إسلام ويب

شرح الترمذي - مقدمات [8]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ابن حزم عالم جليل إلا أن له عثرات منها إباحته المعازف خلافاً لأئمة الهدى، وإباحة النظر إلى المردان والنسوان، والواجب طرح جوانب الزلل عنده والاستفادة مما سواها، وقد تحامل عليه ابن العربي فوقع فيما وقع فيه ابن حزم من الإجحاف، وقد أنصفه الإمام الذهبي وذكر مرتبته في الاجتهاد والفقه.

    1.   

    بيان جلالة ابن حزم وذكر شيء من عثراته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس مكانة الإمام العلم أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي ، والذي توفي سنة (279هـ)، عليه وعلى أئمتنا وعلينا معهم رحمة ربنا، هذا الإمام العلم المبارك كنت ختمت ترجمته بقول الإمام الذهبي عليه رحمة الله: بأنه ثقة مجمع عليه، ولا التفات لقول أبي محمد بن حزم في الإمام الترمذي : إنه مجهول.

    وتقدم معنا الاحتمالات التي يحتملها هذا الكلام: إما أنه مجهول لأنه لم يطلع عليه، ولم يعرف خبره ولم يقرأ كتابه، فليس عنده علم عنه، وإلى هذا كما تقدم معنا ذهب الإمام الذهبي في تعليل قول الإمام ابن حزم عليهم جميعاً رحمة الله.

    والثاني: أن تجهيل ابن حزم للإمام الترمذي من باب تعنته وتشدده وغمطه لعلمائنا الكرام حقهم ومنزلتهم، وإلى هذا كما تقدم معنا ذهب الإمام ابن كثير في البداية والنهاية، والإمام ابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا، وسنقف هنا وقفة نعتذر فيها عن هذا الإمام المبارك.

    إخوتي الكرام! كنت ذكرت أن علماء أهل السنة المهتدين ينقسمون إلى قسمين:

    قسم لم يفارقوا الحق طرفة عين، وقلت: هذا هو غالب علمائنا الكرام، كالأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة، وهكذا شيوخ الإسلام في كل عصر هم على الحق في اعتقادهم وفي عملهم وفي جميع الأحوال، وهناك صنف من علماء أهل السنة ومن أهل الحق، لكن زلوا في بعض الأحيان بتأويلات بعيدة، وبخطأ بشري، وبضعف إنساني، فهذا الزلل ينبغي أن نطرحه وأن نرده على من صدر منه، ولا يجوز أن نطلق ألسنتنا في أعراض علمائنا.

    نعم هناك صنف ثالث من العلماء، وهم كما قلنا: علماء أهل البدع والأهواء، الذين لم يجعلوا الحق مطلبهم ولا غايتهم، إنما أرادوا أن يتلاعبوا بنصوص الشرع المطهر حسب أهوائهم وآرائهم، كما تقدم معنا كعلماء الكلام، وينسحب هذا الحكم على سائر أهل البدع والضلال.

    أما الإمام ابن حزم فهو من أئمة الهدى، لكن وجد في حياته عثرات كما تقدم معنا، فلنطرح هذه العثرات وراء ظهورنا، ولنسكت عن الرجل ولا داعي للتشنيع عليه بعد ذلك، وكل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه.

    وهذه العثرات تقدم معنا أنه يمكن أن نجمعها في ثلاث عثرات:

    أولها -كما قلت-: خوضه في علم الكلام، وهو وإن أقلع عنه، فقد بقي فيه نزعة منه.

    ثانيها: إطلاق لسانه في علمائنا الكرام، فتكلم في حقهم بعبارات فجة وفظة، وسب وجدع، ولم يتأدب مع الأئمة، فعوقب من جنس فعله.

    إباحة ابن حزم للغناء والمعازف

    والأمر الثالث: قلت: مع أنه يابس في العلل والمناسبات في الأحكام الشرعية، إلا أنه انماع في باب العشق والنظر المحرم وسماع آلات اللهو، وفتح باب القياس، واعتبر العلل والمناسبات، فكما أنه يجوز سماع الأصوات المطربة من الطيور الشجية والعصافير وغير ذلك، فيجوز إذاً سماع أصوات المعازف والمزامير على اختلاف أنواعها وألوانها، بل توسع فيما يزيد على ذلك في إطلاق النظر إلى المردان وغيرهم، وقال: المحرم أن يستعمل الإنسان فرجه فيما حرم عليه، وأما أن يطلق نظره إلى المردان أو إلى النسوان، وهناك ضبط للفرج فلا حرج في ذلك، إذا لم يكن في القلب تعلق بهذا، وهذا كما قلت من باب فساد خلطه في الأمرين: ألغى العلل والمناسبات في الأحكام الشرعية، وفتح باب العلل والمناسبات لهذه المسائل الردية الغوية، وكنت تكلمت على موضوع الغناء والمعازف والمزامير في الموعظة الماضية، وأريد أن أذكر شيئاً قليلاً يتعلق بهذا الأمر لننتقل للجوانب الأخرى من حياة ابن حزم .

    إخوتي الكرام! قلت: لا خلاف بين أئمتنا علماء الإسلام في تحريم المعازف ومزامير الشيطان، وفقهاء المذاهب الأربعة المتبعة الذين هم أهل الهدى والنهى على أن المعازف والمزامير وجميع آلات اللهو محرمة بلا خلاف بينهم، وتقدم معنا الحديث الشريف الذي يدل على هذا، وهو في صحيح البخاري ، وهو صحيح صحيح، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف )، يذكر الإمام الخلال في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن المعازف محرمة، وليس عنده شك في ذلك، ويروي فيه أن رجلاً مر بالإمام أحمد ، وهو غلام رقيق عبد لبعض الناس في ذلك الزمان، ومعه طنبور عود يضرب به، فقام الإمام أحمد إلى هذا الغلام وكسر هذا العود، هذا الطنبور الذي يحمله، فتغيير المنكر واجب، و( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )، كما ثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم وغيره.

    فذهب هذا الغلام إلى سيده وقال: اعترضني الإمام أحمد وكسر الطنبور، كسر هذا العود الذي أحمله، قال: أخبرته غلام من أنت؟ قال: لا، قال: أنت حر لوجه الله، قال: علام تكافئني بهذا، لمَ؟ ما الذي جرى مني؟ قال: لو أخبرته غلام من أنت لفضحتني، كنت سأفتضح عند الإمام أحمد ، يقول: سيده مالكه عنده عود عنده طنبور ما يستحيي من الله، يسمع المعازف والمزامير، أنت سترتني، فبما أنك سترتني، أنا أمنُّ عليك بها وأكافئك بالعتق وبنعمة الحرية، أنت حر لوجه الله، وهذا كان سلفنا يتناقلونه ويتواصون به.

    عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس عليه وعلى أئمتنا رحمة الله، قال لمؤدب أولاده: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الغناء والمزامير التي مبدؤها من الشيطان ونهايتها سخط الرحمن، أول شيء يعتقده الأولاد منك، وتغرسه في قلوبهم أن يبغضوا الغناء، فيعرضوا عن المزامير والمعازف مبدؤها من الشيطان، ونهايته سخط الرحمن، ولذلك قال الإمام الشافعي عليه رحمة الله مخبراً عن حقيقة الغناء، وعما تفعله المزامير والمعازف في الخلق، يقول: خرجت من بغداد وخلفت فيها شيئاً ورائي أحدثه الزنادقة يسمونه التغبير، آلة يغبرون بها، كالعود للطرب، يصدون بها الناس عن القرآن، يقول: إن آلات اللهو من المعازف والمزامير أحدثها الزنادقة ليشغلوا الناس بها عن القرآن وهذا هو الحاصل، وهذا حقيقةً كلام فقيه بصير يعلم حال هذه الآلة وما يئول إليه أمرها الحقير، يئول أمرها إلى أنها تصد الناس عن القرآن، فالتغبير آلة تصد الناس عن القرآن، وهكذا جميع المعازف وآلات اللهو، فليكن هذا إخوتي الكرام عندنا معلوماً، فقد كان سلفنا يتواصون بهذا.

    إباحة ابن حزم النظر إلى المردان والنسوان

    الأمر الشنيع الذي أباحه الإمام ابن حزم حقيقة وهو مما يستحى من ذكره، كون الإنسان يطلق نظره إلى المردان وإلى النسوان، ويقول: قلبي أنا أضبطه وأملك فرجي! والله هذا باطل كذب لا حقيقة له، والله جل وعلا أمرنا أن نغض أبصارنا: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]، وأما القياس الفارغ بأنه كما يجوز أن ينظر إلى الورود والرياحين، يجوز أن ينظر إلى المرد من المخلوقين، فهذا كلام باطل، نظرة تزرع في القلب شهوة كفى بها فتنة، تريد أن تقيس هذه على النظرة إلى الوردة الحسناء، سبحان ربي العظيم! قياس مع الفارق، أنت ألغيت القياس في الأحكام الشرعية، ثم جئت تقيس في باب العشق، وقد كان أئمتنا يحذرون من النظر إلى المرد أشد من تحذيرهم من النظر إلى النساء، فهذا العبد الصالح إبراهيم النخعي عليه رحمة الله، كان يقول: أحذركم مجالسة المردان ففتنتهم كفتنة النساء.

