إسلام ويب

شرح الترمذي - مقدمات [7]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رمى ابن حزم الإمام الترمذي بالجهالة، فأنقص ذلك من قدره لا من قدر الترمذي، ولابن حزم شذوذ وتناقضات، منها دخوله في علم الكلام، وقدحه في الأئمة الأعلام، وإباحته للمعازف والغناء، والواجب الاعتدال نحو ابن حزم رحمه الله.

    1.   

    سبب وصف ابن حزم للترمذي بالمجهول

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    إخوتي الكرام! انتهينا من بيان منزلة الإمام الهمام أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا والمسلمين أجمعين رحمة رب العالمين، وختمت ترجمته المباركة بقول الإمام الذهبي : إنه ثقة مجمع عليه، ولا التفات لقول أبي محمد بن حزم : إنه مجهول، وهذا الكلام الذي قاله هذا الإمام أعني أبا محمد بن حزم في هذا الإمام العلم الجبل أبي عيسى الترمذي يحتمل أمرين اثنين كما وضحت هذا في آخر الموعظة الماضية:

    يحتمل أن الإمام ابن حزم ما سمع بـالترمذي ، وما بلغه خبره، وإلى هذا ذهب الإمام الذهبي -كما قلت- في الميزان وفي سير أعلام النبلاء، وادعى الإمام الذهبي أن سنن الترمذي وسنن ابن ماجه لم تصلا إلى بلاد الأندلس إلا بعد موت الإمام ابن حزم عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا.

    والقول الثاني ولعله الأظهر كما تقدم معنا، هو الذي ذهب إليه الإمام ابن كثير ، وذهب إليه حذامي المحدثين الحافظ ابن حجر عليهم جميعاً رحمات رب العالمين وأن هذا من تعنت ابن حزم وشذوذه، وطعنه في الأئمة وعدم توقيره لهم، فقال هذا مجهلاً له، كأنه يقول: إنه نكرة من النكرات مجهول، وليس من العلماء الأعلام، كأنه يريد أن يضع من قدره بهذا الكلام، وهذا الكلام كما قال الإمام ابن حجر صدر نظيره من ابن حزم عندما حكم كما تقدم معنا على الإمام أبي القاسم البغوي بالجهالة أيضاً، ثم علق هذان الإمامان الكريمان: الإمام ابن كثير وابن حجر على كلام الإمام ابن حزم ، بأن هذا الكلام الذي صدر من ابن حزم أنزل من منزلة ابن حزم عند العلماء، ولم ينزل شيئاً من مكانة الإمام الترمذي عند علماء الشريعة الغراء.

    1.   

    أصناف العلماء

    كنت أحب أن أقف وقفة يسيرة لعلها ستأخذ هذه الموعظة بكاملها حول الإمام ابن حزم ، وإنما أردت أن أقف هذه الوقفة وقد تطول -كما قلت- إلى نهاية الموعظة؛ من أجل أن نعلم أن العلماء الذين هم أهل هدى ينقسمون إلى قسمين:

    عالم سلم من الملاحظات والمؤاخذات كما هو الغالب في أئمتنا الكرام عليهم الرحمة والرضوان، كأصحاب المذاهب الأربعة، وهكذا أهل الكتب الستة، وأكثر علماء المسلمين أهل الهدى ليس حولهم ملاحظات، ولا يعني أننا نقول: إنهم مقدسون ولا يخطئون، لا، المراد أنه ليس عندهم شذوذ، قد يوجد أحياناً في بعض المسائل، لكن المسلك العام لهم هدى والتزام للحق.

    وهناك علماء من أهل الهدى عندهم أحياناً شيء من الشذوذ والانحراف في كتبهم، وفي تأولهم وفي ترخصهم، كلهم أهل هدى، فإذاً: ينبغي أن ننظر إلى الصنف الثاني نظرة إنصاف، نأخذ ما أصابوا فيه ونطرح ما زلوا فيه دون تكثير عليهم، نعم عندنا صنف ثالث، لكن ليسوا من علماء الهدى، إنما هم من علماء البدعة والهوى، كأصحاب البدع والزيغ والضلال هؤلاء ما لنا ولهم، هم مردودون بجميع أحوالهم، لكن علماؤنا الكرام أهل السنة أيضاً ينقسمون إلى قسمين: عالم ليس عنده ترخص ولا تأول بل عنده التزام بالنص ووقوف عنده، ثم بعد ذلك لا يتهجم على عالم إذا صدر منه شيء.

    وعندنا صنف آخر أحياناً يترخص ويتأول فيزل ويخطئ، مع أنه من أهل الهدى، لكن لا يعني هذا أنه معصوم ولا يقع في زلل وخطأ، فما موقفنا نحو هذا ونحو ذاك؟ أما أولئك -كما قلت- أئمة الهدى أهل المذاهب الأربعة المتبعة، أهل الكتب الستة، غالب أئمتنا الكرام فعلى العين والرأس، والمسلك -كما قلت- أنهم كلهم إن شاء الله هدوا إلى صراط الله المستقيم.

    1.   

    أثر علم الكلام على ابن حزم

    عندنا من الصنف الثاني الإمام ابن حزم ، سنتكلم عليه ونأخذ العبرة من حياته؛ لئلا نفرط ولا نفرط ولا نجفو ولا نغلو، ونزن أمورنا وغيرنا بالقسطاس المستقيم، إمام علم لا شك فيه، وهو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ، توفي سنة (456هـ) في القرن الخامس للهجرة، ومع أنه إمام علم جبل إلا أن عليه ملاحظات ومآخذ يمكن أن تجمل في ثلاثة أمور، هذه الملاحظات لا ترى واحدة منها في أئمتنا أهل الهدى الذين مسلكهم كله على حق وصواب.

    المسلك الأول: دخل هذا الإمام في علم الكلام، ومن العجائب العديدة أن يكون هذا الإمام ظاهري المذهب، ثم يميل إلى الكلام، يعني: حاله كحال أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي صاحب كتاب أطراف الكتب الستة، وشروط الأئمة الستة، وسيأتي شيء من ذكره إن شاء الله بعد هذا المبحث، توفي سنة (507هـ). من العجائب العجيبة أنه صوفي ظاهري، أنا أعجب كيف اجتمع التصوف مع مذهب أهل الظاهر، وهنا ابن حزم ظاهري، والظاهري: هو الذي يأخذ بظواهر النصوص ولا يرى أن يؤولها، لكن كيف دخلت في علم الكلام الذي هو نتان، وعلم الكلام يتعارض مع نصوص شريعة الإسلام، كيف تجمع بين الظاهر وعلم الكلام؟ تأتي لنصوص الصفات فتؤولها على حسب قواعد علم الكلام، وتأتي بعد ذلك لنصوص الشرع في الفروع فتجمد على ظاهريتك ولا تلتمس لها علة ولا تبحث لها عن معنى لتقيس الفرع على هذا الأصل الوارد! هذا من العجائب، دخل في علم الكلام، ثم خرج منه بعد ذلك وتاب؛ لكن بعد أن أثر فيه ما أثر، يقول الإمام الذهبي عليه رحمة الله: بقي فيه قسط من نحلة الكلام، بعد أن رجع منه بقي فيه قسط من نحلة الكلام.

    وقال الإمام الذهبي أيضاً: أثر فيه علم الكلام، وليته سلم منه! أبعده الله من علم. أي: هذا العلم الباطل أبعده الله من علم، وما أعرض الإمام ابن حزم عنه إلا بعد أن زرع في باطنه أموراً وانحرافاً عن السنة، فلم يخرج منه خروجاً كاملاً، وكتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل شاهد على تلبسه بهذه البدعة، أعني بدعة علم الكلام.

