إسلام ويب

شرح الترمذي - مقدمات [9]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أجمع أئمتنا بلا خلاف بينهم على أن كتب أصول السنة خمسة، وهذه الأصول هي: صحيح البخاري وصحيح مسلم، وسنن الترمذي وسنن أبي داود وسنن النسائي. واختلفوا في الأصل السادس هل هو سنن ابن ماجه أو مسند الدارمي أو موطأ مالك. وصحيح البخاري مقدم على صحيح مسلم على الراجح، وسنن الترمذي مقدم على بقية السنن؛ لما امتاز به من بيان درجة الحديث وعلومه وأحكامه.

    1.   

    أسماء كتب الحديث الستة وأهميتها

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    فنحن في آخر موعظة من المقدمة التي أخذت أكثر مما كنت أتوقع، وكنت ذكرت أنها ستكون ضمن خمس مواعظ، وقلت: إن زادت أسأل الله أن لا تصل إلى العشر، ولعلنا الآن في الموعظة التاسعة، وهذه آخر موعظة نتدارس فيها مقدمة كتاب الإمام الترمذي عليه رحمة الله.

    آخر شيء في هذه المقدمة يتعلق بمكانة كتاب الإمام الترمذي ومنزلة جامعه بين كتب السنة، وهذا البحث الذي سنتدارسه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلوم الحديث ومصطلحه، وقد يكون في البحث شيء من الجفاء، فأرجو أن تصبروا، ونسأل الله أن يوفينا أجورنا بغير حساب.

    وقد ثبت في مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة، والحديث رواه الحاكم وصححه وأقره عليه الذهبي ، وهو في السنن الكبرى للإمام البيهقي ، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة )، فهذا السهم الذي يرمى به الكفار في سبيل العزيز الغفار، يدخل الله به ثلاثة نفر الجنة: ( صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والممد به )، وفي رواية: ( المنبل )، والمنبل: هو الذي يعطي السهم والنبل لمن يرمي به، فيقف وراءه وخلفه، كلما رمى سهماً ناوله سهماً آخراً، ويشمل أيضاً من يجمع هذه السهام بعد الرمي بها، ويعطيها لمن يرمي بها، ليرمي بها مرة ثانية، فهو مُنَبِّل ومُنْبِل، فالله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة.

    والذي يقوم بتسجيل الموعظة فلعل هذه الموعظة ينتفع بها من غاب أكثر ممن حضر، ونسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    عندنا في كتب حديث النبي عليه الصلاة والسلام وكتب السنة كتب تقدم على غيرها يقال لها: كتب الأصول، أي: أصول الحديث، وأصول السنة، وأمهات الحديث، وأمهات كتب الحديث، فأول ما يرجع الإنسان إليها، وإذا عزا يعزو إليها، فهذه يقال لها: كتب أصول السنة.

    وقد أجمع أئمتنا بلا خلاف بينهم على أن كتب أصول السنة خمسة كتب: الصحيحان، وسنن الترمذي ، وسنن أبي داود وسنن النسائي ، فهذه يقال لها: الأصول الخمسة، وعليها اقتصر الإمام النووي عليه رحمة الله في كتاب الأذكار، فقال: أقتصر على الأحاديث التي في الكتب المشهورة التي هي أصول الإسلام، وهي خمسة: الصحيحان والترمذي وسنن أبي داود وسنن الإمام النسائي.

    فإذاً: كتاب الترمذي أحد كتب الحديث الخمسة التي عليها مدار حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقل أن يخرج حديث صحيح عنها.

    قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام الترمذي في الجزء السادس عشر صفحة (274): قلت: في الجامع -يعني: في جامع الإمام الترمذي ، ويسمى بالجامع الصحيح وبسنن الترمذي - علم نافع، وفوائد عزيزة، ورءوس المسائل، وهو أحد أصول الإسلام، لولا ما كدره بأحاديث واهية، بعضها موضوع، وكثير منها في الفضائل. وما في كتابه -أي: من أحاديث وعلم- قاضٍ بإمامته وحفظه وفقهه، لكنه يترخص في قبول الأحاديث ولا يشدد، ونفسه في التضعيف رخوٌ يعني: أنه يتساهل ولا يتشدد ولا يضعف الرواة إلا إذا كان هناك ثقة على التضعيف.

    إذاً: جامع الترمذي أحد أصول الإسلام الخمسة، وهذا لا نزاع فيه.

    1.   

    الخلاف في تعيين الكتاب السادس من كتب السنة الأصول

    ضم أئمتنا إلى الأصول الخمسة كتاباً سادساً، وأطلقوا عليها مصطلح: الكتب الستة، لكنهم اختلفوا في السادس على ثلاثة أقوال:

    فقيل: السادس: سنن الإمام ابن ماجه ، وقيل: موطأ الإمام مالك بن أنس ، وقيل: سنن الإمام الدارمي الذي يعرف بمسند الدارمي.

    والسبب في اختلافهم -كما سيأتينا- أن الأصل في كتب السنة: هو الكتاب الذي يجمع صحة واستفاضة وأحاديث زائدة على غيره، وهو نافع في موضوع الفقه يحتج به ويعول عليه، هذا هو الأصل، فمن جمع هذه الأمور فهو من كتب السنة بعد الأصول الخمسة.

    القول الأول: سنن ابن ماجه

    قيل: إنه سنن الإمام ابن ماجه ، وهذا القول ذهب إليه عدد من أئمة الحديث، كما ذكر ذلك الإمام السخاوي في فتح المغيث في شرح ألفية الحديث في الجزء الأول، صفحة: (84)، فقال: أول من أضاف سنن ابن ماجه إلى الأصول الخمسة فصارت ستة أبو الفضل وهو محمد بن طاهر المقدسي الذي توفي سنة: (507هـ)، وهو على مذهب الظاهرية، وعنده زلاتهم، وله كتابان، عد فيهما سنن ابن ماجه من كتب الأصول الستة، له كتاب أطراف الكتب الستة، ويعني بالأطراف: أن يأتي بطرف الحديث الذي يدل على بقيته، ثم يبين من أخرجه من أهل الكتب الستة، فمثلاً: ( إنما الأعمال بالنيات ) لا يكمل الحديث، ثم يقول: رواه الستة: الصحيحان والسنن الأربعة، هذا أطراف، يعني: يأتي بطرف الحديث الذي يدل على بقيته، هذا هو معنى كتب الأطراف في السنة، يأتي بطرف الحديث ثم يبين من رواه، وقد يفعل هذا مقيداً بكتب معينة، وقد لا يتقيد، فقد يأتي بطرف الحديث ثم يبين من رواه من أهل كتب الحديث، من ستة وغيرها.

    أما أبو الفضل بن طاهر المقدسي فقد قيد كتابه الأطراف من الكتب الستة، وبعضها قيدها كتابه الأطراف بالصحيحين على حسب قيده، ففي كتابه الأطراف -أطراف الكتب الستة- اعتبر الأصل السادس الذي يضم إلى الأصول الخمسة المتفق عليها، اعتبر سنن الإمام ابن ماجه هو الأصل الثالث، وعده أيضاً في كتاب له سماه: شروط الأئمة الستة، وهو مطبوع مع كتاب للإمام الحازمي شروط الأئمة الخمسة، فذاك حذف الأصل السادس واقتصر على الصحيحين وسنن الترمذي وأبي داود والنسائي أي: الإمام الحازمي صاحب شروط الأئمة الخمسة. وأما أبو الفضل بن طاهر المقدسي فاعتبر شروط الأئمة الستة، ويقصد بالسادس: سنن ابن ماجه الذي ينضم إلى الأصول الخمسة المجمع عليها المتفق عليها.