    وقال العبد الصالح بشر الحافي ، ونقل عن سفيان الثوري عليهم جميعاً رحمة الله أنهما كانا يقولان: مع المرأة شيطان، ومع الأمرد شيطانان يغويان الناس بالنظر إليه، والفتنة به أعظم من الفتنة بالمرأة، مع الأمرد شيطانان.

    ولذلك قال سعيد بن المسيب عليه رحمة الله: من رأيتموه يديم النظر إلى المرد فاتهموه. إنما يرى أمرد يسرح نظره إليه، اتهمه.

    وقال فتح الموصلي عليه رحمة الله: أدركت ثلاثين من الأبدال من خيار عباد الله الصالحين كانوا يوصونني كل واحد منهم يقول: إياك وصحبة الأحداث! إياك ومجالسة المردان!

    والإمام ابن تيمية عليه رحمات رب البرية وسع الكلام على هذه المسألة، وبين خطورة النظر إلى المرد في مجموع الفتاوى في عدد من صفحات كتابه، انظروه في المجلد الحادي عشر صفحة (545)، وانظروه في المجلد الخامس عشر صفحة (375)، وصفحة (418)، وانظروه في المجلد الثاني والثلاثين في صفحة (247)، وهذه الآثار التي ذكرتها وغيرها وغيرها مضموم إليها في بيان تحريم النظر إلى المردان، ولذلك الإمام الذهبي عليه رحمة الله في ترجمة محمد بن طاهر المقدسي الذي تقدم معنا، يطلق عليه الإمام الألوسي : ابن النجس بدل محمد بن طاهر ، فهذا كلام باطل أيضاً، ولا ينبغي كما قلنا الفحش في العبارة، اتهمه ابن الجوزي وشيخه محمد بن ناصر وعدد من أئمة الحديث، قالوا: كان إباحياً.

    يقول الإمام الذهبي عليه رحمة الله: ماذا تقصدون بالإباحة؟ إن كنتم تقصدون الإباحة المطلقة فمعاذ الله أن يكون محمد بن طاهر المقدسي من الإباحيين، الذين لا يحرمون فرجاً ولا يدينون بدين، إنه أثري متبع من حفاظ هذه الأمة، وإذا كنتم تقصدون بالإباحة إباحة خاصة، وهي إباحة السماع والنظر إلى المردان، قال: هذا هو مذهب الظاهرية، هم عندهم هذا جائز، وهذه معصية، نسأل الله أن يغفر لهم، ولا يجوز أن نقول: إنهم أهل إباحة، وهم إباحية، لا، هي زلة ومعصية، لكن هذا مذهبهم، مذهب الظاهرية يجوز الاستماع إلى الغناء وإلى جميع المعازف والمزامير باختلاف أشكالها وألوانها، والنظر إلى النساء والمرد بشرط أن تضبط فرجك، هذا باطل قطعاً وجزماً، كما تقدم معنا، فهو إمام، لكن له هذه العثرات فلنحذرها، وعندما أطلق لسانه في الإمام الترمذي ، وأطلق لسانه في أبي القاسم البغوي ، وهكذا في غيرهما، فلنطرح هذا وراءنا ولنقل: هذا من عثراته وزلاته، ونسأل الله أن يغفر لنا وله، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    1.   

    الموقف الصحيح من ابن حزم

    هل في حياة الإمام ابن حزم جوانب إيجابية، أنت تقول: إنه من أئمة الهدى؟ لا شك، وكل من ترجم له أقر بأن هذا الإمام بلغ رتبة الاجتهاد، فحقيقة هو من الأئمة الراسخين، لكن مع زلات صدرت منه، فلنطرح هذه الزلات، ولنعرف للرجل قدره وحقه، قال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ: قلت: ابن حزم رجل من العلماء الكبار، فيه أدوات الاجتهاد كاملة، تقع له المسائل المحررة، كما تقع له المسائل الواهية، وهذا يقع لغيره، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المصطفى عليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً: رجل -كما قلنا- فيه أدوات الاجتهاد، وهو إن شاء الله إن أصاب له أجران، وإن أخطأ فخطؤه مغفور، وله أجر على اجتهاده، ونسأل الله أن يغفر لنا وله وللأئمة المسلمين أجمعين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إذاً: مع الزلات هو إمام علم، حسناً ما موقف العلماء بعد ذلك نحوه؟ حقيقة زهد فيه كثير من الناس والسبب في هذا كما قلت أنه عندما سب وجَدع، سُبَّ وجُدِّع، والحقيقة أنه دائماً يضيع الحق بين إفراط وتفريط، فإذا هو قصر فلا ينبغي أن نقصر نحن.

    من جملة من لم ينصف الإمام ابن حزم كما سيأتينا أبو بكر بن العربي صاحب أحكام القرآن، وصاحب عارضة الأحوذي، فقد تكلم فيه بكلام سيئ ككلام ابن حزم في العلماء الصالحين، وكما قلت: لا ينبغي أن نداوي الداء بداء، والإنصاف ينبغي أن نتحلى به، وأن نكون مع الحق في جميع أحوالنا، والإنصاف عزيز عزيز عزيز، رحمة الله على الإمام أبي سليمان الخطابي ، وهو من علماء القرن الرابع للهجرة، يقول في كتابه العزلة، وهذا في القرن الرابع، -أي: قبل زمن ابن حزم بمائة سنة، يقول: أنت في زمن قل فيه من يعرف، وأقل منه من ينصف، الذي يعرف الحق قليل، والذي ينصف ممن يعرف الحق أقل من القليل، رحمة الله على الإمام الشافعي عندما قال هذه الحكمة الحكيمة: ليس شيء أقل من الإنصاف. أقل شيء في هذه الحياة الإنصاف، وهي أن تحكم على الإنسان بما يستحق دون إفراط وتفريط، دون غلو ودون جفاء، ليس شيء أقل من الإنصاف، والإنصاف ينبغي أن يتحلى به المؤمن، ولا يتم الإيمان في الإنسان حتى ينصف من نفسه، وينصف عباد الله أجمعين.

    ولذلك ثبت في صحيح البخاري في كتاب الإيمان، باب: إفشاء السلام من الإيمان، ثم ساق الإمام البخاري أثراً عن عمار بن ياسر معلقاً بصيغة الجزم، وهو موقوف عليه من كلامه، قال: وقال عمار : ثلاث من جمعهن فقد استكمل الإيمان: الإنصاف من نفسك، والإنفاق من الإقتار، وبذل السلام للعالم. ثلاث من جمعهن فقد استكمل الإيمان: أن تنصف الناس، وأن لا تطري، وأن لا تجحف، ثم تنفق وأنت بحاجة إلى هذا المال، وتؤثر على نفسك، والإنفاق من الإقتار، أي: من قلة، والحالة الثالثة: أن تبذل السلام للعالم، لمن عرفت ولمن لم تعرف، وهذا الأثر الذي علقه الإمام البخاري عليه رحمة الله في صحيحه على هذا الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنهما بصيغة الجزم، وصله الإمام أحمد في كتاب الإيمان، ويعقوب بن شيبة في مسنده، موقوفاً على عمار ، لكنه موصول، أي: ذكر مبدأ السند من هؤلاء الأئمة إلى عمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين، والأثر رواه البزار في مسنده والبغوي في شرح السنة، كما رواه ابن أبي حاتم في كتاب العلل، لكن مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام متصلاً من طريق عمار بن ياسر ، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ثلاث من جمعهن فقد استكمل الإيمان: الإنصاف من نفسك والإنفاق من الإقتار، وبذل السلام إلى العالم )، ورواية البزار والبغوي وابن أبي حاتم كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح فيها كلام؛ لأن الرواية من طريق عبد الرزاق صاحب المصنف، وعبد الرزاق قد تغير في آخر حياته، واختلط في حفظه، والذين رووا عنه هذه الرواية كان هذا في آخر حياته وبعد اختلاطه، فروايتهم هذا الأثر عن عمار مرفوعاً إلى نبينا المختار عليه الصلاة والسلام ضعيفة من حيث السند، ثم قال الحافظ : وعلى كل حال فالأثر له حكم الرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، سواء رفعه عمار إلى النبي عليه الصلاة والسلام أو لا؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأي: ثلاث من جمعهن فقد استكمل الإيمان، من كلام عمار ، لكن له حكم الرفع إلى نبينا المختار عليه الصلاة والسلام: الإنصاف من نفسك، والإنفاق من الإقتار، وبذل السلام إلى العالم، الإنصاف قليل، فينبغي أن ننصف نحن، يعني: مع الحبيب والبعيد، والعدو والصديق، وأن نعامل الناس كما أمر الله بالقسطاس المستقيم، فلا ينبغي أن يحملنا شنآن قوم وبغض قوم على عدم إعطائهم حقهم، بل ينبغي أن نحكم بالعدل مع كل أحد، فإذا أحسن نقول: أحسنت، وإذا أساء نقول: أسأت.