    ذم الشافعي لعلم الكلام

    علم الكلام نعوذ بالله منه وأبعده الله من علم كما قال الإمام الذهبي ، يقول عنه الإمام الشافعي رحمه الله -والنصوص عنه متواترة كما قال أئمتنا في ذم الكلام-: لو علم الناس ما في علم الكلام لفروا منه فرارهم من الأسد، ولأن يلقى العبد ربه بكل ذنب خلا الشرك خير من أن يلقاه بعلم الكلام، وحكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، وأن يطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام، ثم أنشد:

    كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين

    العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطينِ

    قال: حدثنا، علم مأثور منقول يؤخذ من مشكاة النبوة، وأما العلم الذي يتدخل فيه العقل في أمور الغيب فأصحابه من شيوخ القمر كما تقدم معنا، هوس في هوس إلى هوس، الأمور التجريبية الواقعية مجالها العقل، أما الأمور الغيبية ليس مجالها العقل، وإنما مجالها النقل الصحيح الذي يؤخذ من مشكاة النبوة على نبينا صلوات الله وسلامه، وهكذا الإمام المبجل أحمد بن حنبل كما قال الإمام الذهبي : تواتر عن هذا الإمام المبارك النقل بذم الكلام وأهله، وكان يقول لأولاده وأصحابه: لا تجالسوا أهل الكلام وإن ذبوا عن السنة، فمن هم أهل الكلام؟

    الفرق بين الفلاسفة وأهل الكلام

    عندنا فلاسفة، وعندنا أهل كلام، أما الفلاسفة فهم لا يعتبرون الوحي، ولا ينظرون في نصوص الشرع على الإطلاق بل ينبذونها وراء ظهورهم ويرخون العنان لعقولهم لتبحث في هذا الكون، بداية ونهاية حسبما يقرر العقل، فقرر العقل -حسب زعمهم- أنه لا بعث للناس، ولا يوجد يوم القيامة، فيقولون: هذا حديث خرافة، كما كان يقول اللعين أبو العلاء المعري :

    حياة ثم موت ثم بعثٌ حديث خرافة يا أم عمرو

    ويقول اللعين الآخر ابن سينا : كل من أنصف ورجع إلى عقله علم أن إعادة المعدوم مستحيل، لا يمكن أن يقع بعث على الإطلاق. الفلاسفة هؤلاء ليسوا من أهل علم الكلام، هؤلاء لا يعولون على نصوص الوحي على الإطلاق، فيقولون: الأنبياء مصلحون كذبوا على الناس من أجل المصلحة، هذا كلام ابن سينا ، يقول: لا يوجد جنة ولا نار ولا حشر ولا بعث ولا قيامة ولا شيء! فالرسل مصلحون كذبوا من أجل هداية الناس؛ لأن أحوال الناس لا تستقيم إلا إذا قلنا لهم: يوجد بعث وجنة ونار وميزان وصراط؛ لئلا يظلم بعضهم بعضاً، ولئلا يعتدي بعضهم على بعض، لكن كل هذا خرافة، ليس هناك شيء من ذلك، ولا يوجد حقيقة لذلك.

    وأما علماء الكلام الذين هم أهل البدع في هذه الأمة وما أكثرهم! من جهمية، ومعتزلة، وخوارج، وغيرهم فرق كثيرة، والفارق بينهم وبين الفلاسفة أنهم يعترفون بنصوص الوحي، لكن بعد عرضها على العقل، فالعقل إما أن يقرها وأن يشهد لها وأن ينصرها، وإما أن يؤولها، وإما أن يردها.

    منزلة العقل عند علماء الكلام

    العقل عند علماء الكلام لا يزاحم النقل فقط، بل هو الحكم على النقل، ولذلك كان أبو قلابة وهو من أئمة التابعين، روى عن عدة من الصحابة الكرام الطيبين. والأثر ينقله عنهم الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الرابع صفحة (472) يقول: إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعنا من هذا وهاتِ كتاب الله، فاعلم أنه ضال، أنت تقول له: أحاديث رؤية المؤمنين ربهم في جنات النعيم أحاديث متواترة، فيقول: أحاديث الرؤية فيها خلط ولبط، وكل ما في الصحيحين فيه خلط ولبط فارجع إلى القرآن، والقرآن يقول: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا [القيامة:22-23]، فيقول: إلى ثواب ربها منتظرة، نرجع إلى القرآن فنؤوله والسنة نضربها بأرجلنا، أمكنك أن تتلاعب بالآية، لكن النصوص المتواترة بأننا سنرى ربنا بأعيننا كما نرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، كيف هذه ستؤولها؟ يقول: هذه أحاديث فيها خلط ولبط، اتركونا منها، إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعنا من هذا وهات كتاب الله فاعلم أنه ضال، وانظر إلى تعليق الإمام الذهبي الذي ينبغي أن ينقش على القلوب، يقول: وقلت أنا: وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب وأحاديث الآحاد، وهات العقل، فاعلم أنه أبو جهل ، يقول: هنا مبحث للعقول، ما عندنا عقول؟ فاعلم أنه أبو جهل ، وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد، فإن في قلوبنا مكاشفات، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر، أو قد حل فيه، فإن جبنت منه فاهرب، وإلا فاصرعه وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه.

    وهناك صنف ثالث يقول: دعنا من العقل ومن النقل، هذه أحاديث ما لنا ولها، ولا نريد عقولاً نريد رياضات من أجل أن يفتح علينا، لكن فتح من قبل الشيطان لا من قبل الرحمن، ما يلقى في قلوبنا وفي روعنا هو الذي نحتكم إليه، فاعلم أنه إبليس، أو أن إبليس قد حل فيه، فإذا لم تقدر عليه فاهرب منه واستعذ بالله من شره، وإلا فابرك على صدره واخنقه واقرأ عليه آية الكرسي.

    فإذاً: علماء الكلام لا يجالسون وإن ذبوا عن السنة، وكم يغتاظ علماء الكلام من أهل الحديث كما تقدم معنا، وما يلمزونهم إلا بلفظ الحشوية، هذا عمدة ذمهم للمهتدين، وقال في رواة حديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام: إنهم حشوية، قال أبو حاتم إمام المحدثين في زمنه: علامة الزنادقة أن يسموا أهل الحديث حشوية. وهذا الأثر نقله عنه الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الرابع صفحة (88).

    كلام الجنيد في علم الكلام

    إخوتي الكرام! علم الكلام ابتلي به هذا الإمام الهمام ابن حزم ، يقول الإمام الجنيد عليه رحمة الله، وهو من عباد هذه الأمة وزهادها، ومن أهل الخير والصلاح فيها، توفي سنة (298هـ)، يقول كما نقل عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الرابع عشر صفحة (171): أقل ما في علم الكلام سقوط هيبة الرب من القلب، وإذا عمي القلب من هيبة الرب عري من الإيمان، أي: خرج من الإيمان، أقل ما في علم الكلام أنك لا تقدر الله ولا تعظمه، وتتطاول عليه، وتعقد بينه وبين خلقه مقايسات من أجل أن تفهم من صفاته ما تفهمه من صفات مخلوقاته، ثم تعطل الرب جل وعلا عن هذه الصفات وتنفيها عنه، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

    تأثر ابن حزم بعلم الكلام كتأثر الغزالي بالفلسفة

    ابن حزم ابتلي بلوثة علم الكلام، خرج منه، لكن كما قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: وبقي فيه قسط من نحلة الكلام، حاله كحال الإمام أبي حامد محمد الغزالي الذي توفي سنة (505هـ) عليه رحمة الله، أبو حامد الغزالي صاحب الإحياء، كان تلميذه أبو بكر بن العربي عليهم جميعاً رحمة الله يقول: شيخنا أبو حامد ابتلع الفلسفة ثم أراد أن يتقيأها فما استطاع، وكان يقول: شيخنا دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج فما استطاع، بقي فيه لوثة، مع أنه ألف كتابه: تهافت الفلاسفة، وكفرهم بثلاثة أمور، وحكم عليهم بالبدعة لسبعة عشر أمراً، ومع كل هذا يقول الإمام الغزالي في الإحياء في الجزء الأول صفحة (103) شهادة على منزلة علم الكلام الذين أدخلوا عقولهم في شرع ربهم، وأرادوا أن يجعلوا العقل حكماً على النقل يقول: وأما منفعة علم الكلام فقد يظن أن منفعته كشف الحقائق على ما هي عليه. يعني: يريد أن تظهر له الأمور بالأدلة والبراهين العقلية، وهيهات هيهات أن يفي علم الكلام بهذا المطلب الشريف، فليس فيه إلا التخليط والتضليل.

    يقول: وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي. غفر الله لك يا أبا حامد ! حتى بعد رجوعك عن علم الكلام ما زال الحشو على لسانك، إذا سمعته من محدث أو حشوي، يعني: من شيخ من أهل السنة مسكين لا علم له بالعقليات على طريقة الفلاسفة والمتكلمين، إذا التحذير منه ربما ظننت أن الناس أعداء لما جهلوا، فلا تأخذ به، وأهل السنة وهم الطائفة المرضية يقول عنهم: ما يشتغلون بعلم الكلام. فإذا ذموا علم الكلام، ستقول: هؤلاء يجهلون علم الكلام فذموه، فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قلاه بعد الخبرة، وتغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوزه إلى علوم أخرى، يعني: أنت إذا سمعت هذا الحكم من غيري قد لا تقبله، فاسمعه مني، فأنا فارس هذا الميدان ابتليت وأظلم قلبي، ووصل إلى درجة من الهوس والشك. كما يخبر عن نفسه في كتابه المنقذ من الضلال، فنسأل الله أن يحفظنا من الزيغ والضلال، يخبر عن نفسه أنه كان يشك في نفسه هل هو رجل أو امرأة؟! وهل هو رجل أو شجرة؟! وهل هو رجل أو حجرة؟! وهل هو حي أو ميت؟! فحقيقةً:

    إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده

    ونسأل مقلب القلوب أن يثبت قلوبنا على دينه، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    فـابن حزم دخل في لوثة الكلام، وهذا عار وأي عار، أن يبتلى هذا الإمام المبارك بهذه اللوثة، أئمتنا صانهم الله من ذلك، قد يخطئ بعضهم أحياناً لعدم وقوفه على الدليل، وقد يخطئ أحياناً في فهم الدليل، هذا أمر يسير، إنما المصيبة أن يسلك هذا المسلك المبتدع، وهو من أهل الهدى! هذه ملاحظة، لكن عليها علامة استفهام أكبر من هذا المسجد حول حياة الإمام ابن حزم ، وهذه نقطة سوداء في سيرته، ونسأل الله أن يغفر لنا وله، سيأتينا إخوتي الكرام موقفنا من هذه النقيصة وغيرها من نقائص أئمة أهل الهدى الذين وجد فيهم نقائص ينبغي أن نزكي بالقسطاس المستقيم كما قلت، فـابن حزم فيه هذه الزلة.

