إسلام ويب

شرح الترمذي - مقدمات [5]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلواتنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم تبلغه حيث كنا، ويرد علينا، كما ورد بذلك كثير من الأحاديث. ومن فوائد مدارسة الحديث الفوز بنضارة أهل الحديث، وهي مبشرة بنضارتهم في الآخرة. والإمام الترمذي من قرية بوغ وهي تابعة لترمذ، وترمذ تابعة لبلخ من خراسان، عاش سبعين سنة، وكان هو وبقية الأئمة الستة في القرون المفضلة.

    1.   

    الخيرات الحسان الناتجة عن كثرة الصلاة على النبي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك.

    سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فقد كنا نتدارس فوائد مدارسة حديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وقلت: هذه الفوائد كثيرة غزيرة وفيرة، يمكن أن نجمعها في ثلاث فوائد:

    الفائدة الأولى: نحفظ أدلة الشرع من الضياع والذهاب والاندراس والإقدام.

    والفائدة الثانية: نكثر الصلاة والسلام على خير الأنام نبينا عليه الصلاة والسلام، وفي ذلك خيرات حسان في الدنيا وفي الآخرة عظام، يحصلها من يكثر الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام.

    والفائدة الثالثة: الفوز بالنضرة والرحمة اللتين دعا بهما نبينا صلى الله عليه وسلم لمن ينشر حديثه ويدرس سنته عليه صلوات الله وسلامه.

    الفائدة الثانية كنا نتدارسها في الموعظة الماضية، وبينت أثر هذه الفائدة، وما يحصله المحدثون وطلبة الحديث ودارسو علم السنة من خيرات حسان في الدنيا وفي الآخرة، فالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام منبع الخيرات في العاجل والآجل، ومن جعلها شغله الشاغل كفاه الله همه وغفر له ذنبه، وتولى أمره سبحانه وتعالى.

    تقدم معنا فضائل الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام، وسأذكر هنا تعليقاً للذهبي في السير ذكره في ترجمة الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم، ثم أنتقل إلى الفائدة الثالثة، وبعد ذلك أنتقل إلى ترجمة الإمام المبارك الإمام الترمذي عليه الصلاة والسلام ومنزلة كتابه من كتب السنة.

    إخوتي الكرام! هذه الصلاة التي نصليها على نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا السلام الذي نسلم به عليه عليه الصلاة والسلام، يحصل لنا فيهما من الأجر عشر رحمات من رب الأرض والسماوات، فمن صلى على النبي عليه الصلاة والسلام مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، وتقدم معنا أن صلاة الله على عباده رحمته لهم، وقلنا: هذا أقل ما يحصل، وإذا عظم في القلب تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام والشوق إليه فستضاعف الخيرات والأجور لمن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، فيصلي الله عليه وملائكته سبعين صلاة، ويكتب الله له عشر حسنات، ويرفع له عشر درجات، ويمحو عنه عشر سيئات، ويرد عليه مثلها، كما تقدم معنا، وإذا جعل الإنسان الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ورداً له على الدوام، كفاه الله همه وغفر له ذنبه.

    1.   

    الأدلة على بلوغ النبي الصلاة والسلام عليه

    هذه الصلاة التي لها هذه الفوائد العظيمة، عندما نفعلها نحو نبينا عليه الصلاة والسلام تبلغه كما لو كان حياً وصلينا عليه وسلمنا عليه، عليه صلوات الله وسلامه، تبلغه ويسمعها، ويعرف المصلي والمسلم عليه، ثم يرد بعد ذلك على من صلى عليه وسلم، عليه صلوات الله وسلامه.

    حديث أبي هريرة في بلوغ الصلاة والسلام إليه

    والدليل على هذا ما ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وإسناد الحديث حسن، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم )، (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)، هذا شامل لأمرين كل منهما حق:

    الأمر الأول: لا تجعلوا البيوت لا خير فيها معطلة عن التلاوة والقراءة وذكر الله كحال القبر؛ لأن الميت إذا مات انقطع عمله، فعندما يقبر يتوقف عمله، فهو في قبره لا يصلي ولا يصوم، ولا يصدر منه عمل، فلا تجعلوا بيوتكم كالمقابر ليس فيها صلاة وصيام وذكر للرحمن، ولذلك ثبت في المسند وصحيح مسلم وسنن الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، فإن البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة ينفر منه الشيطان )، أي: يهرب منه ويطرد ويبتعد.

    فإذاً: المراد اذكروا الله كثيراً في بيوتكم، واقرءوا القرآن، وخاصة هذه السورة العظيمة؛ سورة البقرة، فإذا قرئت يطرد الشيطان من هذا البيت، وأهل القبور من الموتى لو أمكن أن نخاطبهم وقلنا لهم: ماذا تتمنون؟ لقالوا: نتمنى حياة ساعة فقط، لنعمرها بذكر الله جل وعلا، والصلاة على رسوله عليه الصلاة والسلام، ونعمرها بالطاعات والأوقات، ونحن نضيعها بعد ذلك بلا فائدة، يتحسرون على ساعة لو أمكنهم أن يدركوها.

    الأمر الثاني: الدفن في البيوت، ينبغي إذا مات الإنسان أن يدفن في مقابر المسلمين، ومن خصائص نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام أن يدفن حيث قبض، فإذا قبض في بيته يدفن في بيته عليه الصلاة والسلام، أما من عداه فيدفن في مقابر المسلمين، فلما دفن نبينا عليه الصلاة والسلام في بيته صار لبيته حكم المقبرة، فشرع بعد ذلك دفن أبي بكر ؛ لأنه دفن في مقبرة، ثم شرع دفن عمر ، فلا حرج في ذلك؛ لأنه لما قبر النبي عليه الصلاة والسلام صار لهذا المكان هذا الحكم، وأما أن يدفن الإنسان في بيته فهذا منهي عنه.

    ( ولا تجعلوا قبري عيداً )، أي: تعكفون عليه وتلازمونه، كما يجتمع الناس في الأعياد، فهذا منهي عنه، إنما يزار النبي عليه الصلاة والسلام من قبل من يسكن في المدينة المنورة ما بين الحين والحين، والذي يأتي مسافراً أينما يدخل إلى المسجد يصلي ركعتين، ثم يسلم على سيد الكونين نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن هذا القبر ما ينبغي أن يعكف الناس عليه ويجتمعون كما يحصل الاجتماع في يوم العيد، فيحصل غلو وتعظيم وخروج عن صراط الله المستقيم، فيزار هذا القبر الشريف على نبينا صلوات الله وسلامه، ما بين الحين والحين.

    إذاً: صلاتنا تبلغ نبينا عليه الصلاة والسلام ويسمعها، ويرد علينا سواء كنا في مسجده الشريف وأمام حجرته الشريفة، أو كنا في أقصى أطراف الأرض.

    حديث ابن مسعود في بلوغ الصلاة والسلام إلى رسول الله

    وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والحديث رواه ابن حبان وصححه والحاكم في المستدرك وصححه، ووافقه عليه الإمام الذهبي ، والحديث رواه الإمام الدارمي في مسنده، من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن لله ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام )، يعني: يبلغوني السلام من أمتي ممن سلم علي، على نبينا صلوات الله وسلامه.