    طرح جوانب الزلل عند ابن حزم والاستفادة مما سواها

    ابن حزم عنده إحسان كثير، زل في ثلاثة جوانب كما قلنا، نطرحها وراء ظهورنا ونستغفر له، ونقول ما أمرنا الله أن نقوله: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    وقد بلغ من إنصاف نبينا عليه الصلاة والسلام أنه صدق الشيطان في حق قاله، ومذهبه الإنصاف، يصدر من الشيطان كلمة حق فيصدقه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: هذا حق، خذوه من الشيطان، وأنا أبين لكم أنه حق في شريعة الإسلام، وإن قاله الشيطان، لكنه حق: ( صدقك وهو كذوب )، والحديث في صحيح البخاري ، ورواه الإمام النسائي في السنن الكبرى، وأبو نعيم في دلائل النبوة، وابن مردويه في تفسيره، وابن جريج في فضائل القرآن، ولفظ الحديث طويل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( وكلني النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ تمر الصدقة في رمضان )، صدقة الفطر وكلني أن أحفظها، والصدقة كانت تصب في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ويصبح كومة كالبيضة، وهذا دليل على جواز إخراج صدقة الفطر قبل يوم الفطر، كما كان الصحابة يخرجونها، والذي يظهر والعلم عند الله أنه إذا دخلت العشر الأواخر يرخص للمسلمين أن يخرجوها من أجل أن يكون لإمام المسلمين ولإمام الحي نظر في توزيعها على المحتاجين، إما قبل صلاة عيد الفطر، وإما قبل ذلك، الأمر فيه سعة إن شاء الله، يقول: ( وكلني النبي عليه الصلاة والسلام بحفظ تمر الصدقة صدقة رمضان، يقول: فبينا أنا أحرس هذا التمر، وهو المسجد، يقول: جاء شيخ كبير فبدأ يحثو من التمر في ثيابه، يريد أن يملأ ثوبه، وأن يسرق تمراً، فقبضت عليه، قلت: تسرق من تمر الصدقة، والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني شيخ كبير وذو عيال، وأنا فقير محتاج، وأعاهدك على أن لا أعود )، يعني: هذه زلة، لكن الدافع إليه الحاجة، ولكن لا أعود مرة ثانية، فاتركني ولا ترفعني إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فرق له أبو هريرة رضي الله عنه وعن الصحابة الكرام وتركه، ( ولما حضر صلاة الفجر مع النبي عليه الصلاة والسلام، بعد الصلاة تبسم نبينا عليه الصلاة والسلام في وجه أبي هريرة وأخبره بما حصل له، قال: ما فعل أسيرك البارحة يا أبا هريرة ؟ )؟ أنت الآن قبضت البارحة على إنسان كان يريد أن يسرق، وأسرته ينبغي أن ترفعه إليه، ماذا فعلت؟ ( قلت: يا رسول الله! إنه شيخ كبير وشكا إلي الحاجة والفقر، وأنه ذو عيال، فرحمته وتركته، وأخبرني أنه لن يعود، قال: كذبك إنه سيعود، يقول: فعلمت أنه سيعود لقول النبي عليه الصلاة والسلام: إنه سيعود، وجئت الليلة الثانية أرقبه، وفي وسط الليل جاء، بدأ يحثو من التمر في ثوبه، فقبضت عليه، قلت: هذه ثاني ليلة تسرق من تمر الصدقة، وقد عاهدتني ألا تعود، قال: إنني كبير ومسكين وذو عيال وذو حاجة شديدة، ولن أعود بعد هذه الليلة، فرق له وتركه )، والمؤمن غر كريم، وكان سلفنا يقولون: من خدعنا بالله انخدعنا، ولذلك عندما وسوس الشيطان لأبينا آدم: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]، في أحد يقسم لك بالله أنه لك ناصح، وإذا أكلت هذه الشجرة ستكون ملك أو مخلد في الجنة، وكل واحد يتمنى الخلود في الجنة، إذاً: قال: ما يمكن أن نكذبه، وهو يحلف بالله أنه ناصح إذا أكلت أخلد في الجنة، إذاً المسألة سهلة، سآكل منها لأخلد، وإذا كان في الأمر شيء من مخالفة الشيء الذي نهينا عنه من أكلنا من هذه الشجرة، لكن بجانب هذه المصلحة، وهذا خدعنا، فإذا كان كذلك ضعف بشري، من خدعنا بالله انخدعنا، وهنا كذلك: يقول: أعاهدك ألا أعود، وأنا وضعي كذا وكذا، وانخدع أبو هريرة ورق له فتركه.

    ( ففي صلاة الفجر تبسم النبي عليه الصلاة والسلام في وجهه وقال: ما فعل أسيرك البارحة؟ فقال: يا رسول الله! شيخ كبير ذو حاجة وعيال، وزعم أنه لن يعود، قال: كذبك وسيعود، يقول: فعلمت أنه سيعود لقول النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيعود، هذا ما فيه شك، فجاء في الليلة الثالثة فقبض عليه، قال: فقير وذو عيال وشيخ كبير، قال: لأرفعنك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام )، لو كنت أفقر أهل الأرض، هذه ثالث ليلة، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، مرة مرتين وهذه ثالثة، فالمتوقع والذي ينبغي أن تقف عند حد، ( قال: إن تركتني علمتك شيئاً إذا قلته لا يقربك شيطان حتى تصبح، ولن يزال عليك من الله حافظ )، أعلمك شيئاً إذا قلته عند المساء لا يقربك شيطان حتى الصباح، ويحفظك حفيظ من قبل الله الحفيظ سبحانه وتعالى حتى تصبح.

    قال أبو هريرة -وكانوا أحرص شيء على الخير، كأنه الآن يريد أن يبرر تركه له في المرة الثالثة-: نحن أحرص الناس على الخير. ولهذا قال: في هذا القول الذي سأتعلمه فائدتان: حفيظ من الله حتى الصباح ولا يقربني شيطان، إذاً: هذه مصلحة، يعني: يغتفر بجانبها ترك هذا السارق. قال الشيطان لـأبي هريرة : اقرأ آية الكرسي إذا أخذت مضجعك لا يقربك شيطان حتى تصبح، ولن يزال عليك من الله حفيظ، حافظ.

    ( يقول: فتركته، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يزعم أنني إذا قرأت آية الكرسي لا يقربني شيطان حتى أصبح، ولن يزال علي من الله حفيظ حافظ، قال: صدقك وهو كذوب )، في هذه الجملة صدق، وهذا هو الإنصاف، فما صدق فيه يقول: صدق، لكن هو كذوب، فاحذره من أن يغرك بعد ذلك بخداعه وتلبيسه، صدقك، انظر إلى هذا الإنصاف، ووضع الشيء في موضعه.

    وهذا الإمام حتماً له زلل، وذكرناه، ونطرحه وراء ظهورنا، لكن لا داعي بعد ذلك لشدة القول في الحق.

    إذاً: بعض العلماء قابلوه بالمثل إن لم يزيدوا على فعله، ووفوه كما يقال: الصاع صاعين، وما هكذا تورد الإبل!

    تعليق الذهبي على موقف ابن العربي من ابن حزم

    أبو بكر بن العربي عليه رحمة الله حقيقة ما أنصف ابن حزم وأطلق لسانه فيه، كما أطلق ابن حزم لسانه في علماء هذه الأمة، نعم ابن العربي لم يطلق لسانه في العلماء، وهو يتأدب بأدب الشرع، لكن لما جاء إلى هذا الذي أطلق لسانه، أراد أن يوقفه عند حده، فأعطاه كلاماً هضمه في الحقيقة بهذا الكلام حقه، وما وضعه في منزلته، مع أن والد أبي بكر بن العربي كان تلميذاً لـابن حزم ، يتلقى علومه عن ابن حزم ، فانظر إلى تعليق الإمام الذهبي على هذه القصة قال: قلت: لم ينصف أبو بكر بن العربي شيخ أبيه، وهو ابن حزم الذي علم والد أبي بكر بن العربي ، وأنت من برك بوالدك ألا تطعن في شيخ والدك، لم ينصف شيخ أبيه، ولا تكلم فيه بالقسط، بل بالغ في الاستخفاف به..

    من جملة عبارات أبي بكر بن العربي يقول: نشأ عندنا في الأندلس أمة سخيفة تسورت على مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لا تفهمه، يقول: وحالهم في ذلك كحال إخوانهم من الخوارج عندما قالوا لـعلي رضي الله عنه: لا حكم إلا لله، وهذا كلام حق، لكن يريدون به باطلاً، يعني: علي يحكم الشيطان وهؤلاء كذلك يقولون: لا نعول على أحد من الأئمة، صدق الله وكذب مالك ، اتق الله في نفسك، صدق الله وصدق الإمام مالك ، والإمام مالك لا يقول إلا ما قال الله وقال الرسول عليه الصلاة والسلام، أم تريد أن تجعل كفتيه متقابلتين، الله والإمام مالك ، وأنت مع الله ولست مع الإمام مالك ؟ هذا ضلال، هذا الذي يستعمله ابن حزم ، ونحن لا يجوز لنا أيضاً أن نأتي ونطلق هذه العبارة أيضاً على ابن حزم : أمة سخيفة، ثم ذكر عن ابن حزم أنه سخيف الرأي، وبدأ يتكلم عليه بعبارات لعلها أغلظ من العبارات التي تكلم بها ابن حزم في علمائنا الكرام. وكما قلت: انحراف قوبل بانحراف، وضاع الحق في وسط هذا الانحراف، وهذا غلط.