    1.   

    قدح ابن حزم في علماء الإسلام

    الزلة الثانية: لسانه كسيف الحجاج ، ذاك يضرب الرقاب، وهذا يقع في الأعراض، نسأل الله أن يكون ابن حزم وغيره من المسلمين قد حطوا رحالهم في الجنة، وما نقول هذا -يعلم الله- تنقيصاً له ولا لغيره، لكن لنحذر من هذا الزلل ونوجه كما قلت بعد ذلك العبر نستفيدها من هذه الترجمة.

    قال أبو العباس بن العريف وتوفي سنة (536هـ): سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقان، الحجاج قتل مائة وعشرين ألفاً، وهذا ثابت في سنن الترمذي بإسناد صحيح، أحصي ما قتله الحجاج صبراً، فبلغ مائة ألف وعشرين ألفاً، وهذا لسانه شقيق سيف الحجاج ، وهذه في الحقيقة منقصة، أعف الناس ألسنة هم أهل السنة، فأنت من أهل السنة كيف تبتلى بهذه اللوثة، ولسانك تطلقه بقولك: الترمذي مجهول، وصدق الله وكذب مالك ! هكذا في المحلى: صدق الله وكذب أبو حنيفة . اتق الله في نفسك، لم هذه العبارة الفظة؟ لماذا الأسلوب اللاذع؟! قل: الدليل قول الله، وأخطأ مالك وأخطأ الشافعي ، ومن أنت إذا كان الترمذي مجهولاً، أي نكرة أنت أو غيرك ممن جاء بعدك إذا كان شيخ الإسلام في زمنه الإمام أبو عيسى الذي أجمعت الأمة على عدالته وإمامته وتوثيقه مجهولاً، إذا كان هذا المجهول فمن المعروف، فأطلق لسانه في العلماء، وهذه في الحقيقة كما قلت: منقصة.

    أعف المحدثين لساناً الإمام البخاري عليه رحمة الله، ما قال في رجل كما قال أئمتنا كذاب، كلمة كذاب ما أطلقها، إنما أسوأ عبارات الجرح التي يستعملها: منكر الحديث، فإذا قال: منكر الحديث انتهى، أما كذاب وضاع دجال فهذه العبارات لا يستعملها، فنفس العبارة هذه يأتي الجرح عندها وانتهى الأمر، أما دجال، ونحوها من العبارات التي كان بعض الأئمة يترخص فيها، فما أطلقها هذا الإمام المبارك.

    وجاء خلفه في هذا المسلك الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله، فكان يحتاط للأحاديث، كلمة موضوع.. موضوع.. موضوع.. موضوع.. كما اعتاد بعض الناس، يا رجل! اتق الله في نفسك، قد يكون في هذا الحديث احتمال (1%) من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف تقول: موضوع.. موضوع..، يعني: أنك الآن نفيت ثبوته عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيا ويلك إن كان من كلامه، قل: ضعيف، قل: منكر، قل: متروك، قل: شاذ مرة، قل نحو هذا، أما أن تأتي فتقول: موضوع.. موضوع.. موضوع.. ثم تقول: فلان متروك وفلان روى كذا، إذاً: أنت شهدت بأنه ليس بموضوع، الموضوع ما يكون فيه دجال وضاع مجمع عليه، الإمام ابن حجر يكاد أن يحترق ولا يطلق كلمة الوضع على حديث، وهذا حقيقة من ورعه، إنما يقول: متروك، شاذ، يعني: مطروح، منكر، فعلى الإنسان أن يتقي الله في عباراته.

    كلام الذهبي على ابن حزم

    الإمام ابن حزم أطلق لسانه، فعندما أطلق لسانه كان الجزاء من جنس العمل، يعني: من سب الناس سبوه، ومن احترم الناس احترموه.

    ابن حزم يجازى من جنس فعله

    الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الثامن عشر في ترجمته صفحة (186) يقول: وصنف كتباً كثيرة وناظر، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج العبارة، أي: أتى بعبارة فجة غليظة خبيثة منكرة، وسب وجدع، وكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة وهجروها، ونفروا منها، وأحرقت في وقت، واعتنى بها آخرون، ومن العلماء له. إذاً: سب، وجدع، فعومل بجنس فعله.

    وصف الألوسي لابن حزم بالضلال

    الإمام الألوسي في روح المعاني غفر الله له، في أول التفسير له، لا يذكر ابن حزم إلا بهذه العبارة: قال ابن حزم الضال المضل، كما سيأتينا عند تحليل ابن حزم للمعازف والمزامير، والإمام الألوسي رد عليه في تفسير سورة لقمان، وأن ابن حزم طعن في هذا الحديث، وقال: لا يصح في تحريم المعازف والمزامير كما سيأتينا، وكلما ذكر موضوعاً فيه ابن حزم يقول الإمام الألوسي : هذا قاله ابن حزم الضال المضل، وكرر هذا، في الحقيقة هذا فيه فضاضة، فإذا هو أخطأ فلنرد خطأه، ونسأل الله أن يعفو عنا وعنه، ولذلك الإمام ابن الصلاح عندما سئل عن كتب الغزالي التي فيها ما فيها، ومن جملتها الإحياء، قال: أما كتبه فلا يلتفت إليها، يعني: الأخطاء التي فيها لا يلتفت إليها. ولا تؤخذ لا منه ولا من غيره، والحق أحق بالاتباع، وأما الرجل فيسكت عنه. يعني: إذا جئت وقلت: هذا البحث فيه ضلال، قل، فهذا واجب عليك، لكن لا تقل: الكاتب ضال، اسكت أنت.

    قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى معللاً كلام الإمام ابن الصلاح ، قال: لأنه قد يكون مخطئاً أو ناسياً أو صائباً، أو أنه تاب إلى الله وغفر له، فتضلله الآن لم؟ فيه احتمالات للعفو، فأنت رد الباطل وهذا واجب عليك، واترك هذه الشرطية، من التجريح والطعن، أما الكتب فلا يلتفت إليها، وأما الرجل كما قلت فلا يذكر بسوء، نعم نتركه، وهنا كذلك، فلا يوجد من يفطن لـابن حزم ، جاء مثلاً وقال: الترمذي مجهول، نقول: كلام مطروح مردود لا قيمة له، أجمعت الأمة على إمامة الإمام الترمذي ، لا داعي بعد ذلك أن نقول: ابن حزم ضال مضل؛ لأنه قال هذا، وبعد ذلك أحياناً نتطاول أكثر فنلعن أو نزيد هذا لا ينبغي، المقصود أن هذا باطل رددناه.

    1.   

    إباحة ابن حزم المعازف والغناء

    الأمر الثالث: وهذا من الغرائب العجيبة، وهذا حال من لم يسلك مسلك الأئمة الأربعة، دائماً ينفرد، فمطبات كل واحد كما يقال أشنع من الآخر، ظاهري وكلام، ظاهري وسب في علماء الإسلام، ظاهري وعشق وهيام، وإباحة مزامير الشيطان، أنا أعجب كيف يجتمع هذا.

    يقول الإمام ابن القيم في روضة المحبين في صفحة (130) معلقاً، وهو الأمر الثالث من المؤاخذات عليه، يقول: على قدر يبس ابن حزم وقسوته في التمسك بالظاهر وإلغائه المعاني والمناسبات والحكم والعلل الشرعية، على قدر هذا، انماع في باب العشق والنظر، وسماع الملاهي المحرمة، توسع في هذا الباب جداً، فعنده يجوز النظر إلى الأمرد والتمتع به والنظر إليه واستحلال ذلك، يجوز النظر إلى المرأة الجميلة وإطلاق النظر إليها، واستحسان صورتها، بشرط أن تملك إربك فلا تزني ولا تلوط، يجوز أن تسمع جميع المعازف والمزامير، أصوات مطربات كحالة الطيور الشجية، وهنا صور حسنة تنظر إلى المردان، تنظر إلى النسوان، تسمع مزامير الشيطان، كل هذا يقول: مباح، وعلى تعبير بعض المهوسين يدخل في دائرة الطيبات، هذه عندهم طيبات! تستطيبون الخبيثات؟ أعوذ بالله، نظر إلى امرأة، مصافحة لامرأة، نظر لأمرد، سماع غناء وموسيقى، أهذه طيبات؟ لقد انتكست القلوب وعميت.