    حديث الحسن بن الحسن في بلوغ الصلاة على رسول الله إليه والمراد منه

    وقبل أن أنتقل إلى الأمر الثاني، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما تبلغه هذه الصلاة يرد علينا أذكر تعليقاً في سير أعلام النبلاء على هذا الحديث أحب أن أقرأه عليكم، في ترجمة الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين، وهو ابن ابن بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    يقول الإمام الذهبي : أخرج ابن عجلان عن سهيل وسعيد مولى المهري عن الحسن بن الحسن بن علي : ( أنه رأى رجلاً وقف على البيت الذي فيه قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له ويصلي عليه، فبدأ يدعو للنبي عليه الصلاة والسلام ويصلي عليه، فقال الحسن بن الحسن بن علي للرجل: لا تفعل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيداً )، يعني: تعكفون عليه باستمرار وتلازمونه، ( ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني )، والحديث تقدم معنا من رواية أبي هريرة وقلت: إنه حديث حسن.

    الحسن بن الحسن بن علي أراد بهذا ألا يلازم هذا الرجل الحجرة الشريفة وألا يعكف على القبر، وما أراد أن الإنسان لا يشرع له أن يقف أمام الحجرة، ولا يشرع له أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام من جوار القبر الشريف، إنما كأنه يريد أن يقول له: لا داعي للاعتكاف والملازمة في هذا المكان، فالإمام الذهبي يعلق على هذا الأثر بما وضحته أن الحسن خشي من هذه الملازمة، ولا يعني الحسن أن الذي يقف أمام الحجرة الشريفة ويسلم على النبي حاله كحالنا نحن في قطر عندما نسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، فذاك له مزية علينا قطعاً وجزماً، ليس حال من يقف أمام حجرة النبي عليه الصلاة والسلام ويسلم عليه كحال من يسلم عليه في غير المسجد من مكان بعيد عن الحجرة النبوية، إنما خشي عليه الملازمة والاعتكاف والبقاء في ذلك المكان على الدوام، فقال له: سلم على النبي عليه الصلاة والسلام، وصل عليه، فهذا مكان مبارك ولك أجر زائد، لكن لا تلازم هذا المكان، صل عليه وسلم حيثما كنت.

    قال الإمام الذهبي : هذا الأثر مرسل؛ لأن الحسن بن الحسن تابعي وليس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا المرسل تقدم معنا أنه روي متصلاً عن أبي هريرة بإسناد حسن، ورواه القاضي إسماعيل في فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ورقمه عشرون من طريق علي بن الحسين أيضاً، أنه رأى رجلاً كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي عليه الصلاة والسلام ويصلي عليه ويصنع ذلك، فقال له علي بن الحسين : هل لك أن أحدثك حديثاً عن أبي؟ يعني: عن علي ، فقال: نعم، فقال له علي بن الحسين : أخبرني أبي عن جدي -أنعم بهذا الإسناد- أي عن النبي عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه أنه قال: ( لا تجعلوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فسيبلغني صلاتكم وسلامكم )، يقول الإمام الذهبي : هذا مرسل، لكن ورد من طرق أخرى متصلة كما تقدم معنا.

    وما استدل الحسن في فتواه بطائل من الدلالة، يقول الحسن : عندما أراد أن يمنع هذا الرجل ما استدل بحجة تشهد له، الحديث لا يشهد لهذا، الحديث فقط يدل على أن من صلى على النبي عليه الصلاة والسلام من مكان بعيد أنه يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام، وليس فيه أنه لا يأتي ويسلم على النبي عليه الصلاة والسلام أمام الحجرة المشرفة.

    وأنا قلت: مراد الحسن أن ينهى هذا وأن يحذره من العكوف والملازمة، ولا يقصد الحسن رضي الله عنه أن الذي يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام أمام الحجرة كالذي يصلي عليه من مكان بعيد، قال الذهبي : فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلاً مسلماً مصلياً على نبيه عليه الصلاة والسلام فيا طوبى له، فقد أحسن الزيارة وأجمل في التذلل والحب، وأتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في أرضه أو في صلاته، إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه -جمع بين حسنيين: زائر ومصلي- والمصلي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فقط، على نبينا صلوات الله وسلامه، فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليه عشراً، ولكن من زاره وأساء أدب الزيارة، أو سجد للقبر، أو فعل ما لا يشرع فهذا فعل حسناً وسيئاً. فالحسن زيارة النبي عليه الصلاة والسلام والتسليم عليه، والسيئ تمسحه بالقبر والسجود له وما شاكل هذا.

    قال: فيعلم برفق -أن هذا من الغلو الذي نهينا عنه- والله غفور رحيم، فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم والصياح وتقبيل الجدران وكثرة البكاء إلا وهو محب لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، فحبه المعيار، والفارق بين أهل الجنة وأهل النار، فزيارة قبره من أفضل القرب.

    كلام الذهبي في مسألة شد الرحال لزيارة قبر النبي

    يقول الإمام الذهبي : وشد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء، لئن سلمنا أنه غير مأذون فيه؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ( لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ) فشد الرحال إلى نبينا صلى الله عليه وسلم مستلزم لشد الرحل إلى مسجده؛ وذلك مشروع بلا نزاع، إذ لا وصول إلى حجرته الشريفة إلا بعد الدخول إلى مسجده، فليبدأ بتحية المسجد، ثم بتحية صاحب المسجد، على نبينا صلوات الله وسلامه، رزقنا الله وإياكم ذلك آمين.

    والحديث في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وفي روية لـمسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: ( لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ).

    وكأن الإمام الذهبي عليه رحمة الله يريد أن ينهي خصاماً وقع حول هذه المسألة، وهي: هل تشرع الزيارة وشد الرحل إلى زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام؟ فالإمام الذهبي يقول: كل هذا الكلام في غير محله، زيارة المسجد مشروعة، وهي من القرب بلا نزاع، وهل يمكن أن نزور النبي عليه الصلاة والسلام وأن نسلم عليه في حجرته الشريفة دون أن ندخل المسجد؟ لا، وعليه فكأن الخلاف إذاً لفظي كلامي، فكأنه يقول: دعونا إذاً مما لا يترتب عليه أثر، زيارة المسجد قربة وطاعة، وإذا نهينا عن شد الرحل إلى قبور الأنبياء وقبور الأولياء، فقبر نبينا عليه الصلاة والسلام في مسجده الشريف عليه صلوات الله وسلامه، ولا يمكن أن نزور النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد إلا إذا زرنا المسجد ودخلناه، فكأنه يقول: لا تختلفوا بعد ذلك فيما لا حقيقة له، وفيما لا طائل من الخلاف عليه، أجمعنا على أنه يجوز أن يشد الرحل إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فالذي سيزوره سيشد الرحل إلى مسجده، وعليه فلا داعي بعد ذلك لتضخيم المسألة ولا لتكبيرها.

    والإمام الذهبي عليه رحمة الله ذكر هذا في صفحة (4/ 483)، وذكر نحوه وقريباً منه في صفحة (4/ 42)، وينبغي أن نعطر هذا المجلس بهذا الكلام الذي ذكره هذا الإمام المبارك الإمام الذهبي الذي توفي سنة (748هـ) عليه رحمات رب العالمين، يقول في ترجمة عبيدة السلماني ، وهو من تلاميذ علي رضي الله عنه، ومن الرواة عنه، يقول: قال محمد يعني: ابن سيرين قلت لـعبيدة : إن عندنا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من قِبل أنس بن مالك ؛ لأن سيرين والد محمد بن سيرين كان عبداً رقيقاً عند أنس بن مالك ، ثم كاتبه وأعتقه وحرره، ومحمد بن سيرين هو ولد هذا المولى، فـسيرين الذي هو مولى أنس أخذ شعرة من شعرات النبي عليه الصلاة والسلام من أنس بن مالك خادم النبي عليه الصلاة والسلام.