    ثم تبعه على ذلك شيخ الإسلام في زمنه الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الدمشقي ، وكان ابن أخت الإمام ابن قدامة صاحب المغني في فقه الحنابلة وفقه الإسلام، والإمام ابن قدامة كان خالاً لـأبي محمد عبد الغني المقدسي ، وتوفي هذا العبد الصالح سنة (600هـ)، وابن قدامة مع أنه كان خالاً لـعبد الغني لكنه أصغر منه في العمر، وذهبا مع بعضهما وتتلمذا على شيخ الإسلام في زمنه الشيخ الصالح عبد القادر الجيلاني في بلاد العراق. وكان الإمام ابن قدامة عليه رحمة الله يثني على هذا العبد الصالح ويقول: كان الشيخ عبد القادر يكفي التلميذ من قصد غيره؛ لما اجتمعت به من العلوم، يعني: من ذهب إلى الشيخ عبد القادر لا يحتاج أن يذهب إلى غيره، فيحصل عنده علم النقل وعلم العقل، العلوم الشرعية وعلوم الآلات، رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين.

    هذا عبد صالح أمار بالمعروف، نهاء عن المنكر، صادق عابد قدوة أثري متبع ومتبع، سيد الحفاظ في زمانه: عبد الغني المقدسي ، وكانت لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان يعظم من أجل الدين، عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمات رب العالمين.

    الإمام عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا توفي -كما قلت- سنة (600هـ)، ألف كتاباً عظيماً في رجال الكتب الستة اسمه: الكمال في أسماء رجال الكتب الستة، أي ستة يقصدهم؟ الأصول الخمسة ومعهم سنن الإمام ابن ماجه ، وقلت: رجال الكتب الستة في هذا الكتاب الذي هو كتاب الكمال، اختصره أبو الحجاج المزي شيخ الإسلام في زمنه في كتاب سماه: تهذيب الكمال، ثم اختصره الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، ثم اختصره في تقريب التهذيب، فتقريب التهذيب في رجال الكتب الستة، وأصله الأصيل الكمال في أسماء رجال الكتب الستة.

    كان هذا العبد الصالح بعد طلوع الشمس وبعد أن ينتهي من موعظته بعد الفجر يصلي إلى قبيل الظهر ثلاثمائة ركعة.

    وعلى هذا سار محمد بن طاهر المقدسي ، وعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ، وتبعهم المتأخرون في تقديم سنن ابن ماجه على غيره، وجعل سنن ابن ماجه هو الأصل السادس مع الأصول الخمسة المتقدمة، وإنما قدموه على الموطأ؛ لكثرة زوائد سنن ابن ماجه على الأصول الخمسة بالنسبة لموطأ الإمام مالك ، فما يوجد من أحاديث في الموطأ غالبها موجود في الأصول الخمسة، فالذي انفرد به الإمام مالك عن الأصول الخمسة قليل جداً بخلاف سنن ابن ماجه فزوائده على الأصول الخمسة أكثر من الموطأ، وإن كان الموطأ أقدم من سنن ابن ماجه ، بل وأصح حديثاً منه.

    هذا أحد الأقوال الثلاثة قال به هذان الإمامان، وعلى هذا المتأخرون، وهو الدارج الآن في اصطلاح أهل العلم، فكلهم بعد ذلك تبعوا ما هو مقرر في تقريب التهذيب؛ فالكتب الستة يراد بها الصحيحان والسنن الأربعة: سنن ابن ماجه ، مع السنن الثلاثة.

    القول الثاني: موطأ الإمام مالك

    القول الثاني: الأصل السادس هو موطأ الإمام مالك بن أنس حبر زمانه وإمام المسلمين في أوانه، رحمه الله ورحم أئمتنا أجمعين.

    قال الإمام السخاوي في فتح المغيث: وبعض العلماء اعتبر موطأ الإمام هو الأصل الثالث، ومنهم رزين السرقسطي ، توفي سنة (535هـ)، ويقال له: رزين العبدري الأندلسي أبو الحكم، له كتاب سماه: تجريد الصحاح، ويعني به: جمع الأحاديث الصحيحة في الكتب الستة، ويقصد بالكتب الستة: الصحيحين والسنن الثلاثة ومعها موطأ مالك على اصطلاحه، فحذف سنن ابن ماجه . وتبعه على هذا الإمام المجد بن الأثير أبو السعادات المبارك بن محمد في كتابه: جامع الأصول في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقصد بالأصول الأصول الستة؛ ولذلك إذا قال ابن الأثير وأبو الحسن العبدري السرقسطي : رواه الستة، فيقصدان: الصحيحين والسنن الثلاثة ومعها الموطأ، وإذا قال ابن حجر : رواه الستة فيقصد: الصحيحين والسنن الأربعة، فكل واحد له اصطلاح فلينتبه لذلك.

    ولعل أكثر المتقدمين من أئمة المسلمين كانوا يرون هذا القول، بل نقل عن الإمام الشافعي عليه رحمة الله أنه قال: ما تحت أديم السماء كتاب أصح من موطأ الإمام مالك ، ولا يعني بهذا أنه يفضله على الصحيحين؛ لأن الإمام الشافعي توفي قبل أن يوجد من أتى بالصحيحين، فهو توفي سنة (204هـ)، والإمام البخاري ومسلم بعد ذلك، فوفاة البخاري سنة (256هـ)، والإمام مسلم سنة (261هـ).

    إذاً: هذان الكتابان ألفا بعد موت الإمام الشافعي ، وحقيقة في زمنه لا يوجد تحت أديم السماء كتاب أصح من موطأ مالك بن أنس عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    قال الإمام ابن علاّن الصديقي الشافعي في شرح الأذكار في الجزء الأول صفحة: (36) -وهو محمد بن علي بن علان الصديقي كما قلت المكي الشافعي ، توفي سنة (1057هـ)، وهو الذي شرح الأذكار في سبعة مجلدات، وشرح رياض الصالحين في ثمانية مجلدات -يقول: ومنهم من يعدها ستة لإدخال الموطأ، وعليه عرف المتقدمين، ومنهم من أدخل سنن ابن ماجه ، وهو المشهور في عرف المتأخرين. وهذا الذي استقر عليه اصطلاح المحدثين في العصور المتأخرة، والعلم عند الله جل وعلا.

    القول الثالث: سنن الدارمي

    القول الثالث في بيان الأصل السادس من أصول كتب السنة والحديث أنه سنن الإمام الدارمي ، ويقال له: مسند على المعتمد؛ لأن الأحاديث التي فيه مسندة، لا على أنه على ترتيب المسانيد؛ والمسانيد ترتب على حسب الصحابة، بينما كتب السنة الأخرى رتبت على حسب الموضوعات وأبواب الفقه، وأما هناك فلا ترتب الأحاديث على حسب موضوعاتها، إنما على حسب رواتها من الصحابة، ثم بعد ذلك يرتب الصحابة ترتيباً يراه المصنف، إما على حسب الفضل كما فعل الإمام أحمد في المسند، فبدأ بمسند أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، ثم انتقل إلى بقية العشرة، ثم إلى البدريين، ثم على حسب الفضل، وإما أن يرتبها على حسب السبق في الإسلام، وإما على حسب البلدان على حسب حروف المعجم.