    انظر هنا يبس غاية اليبس، ولا يقيس فرعاً بأصل، وهنا جاء بالقياس، قال: كما يجوز أن ينظر للمروج والزهور والرياحين، يجوز أن ننظر إلى النساء والمردان، وكما يجوز أن نستمع للطيور عندما تصدح يجوز أن نسمع الموسيقى!

    الإمام ابن القيم يقول: فوسع هذا الباب جداً، وضيق باب المناسبات والمعاني والحكم الشرعية جداً، وهو من انحرافه في الطرفين.

    تضعيف ابن حزم لحديث المعازف

    وقد رد ابن حزم الحديث الصحيح الثابت في صحيح البخاري ، ولفظ الحديث يقول الإمام البخاري عليه رحمة الله: وقال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد .. ثم ساق الحديث إلى أبي مالك الأشعري أو أبي عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم -أي: جبل- يروح عليهم بسارحة لهم، فيأتيهم -يعني: الفقير- لحاجة ومعونة ومساعدة، فيقولون: ارجع غداً، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة )، والحديث بوب عليه الإمام البخاري في الأشربة، باب: فيمن يستحل الخمر ويسميها بغير اسمها ( يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ).

    واستحلالهم لهذه الأمور عن طريقين اثنين:

    الأول: هو الذي يفهم من كلام الحافظ ابن حجر وهو قول وجيه: أنه ليس المراد من الاستحلال الإباحة، إنما المراد المواظبة والاستدلال والاستمرار على هذه الخصال، فيزني ويسكر ويسمع المعازف والمزامير ويلبس الحرير، والإنسان إذا جعل هذا ديدنه، عندما يسكر في أول الأمر ينخلع قلبه، وعندما يزني في أول الأمر لا تسعه الدنيا، فضلاً عن: الحجرة التي زنا فيها، لكن بعد ذلك هذه الهيبة تزول، وقد يزني في اليوم الواحد عشر مرات ولا يبالي، ففعله فعل من استحل، فيكون معنى: ( يستحلون ) يدمنون المعاصي، ويفعلونها من غير خوف ولا وجل، والمؤمن مادام يعقل ويخاف، ينكمش يقول: أنا لا أستحل، أستحيي من ربي، هذا لا زال فيه خير، وواعظ الله في قلبه قد ينتصر ولو بعد حين، لكن البلية إذا مات القلب، عصى وما شعر بأنه عصى، هذا معنى الاستحلال، يعني: يفعلونها كأنها حلال، ويبقى الأمر كذلك، الآن وسائل الإعلام، وسائل الإجرام التي يعكف الناس عليها، وفيها الموسيقى وقلة الحياء، لا أحد يفعلها على أنها حرام، يخطر ببالي أن يفعلها، يقول بعد ذلك: أتوب إليك يا ربي، سأخرج هذا الجهاز من بيتي ولن أعود، ويشعر بأنه قصر، لا يفعل كأنها حلال، كأنه يشرب الماء ويشم الهواء، يعني: لا يرى في فعله لها حرجاً، وهذا حقيقة قول معتبر، فليس معنى يستحل أنه يأتي بالخمر ويقول: هو حلال، إذاً لكفر.

    القول الثاني: ذهب إليه الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله، وهو قول معتبر وقوي وسديد أيضاً، يقول: يستحلها بنوع تحليل، فيأتي للمعازف والمزامير كما فعل ابن حزم ويقول: هي أصوات مطربة، وكما قال بعض المهوسين: تدخل في دائرة الطيبات، مباح والمباح طيب، حرام، فيه نص ويتأول، ثم يأتي إلى النص ويكثر اللغط حوله، هذا هو، يأتي للخمر، يأتي للنبيذ، للبيرة، للويسكي متعللاً بهذه الألفاظ، يقول: هذه ليست الخمر التي كانت تشرب في العصر الأول، أو يأتي بتأويل آخر فيقول: حرم الخمر المسكر، وأما إذا شرب مقدار فنجان فلا حرج كما قال بعض القسيسين عليهم جميعاً لعنة الله.

    كان مرة بعض إخواننا معه في مدرسة واحدة قسيس، في البلاد التي فيها ما فيها، ونسأل الله أن يفرج عن المسلمين أجمعين، هناك في مادة التربية الدينية ينقسم الطلاب إلى قسمين: دينية إسلامية، دينية مسيحية، ويأتي قسيس ليعلم أولاد النصارى التربية الدينية المسيحية، وذاك يعلم تربية دينية إسلامية، فاجتمعا، يقول لي هذا الأخ بنفسه: كنا في حجرة المدرسين، فقال: أنتم الآن تدعون أنكم تنتسبون إلى نبينا عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، ولو كان عيسى حياً لأعمل السيف في رقابكم -عليهم لعائن ربهم- تؤمنون بالإنجيل مع ما طرأ عليه من التحريف والتبديل؟ لا زال فيه لا يدخل الجنة سكير ولا زانٍ، قال: كيف هذا؟! أنتم تشربون الخمور حتى في الكنائس؟! فقال القسيس لهذا الشيخ: في الإنجيل قال: سكير، وهي صيغة مبالغة، يعني: الذي يشرب سطلاً! أنا أقول: هذا التأويل من القسيس بمثابة تأويل شيخ آخر من المسلمين للموسيقى عندما قال: الموسيقى غير المثيرة حلال، والمثيرة حرام، وهنا خمر، من شرب سطلاً فهذا حرام، ومثله أن تأتي بديسكو ميسكو وتجعل الناس مثل الحمير في الحجرة، فهذا حرام! أما وأنت مضطجع على الوسادة ونغم خفيف فهذا حلال، من الذي فرق؟ أنت مشرع الآن؟ هبط عليك جبريل أو هبط عليك الشيطان الحقير حتى قلت: إذا كانت مثيرة حرام، وإذا لم تكن مثيرة حلال، من الذي فرق؟

    هذا يحتاج إلى نص، وهنا خمر إن شربت سطلاً فهو حرام، وإن شربت كأساً للذة والطرب والنشوة حلال، نعوذ بالله، هذا هو التأويل، وهذا الذي قاله ابن تيمية عليه رحمات رب البرية، يستحلونها بنوع تأويل، يقول: لا تشرب حتى تسكر، إذ تتبول وتتغوط على نفسك، اشرب فقط كأساً لتنتعش، يستحلونها بهذا التأويل، يقول: ولو لم يكن هناك تأويل، واستحلوها لكفروا، يعني: لو جاء وقال: الغناء حرام ثبت تحريمه، لكن تحريمه عبث، ماذا يقال عنه؟ كافر، هذا بالإجماع، لكن جاء وتلاعب، قال: أصوات مطربة، والحديث حوله كلام، على تعبيره الأحاديث التي في الغناء مثخنة بالجراح، هذه عبارات محدثين؟! من الذي أثخنها بالجراح؟

    ابن حزم قدوة المبيحين للمعازف قديماً وحديثاً

    الإمام ابن حزم أول من فتح الباب في هذه الأمة، فقال بحل المزامير والمعازف على اختلاف أنواعها، وتبعه عليها أبو حامد الغزالي في الإحياء، وتبعه على هذه الزلة الظاهرة أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي ، ولا أرى تشويههم كما قلت، لكن زللهم نرده، ومن شنع عليهم من أئمتنا أيضاً نستغفر له، يعني: الإمام الألوسي شنع على ابن حزم ، وشنع على محمد بن طاهر يقول عنه: قال: محمد بن النجس ! هذا في روح المعاني، محمد بن النجس الذي استحل المزامير والمعازف، هذا في الحقيقة غلط كما قلت، ولا نضلل الألوسي ولا نتهجم عليه، لكن نقول: هذا زلل إلا أنهم ضمن دائرة أهل السنة، والزلل نطرحه ونستغفر الله لهم، ونسأل الله أن يتوب عليهم جميعاً.

    إذاً: هنا جاء ابن حزم ، وهذا في المحلى، فقال: هذا الحديث الذي رواه البخاري لا يثبت، والأحاديث في تحريم المعازف والمزامير موضوعة، لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام منها شيء، فإذاً لا يثبت التحريم، أنت ما حكمك الآن؟ هنا لجأ إلى القياس، فقال: بما أنها أصوات مطربة، ويباح لنا أن نسمع صوت الطيور والعصافير فيباح لنا أن نسمع المزامير.