    فقال محمد بن سيرين لـعبيدة السلماني : إن عندنا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من قبل أنس بن مالك ، فقال عبيدة : لأن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء على ظهر الأرض.

    يعني: لو خيرت بين الذهب بكامله والفضة بكاملها الموجودة في الدنيا، وبين شعرة من شعرات النبي عليه الصلاة والسلام لآثرت شعرة النبي عليه الصلاة والسلام على كل صفراء وبيضاء، أي: على كل ذهب وفضة، يقول الذهبي معلقاً على هذا الكلام:

    قلت: هذا القول من عبيدة هو معيار كمال الحب، وهو أن يؤثر شعرة نبوية على كل ذهب وفضة بأيدي الناس، ومثل هذا يقوله هذا الإمام بعد النبي عليه الصلاة والسلام، بخمسين سنة، يعني: العهد به قريب.

    فما الذي نقوله نحن في وقتنا لو وجدنا بعض شعره بإسناد ثابت، أو شسع نعل كان له، وهو خيط يربط به نعله عليه الصلاة والسلام، أو قلامة ظفر، أو شقفة من إناء شرب فيه؟ الإمام الذهبي يقول: نحن في القرن الثامن، وإذا كان عبيدة يقول هذا بعد خمسين سنة من موت النبي الأمين، فماذا نقول نحن بعد سبعمائة وخمسين سنة؟ ماذا نقول لو حصلنا قلامة ظفر أو شقفة من إناء. يعني: قطعة، أو شسع نعل، أو شعرة من شعراته ماذا نقول؟ يعني: ذاك الذي رأى من رأى النبي عليه الصلاة والسلام عنده هذا الحب وهذا التعلق، فكيف نحن وبيننا وبينه مسافات؟ الأمر عندنا أعظم وأعظم.

    فلو بذل الغني معظم أمواله في تحصيل شيء من ذلك عنده، أكنت تعده مبذراً أو سفيهاً؟ كلا، فابذل مالك في زيارة مسجده الذي بناه بيده، والسلام عليه عند حجرته في بلده عليه صلوات الله وسلامه، والتذ بالنظر إلى أحده -جبل أحد- وأحبه، فقد كان نبيك صلى الله عليه وسلم يحبه، وتملَّأ بالحلول في روضته ومقعده، يعني: امكث في هذه الروضة المشرفة والمكان الذي كان يقعد فيه نبينا عليه الصلاة والسلام.

    فلن تكون مؤمناً حتى يكون هذا السيد أحب إليك من نفسك وولدك وأموالك والناس كلهم.

    وقبل حجراً مكرماً نزل من الجنة، -يعني: الحجر الأسود في الكعبة المشرفة- وضع فمك لاثماً مكاناً قبله سيد البشر بيقين عليه صلوات الله وسلامه، فهنأك الله بما أعطاك، فما فوق ذلك مفخرة.

    ولو ظفرنا بالمحجن -وهي العصا المعكوفة الذي استلم بها النبي عليه الصلاة والسلام الحجر الأسود، ثم قبلها- لو ظفرنا بها لحق لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل، لو رأيناها يحق لنا أن نزدحم عليها كما نزدحم على الحجر الأسود لنقبل هذا المحجن ونبجل آثار النبي صلى الله عليه وسلم.

    ونحن ندري بالضرورة أن تقبيل الحجر أرفع وأفضل من تقبيل محجنه ونعله، وقد كان ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبلها، ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن إذ فاتنا ذلك فعندنا حجر معظم بمنزلة يمين الله في الأرض مسته شفتا نبينا صلى الله عليه وسلم لاثماً له، فإذا فاتك الحج وتلقيت الوفد فالتزم الحاج وقبل فمه، وقل: فم مس بالتقبيل حجراً قبله خليلي صلى الله عليه وسلم.

    فهذه المعاني ينبغي أن نعيها، وهذا كله من تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام وتبجيله وتعزيره، وتوقيره عليه صلوات الله وسلامه، ومن حبه ومن التعلق به، فلن تكون مؤمناً حتى تحب هذا السيد الكريم عليه الصلاة والسلام أكثر من نفسك ومالك وولدك وأهلك والناس أجمعين.

    حال الصلاة والسلام على النبي بين المتقدمين والمتأخرين

    هذا حال سلفنا الكرام نحو نبينا عليه الصلاة والسلام وحبه، فهذه الصلاة تبلغه، فأراد حسن بن حسن بن علي أن يمنع ذلك فقط من العكوف والمثابرة والملازمة في ذلك المكان، وما أراد أن يقول له: إن الصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام أمام حجرته كالصلاة والسلام عليه من بُعد، فأنت عندما تسلم عليه أمام الحجرة المشرفة تحصل قربتين:

    الأولى: الزيارة، والثانية: الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام، والذين غلظت أكبادهم وقلوبهم في هذه الأيام، لعلهم يعتبرون هذا من الغلو، ويعتبرونه من الإطراء، ما الغلو والإطراء؟ أن ترفع الإنسان فوق منزلته التي أنزله الله فيها، وهو خير العالمين، وحبه دين.

    التقيت مرة بواحد من هؤلاء في مدينة نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال لي: أنا منذ ثلاثة أيام في المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، وما ذهبت وسلمت على النبي عليه الصلاة والسلام، قلت: ويحك ماذا أصابك، عندك مرض أو عذر؟ قال: أخشى على نفسي من الشرك! أخشى إذا وقفت أمام الحجرة أن يدخل في قلبي تعظيم للنبي عليه الصلاة والسلام فأشرك، فخشية من الشرك أبتعد عن السلام على خير الأنام عليه الصلاة والسلام، ماذا تقول لهذا الإنسان، الذي خبل في عقله؟! الوقوف أمام الحجرة الشريفة، والسلام على أفضل خلق الله عليه الصلاة والسلام شرك، ومن فعل هذا خاف على نفسه من الشرك، أي شرك تفعل؟ هل صارت القربة ذريعة إلى الشرك وتخاف أن توصلك إلى الشرك؟ قلت: يا عبد الله! أما تعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام مخلوق؟ قال: بلى، قلت: أما تعلم أنه لا يضر ولا ينفع؟ قال: بلى، قلت: أما تعلم أن الله هو الذي ينبغي أن يعبد ويدعى ويرجى ونتعلق به ونتوكل عليه؟ قال: بلى، قلت: فأين الشرك يا عبد الله؟! واجب عليك أن تسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، تركت هذا وتقول خشية الشرك! أين حبك للنبي عليه الصلاة والسلام؟