    إخوتي الكرام! لا يجوز بحال أن نعقد مقابلة ومقارنة وموازنة بين أئمتنا وبين ربنا وبين نبينا عليه الصلاة والسلام، والله لو فعلنا هذا لكان هذا هو الكفر، يعني: أناس يقولون: تتبع أبا حنيفة أو تتبع رسول الله عليه الصلاة والسلام! أتتبع الإمام أحمد أو تتبع القرآن؟! أهذا يقال؟! هذا الذي يقوله ينبغي أن يعزر أما يستحي من الله؟ وهل الإمام أحمد وشيخه الشافعي وشيخه مالك ومن قبلهم أبو حنيفة جعلوا أنفسهم نداً لله حتى تأتي وتقول: تتبع القرآن والسنة أو تتبع الأئمة؟! كلام باطل، وموازنة لا حقيقة لها، وتمويه على الناس بالباطل، ومن يقول: صدق الله وكذب فلان من الأئمة نقول: على رسلك، صدق الله وصدق هذا، إن هذا ما قال شيئاً إلا مما قال الله وقال الرسول عليه الصلاة والسلام، فاعرف قدرك، ولا داعي للشطط، إذا لم يرق لك هذا الحكم، ولا ظهر لك وجهته، فالتمس له عذراً على أقل تقدير، ولا تجعله مقابلاً نداً لله الجليل، وإلا فسيأتي من بعدك فلا يروق له الحكم الذي استنبطته أنت من الكتاب والسنة، وسيقول فيك ما قلته في العلماء قبلك، والنهاية بعد ذلك كل واحد يضلل الآخر، هذا ضلال، فلا يجوز بحال أن نجعل الأئمة في منزلة تقابل منزلة الله ومنزلة رسوله عليه الصلاة والسلام، لا يجوز بحال، الأئمة كلهم شراح حديث ومفسرو قرآن، فكيف ستعقد بعد ذلك موازنة بينهم وبين الله وبين رسوله عليه الصلاة والسلام! هذا كلام باطل، وهل جاءنا القرآن والسنة إلا من طريق أئمتنا.

    فلنع هذه القضية إخوتي الكرام ولا يلبسن علينا ملبس، قل: كنت حنفياً، ثم اهتديت بعد ذلك والتزمت بالسنة، يا رجل أما تتق الله في كلامك؟! وسمعت مرة بأذني بعض غلاظ الأكباد ولا زال على قيد الحياة، قال: كنت وثنياً لأنني مالكي، وتبت الآن كما تاب عمر ، فقلت له: أما تتق الله؟! تجعل المالكية كالوثنية؟! قال: هم ورب الكعبة عابدو وثن، هم والشيوعية عند الله سواء، اختلفت طرقهم فتوحدت غاياتهم! ألا تستحي من الله؟! الإمام مالك علم من أعلام المسلمين.

    إذا ذكر العلماء فـمالك النجم الثاقب:

    وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية كمالك نجم السنن

    أعلم الناس بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، أيقال: من يتبعه وثني؟ وتبت من المذهب المالكي كما تاب عمر ؟! نعوذ بالله، هو لو كان لمذاهب الأئمة سلطان في هذه الأيام، وجاء إنسان وقال: يا جماعة! هذه المسألة يريد أدلة وكذا، لقلنا: يوجد مجال لبحثك. لا يوجد لا حكم لا للشافعي ولا لـمالك ولا لـأحمد ولا لـأبي حنيفة ، شريعة الغاب تنفذ في العباد، وجئنا بعد ذلك مع هذه البلية التي نزلت علينا؛ لئلا نخرج منها جئنا نزيد البلاء بلاء وتطاولاً على أئمتنا الذين حطوا رحالهم في الجنة أكثر من ألف سنة، كان وثنياً لأنه مالكياً!

    فلا يجوز إخوتي الكرام أن نعقد مقارنة على الإطلاق بين أئمتنا الأتقياء وبين خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، هؤلاء أو هذا، من تتبع؟ نتبع النبي عليه الصلاة والسلام عن طريق أئمتنا الكرام، وكل شيء لا يقرره أئمتنا مردود عليه، الشيء الذي لا يقدره أئمتنا، هذا ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فقف عند حدك، فأتقى الناس لله وأعلم الناس بما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام أئمتنا الكرام، أما تأتي بعد ذلك في آخر الزمان كما يقال: دبر الزمان: تتبعون الإمام مالك أو تتبعون النبي عليه الصلاة والسلام؟! هذا لا يقال إخوتي الكرام، هذا شطط وسفاهة، والله من يقوله ينبغي أن يضرب على فمه حتى يوقف عند حده، هذا كلام يقال في أئمتنا الكرام؟!

    فالإمام ابن حزم عندما أطلق لسانه بمثل هذه العبارات جاءه أبو بكر بن العربي الذي توفي سنة (543هـ)، وتقدم معنا ابن حزم : (456هـ)، بينهما قرابة مائة سنة، يعني: فوق التسعين سنة، فجاء يقول عنه وعن الظاهرية: أمة سخيفة وابن حزم سخيف! أئمته فيما يقول: الخوارج الذين قالوا: لا حكم إلا لله، فليس لنا بـعلي أي صلة، وعلي لا يحتكم إلى الله، وابن حزم عندما يقول: صدق الله وكذب مالك ، ولا نتبع الأئمة ونريد فقط حكم الله وحكم النبي عليه الصلاة والسلام، هذه الدعوات التي يطلقها سبقه فيها الخوارج: أمة سخيفة لا عقل لها ولا تعي ما تقول، وهل الأئمة كانوا على خلاف ما كان عليه نبينا الرسول عليه الصلاة والسلام؟! لا، ثم لا، وهل علي حكم شرع الشيطان في يوم من الأيام حتى نقول له: لا حكم إلا لله؟ وهل خرج عن حكم الله طرفة عين؟ لكن كما قال علي : كلمة حق أريد بها باطل، وهنا كذلك تتبعون: القرآن أو الأئمة؟! كلمة حق، لكن يراد منها باطل، ألا وهو تضليل الأئمة، والإيهام بأن الأئمة على غير القرآن وعلى غير سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فـأبو بكر بن العربي أطلق هذه العبارات فيه.

    هذا الكلام الذي ذكرته وذكره الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء كما تقدم معنا في الجزء الثامن عشر صفحة (188)، وأعاد نظيره في الجزء العشرين صفحة (502) في المجلد العشرين من سير أعلام النبلاء في ترجمة أبي بكر بن العربي ، في الجزء الثامن عشر في ترجمة ابن حزم ، أما في المجلد العشرين في ترجمة أبي بكر بن العربي فيقول: كان أبو بكر بن العربي -مناصراً لـابن حزم - يحط عليه بنفس ثائرة، بخلاف أبيه، ثم قال: إن أبا بكر بن العربي قد بلغ رتبة الاجتهاد، وتقدم معنا ابن حزم كذلك، قال الإمام الذهبي : ولم أنقم على أبي بكر بن العربي إلا إقذاعه في ذم أبي محمد بن حزم واستجهاله له، وابن حزم أوسع دائرة منه في العلوم، وأحفظ منه بكثير، وقد أصاب في أشياء، أي: ابن حزم ، وأجاد، وزلق في مضايق كغيره من الأئمة، والإنصاف عزيز.

    وقال في ترجمة ابن حزم في المجلد الثامن عشر معلقاً على كلام ابن العربي ، وعلى عظمة ابن العربي في العلم: لا يبلغ رتبة أبي محمد بن حزم ولا يكاد، فرحمهما الله وغفر لهما.

    يقول: ابن حزم أخطأ في حق الأئمة الأشهاد، لكن هذا الخطأ لا نقابله بخطأٍ أشد، فإذا كانت منزلة الترمذي أعلى من منزلة ابن حزم بلا شك، فمنزلة ابن حزم أعلى من منزلة أبي بكر بن العربي ، فلنتأدب مع بعضنا، ولا يتطاول كل منا على الآخر، فإذا تطاول ابن حزم طرحنا تطاوله وراء ظهورنا، وأنصفناه بعد ذلك، ولا ينبغي أن نجحفه ولا أن نزيد عليه.

    1.   

    إنصاف الذهبي لابن حزم

    الإمام الذهبي أعطى رأيه في الإمام ابن حزم ، ونعم الرأي ونعم القول، يقول في المجلد الثاني عشر في صفحة (187): كان ينهض بعلوم جمة، ويجيد النقل، ويحسن النظم والنثر، وفيه دين وخير، ومقاصده جميلة، ومصنفاته مفيدة، وقد زهد في الرئاسة، ولزم منزله مكباً على العلم، فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار، أي: العلماء الذين تقدموا.