    الحديث الذي دلنا عليه ابن حزم لا زال يقول به كثير ممن لا عمدة لهم إلا زلة ابن حزم ، وسيأتينا إخوتي الكرام أن من تبع زلل العلماء ضل، ومن أخذ برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله، ويقول الإمام ابن قيم الجوزية كما سيأتينا عليهم جميعاً رحمات رب البرية: من أخذ برخصة كل عالم تزندق أو كاد، هذه الزلة التي جرت منه نطرحها، يعني: يطوى الحديث عنها ويستغفر لقائلها وانتهى الأمر، إنما جاءت فئة بعد ذلك تنبش لاسيما في هذه الأوقات، لا عمدة لهم إلا: قال ابن حزم ، لكن، قل: قال أبو حنيفة ، قل: قال الشافعي ، قال مالك ، قال أحمد عليهم جميعاً رحمة الله، ما ذهبت إلا إلى ابن حزم؟ يعني: ما أردت ابن حزم إلا في موضوع المعازف والمزامير، هو بشر يخطئ ويصيب، فإذا أخطأ كان ماذا؟ وأنت تأتي تأخذ بهذه العثرة وهذه الزلة، أئمتنا قاطبة كل من جاء بعده ردوا عليه كما قلت إلا الغزالي ، وحكى كلاماً، والله يا إخوتي الكرام عندما أقرأ كلام الإمام الغزالي أقول: رب أسألك أن تعفو عنه؛ لأن الكلام الذي يتأمله يجد فيه نقض لأصل الإسلام، يعني: ليته جاء يقول: موضوع الغناء والمعازف والمزامير مباحة وانتهى، عللها بسبعة أمور، والله لو أردنا أن نأخذ بمدلولها لنقضنا القرآن من أوله إلى آخره، ولعل الكلام الذي قاله لا يعلم خطره، العلم عند الله، أسألك أن تغفر له وللمسلمين أجمعين أنت أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.

    علل حديث المعازف عند ابن حزم

    أما حديث المعازف فـابن حزم طعن فيه من وجهين، وهكذا من جاء بعده، قالوا: فيه أمران من أجلهما يرد الحديث.

    الأول: قال: هذا معلق، يعني: محذوف من أول إسناده راوٍ فأكثر، هذا هو الحديث المعلق، وسيأتينا هذا ضمن قواعد المصطلح إن شاء الله، فحاله كالسقف المعلق الذي لا يرتكز على أساس، هذا يقال له: معلق.

    والأمر الثاني: قال عن أبي مالك الأشعري ، أو أبي عامر شك في الصحابي، والشك هذا يدل إذاً: على رد الحديث؛ لأنه لم يعين الراوي عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    رد تعليل ابن حزم لحديث المعازف

    وكلامه بشقيه باطل باطل باطل، وهذا الذي قرره أئمتنا.

    أما الأمر الأول: فباطل، الحديث ليس بمعلق، موصول متصل من البخاري إلى النبي عليه الصلاة والسلام، البخاري قال: قال هشام بن عمار ، وهشام بن عمار من شيوخ البخاري ، وإذا روى التلميذ عن شيخه بأي صيغة كانت فذلك محمول على الاتصال، سواء قال: سمعت أو قال: حدثني أو أخبرني أو أنبأني أو بأي صيغة، إلا إذا كان مدلساً فلا تقبل روايته عن شيخه إلا إذا صرح بالسماع أو التحديث، والبخاري لم يصفه أحد من خلق الله بالتدليس، فإذا قال البخاري : قال هشام، كما لو قال: عن هشام ، قال الإمام عبد الرحيم الأثري في ألفيته:

    وإن يكن أول الإسناد حذف مع صيغة الجزم فتعليقاً عرف

    ولو إلى آخره..

    يعني: حذف الإسناد من أوله إلى آخره، قال: قال عمار بن ياسر ، كما سيأتينا: معلق عن عمار ، يعني: بين البخاري وبين عمار عدة رجال، لا يضر، هذا يقال له معلق.

    ولو إلى آخره أما الذي لشيخه عزا بقال فكذي

    عنعنة كخبر المعازف لا تصغ لابن حزم المخالف

    أما الذي لشيخه عزا بقال.

    يعني: ماذا؟ قال هشام .

    أما الذي لشيخه عزا بقال فكذي عنعنة.

    إذاً: حكمه كما لو قال: عن هشام .

    لا تصغ لابن حزم المخالفِ

    فعندما يقول البخاري : قال هشام ، كما لو قال: عن، ورواية الراوي عن شيخه محمولة على الاتصال بأي صيغة من صيغ التحمل روى عن شيخه، إلا إذا كان مدلساً فلا تقبل روايته إلا أن يصرح بالتحديث أو بالسماع، والبخاري لم يصفه أحد من خلق الله بالتدليس، فإذا قال: قال هشام ، فهو كما لو قال: عن هشام فالحديث محمول على الاتصال، وهذا الذي قرره الإمام ابن الصلاح والإمام ابن مندة ، وأئمتنا قاطبة في كتب المصطلح.

    يقول: لو سلمنا أن الحديث معلق وهو منقطع من أوله، فقد روي الحديث متصلاً من غير طريق البخاري ، وصله الطبراني في معجمه الكبير، ووصله الطبراني في مسند الشاميين، ووصله الإمام الإسماعيلي في مستخرجه على صحيح البخاري ، ووصله أبو نعيم في مستخرجه، ووصله أبو داود في سننه، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي في سننه، سبعة من الأئمة الكرام وصلوا هذا الحديث، وعلم من طريقه متصلاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: زال الإشكال، أوليس كذلك؟ يعني: على التسليم أن رواية البخاري معلقة منقطعة ضعيفة فقد وصل الحديث من طريق آخر، والإمام ابن حجر ألف كتاباً طبع حديثاً في خمسة مجلدات اسمه تغليق التعليق، أي: المعلقات الموجودة في صحيح البخاري وصلها الإمام ابن حجر حسب روايات الأئمة الآخرين، يقول: حديثنا معلق، قال عمار كما سيأتينا وصله فلان وفلان وفلان من الأئمة، ويأتي بالأئمة الذين وصلوا هذا، معلق -لكن كما قلنا- روي متصلاً من طريق آخر، فعلى التنزل بأن هذه الرواية معلقة وضعيفة، فقد وصلت من طريق آخر.

    تنزل ثالث: ولا زلنا في الجواب على الشق الأول من كلام الطاعنين في الحديث، لو قلنا: إن الحديث معلق، ولم يتصل من جهة أخرى، فمعلقات الصحيحين إذا كانت بصيغة الجزم فمحكومٌ بصحتها إلى من أضيفت إليهم باتفاق أئمتنا، لاشتراط صاحبي الصحيحين أن لا يوردا في الصحيحين إلا صحيحا، فهو عندما يقول: قال هشام بن عمار ، قال عمار بن ياسر ، وقالت عائشة : ( نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين )، عندما يقول هذا ولا يذكر الإسناد، فهذا محكوم بصحته إلى من علقه عنه. هذا كما لو سألته عن الحديث أصحيح هو أو ضعيف؟ فقال: صحيح، هذا إمام علم جهبذ، فاشترط أن لا يورد في هذا الكتاب إلا صحيحاً، فإذاً: الأثر مقطوع بصحته إلى هشام بن عمار ، ثم الحديث متصل من هشام إلى النبي عليه الصلاة والسلام فزال الإشكال.

    إذاً: هذه ثلاثة أجوبة.

    أولها -كما قلنا- قال: ليس معناها التعليق والانقطاع.

    ثانيها: روي موصولاً من جهة أخرى.

    ثالثها: التعليق بصيغة الجزم، فعلى التسليم بأنه معلق فهو مقبول.

    أما الشق الثاني: أبو مالك الأشعري أو أبو عامر ، يقول: هذا شك، هنا الشك في تعيين الصحابي لا يضر بالإجماع، لو قال التابعي: حدثني من صحب النبي عليه الصلاة والسلام وما سماه لحكم على الحديث بالاتصال؛ لأن الجهل بأعيان الصحابة لا يضر؛ لأن الصحابة كلهم ثقات عدول، فالجهل بعين الراوي من الصحابة لا يضر، بعد علمنا بكونه صحابياً، سواء سمي أو لم يسم لا يضر، فـأبو مالك الأشعري أو أبو عامر هذا لا يضرنا، مادام كل منهما صحابي روى عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الشك الذي في صحيح البخاري من رواية عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري أو أبي عامر ، هكذا رواه الإسماعيلي في مستخرجه أيضاً عن أبي مالك أو أبي عامر ، ورواه أبو داود بغير شك عن أبي مالك ، ورواه ابن حبان في صحيحه عنهما عن أبي مالك وعن أبي عامر أنهما يقولان: سمعنا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) إلى آخر الحديث..

    إذاً: روي بالشك، وروي بالجزم، وروي بالجزم بـأبي مالك والجزم بهما، والجمع بين الروايات: أن الراوي أخذه عن الصحابيين، واضح هذا؟ فأحياناً صرح بواحد، وأحياناً صرح بآخر، وأحياناً أورد هذا على صيغة التردد، والأمر كله إن شاء الله فيه اتساع، وحتى لو كان لا يوجد إلا صيغة واحدة، وفيها احتمال: هل هذا الراوي أو هذا؟ لا يضر بعد ثبوت الصحبة لكل منهما، والعلم عند ربنا جل وعلا.