    والله أنا أعجب غاية العجب، رحمة الله على الحسن البصري ، وهو من التابعين، عندما كان يذكر حنين الجذع الذي حن لنبينا عليه الصلاة والسلام وسمع له صوت كصوت العشار -كالناقة إذا كانت حاملاً في الشهر العاشر كيف تئن عندما يريد ولدها أن يخرج ويبرز- وسمع له صوت كصوت الصبي، وهذا الجذع الذي من النخل بدأ يصيح حتى كادت أن ينشق؛ والسبب في ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم على هذا الجذع من النخل، فلما بني له المنبر عليه الصلاة والسلام، ووضع له المنبر من ثلاث درجات رقى عليه وترك الجذع، وبدأ الجذع يحن شوقاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ويصيح في المسجد حتى ارتج المسجد، ونزل النبي عليه الصلاة والسلام فمسه ووضع يده عليه، وفي رواية فالتزمه فسكن، ولو لم يفعل هذا لبقي يخور إلى قيام الساعة، كان الحسن يقول: جذع جماد حن إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ألا تحنون إلى نبيكم يا معشر المسلمين؟! على نبينا صلوات الله وسلامه؛ نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يكرمنا برؤية نبينا عليه الصلاة والسلام في جنات النعيم، وأن يكرمنا أيضاً برؤية نور وجهه الكريم في جنات النعيم إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    هذه المعاني كما قلت: كلها من حب النبي عليه الصلاة والسلام، ولا إطراء ولا غلو، فينبغي أن نعي هذه القضية، وكلام الذهبي عندما قال: أنت عندما تستدل بهذا الحديث ما أتيت بطائل وليس في الحديث دلالة، يقصد أن الحديث ليس فيه دلالة على المنع من المجيء إلى الحجرة الشريفة بالصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام، وكل واحد لحظ ملحظاً: الحسن بن الحسن أراد من هذا ألا يعتكف الإنسان عند الحجرة الشريفة، والإمام الذهبي كأنه يقول: نعم الاعتكاف غير وارد، لكن ليس معنى هذا أن من سلم على النبي عليه الصلاة والسلام عند الحجرة الشريفة كحال من سلم عليه من بُعد، فذاك أعظم وأفضل، فله طاعتان: طاعة الزيارة، وطاعة الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام.

    أدلة أخرى تدل على وصول الصلاة والسلام على النبي ورده لذلك

    إذاً: صلاتنا تبلغ نبينا عليه الصلاة والسلام، سلامنا يصل إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذه الصلاة وهذا السلام عندما يبلغانه يرد علينا مع ما حصلناه من خيرات حسان؛ من صلاة الله وملائكته وكتابة الحسنات ومحو السيئات ورفع الدرجات.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود بإسناد حسن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام )، على نبينا صلوات الله وسلامه.

    وروى الإمام الطبراني في معجمه الأوسط، قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب: إسناده لا بأس به، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من صلى علي بلغتني صلاته، وصليت عليه، وكتب له سوى ذلك عشر حسنات ).

    فإذاً: هذه خيرات عظيمة يحصلها دارس الحديث الشريف ومتعلم السنة المطهرة، فالذين يجلسون لمدارسة حديث نبينا عليه الصلاة والسلام يكثرون من الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام فيفوزون بهذه الخيرات العظام، فالنبي عليه الصلاة والسلام يصلي ويسلم عليهم، الله يصلي ويسلم عليهم ويرحمهم، الملائكة تسلم عليهم وتصلي، ويكتب الله لهم بعد ذلك الحسنات، ويمحو السيئات ويرفع لهم درجات، فأي خيرات بعد هذه الخيرات؟ هذه كلها يحصلها من يدرس حديث خير البريات، على نبينا صلوات الله وسلامه، هذه الفائدة الثانية التي يحصلها المسلم عندما يدرس حديث نبينا عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الفوائد التي يفوز بها دارس الحديث والأدلة على ذلك

    أما الفائدة الثالثة وهي آخر الفوائد: فطالب الحديث الشريف عندما يدرس حديث النبي عليه الصلاة والسلام يفوز بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام له بأمرين، ودعاؤه لا يرد عند الله جل وعلا.

    الفوز بالنضارة والبهجة والحسن والرحمة

    الكرامة الأولى التي يفوز بها: النضرة التي يحصلها وهي البهجة والحسن: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22]، يعني: بهجة، مشرقة منورة، من النضار والنضر وهو الذهب الخالص، يقال له: نضار، نضر، نضير، فيفوز بالنضرة يعني: بإشراق الوجه بنوره في الدنيا قبل الآخرة، ومن درس حديث النبي عليه الصلاة والسلام ترى هذا النور وهذا اللمعان، وهذا الإشراق، وهذا السرور في وجهه، ولا يشترط أن يكون أبيض البشرة، إنما وجهه أحياناً تنظر إليه فترى فيه النور يشرق واللمعان ينتشر، وأحياناً تنظر إلى وجه فتستعيذ بالله من ذلك الوجه، وأنا ما رأيت أشنع ولا أخبث من وجه القسس عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وقد تكون بشرتهم بيضاء مشرقة، لكن إذا نظرت إليهم وجدتهم كما قال الله: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ [عبس:40-41]، تنظر إلى القسيس إلى كذاب على الله دجال يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر:60]، ترى هذه الظلمة فيها، مع أن وجهه في الأصل أبيض، وقد يكون أشقر، لكن إذا نظرت إليه تقول: أعوذ بالله، وتنظر بعد ذلك إلى وجه المسلم وقد يكون أسود البشرة، أو أسمر البشرة، فتجده منوراً فيه الانفتاح والسرور واللمعان، وحقيقة هذا موجود في المحدثين، ترى فيه هذه الصفة أسود البشرة، أسمر البشرة، لكن ترى فيه هذه المعالم، تنظر إلى وجهه فتستأنس، وذاك تنظر إلى وجهه فتستعيذ بالله وتستوحش.

    والكرامة الثانية التي يفوز دارس الحديث: الرحمة، فاستمعوا لدليل هاتين الكرامتين من سيد الكونين على نبينا صلوات الله وسلامه.

    الأدلة على الفوز بالنضارة والرحمة لمن حفظ حديث رسول الله

    ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها )، وفي رواية: ( ثم بلغها عني )، وفي رواية: ( ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )، والحديث صحيح، بل هو متواتر عن نبينا عليه الصلاة والسلام كما سيأتينا، رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه، ورواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والضياء المقدسي عن زيد بن ثابت ، ورواه الإمام أحمد في المسند وابن ماجه والحاكم في المستدرك عن جبير بن مطعم ، ورواه الإمام أحمد في المسند وابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين.

    وقد نص الإمام السيوطي في قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة على أن هذا الحديث متواتر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو الحديث الثاني من الأحاديث المتواترة في قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة في صفحة ثمان وعشرين، ونص الكتاني عليه رحمة الله في نظم المتناثر من الحديث المتواتر على أن هذا الحديث من الأحاديث المتواترة، وهو الحديث الثالث في ترتيب نظم المتناثر من الحديث المتواتر في صفحة اثنتين وأربعين، ونقل الكتاني وأئمتنا قاطبة عن الإمام ابن منده أنه قال: روى هذا الحديث أربعة وعشرون من الصحابة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، بل قال الإمام السيوطي في التدريب في شرح التقريب للإمام النووي عليهم جميعاً رحمة الله: بلغ رواة هذا الحديث ثلاثين صحابياً رووا هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، منهم الأربعة الذين ذكرتهم والروايات مختلفة، لكن كلها تدل على أن النضرة تحصل لمن يحفظ حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وينقله إلى غيره. سواء كان فقيهاً في معناه، ويستنبط منه الدلالات أو لم يكن، فقد يكون فقيهاً محدثاً يأخذ الحديث وهو فقيه فيستنبط منه ويرويه، وقد يكون طالب حديث، لكن ليس عنده منزلة الفقهاء، فليس عنده استنباط واستخراج أحكام من هذا الحديث، فيكون له هذه المكافأة، وهي النضرة والبهجة والحسن في الدنيا وفي الآخرة، والفقهاء كما كان يقول أئمتنا: أطباء والمحدثون صيادلة؛ لأن الفقيه علم الحديث واستنبط منه، وأما ذاك فَعَلِم الحديث، لكن لم يستنبط منه، فمنزلة أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد أعلى من منزلة يحيى بن معين ، فهؤلاء محدثون وفقهاء، وذاك محدث وليس بفقيه.