    ويقول في صفحة (201): ولي أنا ميلٌ إلى أبي محمد بن حزم في محبته الحديث الصحيح، ودائماً يتعلق بالأثر ويستشهد به ويروي أحاديث بسنده إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأنا أميل إليه، وأهل الحديث أمرنا بمحبتهم إكراماً لنبينا عليه الصلاة والسلام. قال: لي ميل إلى أبي محمد بن حزم لمحبته الحديث الصحيح، ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل، والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسألة، لكن لا أكفره ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه.

    انظر إلى هذا الإنصاف: أنا أميل إليه. لكن ليس المعنى أن هذا الميل يعمينا عن سيئاته، فأنا لا أعبأ بكلامه في الرجال والعلل والمسائل البشعة التي قالها في الأصول والفروع فكلها وراء ظهري، لكن مع ذلك لا أضلله ولا أكفره، فلا نغلو فيه ولا نجفو عنه، ونرجو له وللمسلمين العفو والمغفرة والمسامحة.

    موقف ابن تيمية من تفضيل ابن حزم أمهات المؤمنين على أبي بكر

    الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله، حقيقة ما رأيت أنصف منه عندما يتكلم في حق العلماء الأخيار، وإذا صدرت من واحد منهم زلة يقف بإنصاف نحوها، أما علماء أهل الأهواء والبدع فأولئك في الأصل ما أرادوا الحق ولا قصدوه، لكن من يريد الحق وزل، فهذا في الحقيقة له شأن يختلف عن ذاك، هذا أراد بيت الله الحرام وقصده، أخطأ الطريق، تأول، قال: الطريق من هنا يوصل، هذا ارفق به ودله برفق، فقل: أنت تريد الخير، لكن الطريق من هنا، وذاك في الأصل لا يريد بيت الله الحرام ليذهب إليه، فشتان شتان.

    فالإمام ابن تيمية عليه رحمة الله عندما تعرض لـابن حزم في مجموع الفتاوى، وقد ذكره في مجموع الفتاوى في أماكن كثيرة، على سبيل المثال في الجزء الرابع صفحة (395)، ذكر مسألة انفرد بها ابن حزم لم يقل بها أحد قبله من الإنس ولا الجن، إنما هذا من شذوذه وانفراده، وكما قلنا: شيء نطرحه وراء ظهورنا، لا نرتاب في أن أفضل هذه الأمة بل أفضل الخليقة على الإطلاق نبينا عليه الصلاة والسلام، هذا لا خلاف فيه، فهو أفضل المخلوقات، من يليه في الفضيلة؟ عندنا أبو بكر رضي الله عنه، عمر ، عثمان ، علي رضي الله عنهم أجمعين، أبو محمد بن حزم له قول آخر، يقول: نساء النبي عليه الصلاة والسلام أفضل هذه الأمة، فـعائشة بنت أبي بكر أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وهكذا سائر أزواجه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى درجة في الجنة، ونساءه معه، فمنزلتهن أعلى من منزلة أبي بكر وعمر ، فهن أفضل من أبي بكر وعمر ، انظر إلى حجاج أئمتنا له، ولا يستطيع أن -كما يقال- ينطق ببنت شفه فقيل له: هل تقول: إن أم رومان زوجة أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين أفضل من عمر بن الخطاب ؟! قال: لا، قال: نقضت قولك، زوجة أبي بكر معه في الجنة، ودرجة أبي بكر فوق عمر ، فكما قلت: إن نساء النبي عليه الصلاة والسلام مع النبي، فمنزلتهن أعلى من منزلة الصحابة، فأي أفضل؟ فقل: زوجة أبي بكر مع أبي بكر ، ومنزلة أبي بكر أعلى من منزلة عمر وغيره من الصحابة، فنساء أبي بكر أفضل من عمر ، تقول بهذا؟ قال: لا، إذاً: قولك بطل، فما الجواب عن هذا الإشكال الذي أورده ابن حزم ؟

    نقول: المزية لا تقتضي الأفضلية، حقيقة صلة أمنا عائشة بنبينا عليه الصلاة والسلام ليست كصلة أبي بكر ، مهما اشتدت صلة أبي بكر بالنبي عليه الصلاة والسلام، فهناك اتصال خاص، كما قال الله: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، لكن هل يعني هذا أنها أقرب إليه، وأنها أحب إليه، وأنها تفهم عنه أكثر من أبي بكر ؟ لا، كونها لها صلة به، بحكم أنها زوجة، ولها منزلة عالية، هذا لا شك فيها، لا يعني أنها أفضل من أبيها، وأفضل من عمر ، هي امتازت عليه لأنها زوجته، باتصال معين لا يحصل لـأبي بكر ولا لغيره، لكن ليس معنى هذا أنها أفضل، المزية لا تقتضي الأفضلية، يعني: الذي كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام أنس رضي الله عنه قد يحصل له من الملازمة للنبي عليه الصلاة والسلام، والدخول عليه ما لا يحصل لكبار الصحابة، هل يعني أنه أفضل منهم؟ هذه مزية الخدمة، لا يعني: أنه أفضل منهم في كل شيء، نعم امتاز عنهم بكثرة صحبته وملازمته وخدمته، لا يعني أنه أفضل منهم في كل شيء، المزية لا تقتضي الأفضلية، فزوجات نبينا عليه الصلاة والسلام، أمهاتنا رضي الله عنهن وعلى نبينا وآل بيته وأزواجه صلوات الله وسلامه، مع نبينا عليه الصلاة والسلام في الجنة، لكن لا يلزم أن يشعرن بما يشعر به نبينا عليه الصلاة والسلام من النعيم والخير العظيم، كل واحد يتمتع حسب تأهله للتمتع في ذلك المقام، فـأبو بكر دون عائشة في المنزلة رضي الله عنهم أجمعين، لكن له من التمتع والنظر إلى وجه الله ما ليس لمن دونه وإن كان فوقه في المنزلة الحقيقية، لكن هو دونه في المنزلة الحقيقة، فالمزية لا تقتضي الأفضلية.

    يقول هنا الإمام ابن تيمية : وأما نساء النبي عليه الصلاة والسلام فلم يقل إنهن أفضل من العشرة إلا أبو محمد بن حزم ، وهو قول شاذ لم يسبقه إليه أحد، وأنكره عليه من بلغه من أعيان العلماء، ونصوص الكتاب والسنة تبطل هذا القول، وحجته التي احتج بها فاسدة وقد لخصتها لكم، ثم يقول: وبالجملة فهذا قول شاذ لم يسبق إليه أحد من السلف، يعني: لم يقل به سابقاً أحد من السلف، وأبو محمد مع كثرة علمه وتبحره، وما يأتي به من الفوائد العظيمة له من الأقوال المنكرة الشاذة ما يعجب منه، كما يعجب مما يأتي به من الأقوال الحسنة الفائقة، فأحياناً يأتيك بدرر، وأحياناً بجيف، فتتعجب من هذه الدرر التي يستنبطها، وتتعجب من هذه الزلات والسقطات التي يأتي بها.

    له من الأقوال المنكرة الشاذة ما يعجب منه، كما يعجب مما يأتي به من الأقوال الحسنة الفائقة، وهذا كقوله: إن مريم نبية، وإن آسية نبية، وإن أم موسى نبية، كما تقدم معنا في مبحث النبوة على قول من يقول: يوجد في النساء نبيات، فقلنا: النبوة مختصة بجنس الذكور كما بينت هذا في مبحث النبوة.

    الشاهد إخوتي الكرام! إمام علم عنده زلل، فهذا الزلل يطرح وراء الظهور، ونسكت عن قائله، ونستغفر له، ونسأل الله أن يغفر لنا أجمعين.

    كلام الذهبي في رتبة ابن حزم الاجتهادية

    هل استفاد علماؤنا من جهود الإمام ابن حزم أم لا؟ حقيقة ينبغي أن نقف عند هذا وقفة يسيرة قبل هذا، وأرجو أن أنبه على شيء ذكره الإمام الذهبي ، ويقال ابن الذهبي في ترجمة ابن حزم يتعلق بحاله يقول في صفحة (191)، وهذا ينبغي أن ننتبه له: أبو محمد بن حزم مجتهد والمجتهد على خير إن أصاب وإن أخطأ، وأبو بكر بن العربي مجتهد، وهو على خير إن أصاب وإن أخطأ، فكلامهم في بعضهم ليس ككلامنا في سلفنا، فنعرف قدرهم، أولئك مجتهدون، يعني: على الخير في جميع الأحوال، يعني: ابن حزم قد يبدو له أن هذا القول الذي قال به فلان من الأئمة باطل، فيتحامل في الكلام عليه بنية حسنة، بتنفير الناس عن هذا القول، لكن إذا فج في العبارة، وأغلظ، فيرد عليه هذا الشطط، لكن نيته يثاب عليها، والذي جاء بعد ابن حزم كـأبي بكر بن العربي إمام علم مجتهد لينفر الناس عن هذه الطريقة، فأغلظ في العبارة على ابن حزم ، لا هضماً له في الحقيقة، لكن من أجل أن يحذر الناس، وأن يحفظ الناس من هذه السقطات، فهو مجتهد بنية حسنة، مثاب، فلا نأتي نحن ونسلك هذا المسلك، ذاك مجتهد، كما شهد بذلك أئمتنا كل منهما أدوات الاجتهاد عنده، أما نحن فحقيقة ينبغي أن نعرف قدرنا، وأن نقف عند حدنا.