    وأما المعاجم فترتب الأحاديث فيها على حسب الرواة، إما على حسب شيوخ الراوي كشيوخ الطبراني ، وإما على حسب رواة الأحاديث من الصحابة، لكن ترتب هذه الأحاديث على حسب الرواة وتراعى حروف المعجم، فإذا بدأ بشيوخه يبدأ بإبراهيم، وإذا بدأ بالصحابة فيأتي أيضاً بمن اسمه يبدأ بالهمزة فيقدمه على غيره، فهذه معاجم رتبت الأحاديث فيها على حسب الرواة، إما على شيوخ الراوي، وإما من رواة الحديث من الصحابة، لكن على حسب المعاجم، بدءاً بالهمزة وانتهاء بالياء، وأما المسانيد فلا تراعى فيها حروف المعجم، بل على حسب رواتها من الصحابة.

    فإذاً: الذي يفعله صاحب المعجم هو أن يرتب الأحاديث إما على حسب الشيوخ أو على حسب الصحابة، لكن يراعي حروف المعجم في الأمرين، وأما المسند فعلى حسب الصحابة فقط، فلا نظر لشيوخ الراوي أي: المؤلف.

    فإذاً: سنن الإمام الدارمي ويقال لها: مسند الدارمي لا لأن الأحاديث فيها على ترتيب المسانيد، إنما قيل لها: مسند؛ لأن الأحاديث التي فيها مسندة، هذا قول.

    والقول الثاني: أن الإمام الدارمي له كتابان، كتاب الجامع، وكتاب المسند، وله كتاب في التفسير، فكتابه المسند رتبه على حسب المسانيد ورواة الصحابة، وهذا غير موجود، ومن أيدينا مفقود، والموجود كتاب الجامع الذي حاله كحال جامع الترمذي وجامع البخاري.

    فإذاً: تسميته بالمسند إما لأن ما فيه من الأحاديث المسندة، أو أن المراد هو المسند غير الموجود، والموجود هو الجامع، والناس يطلقون عليه مسند الإمام الدارمي ، وهو في الحقيقة جامع الإمام الدارمي الذي حكمه كحكم السنن، والعلم عند الله عز وجل.

    وذهب إلى جعْل سنن الإمام الدارمي الأصل السادس الإمام العلائي ، وهو أبو سعيد صلاح الدين بن خليل بن كيكلدى ، المتوفى سنة (761هـ).

    قال الإمام السيوطي في طبقات الحفاظ في صفحة (532): وإنما جعل الإمام العلائي مسند الإمام الدارمي هو الأصل السادس؛ لأن مسند الإمام الدارمي قليل الرجال الضعفاء، فما فيه من الرجال الضعفاء والمتكلم فيهم قليل بالنسبة إلى ما في سنن ابن ماجه ، وهو نادر الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة. والمرسل ما يرفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والموقوف هو ما وقف على الصحابة من أقوالهم رضي الله عنهم.

    والذي استقر عليه عمل المتأخرين القول الأول، وهو أن الأصل السادس هو سنن الإمام ابن ماجه .

    ويلتحق بهذه الأصول الخمسة أو الستة في الحكم والمنزلة (المنتقى)، ومؤلفه: الإمام أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري ، توفي سنة: (307هـ)، وكتاب المنتقى مطبوع، وأحاديثه أعلى وأرفع من أحاديث المستدرك، وكثير من طلبة العلم في غفلة عنه.

    قال عنه الإمام الذهبي : هو مجلد واحد في الأحكام لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبداً، فهو أعلى من سنن ابن ماجه إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها اجتهاد النقاد.

    1.   

    سبب تقديم كتب الأصول على المسانيد والمعاجم

    هذه كتب الأصول على اختلاف درجاتها ومراتبها، بدءاً بالصحيحين وانتهاء بالأصول الثلاثة الأخرى، والثلاثة المختلف فيها بعد ذلك من سنن ابن ماجه والموطأ ومسند الإمام الدارمي ، وما ألحق بها من منتقى الإمام ابن الجارود ، هذه كلها تقدم في الحجية والمنزلة والمكانة على كتب المسانيد والمعاجم، وقد تقدم معنا أن المسانيد: هي ما رتبت الأحاديث فيما جمعت على حسب الصحابة دون النظر إلى موضوع الأحاديث، فبعضها في صلاة الضحى، وبعضها في الظهار، وبعضها في العتق، وبعضها في صيام رمضان، فترى في الصفحة الواحدة أحاديث متعددة. ولا يفعل هذا أهل كتب السنة الذين رتبوا على حسب الأبواب، بل عندهم مثلاً كتاب الطهارة، يأتيك باب كذا باب كذا باب كذا .. حتى ينتهي من كتاب الطهارة، ثم يشرع في كتاب الصلاة، أما في المسانيد فلا يوجد لا كتاب ولا باب، بل تجد مسند أبي بكر رضي الله عنه، وفيه ما عنده من أحاديث عن أبي بكر أوردها جملة واحدة، مختلفاً بعضها عن بعض الحج مع الصلاة، مع الصيام، مع الزكاة، فهذه يقال لها: مسانيد، وقد ترتب كما قلنا بعد ذلك على حسب حروف المعجم، أو على حسب الفضل، أو على حسب البلدان، أو على حسب السبق في الإسلام، كما يرى صاحب المسند.

    وأما المعاجم فترتب على حسب حروف المعجم، سواء للصحابة أو الشيوخ أو أحياناً معاجم البلدان، كل هذا يقع في كتب المعاجم. وعليه كتب الأصول تقدم على المسانيد والمعاجم لأمرين اثنين:

    الأمر الأول: كتب الأصول الغاية منها أصالة أن يورد المصنف أصح ما عنده في هذا الباب، فعندما يأتي إلى كتاب الطهارة: باب: (لا يقبل الله صلاة من غير طهور)، الأصل: أن يورد في هذا الباب أصح ما عنده، ثم ما يليه ثم ما يليه ويمضي، أما أن يروي الضعيف ويترك الصحيح أو أحياناً يذكر ضعيفاً مع صحيح فلا، بل يذكر أصح ما عنده فإذا لم يكن فينزل قليلاً إذا لم يشترط في الكتاب الصحة ككتب السنن، لكن يقدم أقوى ما عنده في هذا الباب فيرويه، بخلاف كتب المسانيد فهناك لا أقوى ولا أضعف، بل يروي كل ما يحفظ، فهنا ينتقي من حفظه، وهناك يسرد، وعليه تقدم هذه على تلك؛ لأن هذه في الغالب ذكرت من أجل أن يحتج الإنسان بما فيها على أحكام الشرع، وأما تلك فليست كذلك.

    الأمر الثاني: استخراج الحديث من كتب الأصول أيسر بكثير من استخراجه من المسانيد والمعاجم، مثلاً أبو هريرة رضي الله عنه الذي روى أحاديث زادت على خمسة آلاف حديث لو أردنا استخراج حديث من أحاديثه يتعلق بفضل قيام ليلة القدر، فكيف سنستخرجه من ضمن هذه الأحاديث التي هي خمسة آلاف؟ هذا حقيقة فيه بعض الصعوبة، فعندما تفتح الكتاب تحتاج أن تستقرئ مسنده من أوله إلى آخره، وقد يكون هذا الحديث في آخر المسند، وقد يكون في الوسط، ولكن إن جئت لتخرجه من كتب الأصول فما أيسر الأمر! تفتح كتاب القيام، باب: فضل إحياء ليلة القدر، تفتح صفحة كذا ترى هذا الحديث.