    لذلك لما جاءت امرأة إلى يحيى بن معين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين، فسألته: هل يجوز للمرأة إذا كانت حائضاً أن تغسل الميت؟ يعني: الميتة، فقال يحيى بن معين : لا أدري، لكن اذهبي إلى ذاك الذي يدرس أصحابه، فسليه ثم عودي إلي وأخبريني، وذاك هو أبو حنيفة فقيه هذه الأمة، وكل من جاء بعده من الفقهاء عيال على فقهه واستنباطه وحسن نظره واجتهاده رضي الله عنه وأرضاه، فذهبت إلى أبي حنيفة وقالت له: هل يجوز للحائض أن تغسل الميت؟ امرأة ماتت، ولا يوجد إلا امرأة حائض فهل يجوز أن تغسلها؟ قال: يجوز يا أمة الله، قالت: ما الدليل؟ قال: كانت أمنا عائشة يتكئ النبي عليه الصلاة والسلام في حجرها، وترجله وهي حائض، أي: ترجل رأسه وتسرحه وتفليه، وقال لها عليه الصلاة والسلام: ( حيضتك ليست بيدك، والمؤمن لا ينجس )، فقالت: جزاك الله خيراً، فذهبت إلى يحيى بن معين وقالت: يقول: يجوز للحائض أن تغسل الميت، قال: أما سألتيه عن الدليل؟ قالت: بلى، الدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتكئ في حجر أمنا عائشة ، فترجله وهي حائض، فلو كانت الحائض نجسة لما اتكأ النبي عليه الصلاة والسلام في حجرها والمؤمن لا ينجس، هذا دليله، قال لها: أنا أحفظ هذا الحديث من خمسين طريقاً، قالت: فأين كنت عندما سألتك؟

    فإذاً: هذه منزلة الفقيه، وقد يكون الإنسان محدثاً وفقيهاً، كحال أبي حنيفة والشافعي والإمام أحمد والإمام مالك عليهم جميعاً رحمات الله جل وعلا، ولا نهضم المحدثين حقهم ولا الفقهاء، فكلهم أئمة هدى، وكل واحد في اختصاصه، وكما قلت: لا بد من صيدلي ومن طبيب، حتماً الفقيه طبيب، فهل منزلة البخاري المحدث الفقيه كمنزلة يحيى بن معين؟ شتان شتان، فهذا فقيه محدث، يستنبط من الحديث دلالات تخفى على كثير من الخلق، فإذاً: هذا فقيه، ورب حامل فقه ليس بفقيه.

    فإذاً: ( نضر الله امرءاً سمع مقالتي )، دعا له بالنضرة وبالبهجة وبالحسن وبإشراق الوجه في الدنيا وفي الآخرة، وفي ذلك إشارة إن شاء الله وبشارة لطالب الحديث أنه لن يسود وجهه يوم القيامة، وأنه سيكون مشرق الوجه أبيض الوجه، كيف لا وهو من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أولى الناس بشفاعته كما تقدم معنا، وهو أولى الناس بمجالسته، وهل يليق إذاً مع هذه المكانة التي تكون له أن يسود وجهه يوم القيامة؟ حاشاه.

    إذاً: هذه بشارة لطالب الحديث بهذه المكانة الجليلة، النضرة، ودعا له النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً بالرحمة، ففي بعض ألفاظ الحديث: (رحم الله امرءاً) بدل (نضر الله امرءا)، ثبت ذلك في صحيح ابن حبان من رواية ابن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين، و(رحم الله امرءاً سمع مقالتي)، بدل (نضر)، ورواه الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن النعمان بن بشير عن والده رضي الله عنهم أجمعين.

    إذاً: روي عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وعن بشير والد النعمان بن بشير ، ورواه الديلمي عن أبي هريرة ، فهذه واردة عن أربعة من الصحابة الكرام، ونضر بالتثقيل والتخفيف، ولفظ نضَر بالتخفيف يأتي لازماً ومتعدياً، تقول: نضر وجهه، ونضر الله وجهه، وهذا منصوص عليه في كتب اللغة.

    وهذا الحديث برواياته متواتر رواه ثلاثون نفساً من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وألِّف في طرقه وتتبع رواياته جزءاً مستقلاً تلميذ الإمام ابن ماجه، الحافظ المحدث الرحال الصدوق الذي توفي سنة (333هـ) -وهذا أسهل ضبط في سنوات الوفاة- وهو أبو عمرو أحمد بن محمد المديني الأصفهاني ألف جزءاً في تواتره والخطيب البغدادي ألف جزءاً في تتبع طرقه ومن رواه من الصحابة الكرام، ومن المعاصرين ألف أبو الفيض أحمد بن الصديق الغماري المغربي جزءاً في تواتر هذا الحديث سماه: المسك التبك في تواتر حديث: ( من سمع مقالتي )، والتبك: نسبة إلى التبك، وهي مملكة على حدود الصين، لا أعلم إن كانت الآن في بلاد الصين، يقول علماؤنا الكرام كما في مراتب الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، يقولون: التبك هذه بها الظباء التي يخرج منها المسك، والمسك الذي يخرج من الظباء الغزلان التي في ذلك المكان من أجود أنواع المسك.

    إذاً: هذه الفائدة الثالثة: أن من يدرس حديث النبي عليه الصلاة والسلام يحصل هذه الخيرات الحسان.

    أولها كما تقدم معنا: حفظ أدلة الشرع من الضياع والذهاب والفقدان والاندراس.

    الثانية: كثرة الصلاة والسلام على نبينا عليه الصلاة والسلام.

    الفائدة الثالثة: الفوز بالنضرة والرحمة اللتين دعا بهما نبينا عليه الصلاة والسلام لمن يحفظ سنته، وينشر حديثه.

    1.   

    ترجمة الإمام الترمذي وتنزُّل الرحمة بذكره

    الأمر الثاني: وهو ترجمة لصاحب الكتاب، ألا وهو الإمام الترمذي ، ولمحة موجزة عن هذا الكتاب ومنزلته في كتب السنة.

    أما صاحب الكتاب: فهو الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السلمي البوغي الترمذي .

    ونحتاج أن نقف لحظة عند حياته فيما يتعلق بولادته ووفاته وطلبه العلم ومنزلته بين علماء هذه الأمة المباركين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين، فإذا عطرنا المجلس بذكر نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، وفوائد الصلاة والسلام عليه، فيحق لنا بعد ذلك أن نعطر المجلس بذكر ورثته وخلفائه، وذكر بعض فضائلهم التي من الله بها عليهم، فالأمر كما قال أئمتنا الكرام: عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة، وهذا الكلام من كلام سيد المحدثين في زمنه الإمام سفيان بن عيينة عليه رحمة الله جل وعلا، وكان هو ينسب هذا إلى من قبله، فيقول: كان يقال عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة، يعني: كان يقال فيمن تقدمنا من الصحابة والتابعين عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة.