    هذا الحديث الذي كما قلت قرره أئمتنا، وهو العمدة في تحريم آلات المعازف بأسرها، واستمع لقول النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف )، المعازف، يقول علماء اللغة: هي جميع آلات اللهو، من عود ومن دربكة ومن موسيقى ومن قيان، ومن.. ومن.. ومن..، كلها بلا خلاف، فلم يبق مثيرة بعد ذلك ولا حقيرة، يشمل جميع آلات المعازف بلا خلاف.

    إيراد كلام الغزالي في الغناء والرد عليه

    الإمام الغزالي في الإحياء لما جاء لمبحث الغناء، ومبحث آلات العزف والموسيقى، ذكر كلاماً حقيقة يكبر علي أن أذكره، لكن أريد أن أحذر منه، وإذا وقف واقف عليه فليتق الله في علمائنا، وليستغفر لقائل هذا، إما كما قلنا مخطئ وإما ناسي وإما غافل وإما مذنب تائب، وإما لعبت يد الدس في الكتاب، والعلم عند الله، وما واحد منا يقطع مائة بالمائة أن ما في الإحياء بخط أبي حامد وتأليفه. عليه وعلى أئمتنا رحمة الله، فأما ما في الكتب فلا يلتفت إليه، اطرحه، وأما الرجل فيسكت عنه ولا داعي للتشنيع، وإذا كان القرآن مفيداً للوجد، يعني: للخشوع للطرب للتفاعل، للأثر في النفس، فما بالهم -يعني: الصوفية- يجتمعون على سماع الغناء ولا يجتمعون على سماع القرآن، وما بالهم يحضرون القينات في مجالسهم يغنين ولا يحضرون القارئ في مجالسهم ليقرأ، أنت قد تقول: لم إذاً؟! إذا كان القرآن له أثر في القلب، ولو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، إذا كان القرآن له أثر، ويحصل منه وجد وخشية وهيبة، وتعلق بالله وانفعال، وتحمل هذه المعاني، لم؟ هؤلاء يجتمعون على قوال ولا يجتمعون على قارئ، لم يسمعون الغناء ولا يقرءون كلام رب الأرض والسماء؟!

    استمع لعبارته كما قلت واستغفر لقائلها ولا داعي للتشنيع، يقول: فاعلم أن الغناء أشد تهييجاً للنفس من القرآن من سبعة أوجه:

    أولها: يقول: جميع الآيات لا تناسب أحوال المستمعين، فإذا كان هذا يغلب عليه الخوف ينبغي أن تسمعه الأشعار والغناء الذي فيه رجاء ووصل محبة، وإذا كان يغلب عليه الغرور تسمعه أشعار الخوف. نقول: أما إذا قرأ: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23]، يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].. إذا قرأ هذا فلا يناسب حالهم، هو يريد أشعار فيها وصل وفصل وانبساط وانقباض على حسب حالهم، أما القرآن فلا يناسب أحوال المستمعين، هذه عفنة فيها رعونة، لكن ما لنا ولهم، هل يجب أن تعالج أنفسهم؟ كل آية في القرآن تناسب حال كل إنسان، أنت تحتاج إلى شيء من التدبر والتأمل.

    وانظر لهذه العبرة عند بعض سلفنا يقول: أرجى آية في القرآن عندي آية الدين. آية الدين ماذا فيها من رجاء؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [البقرة:282].. وهي أطول آيات القرآن على الإطلاق في أطول سورة، يقول: هذه أرجى آية، لكن أين أرجؤها؟ ما وجه الرجاء فيها؟ يقول: أنا عندما أقرأ هذه الآية أبكي في استشعار رحمة الله وواسع عفوه وفضله وبره وإحسانه، قالوا: كيف؟ قال: الدنيا من أولها إلى آخرها قليلة حقيرة لا تساوي عند الله جناح بعوضة. هذا حق أو باطل؟ حق، كيف يأخذ هذا المعنى من آية الدين، يقول: وما يملكه الواحد منا جزء يسير في الدنيا، أوليس كذلك؟ يعني: أنتم تملكون شيئاً كثيراً أو قليلاً؟ أنت وما تملك لا تشكل رمية في وادي من وديان الدنيا، أوليس كذلك؟ يقول: وما يقرضه الإنسان لغيره قليل مما يملكه، يعني: أنت إذا كنت تريد أن تقرضها كلها أو تقرض منها مائة أو مائتين، فهل تقرضها كلها؟ فأنت تقرض مما تملك قليلاً، الدنيا قليلة، وما تملك منها قليلاً، وما تقرضه قليل، وأنزل الله أطول آية في القرآن من أجل توثيق هذا القليل وضمانه لعدم ضياعه عليك.

    وقال: إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [البقرة:282]، ويشهد شاهدين بعد ذلك، أريد أن أقرضك خمسين ريالاً، نعمل كل هذه البداية، هذه قليل من قليل من قليل، احتاط الله لنا هذا! قد ثبت في المسند وتفسير ابن مردويه ، والحديث إسناده صحيح من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل أقرض قرضاً فلم يشهد عليه ). هذا يدعو فلا يستجيب الله له؛ لأنه قد يضيع حقه فيصبح نادما، يعطيك خمسمائة يعطيك ألفاً، يكتب كتاباً، يطوى ويشهد شاهدين وفي أمان الله، وإن كنت خائناً فقد استوثقت، وإن كنت صادقاً ... فالحمد لله يوجد ما يذكرك أليس كذلك؟ ولذلك لو وجد رجل وامرأة، ينبغي امرأة أخرى، حتى إذا نسيت تذكرها أختها، هذا من أجل القرض، كونه يحتاط لنا ربنا جل وعلا: ( ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل أقرض قرضاً فلم يشهد عليه، ورجل تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها )، قليلة دين، لا تصلي، لا تصون عرضها، تريد مزامير ومعازف في كل وقت، وما أريد أحداً يخرج ويذهب إلى زوجته ويقول: أنت طالق ثلاثاً، اتقوا الله في أنفسكم، تحتاج المسألة إلى ترويض وتربية، وإذا أنت أفسدت أهلك فاتق الله وخذهم إلى الصلاح كما أخذتهم إلى الفساد، لكن أقول: إذا كانت هي مصرة على هذا، حقيقة ماذا يعمل الإنسان؟ ما يجد إلا الفراق ولا خير في صحبة العاصي.

    والصنف الثالث: ( رجل دفع ماله إلى اليتيم ولم يشهد عليه، وقبل أن يبلغ أشده )، والله يقول: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6]، إذا كان لديك مال اليتيم وأعطيته ماله ولم يبلغ يأخذه سفيه يبلغه، ويبقى كلاً عالة على غيره، وأنت الذي ضيعت عليه فلوسه وماله من عدم المحافظة عليه.

    إذاً: تقول: هذه أرجى آية في القرآن.

    الإمام الرازي عليه رحمة الله في تفسيره مفاتيح الغيب عند آية الرضاع: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233]، بعد أن انتهى منها، يقول: وفي الآية دلالة على أنه كلما اشتد ضعف الإنسان اشتدت رحمة الله له إلى يومنا هذا، كلما كان ضعفك قليلاً كانت عناية الله ورحمته بك أكثر... انظر الآن هو في المهد جعل الله له حقاً في هذين الثديين المباركين: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233]، انظر ماذا قال الله: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [البقرة:233]، يعني: هذه الأمور الثلاثة انتبه لها: أراد أن يفصل الوليد أو يفصلاه عن الرضاع قبل سنتين، لذلك هذه الشروط الثلاثة: أن يرضى الأبوان، ولا يمكن أن يجتمعا على مضرة الولد، يعني: قد يريد أن تسقيه، قد يريد أن تتفرغ الزوجة لعشرتها معه، وأن هذا الولد أنهكها، وأضعف جسمها، قال: بالعكس هي تريد أن تصح في بدنها، وهذا الولد أتعبها، تريد أن تفطمه يقول: لا أرضعيه، قل أن يجتمع الوالدان على مضرة الولد، لو قلنا: اجتمعا لم يجب فطامه إلا بعد أخذ رأي أهل الخبرة.