    فإذاً: استخراج الحديث من كتب الأصول أيسر من استخراجه من المسانيد والمعاجم، ولذلك تقدم على تلك الكتب، وإن جلت تلك الكتب من جلالة وفضل أصحابها، فالإمام أحمد مؤلف المسند عليه وعلى أئمتنا رحمة الله مرتبته جليلة، ومسنده له مرتبة لجلالة مؤلفه، لكن هو دون آخر كتاب من كتب الأصول في المنزلة من حيث الترتيب والتعويل عليه، يعني: نرجع إلى سنن ابن ماجه ، وإلى منتقى ابن الجارود ، وإلى الموطأ، وإلى الدارمي قبل المسند؛ لأن الأصل: أن الذي في هذه الكتب هو الأصح فالأصح، والأقوى فالأقوى من أجل الاستدلال به على الحكم، فلا يقصد صاحب هذا الكتاب مجرد الجمع.

    1.   

    ترتيب سنن الترمذي بين السنن

    بعد بيان الأصل السادس من الأصول الستة في كتب الحديث نبين ترتيب الأصول فيما بينها فنقول: لا خلاف في تقديم الصحيحين على ما عداهما، وأما فيما يتعلق بالصحيحين في أيهما يقدم فهذا يأتينا بعد هذه المسألة إن شاء الله، إنما المراد الآن ما بعد الصحيحين من سنن الترمذي وأبي داود والنسائي ، أما الأصل السادس المختلف فيه فهو في المنزلة السادسة باتفاق.

    نحن الآن بين كتب ثلاثة، واحد منها يتعلق به بحثنا وهو سنن الإمام الترمذي ، فهل هو الأصل الخامس أو الرابع أو الثالث؟ لأئمتنا في ذلك عدة أقوال لا يمكن أن تخرج عن ثلاثة، سأذكر كل قول وأرجح ما هو راجحٌ إن شاء الله وحقٌ بالنسبة لمنزلة هذا الكتاب بالنسبة للكتابين الآخرين، سنن أبي داود وسنن النسائي .

    القول الأول: تقديم سنن أبي داود على جامع الترمذي

    القول الأول: وهو الذي إليه ذهب الإمام الحازمي في كتاب شروط الأئمة الخمسة، واقتصر على الأصول الخمسة، وهي الصحيحان والسنن الثلاثة وحذف الأصل السادس، والإمام الحازمي توفي سنة (584هـ)، واسمه: أبو بكر محمد بن موسى ، وقد عاش (36سنة) فقط، ولو امتدت حياته لملأ الدنيا علماً، ويذكرون في ترجمته عليه رحمة الله جل وعلا أنه كان يجلس في الرباط الذي وقف لطلبة العلم، فإذا انتهى من صلاة العشاء جلس على السراج حتى الفجر، فقال الواقف للقيم على هذا الرباط؛ من أجل أن يستريح الإمام الحازمي لا بخلاً على الزيت الذي يوقد في السراج، فالسراج يشتعل ويتوقد سواء وجد أحد أم لا، قال: أمنع الزيت عن السراج في هذه الليلة ليستريح الإمام الحازمي ، فبعد صلاة العشاء اعتذر القيم الناظر على الوقف إلى الحازمي وقال له: الزيت انقطع ولا يوجد زيت في هذه الليلة، فتستطيع أن تذهب إلى حجرتك وتستريح فلا يوجد سراج يضيء من أجل أن تحيي هذه الليلة في مدارسة العلم ومذاكرته، قال: جزاك الله خيراً، ثم بعدما انصرف الناظر صف رجليه وقام يناجي ربه، والناظر يتفقده كل فترة حتى طلع الفجر، فأخبر بعد ذلك الواقف وقال: وما هو كذاك؟ فقال له: إذاً: لا تمنع عنه الزيت.

    الإمام الحازمي يقول في كتاب شروط الأئمة الخمسة: الأصل الثالث هو سنن أبي داود ، وكان أئمتنا يقولون: لو لم يكن عند الإنسان إلا القرآن وسنن أبي داود لكفاه لأمر دينه، يعني أن ما في سنن أبي داود من أحاديث مع القرآن الشريف يكفيان الإنسان، وقدمه الإمام الحازمي وجعله أصلاً ثالثاً بعد الصحيحين في المنزلة ومقدماً على سنن الإمام الترمذي والنسائي . وإلى هذا مال أيضاً محمد بن طاهر المقدسي الذي تقدم معنا حاله، لكن ذاك في شروط الأئمة الستة، وهذا في شروط الأئمة الخمسة، عليهم جميعاً رحمة الله.

    وعليه الترمذي يعتبر أصلاً رابعاً.

    القول الثاني: تقديم سنن النسائي على جامع الترمذي

    القول الثاني نقله الإمام السيوطي عن الإمام الذهبي وعن عدد من المحدثين: وهو تقديم سنن أبي داود ثم سنن النسائي على سنن الإمام الترمذي ، فهو الأصل الخامس، وهو في آخر المراتب.

    قال الإمام الذهبي : انحطت رتبة جامع الإمام الترمذي -أي: نزلت منزلته- فصار آخر الأصول الخمسة؛ لأنه أخرج حديث المصلوب والكلبي.

    و المصلوب : هو محمد بن سعيد الأسدي الشامي لا بارك الله فيه، كان يضع الحديث عمداً على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالإمام الذهبي يقول: انحطت رتبة جامع الترمذي ؛ لأنه أخرج حديث المصلوب ، وقد وضع هذا الضال أربعة آلاف حديث على النبي عليه الصلاة والسلام، وقتله أبو جعفر المنصور على زندقته، ولما أخذ ليصلب، قال: كيف تفعلون بدينكم وقد وضعت فيه أربعة آلاف حديث أحل الحرام وأحرم الحلال؟! فقال له: عندنا من ينخل هذه الأحاديث نخلاً، ويبين الصحيح من السقيم، واطمئن، والآن نضرب الرقبة، وكما أن الصائغ صاحب الذهب يبين الصفرة والنحاس من الذهب، ولو أنك أخذت قطعة معدن من نحاس وأردت أن تغش إنساناً فقد تغشه، لكن صاحب الصنعة لا يغش، فبمجرد ما يمسكها يرميها على الأرض، ويقول: اذهب أنت وقطعتك، وكذلك أئمتنا ينفون عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

    وهذا محمد بن سعيد الأسدي الشامي من رجال الترمذي أخرج عنه في السنن وسيأتينا حديثه إن شاء الله ونتكلم على رجال الإسناد، كما سنتكلم على رجال أسانيد الترمذي عامة، كما أخرج له الإمام ابن ماجه من أصحاب الكتب الستة على القول بإدخال ابن ماجه فيهم، أي في الأصول الستة، فمحمد بن سعيد الأسدي الشامي المصلوب على الزندقة وكذبه على النبي عليه الصلاة والسلام لم يخرج له إلا الترمذي والإمام ابن ماجه فقط.