    وهذا الكلام نقله الإمام المبجل أحمد بن حنبل عن سفيان بن عيينة عليهم رحمة الله كما في مسائل أبي داود للإمام أحمد ، وهذه المسائل هي المسائل التي سألها أبو داود شيخه الإمام أحمد ، وهي في الفقه والحديث، ودونها في كتاب سماه: مسائل الإمام أحمد لـأبي داود ، وقد نسب أئمتنا هذا القول إلى سفيان بن عيينة كما فعل الإمام ابن الجوزي في كتابه: صِفة الصفوة، ويقال له: صَفوة الصفوة، يعني: صفة الصفوة المختارة من علماء هذه الأمة والصالحين، أي: من صفاتهم، وهذه لمحة عن حياتهم، صَفوة الصَفوة يعني: هذا اختيار من العلماء، لا أذكر جميع العلماء والصالحين في كتابي، إنما أذكر صَفوتهم وخلاصتهم، في أول كتابه باب يبين فيه ما نحن بصدده، فقال: باب: في ذكر فضل الأولياء والصالحين، وكأنه يقول: أنا عندما ألفت هذا الكتاب في تراجم وسير وأخبار الصالحين من هذه الأمة بدءاً بالنبي عليه الصلاة والسلام، ثم بـأبي بكر ، ثم بالصالحين إلى زمنه، لا يعترضن علي معترض فيقول: كيف تفعل هذا؟! ثم قال في مقدمة هذا الباب: الأولياء والصالحون هم المقصودون من الكون، يعني: هم المقصود من هذا الكون بأسره؛ لأنهم علموا فعملوا، فالله خلق الخلق لعبادته، ولا تتم هذه العبادة إلا بعلم وعمل، فهم المقصودون، وهم الذين قاموا بالغاية التي خلق الخلق من أجلها. وذكر الصالحين يشحذ العزائم ويعلق القلوب بهم، وحبهم دين نتقرب به إلى رب العالمين، وليس للقلب أنفع من ذكر الصالحين، فعند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة.

    والإمام السخاوي عليه رحمات ربنا الباري في المقاصد الحسنة نسب هذا الأثر إلى سفيان بن عيينة ، وهكذا فعل الشيخ علي القاري في كتابه المطبوع في معرفة الحديث الموضوع في الأسرار المرفوعة، وبين أنه ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه من كلام سفيان بن عيينة ، ثم في الكتاب الثاني، وهو الأسرار المرفوعة كأنه أراد أن يقول: يمكن أن يقال: هذا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فنقل عن الإمام ابن الصلاح في مقدمته المعروفة بعلوم الحديث وهذا الكلام موجود فيه، نقل عن أبي عمرو إسماعيل بن نجيد أنه قال لـأبي جعفر أحمد بن حمدان ، يقول: وكان صالحاً من خيار عباد الله، قال إسماعيل بن نجيد لـأحمد بن حمدان عليهم جميعاً رحمات ذو الجلال والإكرام: بأي نية أطلب الحديث؟ فقال له أحمد بن حمدان : ألستم تروون أنه عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة؟ قال: بلى، قال: فرسول الله صلى الله عليه وسلم رأس الصالحين، فاطلب هذا الحديث لتنزل عليك الرحمة -وتروون ضبطت بضبطين- تروون وترون، قال الشيخ علي القاري : على ضبط ترون يعني: ترون هذا: تعتقدونه وتعلمونه، فالنبي عليه الصلاة والسلام رأس الصالحين وأولهم وفي مقدمتهم، فنطلب حديثه لتنزل علينا الرحمة عندما نكثر من ذكره عليه صلوات الله وسلامه.

    ثم قال الشيخ علي القاري : وعلى أنها بواوين (تروون) فيحتمل أن يكون لهذا أصل عن النبي عليه الصلاة والسلام، يعني: تروون هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام، أقول: هذا الاحتمال بعيد، ولو سلمنا أن الضبط بواوين تروون فليس المراد تروونه عن النبي عليه الصلاة والسلام، أي: تروون عمن سلفكم وعمن تقدمكم من صلحاء هذه الأمة أنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، وسواء ضبطت بواوٍ أو بواوين ترون أو تروون فليس فيها دلالة على أن هذا من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، والإمام العراقي في كتابه تخريج أحاديث الإحياء في صفحة (2/ 231) جزم بأن هذا من كلام سفيان بن عيينة ولا يصح نسبته إلى نبينا عليه الصلاة والسلام.

    نعم قلنا: الكلام حق وصدق لا شك فيه، فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، فهذا العبد الصالح نسأل الله أن ينزل علينا الرحمة عند ذكره بفضله ورحمته، ولا يظن ظان أننا إذاً نقول بالاستغاثة بغير الله، أو أننا نلجأ إلى غير الله جل وعلا، تعليل هذا ما ذكرته في مناسبات كثيرة، وهو أننا عندما نذكر الإمام الترمذي مثلاً بخير ونثني عليه بما هو أهله، ونحبه في الله جل وعلا هذا يرضي الله أم يغضبه؟ يرضيه، وإذا رضي الله عنا فسيرحمنا سبحانه وتعالى، فلا يستشكلن أحد هذا، ويظن أننا إذا كنا نقول هذا أننا نستغيث بغير الله ونلجأ إليه، فلا نلجأ إلا إلى الله جل وعلا، ولا نستغيث إلا به سبحانه وتعالى، لكن عندما نذكر أولياءه وأحبابه يرضى عنا، وإذا رضي عنا فسيرحمنا سبحانه وتعالى، هذا هو المراد، ولذلك كان أئمتنا يقولون: عند ذكر فلان تنزل الرحمات، ينزل الغيث، يستشفى بحديثه، ينزل قطر السماء عند ذكر اسمه، كما ذكرت هذا في مناسبات متعددة، وبعض الناس استشكل هذا، قلت: يا عبد الله! عندما نذكره ونترضى عليه، ونترحم عليه، ونحبه في الله، نقول: هذا خدم حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فله منا كل ثناء وتبجيل واحترام وتوقير، فالله جل وعلا يرضى عنا.

    نسب الترمذي وبلدته

    فالإمام الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السلمي البوغي الترمذي ، سنذكر شيئاً من حياته إن شاء الله وسيرته الطيبة بعد بيان ما يتعلق بولادته ووفاته والبلدة التي نسب إليها، وكما قلت: نعطر المجلس بذلك، ونستنزل رحمات الله جل وعلا بهذا الأمر، نسأل الله أن يجعلنا ممن يحبون أئمتنا ويتقربون إلى الله بحبهم، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    الإمام أبو عيسى الترمذي : محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السلمي البوغي الترمذي ، من قرية بوغ، وهي قرية تبعد عن ترمذ ستة فراسخ، فهو من قرية بوغ التي هي تابعة لترمذ، وترمذ كما قال أئمتنا: على نهر جيحون، تابعة لبلخ بإسكان اللام، وبين بلخ وخراسان اثنا عشر فرسخاً، فبين بوغ وترمذ ستة فراسخ، والفرسخ حدود أربعة كيلو متراً، يعني: أربعاً وعشرين كيلو متراً، وبين بلخ وخراسان ستة عشر فرسخاً، يعني: قرابة خمسين كيلو متراً، وخراسان غالب ظني في هذه الأيام في بلاد إيران، فالإمام الترمذي البوغي من قرية بوغ التي تتبع مدينة ترمذ التي تتبع بلخ وبين بلخ وخراسان التي هي أكبر مدن ما وراء النهر اثنا عشر فرسخاً.