    إذاً: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ [البقرة:233]، يستشير الأطباء أهل الخبرة من نساء من كبار، قالوا: ليس عليه ضرر، بلغ سنة ونصف، لو فطم لا يضره الفطام، هل يجب أو يجوز؟ انظر ماذا قال الله: فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [البقرة:233]، يعني: في هذه الحالة رضي الأبوان، وقال أهل الخبرة: لا مضرة عليه، لا جناح عليكم في فطامه، إذاً: ليس عليكم إثم ولا لوم، ولن أعاقبكم إذا فطمتموه في هذه الحالة، لكن الأحسن أن يأخذ هذا الولد حقه، كلما اشتد ضعف الإنسان عظمت عناية الله به وكثرت رحمة الله له، ولذلك النساء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن رآهن نبينا عليه الصلاة والسلام في نومه في الرؤيا التي عرضت عليه، ورؤيا الأنبياء وحي، والحديث في المستدرك، كنت ذكرته في خطبة الجمعة في الجزء الثاني صفحة (210)، من رواية أبي أمامة الباهلي ، والحديث إسناده صحيح على شرط مسلم عن نبينا عليه الصلاة والسلام: ( أنه رأى نساءً تنهش ثديهن الحيات، فقال: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن )، نقول: أنت عندما تقرأ آية الرضاع انتهى تعبيرها، تستخلص من هذه الفكرة، لكن يحتاج إلى تدبر: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29].

    هذا الوجه الأول -إخوتي الكرام- الذي ذكره الإمام الغزالي في الإحياء: أن القرآن الكريم لا يوافق أغراض المستمعين، ولذلك يقبلون على الغناء اللعين، ويتركون كلام رب العالمين، وهذه مذمة أو مكرمة؟ مذمة، فكيف نريد أن نجعلها عذراً لهؤلاء، وأورد بعد ذلك قصصاً ضمن هذا في منتهى الشناعة والنكارة منها:

    أن أبا الحسين البصري كان يقرأ القرآن من الصباح إلى الظهر فما أثر فيه، ولا خرج من عينيه قطرة، وجاءه بعض الناس أنشده أبياتاً من الشعر.. وهي في منتهى البرودة والنتونة، قال: فقام يتواجد وبدأ يسقط على رأسه عندما سمعها، وقال: أما سمعت هؤلاء يقولون عني: زنديق؟! هذا الوجد، من الصبح وأنا أقرأ القرآن ما أثر في، ولما قرأت علي الأبيات كأنه قامت علي القيامة. ما هي الأبيات؟

    رب ورقاء هتوف في الضحى ذات شجو صدحت في فنن

    ذكرت إلفاً ودهراً سالفاً فبكت حزناً فهاجت حزني

    فبكائي ربما أرقها وبكاها ربما أرقني

    وهي تشكو فما أفهمها وأنا أشكو فما تفهمني

    غير أني بالجوى أعرفها

    يعني: بحرقة القلب وصياحها.

    وهي أيضاً بالجوى تعرفني

    قالوا: فقام فسقط على رأسه وبدأ يتخبط على الأرض من هذه الأبيات! أقول: لا يوجد أعفن من هذه الأبيات، ماذا فيها؟ أهذه مثل قول الله جل وعلا: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:22-24]، لا إله إلا الله! هذا كهذا؟ أين تذهب عقولكم؟! أريد أن أعرف، أبيات تفضل على سماع الآيات؟ رضي الله عن عمرو بن العاص عندما كان على شركه وضلاله وجهله، وذهب إلى مسيلمة الكذاب عليه لعنة الكريم الوهاب، لما ذهب، فقال مسيلمة لـعمرو : ماذا أنزل على صاحبكم، يعني: محمداً على نبينا صلوات الله وسلامه، قال: أنزل الله عليه سورة وجيزة بليغة، قال: وما هي؟ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]، فقال: أنزل علي آنفاً مثلها، الآن نزل عليه الشيطان بسورة كسورة العصر، قال: وما هي؟ قال: يا وبر يا وبر، إنما أنت إبلان وصدر، وسائرك حفر نقر، وبر وبر طائر أكبر ما فيه أذناه وصدره، وبقية أعضائه لا اعتبار لها ولا شأن لها، قال: ماذا تقول يا عمرو ؟ قال: والله إنك لتعلم أنني أقول: إنك كذاب، لا يحتاج هذا، هذه كهذه؟ يعني: هل يحتاج موازنة:

    رب ورقاء هتوف في الضحى ذات شجو صدحت في فنن

    أهذا كقول الله جل وعلا فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:20]؟

    انظر الوجه الثاني: يقول: القرآن محفوظ للأكثر ومتكرر سماعه، ولذلك يخف وقعه، يعني: على القلب، فلا يتواجد الإنسان عندما يسمع، ولذلك يقول: إذا سمع الإنسان القرآن أول مرة يتأثر، فإذا سمعه ثاني مرة يقل تأثره، وإذا سمعه ثالثة يكاد يسقط أثره، لم؟ ما هو الدليل؟ قال: لأن لكل جديد لذة، ولكل طارئ صدمة، يعني: هذه آية من القرآن: ألكل جديد لذة؟ القرآن لا يخلق عن كثرة الرد، لا يخلق، لا تبلى جدته، كلما قرأته كأنه الآن نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام، وكأنك تسمعه منه، هذا كلام باطل، يقول: وأما الغناء فسيأتيك بأشعار ما سمعتها فيحرك الكامن الذي في قلبك.

    الوجه الثالث: يقول: الغناء له وزن شعري، والوزن له أثر في القلب، فالشعر له أثر في القلب، يقول: ولذلك طاب الشعر لوجود الوزن فيه.

    لكن القرآن ليس بشعر وليس بنثر، إنما هو من كلام الخالق جل وعلا، لا يشبهه كلام على وجه الأرض، والله لو قرأت البخاري من أوله إلى آخره، وهو كلام نبينا عليه الصلاة والسلام لا نشك، لما كان له من الحلاوة والبلاغة والجزالة والتأثر في قلبك، كما هو لأقصر سورة من سور القرآن، هذا كلام الرحمن لفظاً ومعنى، وأما الحديث فتجوز فيه الرواية بالمعنى مهما أتي به، لكن يكون بألفاظ صار فيها تغيير، وهذه ليست كلام الله الجليل بألفاظها، أما القرآن فعندما تقرأه يسحرك بكلمه. كان المشركون يقولون: إن عليه لحلاوة وإن له لطلاوة، وإن أسفله لمثمر، وإن أصله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، وليس من كلام البشر، هؤلاء المشركون، فنحن نؤمن بالحي القيوم، ونقول: الشعر له وزن يؤثر، ولكن القرآن ليس له كأثر الشعر، الشعر أعذبه أكذبه، فالكذب إذا تأثرت به النفس فهذا يدل على رعونتها وعفنها وخبثها وفسادها، ولا يجوز أن نلتمس عذراً لها.

    الوجه الرابع: يقول: الغناء يجوز أن تصحبه الألحان، والمزامير عند الظاهرية والغزالي كلها حلال، يجوز أن تصحبه الألحان، لا إله إلا الله، الألحان قبل المزامير، الألحان التطريب يقصد به الصوت، فتمد المقصور وتقصر الممدود، وتقطع في محل الوصل، وتصل في محل القطع من أجل تهييج الناس، فتقول: يا لييييل.. تصحبها ألف حركة، هذا لا يجوز في القرآن، مقيد أنت بقواعد التجويد، إذا خرجت عن هذا فقد عصيت الله المجيد، يقول: أما هناك يجوز، تمد وتمطمط كما يفعل هؤلاء الذين هم أخبث من السكارى، وأحط من أهل المخدرات، يقول: وأما القرآن فلا يجوز، إذاً: هناك كما قلنا: وزن ولحن، إذاً: التجويد عندما يرتل الإنسان كلام الله فالجبال تخشع وليست القلوب فقط.

    الوجه الخامس: يقول: هذا وزن ولحن، ثم يصاحبه بعد ذلك قضيب ودف ومزمار غناء، وتأتي معه بآلات اللهو والطرب، فالقلوب تتأثر، ولذلك ترى الإنسان عندما يسمع الغناء يعتريه الوجد، ذاك الوجد الشيطاني، فيضرب رأسه، ويدق الأرض برجليه، ويحرك كتفيه، تراه جالساً واقفاً مثل الشيطان، عندما يسمع الغناء يتواجد ويتفاعل، يقول: أما القرآن فلا يجوز أن يصاحبه شيء من المعازف والمزامير، هذا حرام، ولذلك يجتمع هؤلاء على الغناء والقوال ولا يجتمعون على القرآن ولا على القارئ!

    يقول: والوجد الضعيف الذي في نفوس الناس لا يستثار إلا بسبب قوي، غناء ووزن ولحن وآلات، والقرآن يصان عن مثل هذا.

    الوجه السادس: تقول: القرآن قد لا يوافق أغراض المستمعين، فلا يجوز أن يقول المستمع للقارئ: اسكت أو أن يزجره عن القراءة وأن يمنعه، أما الغناء فإذا غنى في أشعار الوصل، وأنت تريد أشعار وجد، تقول: اسكت، غنِ لنا في موضوع آخر، فيجوز أن تقول للمغني القوال اسكت وانتقل لشيء آخر، ولا يجوز هذا في القرآن.

    الوجه السابع: ذكره أبو نصر السراج السوسي في كتاب اللمع من كتب الصوفية: قال: كلام الله صفة لله، وهذا من باب الحقوق، وأما الغناء هذا فصفة لنا، وهذا من باب الحظوظ، والنفس الحظوظ أسهل عليها من الحقوق، وعليه يميل هؤلاء للغناء، ولا يميلون إلى القرآن.

    هذه أمور سبعة يقول عنها الإمام عبد الغني المقدسي صاحب كتاب الكمال في أسماء الرجال في الكتب الستة:

    ورأوا سماع الشعر أنفع للفتى من أوجه سبعٍ لهم بتوال

    والله ما ظفر العدو بمثلها من مثلهم وا خيبة الآمالِ

    إضافة الزبيدي وجهين في تفضيل الغناء على القرآن لإفادة الوجد

    جاء الإمام الزبيدي في شرح الإحياء فزاد في الشطرنج حماراً وبغلة، فزاد وجهين آخرين على الأمور السبعة التي من أجلها يجتمع الناس على قوال ومغن لا على تالٍ وقارئ.

    قال: الثامن قريباً من السابع إن لم يكن هو، فقال: القرآن حق وفيه ثقل، وله صدمة، هذه لا يمكن أن يتحملها وأن يتفاعل معها إلا القوي الكامل، وأما الغناء فهذا ترويح على النفس، هذا كقوله هناك: حقوق وحظوظ.

    وأما التاسع: فقال: القرآن عندما يقرأ تنزل السكينة وتحضر الملائكة، فينتج التوقر والسكون، فلا يحصل التواجد والرقص وما شاكل هذا، وأما الغناء فصورته صورة اللهو، يقول: وهذا المشهور الذي كنا نسمعه من مشايخنا في الاعتذار عن الصوفية في حضورهم الغناء ومجالس القوال، بدل القرآن ومجالس التالين.

    هذا الكلام في الحقيقة باطل يا إخوتي الكرام، وما يشاع في هذه الأيام من التساهل، وأن الغناء الباب أمامه مفتوح، وجميع آلات الموسيقى فيها ترخص ولا يوجد دليل على المنع.

    طرق من أقوال بعض العلماء في الغناء والمعازف

    أقول: إذا كنا نوقن بأن الله حرم الخمر، وما أظن أحداً يشك في ذلك، والله الذي لا إله إلا هو، إذا كنا نوقن بهذا فينبغي أن نقول: يستحيل في حكمة الحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من الخمر؛ لأنها تقود إلى الفواحش وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ثم يبيح ما هو أعظم شوقاً من الخمر إلى الفواحش، وأعظم صداً عن الصلاة من الخمر ألا وهو الغناء، وهذا كلام أئمتنا الأتقياء عليهم جميعاً رحمة الله، وانظروا في مدارج السالكين في الجزء الأول صفحة (500) لشيخ الإسلام الإمام ابن قيم الجوزية ، ولا أريد أن أسترسل في موضوع تحريم الغناء والموسيقى، فكنت قد ألقيت محاضرة طويلة مطولة حول هذا، جواب سائل عن حكم الغناء، فارجعوا فاسمعوها ففيها إن شاء الله بيان الحق في هذه المسألة، إنما انظر لكلام هذا الإمام المبارك عليه رحمة الله، في مدارج السالكين بحث مطول من صفحة (466) فما بعدها إلى (500)، وهو قبل ذلك أيضاً بأكثر، لكن انظر الآن هذه العبارة التي تقرأها في صفحة (496) من مدارج السالكين في الجزء الأول:

    القاعدة الثالثة: إذا أشكل على الناظم أو السالك حكم الشيء هل هو الإباحة أو التحريم؟ فلينظر إلى مرتبته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة، فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من الشرع قطعي، ولاسيما إذا كان طريقاً مفضياً إلى ما يغضب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، موصلاً إليه عن قرب، وهو رقية له ورائد وبريد، فهذا لا يشك في تحريمه أولو البصائر، فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر؛ لأنه يسوق النفس إلى السكر الذي يسوقها إلى المحرمات، ثم يبيح ما هو أعظم منه سوقاً للنفوس إلى الحرام بكثير، فإن الغناء كما قال ابن مسعود رضي الله عنه هو: رقية الزنا، وقد شاهدنا الناس أنه ما عاناه صبي إلا فسد، ولا امرأة إلا بغت، ولا شاب إلا وإلا، ولا شيخ إلا وإلا، والعيان من ذلك يغني عن البرهان، ولاسيما إذا جمع هيئة تحدو النفوس أعظم حدواً إلى المعصية والفجور، بأن يكون على الوجه الذي ينبغي لأهله من المكان والإمكان والعشراء والإخوان، وآلات المعازف: من اليراع والدف والأوتار والعيدان، وكان القوال شادناً شجي الصوت؛ لطيف الشمائل من المردان أو النسوان، وكان القول في العشق والوصال والصد والهجران..

    والله الذي لا إله إلا هو إن ما يحصل الآن من سماع إلى المغنيات والمغنين في أجهزة الدمار التي تنتشر في العالم، لو كان يمكن للمرأة أن تحمل من غير وطئ لحملت من سماع هذا الغناء، وكيف بعد ذلك ترخصنا فيه وأبحناه لضيوفنا في بيوتنا؟

    يقول الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان في الجزء الأول صفحة (246): ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء كما يجنبهن أسباب الريب، ومن طرق أهله إلى سماع رقية الزنا فهو أعلم بالإثم الذي يستحقه، ومن المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطي الليان.

    الحطيئة مرة نزل مع ابنته ضيفاً عند بعض الناس فغنى، فقام الحطيئة مع ابنته يريد أن يخرج في جاهليتهم، قال المضيف صاحب البيت: مالك؟ آذيناك قصرنا في حقك؟ قال: أنت تفسد علي ابنتي، الآن تستدعيها إلى فراشك، فتغني في الحجرة الثانية، إن لم تكف عن الغناء فسأخرج. وهذا في جاهليته، وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جداً، فإذا كان الصوت بالغناء صار انفعالها من وجهين:

    من جهة الصوت ومن جهة معناه، فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية -يعني: الغناء- الدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء، فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حر أصبح به عبداً للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدل به اسماً قبيحاً بين البرايا، وكم من ذي غنىً وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان، فلم يجد بداً من قبول تلك الهدايا، وكم جرع من غصة وأزال من نعمة وجلب من نقمة؛ وذلك منه من إحدى الخطايا، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة وغموم متوقعة وهموم مستقبلة. الغناء، إغاثة اللهفان في الجزء الأول صفحة (246) فما بعدها، الغناء يقدم على كلام رب الأرض والسماء؟! وإذا سمعنا القرآن نتثاقل وإذا سمعنا الغناء نتواجد؟!

    تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة لكنه إطراق ساه لاهي

    وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا والله ما رقصوا لأجل الله

    دف ومزمارٌ ونغمة شادن فمتى رأيت عبادة بملاهي

    وأما موضوع المعازف والمزامير، فقد حكى عدد من أئمتنا الإجماع على تحريم المعازف والمزامير، من جملتهم الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى في الجزء الحادي عشر صفحة (576)، فإليكم كلامه باختصار.

    يقول: وأما إذا فعلها -يعني: ما تقدم من آلات اللهو- على وجه التمتع والتلاعب، فمذهب الأئمة الأربعة: أن آلات اللهو كلها حرام، فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيكون من أمته من يستحل الحر والحرير والخمر والمعازف، وذكر أنهم يمسخون قردة وخنازير )، والمعازف هي الملاهي كما ذكر ذلك أهل اللغة. صفحة: (576) وكلامه طويل في ذلك، وكما قلت: لا أريد أن أستقصي كل قول، إنما أريد أن أقول: هذا الذي جرى من ابن حزم وتبعه عليه الغزالي ومعه محمد بن طاهر المقدسي ، زلل في هؤلاء نسأل الله أن يغفر لهم وأن يتوب عليهم، ولا يجوز لأحد أن يعول على زلة عالم.

    قال سليمان التيمي وهو عبد صالح، توفي سنة (143هـ)، من عباد البصرة، قال: لو أخذت برخصة كل عالم أو زلته اجتمع فيك الشر كله. انظر قوله هذا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للإمام الخلال صفحة (159)، وانظر قوله في بيان جامع العلم وفضله للإمام ابن عبد البر في الجزء الثاني صفحة: (91)، وانظره في تذكرة الحفاظ في الجزء الأول صفحة (151)، يقول الإمام الذهبي نقلاً في الجزء السابق صفحة (125) عن الإمام الأوزاعي أنه قال: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام، وقال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان في الجزء الأول صفحة (228): من أخذ بزلل العلماء ورخصهم تزندق أو كاد.

    بقيت الأمور المتعلقة بترجمة ابن حزم ، هذه الثلاثة كما قلت سلبيات، بعد ذلك تأتي ايجابيات في حياته، وكيف ينبغي أن نعتبر به وبأمثاله.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، وألهمنا رشدنا، وبصرنا بعواقب أمورنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.