    كما أخرج حديث الكلبي ، والكلبي قيمته كالكلب، وهو محمد بن السائب الكلبي ، علامة نسابة لكنه كذاب، وأئمتنا يقولون في عدد من الرواة كما يقولون في ترجمة نوح الجامع يقولون: جمع كل شيء إلا الصدق، وهنا الكلبي : علامة نسابة مفسر، لكنه كذاب.

    قال الإمام أحمد عليه رحمة الله: لا يحل النظر في تفسيره، وكان يشهد على نفسه بالكذب فيقول: كل ما حدثتكم به عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب لم أسمعه من أبي صالح ، فلذلك أئمتنا يقولون: سلسلة الكذب: ما رواه محمد بن مروان السدي الصغير عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، هذه يقال لها: سلسلة الكذب، وعندنا سلسلة الذهب، وهي ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر ، وضم إليها ذهباً آخر: ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، وضم إليها ذهباً آخر: ما رواه أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، هذه يقال لها سلسلة الذهب، سند تسلسل بالأئمة الخيار العدول الفقهاء المحدثين أولياء رب العالمين، هل يوجد أشرف وأعلى وأرفع من هذا الإسناد؟

    أخرج أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( نهى عن بيع الولاء وهبته )، هذا في أعلى الأحاديث؛ لأنه ورد بسلسلة الذهب.

    وأبو صالح كذاب، وزاد بلية أخرى كما قال الحافظ ابن حجر : رمي بالرفض، أي: كان يسب الصحابة على منهج الرافضة، هلك سنة: (146هـ)، أخرج حديثه الإمام الترمذي وابن ماجه ، لكن في التفسير، فلـابن ماجه كتاب في التفسير غير السنن، ولذلك رمز الحافظ ابن حجر في التقريب في ترجمة محمد بن السائب الكلبي : تق، قاف لـابن ماجه القزويني ، فإذا كان في السنن أطلق قاف، وإذا كان في التفسير يقول: تق، تاء مع قاف متصلتان، أي: ابن ماجه في التفسير. إذاً: هو من رجال سنن الترمذي ، ومن رجال تفسير ابن ماجه القزويني ، عليهم جميعاً رحمة الله.

    فالإمام الذهبي يقول: انحطت رتبة الجامع؛ لأنه أخرج حديث المصلوب ، وأخرج حديث الكلبي ، ولذلك نزلت درجة سنن الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي ، فما أخرج أبو داود ولا النسائي عن الكلبي ولا عن المصلوب الشامي .

    القول الثالث: تقديم جامع الترمذي على بقية السنن

    القول الثالث: تقديم سنن الترمذي على سنن أبي داود والنسائي ، وهذا القول ذهب إليه جم غفير من أئمتنا منهم: حاجي خليفة في كتابه: كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون في الجزء الأول صفحة (559)، وذهب إليه عدد من العلماء المعاصرين، منهم الشيخ نور الدين العتر ، له كتاب: الموازنة بين جامع الإمام الترمذي والصحيحين ففي صفحة (62) يذهب إلى هذا القول، وأن سنن الترمذي يعتبر أصلاً ثالثاً من أصول كتب السنة، وذهب إلى هذا الشيخ محيي الدين عبد الحميد في تقديمه لكتاب: توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنوار، للإمام الصنعاني صاحب كتاب سبل السلام، وقد توفي سنة: (1182هـ)، فالشيخ محيي الدين عبد الحميد في مقدمة الكتاب في الجزء الأول صفحة (58) يرى أن سنن الإمام الترمذي يعتبر الأصل الثالث من أصول كتب السنة.

    وهذا فيما يبدو -والعلم عند الله- أرجح الأقوال وأقواها وإليكم البيان:

    أولاً: الإمام الترمذي لم ينفرد بالرواية عمن جرحوا وضعفوا، وما انفرد بالرواية عن التلاميذ الذين قلت مصاحبتهم لشيوخهم، فقد شاركه في ذلك أبو داود والنسائي كما سيأتينا.

    إذاً: لماذا الطعن في هذا الإمام؟ ألأنه روى عن مجروحين؟ سيأتينا من روى عن مجروحين دون أن يكون هذا سبباً في الانتقاص منه، والترمذي روى وجرح وضعف وبين أن الحديث متروك، وقال: الكلبي متروك، وروى عن المصلوب وقال: هذا متروك، هذا كذاب، حديثه لا يحتج به. انتهى فليس عليه منقصة؛ لأنه روى وجرح وضعف وما أغفل، وغيره روى عمن يعدل الكلبي والمصلوب لكن ما ضعف ولا تكلم، فمن روى عن الضعيف وبيّن حاله أحسن ممن روى عن الضعيف وسكت.

    فلم ينفرد الترمذي بالرواية عمن جرحوا ولم يسلموا من غوائل الجرح، وعمن قلت مصاحبتهم لشيوخهم عندما رووا عنهم؛ فلذلك قال الإمام ابن رجب الحنبلي في شرح كتاب العلل للإمام الترمذي صفحة: (292): والغرائب التي أخرجها الإمام الترمذي فيها بعض المناكير، فعندما يقول: حديث غريب فهو لا يسلم من مقال وكلام -كما سيأتينا- لاسيما في الفضائل، لكنه يبين ذلك غالباً ولا يسكت عنه، ولا أعلمه خرج عن متهم -أي: بالكذب- حديثاً بإسناد منفرد، إلا أنه قد يخرج حديثاً مختلفاً في إسناده، أو حديثاً في بعض طرقه متهم، إذاً: هناك حديث مختلف في إسناده، وهناك حديث له عدة طرق، فهو طريق صحيح، ومن طريق فيه الكلبي ، فلا يضر، فالعمدة الطريق الصحيح وليس طريق الكلبي ، وعلى هذا الوجه أخرج للمتهم من بعض طرق الحديث، فالحديث له طرق متعددة، فطريق من طرقه جاء من طريق الكلبي أو من طريق المصلوب ، أما أنه يخرج الحديث عنه بانفراده يقول: هذا لا يوجد في جامعه ولا في سننه مطلقاً، وعلى هذا الوجه أخرج الترمذي حديث المصلوب وحديث الكلبي ، أي: ما أخرج حديث المصلوب بإسناد واحد منفرد، أخرج حديثه ضمن طرق متعددة للحديث، فإذاً: هناك طرق أخرى يعول عليها، ولا يعول على هذه الرواية التي أخرجها وضعفها الإمام الترمذي .

    يقول: نعم قد يخرج الإمام الترمذي عن سيء الحفظ، وعمن غلب عليه الوهم، لكنه يبين ذلك غالباً ولا يسكت، وقد شاركه أبو داود عن كثير من هذه الطبقة مع السكوت عن حديثهم، أي: لا يضعف ولا يتكلم عليهم، وأما الترمذي فيخرج عنهم، ثم يجرحهم ويتكلم فيهم كـإسحاق بن أبي فروة وهو متروك، أخرج عنه أبو داود والترمذي وابن ماجه ، فـابن ماجه أخرج عنه وسكت، وكذلك فعل أبو داود ، أما الترمذي فأخرج عنه، وقال: إنه متروك، فأيهم أهدى سبيلاً وطريقاً وأظهر حجة؟ الإمام الترمذي بلا شك. وأبو فروة هو: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة الأموي مولاهم، متروك توفي سنة: (244هـ).

    إذاً: هذا الأمر الأول: وهو أنه لم ينفرد الإمام الترمذي بهذا الأمر.

    الأمر الثاني: الإمام الترمذي عندما أخرج الأحاديث عن الضعفاء تكلم عليهم ونبه على أحوالهم، ولم يسكت عنهم، ولذلك أقر الإمام الحازمي بهذه الحقيقة، وتقدم معنا أنه يقدم سنن أبي داود على الترمذي ، ويؤخر النسائي عن الترمذي .

    يقول الإمام الحازمي في صفحة: (18) من شروط الأئمة الخمسة: وفي الحقيقة شرط الترمذي أبلغ من شرط أبي داود ، إذاً: كيف قدمت سنن أبي داود على سنن الترمذي ؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفاً يبينه وينبه عليه، فيصير عنده من جملة الشواهد والمتابعات، ويكون اعتماد الإمام الترمذي على ما صح عند الجماعة.

    فإذاً: شرطه أقوى من شرط أبي داود ؛ لأن أبي داود روى وسكت، والترمذي روى وجرح، وكأنه يقول: هذا ما أعتمد عليه في الحجية والاستدلال إنما هو بمثابة شاهد للحديث الثابت عن الجماعة، وبمثابة متابع للرواة المتقنين الذين رووا هذا الحديث من طرق أخرى، والعلم عند الله جل وعلا.

    ولذلك ينبغي أن يقدم سنن الإمام الترمذي على سنن أبي داود والنسائي ، كيف لا وقد قال الإمام الترمذي كما نقل أئمتنا قاطبة منهم الإمام ابن كثير في البداية والنهاية، والحافظ ابن حجر والإمام الذهبي في كتبه عند ترجمته للإمام الترمذي ، قال: ألفت هذا الجامع وعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعلى علماء العراق فرضوا به، وعلى علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذه الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم.

    فعلماء الحجاز، والعراق، وخراسان رضوا بهذا الكتاب وقبلوه، وكأن هذا إجماع على تقديم هذا الكتاب على غيره وجعله في مرتبة تلي مرتبة الصحيحين عند رضا هؤلاء الأئمة به، والعلم عند الله جل وعلا.

    إذاً: الصحيحان يقدمان ثم الكتب الثلاثة الأخرى تقدم على المعتمد، سنن الترمذي ، ثم سنن أبي داود والنسائي في آخرها والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    المفاضلة بين الصحيحين

    هذان الأصلان الأولان القويان المتينان المحكمان: صحيح البخاري وصحيح مسلم .

    لا خلاف في تقديمها على ما عداهما من كتب السنة، لكن أيهما يقدم على الآخر؟ أيهما أقوى وأصح؟ أيهما يعول عليه قبل الآخر في الاستدلال والحجية والرجوع إليه؟ ذكر أئمتنا في هذا خمسة أقوال سأذكرها وأبين الراجح منها.

    الخلاف في المفاضلة بين الصحيحين

    الذي استقر عليه القول وهو الحق إن شاء الله: أن صحيح البخاري هو أصح الكتب المصنفة بعد كتاب الله جل وعلا، لا يتقدمه إلا كتاب الله جل وعلا، فهو أصح من صحيح مسلم ، وأعلى منزلة ودرجة، وسيأتينا حجج هذا القول إن شاء الله.

    وهناك قول ثان عكس هذا وهو: تقديم صحيح مسلم على صحيح البخاري ، وقد ذهب إلى هذا القول جمهور المغاربة، ومعهم حافظ المشرق أبو علي الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري ، وهو شيخ الحاكم ، توفي سنة: (249هـ)، لم يخلف بخراسان مثله، فهو يرى أن صحيح مسلم أعلى من صحيح البخاري ، وكان يقول: ما أعلم تحت أديم السماء كتاباً أصح من كتاب مسلم .

    القول الثالث: هما سواء في المنزلة.

    القول الرابع: نتوقف، فنقول: كل منهما صحيح، ولا نقدم واحداً منهما على الآخر؛ لأن كلاً منهما كسبيكة ذهب خالصة مكافئة في الوزن للسبيكة الأخرى، فلا نقول هذه أفضل من هذه، فالقيمة واحدة، فلا داعي للتفضيل، فنتوقف هنا وهناك.

    القول الخامس: التفصيل، وهذا القول ذهب إليه جم غفير من المحدثين، فقالوا: صحيح البخاري أعلى من صحيح الإمام مسلم من حيث الصحة، وصحيح الإمام مسلم أعلى من صحيح البخاري من حيث الترتيب الفني والصناعة الحديثية، فالإمام مسلم من ناحية الصناعة الحديثية، طريقته أحكم من طريقة الإمام البخاري ، هذا بالنسبة لطلبة العلم، فالأحاديث يوردها في مكان واحد ولا يفرقها في أبواب وكتب، أما الإمام البخاري فإنه أحياناً يورد الحديث في أكثر من عشرة مواضع من جامعه، وفي أماكن مختلفة، فيورده في العلم والبيوع، وفضائل القرآن، والوكالة، وهو حديث واحد لكن يلوح له منه استدلال لا يخطر على البال، لكن بعد أن تنظر للحكمة من إيراده في هذا الباب تقول: سبحان من ألهمه الفقه وأعطاه الحكمة.

    فإذاً: من حيث الترتيب والصناعة الحديثية، وسهولة وصول طالب العلم للفائدة بسرعة فصحيح مسلم هو الأفضل، ومن حيث الصحة والجودة والعلو في الإسناد واتصاف الرجال بالعدالة والضبط، فصحيح البخاري الأفضل، وعلى هذا القول جاء قول الشاعر:

    تشاجر قوم في البخاري ومسلم لدي وقالوا: أي ذين تقدمُ

    فقلت: لقد فاق البخاري صحة كما فاق في حسن الصناعة مسلم

    فالذي يظهر -والعلم عند الله- أن القول الأول أصح وعليه المعول، فصحيح البخاري أعلى صحة وصناعة، وهذا القول توجيهه من عدة أمور:

    أسباب تقديم صحيح البخاري على صحيح مسلم

    أولاً: الإمام البخاري رحمه الله اشترط لقبول رواية الراوي أن يلتقي بشيخه الذي روى عنه، أي أن يثبت اللقاء ولو مرة واحدة، أما الإمام مسلم فلم يشترط هذا أبداً، بل قال: يكفي إمكان اللقاء، فإذا عاصره ولم يثبت لقاؤه به فأمره محمول على السداد، وأنه سمع هذا الحديث منه، وشتان بين من يشترط اللقاء وبين من يقتصر على إمكان اللقاء.

    الأمر الثاني: البخاري شيخ مسلم وإمامه، وكان مسلم يقبل يد ورأس ورجلي شيخه البخاري ويقول له: يا أستاذ الأستاذين! ويا سيد المحدثين! ويا طبيب الحديث! في علله. فلذلك قال جبل زمانه في الحفظ والإمامة والإتقان الإمام الدارقطني : لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء.

    الأمر الثالث: الرجال الذين انتقدوا في أسانيد البخاري أقل من الرجال الذين انتقدوا في أسانيد الإمام مسلم ، فهو إذاً أصح.

    أما طريقته في الصناعة من حيث الاستدلال على الأحكام الفقهية فهي أدق وأعمق؛ ولذلك أصح الكتب بعد كتاب الله صحيح سيد المحدثين وأمير المؤمنين في الحديث: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ، عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة الله جل وعلا.

    إذاً: صحيح البخاري أعلى الصحيحين منزلة، وهو أعلى مكانة فهو أصح وأدق، والتكرار الذي فيه زاده عذوبة وشهد لمؤلفه بعلو مكانته، ولذلك كان أئمتنا يقولون: فقه البخاري في تراجم أبوابه، أي: إذا أردت أن تعرف فقهه وبعد نظره واستدلاله واستنباطه، فانظر إلى التراجم التي وضعها، بينما الإمام مسلم لم يضع في كتابه ترجمة إلا تسميه الكتب فلا يوجد أبواب، بل وضع كتاب الطهارة وسرد الأحاديث، وكتاب النكاح وسرد الأحاديث، وهذه الأبواب الموجودة فيه من عمل الشراح كشيخ الإسلام النووي وغيره، أما البخاري فيسوق ليستدل به، ففي ذلك جهد كبير لا يصل إليه الإمام مسلم ، ولا ألف واحد مثل الإمام مسلم عليهم جميعاً رحمة الله، فالإمام مسلم جمع الأحاديث الصحيحة دون استنباط، والبخاري جمع الحديث والفقه، حديث مجرد يورده في الباب، أما البخاري فيترجم للحديث تراجم متعددة ويستنبط منه ما يستنبط، ولذلك يقول بعض أئمتنا وما أعذب قولهم:

    قالوا لمسلم فضلُ قلتُ البخاري أعلى

    قالوا المكرر فيه قلتُ المكرر أحلى

    يعني: العسل إذا كرر تزداد حلاوته، وإذا كان فيه سمن تقل حلاوته، وإذا كررته أي صفيته تزداد حلاوته، فمسلم له فضل لا ينكر، لكن البخاري أعلى، فقالوا فيه أحاديث مكررة، قلنا: المكرر أحلى؛ ولذلك يقول الإمام عبد الرحيم الأثري عليه رحمة الله في ألفيته:

    أول من صنف في الصحيح محمد وخص بالترجيح

    أي: أول من صنف في الصحيح محمد بن إسماعيل البخاري ، وهو المرجح والمقدم.

    ومسلم بعد وبعض الغرب مع أبي علي فضلوا ذا لو نفع

    أي: ثم صنف مسلم صحيحه، ومكانته بعد صحيح البخاري ، والمغاربة ومعهم أبو علي النيسابوري شيخ الحاكم فضلوا مسلماً على البخاري.

    وقوله: ذا لو نفع، يعني: لو عندهم حجة نافعة ومعتبرة لتقدم صحيح مسلم ، لكن ليس عندهم ما يدل على ذلك، وصحيح البخاري يقدم على ما عداه، وإذا اجتمعا معاً فهذا في أعلى مراتب الصحة، وهو ما رواه الشيخان.

    1.   

    طريقة الترمذي في تصنيف جامعه

    آخر مبحث معنا في هذه المقدمة الطويلة: هو غرض الإمام الترمذي من تأليف جامعه، ومزايا سننه التي تختص بها.

    حقيقةً الفوائد والدرر التي يستفيدها طالب العلم من سنن الترمذي مع نزول مرتبته عن الصحيحين؛ لا يحصلها في الصحيحين ففيه ثلاث مزايا لا أعلمها توجد في كتاب من كتب السنة على الإطلاق مجتمعة، وهذا هو سبب اختياره، هذه المزايا لا توجد لا في البخاري ولا في مسلم ، ولا في سنن أبي داود ، ومن باب أولى في المسند وغيره، وإذاً ينبغي أن تقدم دراسته على دراسة الصحيحين، فأنت عندما تدرس سنن الترمذي تحصل ثلاثة أنواع من العلوم فتنبه لها:

    أولها: غرض الإمام الترمذي من كتاب الجامع: لم ألف الجامع، وأتى بطريقة مبتكرة لم يسبق إليها، وجمع في طريقته بين فعل من سبقه وزاد عليهم حسناً، وإن نزلت أحاديثه في المرتبة عن مرتبة من سبقه وتقدمه من صاحبي الصحيحين عليه.

    الميزة الأولى والغرض الأول من جامع الإمام الترمذي : أن يجمع الحديث من حيث الناحية الفقهية؛ ليستدل به على الأحكام، فسنن الترمذي ، ليس جمعاً للحديث فقط، بل يورد الحديث ويستدل به على أمر معين، وهذا ما فعله، ولم يفعله مسلم ، هناك كتاب وسرد للأحاديث، وهنا كتاب وأبواب متعددة؛ كتاب الطهارة، ثم بعد ذلك في الوضوء، في نواقض الوضوء، الاستنجاء ... إلى آخره، هذه كلها أبواب متعددة كل حديث أو حديثين أو أكثر لها باب، وهذه الميزة ليست في صحيح مسلم .

    التشابه والاختلاف بين طريقتي البخاري والترمذي في التصنيف

    وطريقة الترمذي هذه تشبه طريقة شيخه البخاري الذي ألف الجامع الصحيح أصالة، ليجرد الحديث الصحيح، وليستدل به على فقهه ومذهبه الذي يذهب إليه، فهو كتاب فقه قبل أن يكون كتاب حديث، وهذا يخفى على كثير، فـالبخاري كتاب فقه، لكن على عادة سلفنا وفي أنه لا يذكر فقهه دون دليل بل يستنبط من الحديث أحكاماً يضعها عنواناً وترجمة، ثم يدلل عليها بحديث النبي عليه الصلاة والسلام.

    ولذلك استدل بآيات القرآن، واستدل بأقوال الصحابة الكرام والتابعين وأدرجها ضمن ترجمة الأبواب؛ ليقرر بها ما يريد ثم بعد ذلك يقرره أيضاً من كلام النبي عليه الصلاة والسلام.

    مثال ذلك: أن البخاري في كتاب العلم عقد باب: الحياء في العلم، ثم قال: وقال مجاهد : لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر.

    نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، والحديث الذي قالت فيه عائشة هذه المقالة لم يصح عنده وعند غيره، لكن ليس على شرطه في الصحيح، ولهذا لم يورده موصولاً في صحيحه، وقد وصله مسلم وغيره إلى أمنا عائشة رضي الله عنها، والبخاري أورده بصيغة التعليق، ثم أورد بعد ذلك أحاديث كما سيأتينا في هذه الترجمة: ( إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت )، انظر لهذا الاستدلال الدقيق على ترجمة الباب وأثر مجاهد : (لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر). وأثر عائشة : (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين).

    فـابن عمر عندما استحى ضيع على نفسه خيراً عظيماً، ولو قال للنبي عليه الصلاة والسلام: إنها النخلة لازدادت منزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال عمر : لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا أو من الدنيا وما فيها، أي: لو قلت للنبي عليه الصلاة والسلام: إنها النخلة، لكان هذا أحب إلي من أن أملك الدنيا وما عليها؛ لأجل أن يصبح لك منزلة عظيمة، لكن حياءك منعك هذه الرتبة، انظر لهذا الفقه.