    ضبط كلمة ترمذ

    أما ترمذ فضبطت بعدة أنواع من الضبط كلها وارد وصحيح وثابت في الكتب، لكن من ذلك ما هو مشهور بين العلماء، وقال عنه الإمام ابن دقيق العيد : إنه مستفيض حتى إنه كالمتواتر، ومنه ما هو دون ذلك، لكن جميع هذه الأنواع وهي أربعة أنواع من الضبط كلها حق في ضبط ترمذ.

    أولها: وهو أشهرها في الاستعمال عند العلماء، وهو الذي نقله الإمام الذهبي في التذكرة وغيره عن شيخه أبي الفتح ابن دقيق العيد عليهم جميعاً رحمات ربنا المجيد، وتوفي الإمام ابن دقيق العيد سنة (702هـ)، يقول: هذا الضبط هو المستفيض والمتواتر بكسر التاء وكسر الميم، والراء ساكن على جميع الأحوال، هذا مشهور بين العلماء وبين طلبة العلم، وبين المحدثين بكسر التاء وبكسر الميم: ترمذي الترمذي، وهذا الذي ينطق به طلبة العلم وشيوخ الحديث.

    الضبط الثاني: بفتح التاء وكسر الميم، والراء ساكنة أيضاً، تَرمِذ، فالنسبة إليها تَرْمِذي وإلى هذا ذهب أبو الفتح اليعمري ، وكان شيخاً للإمام الذهبي أيضاً عليهم جميعاً رحمات الله، وتوفي سنة أربعٍ وثلاثين وسبعمائة للهجرة، قال عنه شيخه الإمام الذهبي : كان أثري المعتقد يحب الله ورسوله.

    الضبط الثالث: بضم التاء وكسر الميم، فالميم في الأحوال الثلاثة مكسورة، والتاء مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة، والأشهر الكسر، هذه ثلاثة أنواع من الضبط كلها حق.

    وهناك ضبط رابع ذكره الإمام الصنعاني في الأنساب، وذكره الإمام ابن الأثير في اللباب في تهذيب الأنساب، فقال: المتنوقون أهل المعرفة -والمتنوقون يقصد بها أهل الجد والذكاء والألمعية- يرون بضمهما.

    وخلاصة الكلام: عندنا أربعة أنواع من الضبط، فالتاء مثلثة بالكسر والضم والفتح، والميم بعد ذلك مكسورة في ثلاثة أحوال: تِرمِذي تَرمِذي تُرمِذي، ومضمومة في حال واحد على القول بضم التاء، فإذا ضممت التاء فعندك في الميم وجهان.

    مولد الترمذي ووفاته

    ولد هذا الإمام المبارك على أرجح الأقوال سنة (209هـ)، وفي بعض الروايات كما في السير للذهبي في (210هـ)، وهذا كله من باب التقريب، إنما الذي رجحه أئمة التاريخ أنه في (209هـ)، وعاش سبعين سنة عليه رحمات الله جل وعلا، وتوفي سنة (279هـ)، ولا خلاف في سنة الوفاة.

    وهذه الحياة التي عاشها هذا الإمام المبارك وهي سبعون سنة هي في الغالب أعمار هذه الأمة كما أشار إلى ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، وقل من يجاوز السبعين، ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه ، وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم وقال: على شرط مسلم ، وأقره الإمام الذهبي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك )، القليل الذي يقطع السبعين، لكن الغالب إلى الستين إلى السبعين معترك المنايا، نسأل الله حسن الخاتمة، والحديث رواه أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه، وروي عن عدة من الصحابة الكرام، انظروا الروايات في المقاصد الحسنة للإمام السخاوي .

    إذاً: هذا الإمام عاش المدة المضروبة لأعمار هذه الأمة، وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة )، أعذر الله يعني: قطع عذره، وما بقي للإنسان شيء يتعلل به في عدم الالتزام بطاعة ربه، الظهر تقوس، والشعر شاب، والقوى ضعفت، فلماذا بعد ذلك الصبا والتصابي والتعلق بالمسلسلات وبالبليات؟ الغناء من الصبي ومن الشباب مذموم وهو من الشيخ أشد ذماً (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة)، أنت وصلت ستين سنة، فينبغي أن تستعد للقاء الله.

    كان في بلاد المغرب عادة، إذا بلغ أحدهم ستين سنة، أو شاب شيء في شعره، شعر اللحية أو الرأس يتخلى عن الدنيا ويتفرغ للقاء الله جل وعلا، يقول: أنا الآن مقدم على الوداع، والقبر ينتظر ما بين الحين والحين، وهذا في القرون المتقدمة قبل الخامس للهجرة فما قبله، نقله الإمام ابن حزم عليه رحمة الله في طوق الحمام وهو من علماء القرن الخامس الهجري، يقول: كان الواحد منهم في الأندلس إذا بلغ ستين سنة لا يمد يده إلى عمل دنيوي ما دام عندهم هذا الشيء، استعداداً للقاء الله، وهكذا إذا ظهر الشيب فيه فجاءه النذير: ( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله، حتى بلغ ستين سنة ).

    ذكر من عاش من الأئمة زمن حياة الترمذي

    وهذه الفترة التي عاشها هذا الإمام الهمام هي فترة مباركة كان يعيش فيها جهابذة علماء الإسلام، فأهل الكتب الستة قاطبة كانوا في هذه الفترة التي هي من بداية القرن الثالث إلى نهايته ولادة ووفاة، من سنة (200) إلى سنة (300).

    إذاً: الستة كلهم كانوا في هذه الفترة، فشيخ المحدثين الإمام البخاري عليه رحمة الله كان في هذه الفترة، ولد سنة (194هـ) في آخر القرن الثاني، وبداية الثالث، وتوفي سنة (256هـ)، فهو من علماء القرن الثالث للهجرة في هذه الفترة المباركة، والإمام مسلم عليهم جميعاً رحمة الله ولد سنة (204هـ)، وتوفي سنة (261هـ)، والإمام أبو داود ولد سنة (202هـ)، كلهم في هذا القرن المبارك، وتوفي سنة: (275هـ)، يعني: قبل الإمام الترمذي بأربع سنوات، والإمام الترمذي ولد سنة (215هـ)، يعني: امتدت حياته إلى بداية القرن الرابع سنة (303هـ)، الإمام النسائي ، والإمام ابن ماجه ولد سنة (209هـ)، وتوفي سنة (273هـ)، فبينه وبين الإمام الترمذي ست سنين، وشيخ أهل السنة الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمات الله جل وعلا ولد سنة أربعٍ وستين، لكن وفاته كانت سنة (241هـ)، فإذاً هو من علماء القرن الثالث للهجرة في هذا العصر المبارك، فهذا العصر كان يعج بالعلماء الصالحين، وهذا العصر وهو القرن الثالث يعتبر من العصور الطاهرة المباركة المفضلة، وكان فيه أئمتنا الكرام البررة رضوان الله عليهم أجمعين.