    يقول الإمام الذهبي : قلت: نعم من بلغ رتبة الاجتهاد، وشهد له بذلك عدة من الأئمة، لم يسغ له أن يقلد، كحال ابن حزم ليس له أن يتبع الإمام مالك ولا غيره يجتهد كما اجتهد، وأبو بكر بن العربي مثله.

    كما أن الفقيه -انتبه للفظ الإمام الذهبي هذه حالة ثانية، ونحن هل ندخل في هذا أم في آخر وصف من هذا- كما أن الفقيه المبتدئ والعامي الذي يحفظ القرآن أو كثيراً منه، لا يسوغ له الاجتهاد أبداً، فقيه أو عامي يحفظ القرآن كله أو كثيراً منه، لا يسوغ له الاجتهاد أبداً، فكيف يجتهد، وما الذي يقول، وعلام يبني، وكيف يطير ولما يريش؟! هذا هو القرآن، لكن ما عنده أدوات الاجتهاد، لا سنة، ولا علم بالثابت منها، ولا بالضعيف، ولا علم بأصول الفقه، ولا علم باللغة، بأساليب شيء، ما عنده هذا، قرأ: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:115]، فذهب إلى قرية وقال: استقبال القبلة ليس بشرط في الصلاة كما يدعي فقهاء المذاهب الأربعة، إن شئت أن تصلي إلى المشرق أو إلى المغرب، فكله جائز، لهذه الآية.

    حسناً: هذه في نافلة السفر، إذا كان مسافراً يجوز أن يتنفل على دابته في طيارته، على سيارته، في الباخرة، ولا يشترط استقبال القبلة؛ لأن صلاة المسافر لها حكم الذكر ولا يشترط في الذكر أن تستقبل قبلة، وهذا ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كان يصلي أينما توجهت به راحلته في السفر، وهو مسافر، في الطائرة، قد يسافر خمس ساعات في الطائرة، يقول: خمس ساعات، أنا معتاد دائماً أصلي نافلتي التي من الضحى إلى الظهر ما أصلي ولا ركعة؟ والله هنا النافلة لا تجب عليه في الأصل، يعني: لا تطالب بها كما يطالب بها المقيم، لكن يقول: أنا أريد ألا أمتنع عن الصلاة، خير موضوع خير ما شرع للعباد، ماذا أعمل؟ نقول: صل في الطائرة، قاعداً، وإذا لم تتمكن من السجود اجعل صلاتك إيماءً برأسك تحريكاً، السجود أخفض من الركوع أينما توجهت لا حرج عليك: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، أو فيمن اشتبهت عليه القبلة فلم يدر، نقول: تحر فأينما تولي وجهك فثم وجه الله، لكن تعلم أن القبلة من هذا الاتجاه، ثم تقول: لا يجب استقبال القبلة؛ لأن هذه آية من القرآن؟ ما شاء الله على هذا الفقه، كيف ستطير ولما تريش؟ ما قد حصل لك ريش، وإذا طرت كفرخ الطائر قبل أن يريش يسقط مباشرة على صدره ويموت، وهذا الواقع، ينادي بالاجتهاد وأنه لا يسوغ له أن يقلد أحداً، عندنا فقيه مبتدئ عامي حفظ القرآن أو أكثره، عليه أن يقلد، ولا يجوز أن يجتهد.

    أقول: والقسم الثالث: الفقيه المنتهي، اليقظ الفهم المحدث الذي قد حفظ مختصراً في الفروع، لابد من أن يحفظ مختصراً في الفروع، من فروع المذاهب التي سبقته ليعرف طرق الاجتهاد، وكيف اجتهد خير العباد، الفقهاء قد حفظوا مختصراً في الفروع، وكتاباً في قواعد الأصول، وقرأ النحو، وشارك في الفضائل، مع حفظه لكتاب الله، وتشاغله بتفسيره، وقوة مناظرته -انتبه- فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المقيد، وتأهل للنظر في دلائل الأئمة..

    والله ما أعلم في هذا الزمان أحداً بهذا الوصف التالي.. أما الأول: فذاك مضى وانقضى، إنما في هذه الحالة فقيه منتهي، يقظ فهم، محدث، حفظ مختصراً في الفروع، كتاباً في قواعد الأصول، قرأ النحو، شارك في الفضائل، مع حفظه لكتاب الله، وتشاغله بتفسيره، وقوة مناظرته، فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المقيد، وتأهل للنظر في دلائل الأئمة.

    فمن وضح له الحق في مسألة وثبت فيها النص، وعمل بها أحد الأئمة الأعلام -كما قال الإمام أحمد : إياك أن تقول شيئاً لم يسبقك إليه أحد- وعمل بها أحد الأئمة الأعلام، كـأبي حنيفة مثلاً، أو كـمالك ، أو الثوري ، أو الأوزاعي ، أو الشافعي ، أو أبي عبيد ، أو أحمد ، أو إسحاق ، فلنتبع فيها الحق إذا ظهر الحق ودل الدليل فقد بقي قيد ثالث وهو أن هذه المسألة معمول بها من قبل أئمة الإسلام، وهم أتقى لله منا، المسألة إذا كان فيها دليل، لكن ما عمل به أبداً، دل على أنه منسوخ.

    فليتبع فيها الحق، ولا يسلك الرخص، وليتورع، ولا يسعه فيها بعد قيام الحجة عليه تقليد، فإن خاف ممن يشغب عليه من الفقهاء..

    لنفرض أنه على مذهب الإمام الشافعي ، ولاح له الحق في مسألة، وظهر له الدليل، وهذه المسألة هي مما يقرره الحنفية، لكن الناس على مذهب الإمام الشافعي ، فخشي إن خالفهم أكثروا الشغب عليه واتهموه بالبدعة، فماذا يفعل؟

    قال: فليتكتم بها ولا يتراءى بفعلها.. لمَ؟

    يا إخوتي الكرام! لأن ما يفعله هؤلاء هدى ليس بردى، تحتمله الأدلة، ولئلا نسيء به الظن، أمر ثاني: لئلا يعجب بنفسه، وأنه هو السني، وهم أهل بدعة.

    فربما أعجبته نفسه وأحب الظهور، فيعاقب، ويدخل عليه الداخل من نفسه، فكم من رجل نطق بالحق وأمر بالمعروف، فيسلط الله عليه من يؤذيه بسوء قصده وحبه للرئاسة الدينية، فهذا داء خفي سار في نفوس الفقهاء..

    إلى آخر كلامه في هذه المسألة.

    كنت مرة في إندونيسيا، وأهلها على مذهب الإمام الشافعي ، فبعض الإخوة في بعض المساجد جلس للتشهد ويحرك أصبعه، وبعضهم كانوا ينظرون إليه مستغربين فقلت له: يا عبد الله! أنا إن شاء الله ما عندي شك في أنك تتبع في ذلك دليلاً وإماماً سبقك، وأسأل الله أن يتقبل منك، لكن أوصيك بأمرين: الكيفية التي عليها قومك شرعية وتحتملها الأدلة، فأرى أن لا تخرج عنهم، وأن توافقهم؛ لئلا يقع في قلوبهم أنك مبتدع أتيت بشيء جديد، فإذا صار لك منزلة في قلوبهم وفهموا عنك، بعد ذلك تقول لهم الكيفية الثانية وارد فيها أدلة، وقال بها أئمة، فلو فعلناها في صلاتنا أحياناً كما نفعل هذه، ليعوا عنك ما تقول، ويعلموا من أنت لكان حسناً.