    إذاً: هناك القصد الأصلي: وهو سرد أحاديث للاستدلال بها على أحكام شرعية معينة. وللإمام النووي شرح على صحيح البخاري ، بدأ فيه فشرح كتاب الوحي، وكتاب الإيمان، ولا أذكر إن كان بدأ في كتاب العلم، وتوفي قبل إكماله، بخلاف شرحه لصحيح مسلم الذي أكمله، وشرحه على البخاري مطبوع وعندي نسخة منه بحدود ثلاثمائة صفحة، يقول في صفحة (9) من هذا الكتاب: ليس مقصود الإمام البخاري: الاقتصار على الحديث، وتكثير المتون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها من الأصول والفروع والزهد والآداب والأمثال وغير ذلك، هذا مراده. فالإمام الترمذي فعل هذا، واقتدى بشيخه البخاري ، لكن يختلف مسلكه عن مسلك شيخه، فشيخه أراد أن يستدل بالأحاديث؛ لأحكام أرادها في الأصول والفروع والعبادات، وفي الزهد والرقائق، أما الترمذي فأوسع؛ فقد أراد أن يذكر كلام الفقهاء المتعلق بهذه الأحاديث، وما هي الأحكام التي استنبطوها، فـالبخاري يذكر فقهه فقط، والترمذي يذكر الفقهاء المتقدمين، وقد ساق في كتابه العلل في آخر الجامع -وهو في الطبعة الحمصية التي ذكرتها في المجلد التاسع صفحة (435)- إسناده إلى ستة من الفقهاء يروي عنهم فقههم، والأحكام التي أخذوها من حديث نبينا عليه الصلاة والسلام، فيذكر فقههم عند هذه الأحاديث، وهؤلاء الأئمة الستة أولهم: سفيان الثوري ، وثانيهم: الإمام مالك ، وثالثهم: عبد الله بن المبارك ، ورابعهم: الشافعي ، وخامسهم: أحمد بن حنبل ، وسادسهم: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بـإسحاق بن راهويه شيخ الإمام البخاري عليهم جميعاً رحمة الله.

    وعليه يعتبر كتاب جامع الترمذي أول ما وصلنا من كتب الفقه المقارن التي تجمع فقه العلماء مقروناً بعضه إلى بعض دون أن يقتصر على فقه واحد بعينه، فنحن عندما ندرس الكتاب نتعلم الفقه بأدلته الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فغرضه إذاً: ذكر الأحاديث للاستدلال بها على الأحكام الشرعية، ويذكر في ذلك أقوال الفقهاء الذين تقدموه.

    مثال على طريقة البخاري في الاستنباط من الحديث

    انظر لهذا المثال في صحيح البخاري والذي تطرب له العقول، وهو الحديث المتقدم ذكره: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، يقول ابن عمر رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين: فاستحييت، ثم قالوا: يا رسول الله! حدثنا ما هي؟ قال: هي النخلة).

    شجرة تشبه المسلم ما هي؟ سؤال من النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه.

    ذهب كل واحد لشجر البوادي، فلما عجزوا (قالوا: ما هي؟ قال: هي النخلة)، والنخلة تشبه المسلم في كون نفعها مستمراً، سواء كانت خضراء أو يابسة، وثمارها يؤكل منه في جميع أحواله، من بسره ورطبه وتمره ودبسه وغير ذلك.

    وهكذا جريد النخيل، وهكذا خشبها، لا يوجد شيء في النخلة يرمى حتى النوى يجعل علفاً للدواب وتأكله، فلا يوجد فيها شيء لا منفعة فيه، هكذا النخلة، وهكذا المسلم.

    هذا الحديث أورده البخاري في صحيحه في خمسة كتب في عشرة أبواب، يستدل به على أحكام عشرة.

    أولها في كتاب العلم: باب: قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، من أين أخذها؟ أخذها من قوله صلى الله عليه وسلم: (فحدثوني ما هي؟)، وهذه فيه جواز التحديث وقول المحدث: حدثنا وأخبرنا.

    الباب الثاني: في كتاب العلم: باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من الفقه، والدلالة واضحة.

    الباب الثالث: في كتاب العلم: باب: الفهم في العلم، عندما فهم ابن عمر ووقع في نفسه أنها النخلة.

    باب رابع في العلم: باب: الحياء في العلم، عندما استحيا ابن عمر عن الأجابة، وأنه لو أجاب لكان هذا أحب إلى أبيه من الدنيا وما فيها.

    هذه أربعة أبواب في كتاب واحد، وهو العلم.

    ثم ذكره في كتاب البيوع، ولأول وهلة ستقول: وما دخل البيوع في هذا الحديث؟ لا يوجد بيع ولا إجارة، ولكن انظر لاستنباطه: باب: بيع الجمار وأكله، والجمار هو قلب النخلة، من أين استدل له؟ في بعض روايات الحديث يقول: ( كنا عند النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يأكل الجمار، وقال: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها )، كيف استدل به على البيوع؟ قال: ما جاز أكله جاز بيعه، فيجوز بيع الجمار، وإخراج قلب النخلة لبيعه، وهذا ليس من الإتلاف، إنما هو من البيع الشرعي الصحيح السليم.

    انتقل إلى كتاب ثالث وهو التفسير، فبوب لتفسير آية من سورة إبراهيم وهي قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم:24]، فذكر الحديث، ويقصد بأن الشجرة الطيبة هي النخلة.

    ثم انتقل إلى الكتاب الرابع وهو كتاب الأطعمة، فذكر بابين: باب: أكل الجمار وتقدم معنا، والباب الثاني: باب بركة النخلة؛ فهي تشبه المسلم والمسلم يشبهها، فالخيرات متصلة.

    الكتاب الخامس: كتاب الأدب أورده في موضعين: باب: ما لا يستحيا من الحق بالتفقه في الدين، والباب الأخير وهو العاشر من أبواب البخاري في ذكر هذا الحديث: باب: إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال، فعندما قال ابن عمر فاستحييت، وفي رواية يقول: فإذا أنا عاشر عشرة، أنا أصغرهم فيهم: أبو بكر وعمر ، كيف أتكلم بحضور الشيخين؟ فاستحييت وسكت.

    عشرة أبواب يستنبط منها عشرة أحكام، والحديث واحد، فليس إذاً مراده أن يجمع الأحاديث، بل غرضه أن يستدل بها على أحكام يراها في شريعة الله المطهرة.

    حديث آية الكرسي عندما تمثل الشيطان لـأبي هريرة وأخذ يحثو من الصدقة، أورده في ثلاثة كتب: الكتاب الأول: كتاب الوكالة، باب: إذا وكل رجلاً فترك الوكيل فأجازه الموكل فهو جائز، فعندما وكل النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة رضي الله عنه وترك للشيطان ما أخذه وأجاز هذا النبي عليه الصلاة والسلام، فالفعل جائز، ففعل الموكل موقوف على إقرار الموكل.

    الكتاب الثاني: كتاب بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، أي: كيف يأتي إلى الناس بهذه الصفات.

    الكتاب الثالث: كتاب فضائل القرآن، قبل سورة البقرة.

    إذاً استفاد الترمذي من شيخه، لكن شيخه أورد في كتابه الأحاديث التي تدل على ما يراه من أحكام شرعية دون أن يتقيد بذكر أقوال غيره، والترمذي هنا ذكر أقوال ستة من أئمتنا الفقهاء تقدموا، فهو أول كتاب في الفقه، وأما الأمر الثاني فقد تابع فيه الإمام مسلماً ، وأما الأمر الثالث: فانفرد به، ويأتي الكلام على هذين الأمرين في أول الموعظة الآتية، على أن نقرأ في أول الموعظة الآتية شيئاً من سنن الترمذي ، وهو الباب الأول بإذن الله. وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.