    دخول الإمام الترمذي في زمن القرون المفضلة الثلاثة

    ثبت في المسند والصحيحين وسنن الترمذي وابن ماجه من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته )، قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم)، وهم صحابة، تابعون، (ثم الذين يلونهم)، ذكر قرنين في هذه الرواية، وهم أتباع التابعين.

    إذاً: مائة إلى ثلاثمائة هذه كلها قرون مفضلة، دخل فيها الأئمة الكرام الأربعة، فهم في هذه القرون قطعاً وجزماً، وعندنا ما هو أوسع من ذلك وأكثر كما سيأتينا في الروايات حيث يدخل أيضاً أهل القرن الثالث بفضل الله ورحمته فهو من القرون المفضلة: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم بعد ذلك يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته)، فإذا أراد أن يشهد يحلف قبل أن يشهد، وإذا أراد أن يحلف يشهد وما استحلف ولا طلب منه اليمين ولا طلب منه الشهادة يشهد ويحلف، ويحلف ويشهد.

    يأتي بعد ذلك أناس يفشو فيهم هذا الوصف وهذا التغير، وثبت في المسند والصحيحين والسنن الثلاث غير ابن ماجه ، من رواية عمران بن حصين رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أم ثلاثة )، فعلى رواية ثلاثة يدخل القرن الثالث إلى نهايته إلى بداية القرن الرابع، ( ثم إن بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويحلفون ولا يستحلفون، ويظهر فيهم السمن )، هؤلاء يجيئون بعد هذه القرون المفضلة.

    وثبت في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والله أعلم أذكر الثالث أم لا ) كرواية عمران في الثالث، شك هل ذكر أم لا، وفي رواية أمنا عائشة في صحيح مسلم قالت رضي الله عنها: ( سأل رجل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني ثم الثالث ) كرواية عبد الله بن مسعود ذكر قرنين بعد قرنه وبعد الصحابة، لكن رواية عمران ورواية أبي هريرة التي وقع فيها شك في القرن الثالث بعد قرن النبي عليه الصلاة والسلام، ورد ما يؤيدها ويشهد لها من حديث النعمان بن بشير ، فهذا الشك إن شاء الله يجزم به وأنه ذكر بعد قرن النبي عليه الصلاة والسلام في ثلاثة قرون.

    ورواية النعمان رواها الإمام أحمد في المسند، والبزار والطبراني في معجمه الكبير والأوسط، فإسناد الحديث حسن، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم )، ذكر ثلاثة قرون بعده دون شك في الثالث.

    ولا شك إخوتي الكرام أن هذه القرون تختلف في التفضيل، فأفضلها أولها، ثم يليها القرن الثاني، ثم يليها القرن الثالث، ثم يليها القرن الرابع، ثم تنتشر البدع والضلالات بعد ذلك والتخريف والخرافات، لكن قرن الصحابة له ميزة، وقرن التابعين له ميزة، والقرن الثالث مذكور في جميع الروايات، وليست ميزته كميزة قرن الصحابة والتابعين، وقد ثبت في سنن الترمذي وكتاب الأحاديث الجياد المختارة للضياء المقدسي وإسناد الحديث حسن، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تمس النار مسلماً رآني أو رأى من رآني )، فهذه فضيلة للصحابة والتابعين على وجه الخصوص.

    والقرن الثالث دخل في التفضيل على جميع الروايات، لكن ليس تفضيله كتفضيل الصحابة والتابعين، فالصحابة خير القرون، يليهم من بعدهم، ثم الخير بعد ذلك يقل والبدع تكثر وتنتشر.

    إذاً: من بعد التابعين دخلوا في الفضيلة على جميع الروايات، وهم خير قرون هذه الأمة، لكن ليست لهم هذه المنقبة على رواية جابر : ( لا تمس النار مسلماً رآني أو رأى من رآني )، نعم القرن الثالث فيه خير وفضيلة وبركة، وهو قرن الإمام الترمذي ، وقد ثبت في الصحيحين وسنن الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقولون: هل فيكم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ورآه؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم به )، أي: بهذا الصحابي الذي معهم يفتح لهم على أعدائهم وينتصرون، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ثم يأتي على الناس زمان -أي: بعدهم- فيغزو فئام من الناس، فيقولون: هل فيكم من صاحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم به )، إذاً: هذا للتابعين في القرن الثاني، والقرن الثالث له فضيلة على هذه الرواية خاصة، يقول: هذه ثابتة في جميع الروايات، قال عليه الصلاة والسلام: ( ثم يغزو فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من صاحب من صحاب أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام )، يعني: بعد قرن التابعين، وفي رواية: ( هل فيكم من صحب من صحاب أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ )، يعني: هل فيكم من جاء بعد التابعين؟ وهذا هو القرن الثالث، ( فيقولون: نعم، فيفتح لهم به ).

    هذه قرون مفضلة، كان فيها هؤلاء الأئمة الكرام، فاعرف لهم قدرهم ومكانتهم، ولذلك إخوتي الكرام عندما ذكر الإمام الذهبي هذا العصر وترجم لشيوخه في تذكرة الحفاظ في الجزء الثالث صفحة سبع وعشرين وستمائة، ترجم رجال الطبقة التاسعة، وأول واحد فيهم توفي سنة (258هـ)، وآخر واحد فيهم توفي سنة (282هـ)، وذكر في هذه الطبقة مائة وستة من العلماء في هذه الأمة المحدثين الحفاظ يقول بعد أن ذكر هؤلاء: يا شيخ! ارفق بنفسك والزم الإنصاف ولا تنظر إلى هؤلاء الحفاظ النظر الشزر، ولا ترمقهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا، زمان الذهبي ، الذي فيه ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن دقيق العيد والإمام ابن رجب الحنبلي والإمام السبكي وفحول هذه الأمة، لا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا؟ حاشا وكلا.

    قال الذهبي : وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة، فإني أحسبك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال: من أحمد؟ ومن ابن المديني؟ وأي شيء أبو زرعة وأبو داود ؟ هؤلاء محدثون، ولا يدرون ما الفقه، وما أصوله، ولا يفقهون الرأي، ولا علم لهم بالبيان والمعاني والدقائق، ولا خبرة لهم بالبرهان والمنطق، ولا يعرفون الله بالدليل! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

    كما يقول مفتو هذا الزمان: هؤلاء حشوية، ما عندهم إلا نقل الروايات دون وعي، وليسوا من فقهاء الملة، انظر كلام الذهبي معلقاً على هذا قال: فاسكت بحلم أو انطق بعلم، فالعلم النافع ما جاء عن أمثال هؤلاء، ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن ولا أنت، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل، فمن اتقى الله راقب الله واعترف بنقصه، ومن تكلم بالجاه وبالجهل، أو بالشر والبغي، -وهو الترفع على الأقران- فأعرض عنه وذره في غيه، فعقباه إلى وبال. نسأل الله العافية والسلامة.

    هذه العصور إخوتي الكرام هي عصور الخير والنور، وفيها نشأ الإمام الترمذي عليه رحمات ربنا الأواب.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    اللهم ألهمنا رشدنا، واجعل حبك وحب رسولك صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا، وأحب إلينا من الماء البارد في اليوم القائظ.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما ربونا صغاراً.

    اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا.

    اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين.