك بالأبواب باباً باباً لكنه جعلها أبواباً، ثم فصل الكلام عليها، وعلى كل فلا حرج، وهو أمر اصطلاحي لا محظور فيه، فأبواب الطهارة يساوي ما في كتب أئمتنا. والكتاب في اللغة: بمعنى الضم والجمع، فهو يضم ويجمع أموراً متعددة.

    وهو في الاصطلاح: عنوان لمسائل مستقلة، لا يتوقف تصورها لا على ما قبلها ولا على ما بعدها. فكتاب الطهارة لا صلة له بالبيوع، ولا صلة له بشيء آخر، فهو يحوي مسائل مستقلة، إذا أردت أن تتصورها فلا داعي أن تستحضر ما قبلها ولا ما بعدها.

    والكتاب إذا تعددت أنواعه نأتي فنجعل له أبواباً، والأبواب إذا تعددت فروعها ومسائلها نجعل لها فصولاً، فنتدرج من كتاب إلى باب، إلى فصل، هذا هو الأصل.

    فقوله: (أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم). أي: سيورد في هذا الكتاب في هذه الترجمة أبواباً متعددة تبين الطهارة التي هي ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    ترجمة رواة حديث: (لا تقبل صلاة بغير طهور)

    باب: ما جاء: (لا تقبل صلاة بغير طهور)، وكما قلت: سنتكلم على الإسناد بإيجاز:

    ترجمة قتيبة بن سعيد

    قتيبة بن سعيد : إمام علم مبارك، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة ثبت، من العاشرة. ومعنى قول الحافظ : من العاشرة. أي: أن الوفاة بعد سنة مائتين.

    وقد توفي سنة مائتين وأربعين.

    والحافظ في التقريب جعل الطبقتين الأولى والثانية قبل المائة، ومن الثالثة إلى آخر الثامنة بعد المائة ودون المائتين، ومن التاسعة إلى آخر الطبقات بعد المائتين، فكل من يأتينا يقول عنه من التاسعة فهو بعد المائتين، من الثالثة إلى نهاية الثامنة فوق المائة، الأولى والثانية دون المائة، فليحفظ هذا الاصطلاح.

    قتيبة بن سعيد شيخ الإمام الترمذي ، قال عنه بعد ذلك الحافظ في التقريب: ع م، يشير إلى أنه أخرج حديثه أهل الكتب الستة، عاش إحدى وتسعين سنة عليه رحمة الله.

    وهذا الإمام العلم وصفه الإمام الذهبي بأنه شيخ الإسلام وراوية الإسلام، وهو شيخ البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود ، هذا شيخهم مباشرةً وهم تلاميذه، وابن ماجه روى عن قتيبة لكن بواسطة الإمام أحمد والإمام الدارمي عليهم رحمة الله، فالإمام أحمد تلميذ لـقتيبة بن سعيد .

    والشيخ المباركفوري وهم في هذا الأمر فظن أن الإمام ابن ماجه لم يخرج لـقتيبة بن سعيد في سننه، فقال: وعنه الجماعة سوى ابن ماجه ، وكان ثقةً عالماً صاحب حديث، قوله: لم يرو عنه ابن ماجه وهم وخطأ، فهو من رجال ابن ماجه بلا خلاف، لكن ابن ماجه ما روى عنه مباشرةً، إنما روى عنه بواسطة الإمام أحمد والإمام الدارمي عليهم جميعاً رحمة الله، لكنه من رجال ابن ماجه ؛ لأنه لا يشترط أن يروي عنه ابن ماجه حتى يكون من رجاله، فالذين تقدموا على الإمام ابن ماجه من رجاله وإن لم يرو عنهم كالصحابة والتابعين، بمعنى أنه روى عنهم في كتابه، فـقتيبة بن سعيد حديثه مخرج في الكتب الستة، ولذلك عنون له الحافظ في التقريب ع م، أي: من رجال الجماعة الستة، وهكذا فعل الذهبي في السير وفي تذكرة الحفاظـ، توفي سنة أربعين بعد المائتين.

    ترجمة أبي عوانة اليشكري

    قال -يعني قتيبة بن سعيد -: حدثنا أبو عوانة ، هذه كنيته، واسمه وضاح اليشكري ، مشهور بكنيته، ثقة ثبت من السابعة، توفي سنة خمس أو ست وسبعين ومائة، أخرج حديثه أهل الكتب الستة.

    ترجمة سماك بن حرب

    عن سماك بن حرب ، سماك دون الشيخين المتقدمين، فهما ثقتان ثبتان، وهذا من مراتب التعديل الرفيعة، ولا يتقدمها إلا صيغة واحدة، وهي يعني أن يقال: إمام المسلمين، شيخ المسلمين، مثله لا يسأل عنه، أمير المؤمنين، ثم ما تكرر فيه ألفاظ التوثيق والتعديل: ثقة ثقة، ثقة ثبت، ثقة إمام، يعني لا يتقدمهم في المنزلة والدرجة إلا من يقال: إليه المنتهى في الإمامة، إليه المنتهى، إمام المسلمين.

    أما سماك بن حرب فقال عنه الحافظ في التقريب: صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وتغير بآخره، أي: في آخر حياته وفي آخر عمره اعتراه تغير واختلاط، وبدأ إذا حدث يخلط ويخطئ، وهو من الطبقة الرابعة، أي: توفي سنة مائة وثلاثة وعشرين.

    قال الحافظ في التقريب: خت م4، خت يعني: روى له البخاري تعليقاً في صحيحه، وروى له الإمام مسلم في صحيحه، وهو من رجال السنن الأربعة، قوله: صدوق، يعني الحافظ بهذا الاصطلاح أن حديثه في درجة الحسن.

    وعليه؛ إذا وجد لهذا الحديث شاهد أو شواهد، أو تابع هذا الراوي رواة آخرون فيما نقله عن شيخه، فالحديث يرتفع عندئذ من درجة الحسن إلى درجة الصحة، فالحديث إذا كان حسناً وروي له متابعات أو شواهد يرتقي من الحسن إلى الصحة، والعلم عند الله جل وعلا، ولذلك سيأتينا أن الإمام الترمذي صحح هذا الحديث وهو صحيح، وفيه سماك وهو صدوق، لكن للحديث شواهد كثيرة، وعليه صححه الإمام الترمذي والعلم عند الله جل وعلا، وحديث الصدوق يقبل عند المتابعة في شرط الحافظ ابن حجر في التقريب.

    في الرواية الأولى: قتيبة بن سعيد ، أبو عوانة ، عن سماك بن حرب ، (ح) أو أن تسكت فلا تقول شيئاً ثم تقول: وقال الإمام الترمذي : حدثنا هناد ، هذه الحاء هي للتحول والتحويل من إسناد إلى إسناد، فالإمام الترمذي روى الحديث عن شيخين من شيوخه، عن هناد وعن قتيبة بن سعيد ، اتفق الشيخان في الرواية عن سماك ومن بعده، فلا داعي أن يورد الإسناد كاملاً مرتين فيقول: حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال: حدثنا أبو عوانة عن سماك بن حرب ، عن مصعب بن سعد ، عن ابن عمر ، عن النبي عليه الصلاة والسلام ثم يورد الحديث، ثم يقول: وحدثنا هناد ... إلى آخره، فلما اتفقا في التحديث والرواية عن سماك أتى بكلمة (ح) ليحولك إلى إسناد آخر لهذا الحديث بحيث يلتقي الإسنادان عند سماك فمن بعده، وهذا اختصار كان يفعله أئمتنا الأبرار، وعليه كلمة (ح) إما أن تقول: (ح) أو تسكت، ثم تقول: وقال الترمذي : حدثنا هناد ، فإذاً: هي من التحويل، أو من الحائل الذي بين الإسنادين، وكان المغاربة ينطقونها إذا وصلوا إليها: الحديث، وهذه قراءة رابعة إضافة للثلاث السابق ذكرها.

    ترجمة هناد بن السري

    هناد هو الشيخ الثاني، وهذا بداية الإسناد الثاني للإمام الترمذي ، وهو الراوي الرابع، وهو هناد بن السري ، صاحب كتاب الزهد، مطبوع في ثلاثة مجلدات كبيرة، ثقة من العاشرة، فالأول قتيبة من العاشرة، وهذا كذلك من العاشرة، يعني ينبغي أن يكون بعد المائتين قطعاً؛ لأنه شيخ الإمام الترمذي ، وقد توفي سنة ثلاث وأربعين، بعد قتيبة بثلاث سنين، ثم رمز له الحافظ (ع خ م 4) أي: البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم ، وأهل السنن الأربعة، فهل عليه شيء كونه ليس على شرط البخاري ؛ لأنه لم يخرج له في صحيحه؟ لا، هو ثقة عدل رضا؛ ولإزالة هذا الوهم من الأذهان علق الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء على عدم رواية البخاري عن هناد في صحيحه فقال: أخرج له البخاري في غير الصحيح اتفاقاً لا اجتناباً، يعني: اتفق له أن أخرج له في غير الصحيح، ولم يتفق له أن يروي عنه في الصحيح دون أن يقصد اجتنابه، يعني وقع هذا اتفاقاً بدون قصد، فلعله ما له رواية عنه أو وجد رواية عنه انفرد بها، أو روى عن غيره ما يسد عن روايته دون أن يقصد تجنبه في الصحيح. وكان يقال له: حبر زمانه، وذكر من جده واجتهاده في العبادة ما نسأل الله أن يثيبه عليه، وأن يتقبله منه بفضله ورحمته، وراقبه مرةً بعض الناس، فبعد أن انتهى من موعظته بعد الفجر، جلس يصلي إلى قبيل الظهر، ثم لما دخل وقت النهي نشر المصحف وبدأ يقرأ فيه، حتى صلى الظهر، فقام يصلي إلى العصر، فلما صلى العصر نشر المصحف وبدأ يقرأ فيه حتى غربت الشمس، فقال هذا العبد الصالح لمن حول هناد : ما أشد اجتهاد شيخكم في طاعة الله وعبادته! قالوا: كيف لو رأيته في الليل؟! هناد حبر وراهب زمانه، رحمه الله ورضي عنه.

    ترجمة وكيع بن الجراح

    وحدثنا هناد ، قال: حدثنا وكيع . وهو: وكيع بن الجراح ، وهو الراوي الثاني في الإسناد الثاني، فهو شيخ شيخ الإمام الترمذي ، أي: شيخ هناد . قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة ثبت حافظ عابد، من كبار التاسعة، توفي سنة سبع وتسعين، ثم رمز له الحافظ في التقريب: ع، ويقصد به الجماعة، أي: حديثه أخرجه أهل الكتب الستة.

    وفي قوله: (من كبار التاسعة) شيء من التوقف ينبغي أن ننتبه له؛ لأنه مات بعد المائتين؛ لأنه من الطبقة التاسعة، وتقسيم الحافظ في أول كتابه أن الطبقة الأولى والثانية دون المائة، والطبقة الثالثة إلى نهاية الثامنة بعد المائة، والطبقة التاسعة إلى نهاية الطبقة الثانية عشرة بعد المائتين، وعليه فالطبقة التاسعة بعد المائتين، فكأن العبارة تفيد أو توهم أنه توفي سنة مائتين وست وتسعين أو مائتين وسبع وتسعين، والأمر ليس كذلك، فـوكيع بن الجراح توفي قبل مائتين بالاتفاق، توفي سنة سبع وتسعين ومائة للهجرة.

    وعليه؛ ينبغي أن تكون العبارة من كبار الثامنة، وإما أن يحدد الحافظ وفاة وكيع بن الجراح بالتحديد الكامل فيقول: من كبار التاسعة، وتوفي سنة ست وتسعين أو أول سنة سبع وتسعين ومائة أو بعد المائة كما قال في أول التقريب، فإنه ذكر أن هذه الطبقات هي التي التزم بها، وقال: وما خرج عن ذلك نادراً بينته، فهو إما أن يقول: من الطبقة الثامنة، وإما أن يقول: من كبار التاسعة، لكن توفي سنة سبع وتسعين ومائة للهجرة؛ ليكون الكلام متناسباً مستقيماً.

    والإمام وكيع بن الجراح من شيوخ الإمام الشافعي ، وهو الذي ذكره الإمام الشافعي في القصة التي جرت له عندما قال:

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي

    ووكيع بن الجراح من بحور العلم وأئمة الحفظ، قال عنه الإمام أحمد كما في تهذيب التهذيب: كان إمام المسلمين في وقته، وقال عنه أيضاً كما في سير أعلام النبلاء: كان حافظاً ما رأيت مثله. وقال أيضاً كما في تذكرة الحفاظ: عليكم بمصنفات وكيع .

    وكتاب تقريب التهذيب فيه ما يشبه هذا أحياناً، وليت الكتاب اعتني به ورتب وضبط، والطبعة الجديدة التي صدرت في مجلد واحد فيها أيضاً محاكاة وتقليد للطبعات السابقة، فلو أنه بذل جهد وعناية في ترتيب الكتاب وإتقانه لكان أحسن، فمثلاً في ترجمة هناد التي تقدمت معنا، الذي ينظر إلى ترجمة هناد في تقريب التهذيب يرى أنها تقدمت على ترجمة هلال ، ويوجد عدد من الرواة اسمهم هلال، وهناد قبلهم، مع أنه سبق أيضاً هناداً بالترجمة راو هو هلب الطائي من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    فكيف يأتي بعد الهاء لام ثم ننتقل إلى النون، ثم نعود بعد ذلك إلى اللام؟ في هذا عدم مراعاة للترتيب على حسب حروف المعجم، ولو ضبطت هذه التراجم ورتبت على حسب الوضع السليم مراعاةً لحروف المعجم، لكان هذا أنفع وأيسر على طالب العلم، والعلم عند الله جل وعلا.

    ترجمة إسرائيل السبيعي

    عن إسرائيل ، إسرائيل هو إسرائيل بن يونس السبيعي بدون تصغير، ثقة تكلم فيه بلا حجة، من السابعة، توفي سنة ستين ومائة، ع، أي: أخرج حديثه أهل الكتب الستة.

    ترجمة مصعب بن سعد

    عن مصعب بن سعد . هو ابن الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ، ومصعب تابعي وليس من الصحابة، ثقة من الثالثة، توفي أيضاً بعد المائة، أرسل عن عكرمة ، هنا حدد الحافظ وفاته فقال: مات سنة ثلاث ومائة، ولم يقل: مات سنة ثلاث، ويكتفي بكونه من الطبقة الثالثة، وتحديده بهذه الطريقة نادر.

    أما الصحابي ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه فنقف عنده؛ لأنني سأذكر شيئاً في ترجمته قليلاً -الصحابي فقط على وجه الخصوص- ثم بعد ذلك نتدارس معنى الحديث ونذكر فقهه إن شاء الله، اتركوا هذا للمحاضرة الآتية إن شاء الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

    اللهم اغفر ذنوبنا، اللهم استر عيوبنا، اللهم أصلح أحوالنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لشيوخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.