    الحالة الثانية: قلت: يا أخي! الذين يقولون بالرفع بالتحريك ليس بهذه الكيفية، تفعل يداك هكذا كأنك تضرب إنساناً على رقبته في الصلاة، يا أخي! صلاتك هذه تحملك على حب الظهور بهذه الحركة، يعني: أنك تتميز عليهم بأن هذه الأصبع تنزل وتطلع بهذه الكيفية الشديدة، فأنا أنصحك بهذين الأمرين، وكل واحد رقيب على نفسه، والله رقيب علينا جميعاً، لكن حقيقة لا أرى لك أن تخالفهم مادامت كيفيتهم شرعية معتبرة قال بها أئمة بررة، وبعد ذلك إذا فعلت هذا أدخل عليك الشيطان حب الظهور وأنك تلتزم بالسنة، وهؤلاء على بدعة، سيخذلك الله، أولاً: لن تثاب في الآخرة، وسيسلط عليك من يؤذيك وينتقم منك في هذه الحياة، فاتق الله في نفسك، وهذه إخوتي الكرام ينبغي أن نعيها، من بلغ رتبة الاجتهاد بعد ذلك فقيه مبتدئ حفظ القرآن، لكن ما عنده العدة، وقلنا بعد ذلك: واحد آخر منتهي، حفظ مختصراً في الفقه والفروع، وهو محدث، وحفظ كتاب في الأصول، وقرأ النحو، وحالته كما ذكر الإمام الذهبي : هذا مجتهد مقيد، في بعض المسائل قد يلوح له دليل ويظهر له الحق، فليتبع، وإذا خشي من الشغب عليه والاتهام، فليتكتم ولا يتراءى، يعني: يفعل هذا كرة، إذا خلا ببيته يحرك أصبعه لا يوجد من يطعن عليه، وأما هناك فيلتبس الأمر ولا يظهر الحق، وهذا الكلام حقيقة ينبغي أن ينقش على القلوب.

    1.   

    انقسام الناس في ابن حزم إلى طرفين ووسط

    إخوتي الكرام! ما موقف طلبة العلم بعد الإمام ابن حزم، هل استفادوا منه أو أعرضوا عنه؟

    حقيقة انقسم طلبة العلم والعلماء بعد ابن حزم نحو ابن حزم إلى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط، طرف عنه معرض، وحقيقة هم في حقه مفرطون، ولا يريدون أن يذكر أمامهم اسم ابن حزم ؛ لما حصل منه من شذوذ، ولكن في الحقيقة كما قلت: هذا تفريط، وهذا تضييع للحق وللدرر، وللبحر الذي أتى به هذا الإمام المبارك، فالزلل يرد كما قلنا، وننتفع بعد ذلك من الخير الذي عنده.

    صنف آخر: أفرطوا فيه فيشيدون به ويمجدونه ولا يستدلون إلا بكلامه، لاسيما فيما شذ فيه، وكلا طرفي قصد الأمور ذميمُ، الإفراط والتفريط، ثم إنه لا حجة عنده إلا ما قاله ابن حزم ، وتراه يعكف على كتبه يريد أن يلتزم به، هذا خطأ، فلابد إذاً من الإنصاف، لا نُفِرط ولا نُفَرِّط، لا نغلو ولا نجفو.

    صنف ثالث: وضعوه في المنزلة التي هو فيها، فأقبلوا على كتبه كما قال الإمام الذهبي : أقبلوا على كتبه، لكن تارة منه يقربون فيما يأتي به من تحقيقات، وبحث وإحكام وإتقان، ومرة منه يعجبون، وتارة من تفرده يهزءون، يعني: ما يخطئ فيه نقول: سبحان الله! العقلية كيف انحطت إلى هذا المستوى، وجاء ليقول هذا الكلام، وهناك نتعجب مما يأتي به من أدلة وبينات واستنباط وإتقان، وهذا هو المسلك الحق، وهو أن تقيم الإنسان حسبما يستحق، لكن هذا المسلك الذي ينبغي لطالب العلم أن يسلكه نحو كتب الإمام ابن حزم إنما يكون إذا برع في العلوم، وأتقنها على الشيوخ وبعد ذلك يقرأ في كتب ابن حزم ، وأما إذا كان من البداية أراد أن يزج بنفسه في قراءة المحلى وغير ذلك من كتبه، فهذا حاله كحال الصبي عندما يسبح في البحر، الغالب عليه الغرق والتلف، فقد تتكرس وكر طباع وشذوذ الإمام ابن حزم في نفس الإنسان وهو لا يدري، فإذا مهرت في العلوم وأتقنتها، وتلقيت عن شيوخ صالحين، وعرفت المسلك السديد الذي عليه أهل السنة، تعلمت السباحة، اقرأ كتبه ففيها درر.

    وكما قال الإمام العز بن عبد السلام عليه وعلى أئمتنا رحمة الله جل وعلا، وهو سلطان العلماء، يقول: والله ما طابت نفسي بالفتوى حتى قرأت كتاب المحلى وكتاب المغني، يعني: إذا ما قرأت المغني لـابن قدامة والمحلى لـابن حزم ما تطيب نفسي بهذا، يجب أن أقف على حقيقة المسألة وعلى أدلتها وعلى التفصيل التام فيها، لكن إنما يكون هذا وهو إمام علم، أما منذ البداية فسيتعلم سلاطة اللسان، وبعد ذلك سيقع في أعراض علمائنا الكرام، فإذا مهرت وبرعت فلا حرج، وقبل ذلك اقرأ في كتب أئمتنا التي تقرأ فيها وأنت مستلقٍ ولا حرج عليك.

    اقرأ في كتب شيخ الإسلام النووي ، إن شئت في الأذكار، في رياض الصالحين، فيما جمعه من كلام نبينا عليه الصلاة والسلام في هذين الكتابين، في شرح صحيح مسلم ، في كتاب المجموع، وروضة الطالبين، فيما شئت من كتبه، اقرأ وأنت مستلقٍ، أنت في روضة، يعني: لن تجد عثرة ولا زلة ولا كبوة ولا مطباً قد تقع فيه، اقرأ بعد ذلك في كتب الإمام ابن تيمية ، في كتب ابن القيم في كتب أئمة الإسلام، اقرأ في كتب السنة، في الصحيحين على وجه الخصوص، عندما تقرأ في هذه الكتب أنت إن شاء الله على سلامة وهدى، أما أن تأتي إلى هذه المضايق والمحاكمات التي يسلكها هذا الإمام -وهو له طبيعة خاصة كما قلت- إذا ما مهرت وبرعت قد تتأثر بهذا الزلل الذي كان يقع منه وأنت لا تدري، فبالتالي تهلك وتُهلك، ونسأل الله لنا وللمسلمين أجمعين العفو والعافية وحسن الخاتمة.

    1.   

    حرمة نظر المرأة إلى الرجل

    عند مبحث نظر الرجل إلى المرأة وإلى المردان قلت: إنه محرم، وكأن بعض الإخوة يوجه سؤالاً يتعلق بهذا الأمر، ويستشكل ويقول في موضوع نظر المرأة إلى الرجل، يعني: هل هو جائز؟ وبعض الناس يستدل بحديث نظر أمنا عائشة للحبشة الذين كانوا يلعبون في المسجد بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام، بما أنه يرتبط بموضوعنا، وكنت ذكرت ما يدل على تحريم نظر النساء إلى الرجال في موعظة متقدمة.

    وخلاصة الكلام إخوتي الكرام! يحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل كما يحرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة.

    والدليل على هذا أمور ثلاثة قررها أئمتنا الكرام، ليست من استنباط ولا من اجتهاد، وهذا كلام الإمام النووي عليه رحمة الله في شرح صحيح مسلم ذكره في مكانين:

    أولهما: إطلاق قول الله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30]، ثم قال: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:31]، فكما أمرت بأن تغض بصرك عن النساء، ينبغي أن تغض المرأة بصرها عن الرجال.

    الأمر الثاني: من ناحية المعنى والعلة الشرعية، حرم نظر الرجل إلى المرأة لماذا؟ خشية الشهوة، أوليس كذلك؟ وأن يتعلق قلبه، خشية الفتنة، هذه المعنى موجود في نظر المرأة إلى الرجل أم لا؟ موجود، إذاً: العلة الشرعية موجودة، المعنى الذي من أجله حرم نظر الرجل إلى المرأة موجود في المرأة، فكما أنك تشتهيها هي تشتهيك، بل نظر ألف رجل إلى امرأة أيسر من نظر المرأة إلى رجل، لم؟ لأن ألف رجل إذا نظروا إلى امرأة وهي لم تنظر إليهم ولم تردهم، ما حصلت الفتنة وما وصلوا إليها، وإذا نظرت وتعلقت احتالت من كل طريق لتصل، أوليس كذلك؟ أما هي إذا امتنعت، لن يحصل مراد الرجل، ولذلك قدم الله المرأة في الزنا فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي [النور:2]، لم قدمها؟ لأنها هي محور عملية الزنا، لا يمكن أن يتم زنا على وجه الأرض إلا بإيقاع المرأة للرجال في هواها، فعندما تفتح الباب يدخل الكلاب، ولو أوصدت الباب لانتهى الأمر، إذا نظر ألف رجل إلى ابنتك أيسر من أن تنظر ابنتك إلى رجل واحد، إذا نظروا إليها ولم تنظر هي لم يتعلق قلبها بهم، هي فتنة لهم يوسوسون والشيطان يدور في قلوبهم، لكن ما يحصل الحرام، هي بعيدة عنهم، لكن إذا نظرت -ونعوذ بالله- وتعلقت، ستحتال من كل طريق، وبكل طريق وبكل حيلة ووسيلة حتى تصل إلى المراد، إذاً: هي محور البلاء، فإذا نحن منعنا من النظر إليها، ينبغي أن تمنع من باب أولى، أوليس كذلك؟ الفتنة فيها أشد؛ لأنها لو وقع في قلبها التعلق برجل تحتال بالأساليب لتصل وتغري وتطمع، أما أنت فقد تنظر وهي تعرض عنك، فبقيت أنت متأثراً وهي سليمة والأمة بعد ذلك حصينة.

    الأمر الثالث: أمر النبي عليه الصلاة والسلام لأمنا ميمونة وأمنا أم سلمة أن يحتجبا من عبد الله بن أم مكتوم عندما دخل وهو أعمى، فقالتا: ( أوليس هو أعمى لا يبصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟ )، والحديث في مسند الإمام أحمد ، وسنن أبي داود والترمذي في سننه، وقال: حسن صحيح، وبوب عليه: باب: احتجاب النساء من الرجال، ورواه ابن حبان في صحيحه، وصححه ما لا يقل عن عشرة من أئمتنا الحفاظ، منهم شيخ الإسلام الإمام النووي ، والإمام ابن حجر في الفتح قال: إسناده قوي، وصححه الإمام المنذري وابن حبان وعدد من الأئمة، أبو بكر بن العربي عليه رحمة الله صححه وقال: كثير من الناس يغفلون عن مدلول هذا الحديث، فيسمحون لنسائهم بالنظر إلى الرجال، وأشد من النظر اعتقاد إباحة النظر، هذا كلام أبي بكر بن العربي في عارضة الأحوذي.

    إذاً: الحديث صحيح، جرى كلام حول أحد رواته، وهو نبهان مولى أم سلمة رضي الله عنهم أجمعين، وروى عن نبهان الإمام الزهري ، وهو أول من جمع السنة والأثر بأمر خليفة المسلمين الراشد في ذلك الوقت عمر بن عبد العزيز:

    ابن شهاب الزهري روى عن نبهان ، ووصفه بأنه كان مكاتباً عند أم سلمة ، قال الحافظ ابن حجر : من يروي عنه الزهري ويقول: كان مكاتباً لـأم سلمة فهو تابعي قطعاً وجزماً، مثله ليس بمجهول، ولا يوجد أحد من رجال الإسناد حوله كلام إلا نبهان ، فإذا كان الأمر كذلك فالحديث إذاً صحيح، وفي مسائل ابن هانئ ، ينقل ابن هانئ أنه قال للإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله، قال: حديث ميمونة : (أفعمياوان أنتما) وأم سلمة صحيح؟ قال: صحيح، قال: تذهب إليه؟ قال: أذهب إليه، فلا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل.

    توجيه قصة نظر عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة

    إن قيل بعد ذلك: عندنا قصة أمنا عائشة ، وقصة أخرى عندنا قصتان، بعض الناس يريد أن يلغي ذلك الحكم الذي شهدت له تلك الأدلة الصحيحة الصريحة بهذين الدليلين، نظر أمنا عائشة رضي الله عنها للحبشة، والحديث ثابت في صحيح البخاري وغيره، وهم يلعبون بالدرق والحراب ويقولون: محمد عبد صالح، على نبينا صلوات الله وسلامه في يوم عيد، فكيف إذاً نوفق بين نهي النبي عليه الصلاة والسلام لزوجتيه من النظر إلى الأعمى، وهنا إطلاق النظر لأمنا عائشة لتنظر إلى هؤلاء؟

    أجاب أئمتنا عن ذلك بأجوبة أبرزها جوابان:

    الأول: قيل: إنها كانت صغيرة دون التكليف فلا حرج من نظرها إلى الرجال، وهذا فيه بعد؛ لأن الذي يظهر أن قدومها كان في العام التاسع للهجرة، وعمر أمنا عائشة في ذلك الوقت خمس عشرة سنة بلغت بيقين.

    الأمر الثاني: وهو الجواب المعتمد: أن هذا ليس فيه ترخيص من نبينا عليه الصلاة والسلام لأمنا عائشة بأن تنظر إلى الرجال، والحديث لا يدل على هذا بحال، رخص لها أن تنظر إلى لعب الحبشة، فتنظر إلى لعبهم بالدرق والحراب عندما يتبارزون بهذه السيوف وهذه التروس، ولا يلزم من هذا أن تحد النظر إلى وجوههم، وأن تتأمل صورهم وأشكالهم، بل إذا وقع نظرها إلى وجوههم تصرف النظر، لم نقل: يلزم إذا نظرت إلى لعبهم أنها تنظر إلى وجوههم؟ لا يلزم، وأنت في كثير من الأحيان قد تجد امرأة تبايعك أو أنت تبايعها في صفقة، فتأخذ منها وتعطيها وتسلمها وتستلم منها، ولا يلزم أن تراها، يقع أم لا؟ يعني: هل يلزم أن تنظر إلى وجه كل واحد تتأمل؟ لا يلزم، وعليه فهذا يوم عيد وهي أمنا مع نبينا عليه الصلاة والسلام وهم صحابة في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام أذن لها من باب مراعاة سنها أن تنظر إلى لعب هؤلاء في العيد الذي فيه توسعة، ما أذن لها أن تتأمل صورهم، وأن تنظر إلى أشكالها.

    توجيه حديث فاطمة بنت قيس في اعتدادها في بيت ابن أم مكتوم

    وأما حديث فاطمة بنت قيس ، وهو في صحيح مسلم وغيره عندما أمر النبي عليه الصلاة والسلام فاطمة أن تعتد عند ابن أم مكتوم ، قال: ( تضعين ثيابك عنده، فهو أعمى لا يراك )، فقال: إذاً: هذا دليل على أنه يجوز لها أن تنظر إليه، فهي تتعرى أمامه؛ لأنه لا يراها، يقول الإمام النووي : وأنا أعجب من هذا الفهم، من أين لهم هذا الكلام، هي عندما تعتد عند ابن أم مكتوم رضي الله عنه ليس حالها كما لو اعتدت عند أم شريك المرأة التي يغشاها أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لتعمل لهم طعاماً كل يوم جمعة، ويجلسون يأكلون عندها، هناك سيدخل رجال، وذاك البيت يدخله رجال كثر، فمهما احتاطت بما أن الرجال يدخلون ويخرجون قد تجد حرجاً، وقد يرون منها ما تكره، أما في بيت ابن أم مكتوم فلا يوجد رجال، بقيت زوجة ابن أم مكتوم وهذا العبد الأعمى الصالح، وهي لها حجرة خاصة بها، فاطمة بنت قيس ، في هذه الحجرة تضع ثيابها، إذا استلقت مر الأعمى لا يراها، لكن لو أن الذي سيمر مبصر ما تستطيع أن تفتح نافذة، يعني: لو أن المرأة في بيت امرأة أجنبية في بيت فيه رجل مبصر تأخذ حذرها وتبقى كما لو كانت في الشارع خشية أن يمر الرجل أمام نافذة أمام باب، فإذاً: الباب يكون مغلقاً والنافذة مغلقة، أما عندما يكون أعمى فهي تجلس، ظهرها إلى النافذة، إذا مر الأعمى هي لا تراه وهو لا يراها، ليس معناه أنها تجلس تتعرى أمامه وتنظر إليه، من أين هذه الدلالة؟ قال: إنه أعمى لا يراكِ، ما قال: انظري إليه، لا يراكِ تضعين ثيابك عنده، أي: في بيته إذا وضعتِ الثياب هذا مأمون منه استثناء، لا تقع عيناه عليك، وأما أنت فمعلوم أنه لا يجوز أن تنظري إليه ولا إلى غيره، ثم أنا أعجب لمن يترك الأدلة الصريحة الصحيحة، النظر فتنة مشتركة بين الصنفين، فلا ينبغي أن يلزم به صنف واحد فقط، ينبغي أن يلزم به الصنف الثاني.

    الثالثة: احتجبا منه، يأتي يترك كل هذه الصراحة والصحة والوضوح إلى ما يحتمل ويحتمل، هذا غلط إخوتي الكرام، وهذا دائماً مسلك من يريد أن يتفلت من الالتزام بأحكام الرحمن، عندما يجد شيئاً يمكن أن يتعلق به متعلق يقول: انتهى الأمر، أمنا عائشة نظرت إلى الحبشة، إذاً: يجوز للنساء أن ينظرن إلى الرجال، هذا حقيقة استدلال في غير محله، ومن باب كما قلنا: ترك النصوص الصحيحة الصريحة لهوس منه، ومن باب أولى حديث فاطمة بنت قيس .

    فهذا يا أخي الكريم! فيما يتعلق بهذا الأمر: لا يجوز للرجل أن ينظر إلى امرأة ولا إلى أمرد بشهوة أو بغير شهوة، وإذا وقع نظره على الأمرد ينبغي أن يغض بصره، وأن يرد طرفه كما لو وقع نظره على امرأة تماماً، ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل، وإذا وقع نظرها على رجل صرفته وحولته كما يصرف الرجل نظره عن المرأة عندما يقع بصره عليها، وهذا في الحقيقة أنقى لقلوب العباد من النساء والرجال، والعلم عند الله جل وعلا.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، اللهم أصلح أحوالنا، اللهم اجعل الجنة دارنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا يا أرحم الراحمين، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لشيوخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.