إسلام ويب

شرح الترمذي - مقدمات [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإخلاص لأعمالنا كالروح لأجسادنا، وما ورد في فضل العلم والعلماء شامل لفضل دراسة الحديث النبوي؛ فإن لدراسته فوائد وثمرات عدة منها: حفظ أدلة الشرع، فإن السنة يحتج بها كما يحتج بالقرآن، بل حاجة القرآن للسنة أعظم من حاجة السنة للقرآن. وهناك أدلة كثيرة تبين أن السنة وحي كالقرآن، وقد اهتم السلف ببيان ذلك، ومع أن السنة وحي كالقرآن إلا أن لها حالات مع القرآن، فهي إما موافقة وإما مفسرة وإما مضيفة.

    1.   

    معاني كلمة (ولا حرج) في حديث التحديث عن أهل الكتاب

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! قلت: سنتدارس مقدمة موجزة قبل البدء في قراءة كتاب سنن الترمذي ، وهذه المقدمة كما قلت: ستدور على ثلاثة أمور:

    أولها: أمر مهم ضروري لجميع أعمالنا، وهو كالروح للأبدان، ألا وهو: إخلاص النية لربنا في جميع أحوالنا، وقد مضى الكلام على هذا.

    والأمر الثاني: فضل دراسة الحديث، وفوائد دراسة السنة، وهذا ما تدارسنا بعضه، ونكمل مدارسته في هذه الموعظة المباركة إن شاء الله.

    والأمر الثالث: سيدور حول التعريف بكتاب الإمام الترمذي عليه رحمة الله، ومنزلة هذا الكتاب في كتب السنة.

    إخوتي الكرام! تقدم معنا أن كل ما ورد في فضل العلم والعلماء شامل لفضل دراسة حديث خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه، فهذا من أفضل العلوم وأجلها عند الحي القيوم، وإذا كان العلماء هم الناس، فالمحدثون هم الأسياد؛ كيف لا وهم يروون أحاديث خير الناس نبينا عليه الصلاة والسلام، فلذلك كان الإمام الشافعي عليه رحمة الله يقول كما في شرف أصحاب الحديث للإمام الخطيب البغدادي في صفحة: (49): إذا رأيت صاحب حديث فكأنما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حياً.

    نعم أهل الحديث هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا.

    إخوتي الكرام! ختمنا الموعظة السابقة بالحديث الصحيح الثابت في المسند وصحيح البخاري والترمذي من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ، وتقدم معنا أن الحديث روي أيضاً عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ، ولفظ رواية عبد الله بن عمرو في صحيح البخاري ، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )، والجملة الثانية وهي قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج )، تحتمل خمسة معاني مقبولة، ومعنى سادساً مردوداً، كما بين هذا الإمام الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله في الفتح.

    والمعاني الخمسة مع المعنى السادس المردود كنت قد ذكرتها في آخر الموعظة الماضية، وأعيدها هنا على سبيل الإيجاز، ثم أبين فوائد وآثار وثمرات دراسة حديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وسنته الطاهرة المشرفة.

    هذه المعاني هي:

    المعنى الأول: ولا حرج عليكم في أن تحدثوا عنهم.

    المعنى الثاني: ولا حرج عليكم في ترك الحديث عنهم؛ لأن ما تقدم من الأمر قد يشعر بوجوب الحديث عنهم، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: الأمر ليس من باب الإلزام والحتم، إنما هو من باب الإباحة والتخيير، وهذان أقوى ما قيل من المعاني.

    المعنى الثالث: ليس المراد من الحرج هنا الإثم والذنب، وأنه لا إثم عليكم في أن تحدثوا أو في أن لا تحدثوا، إنما المراد من الحرج هنا ضيق الصدر، أي: لا تضق صدوركم من التحديث عن بني إسرائيل، مما وقع فيهم من العجائب فالله على كل شيء قدير.

    المعنى الرابع: لا حرج عليكم في حكاية ما وقع فيهم وصدر منهم من أمور مستشنعة، فناقل الألفاظ البذيئة يحاكي الكفر ليس بكافر ولا بذيء، وقد حكى الله قول بني إسرائيل ورد عليهم وأخبر أنه لعنهم وغضب عليهم: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران:181]، وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64]، سبحانه وتعالى.

    المعنى الخامس: ذهب إليه الإمام الشافعي فقال: أخبار بني إسرائيل تنقسم إلى قسمين:

    الأول: ما ورد في شرعنا ما يدل على صحته ويقرره ويؤكده ويبينه، فيجب التحديث عنه؛ لأن هذا من ضمن التحدث عما ورد في شرعنا، ومما ينبغي مدارسته وفهمه ووعيه، وهذا هو المراد بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وحدثوا عن بني إسرائيل )، مما بينه الله لكم في كتابه، وبينته لكم في حديثي، على نبينا صلوات الله وسلامه.

    الثاني: ما لم يرد في القرآن ولا في السنة ما يدل عليه ويقرره ويؤكده، ونقل عن بني إسرائيل، وليس في شريعتنا أيضاً ما يبين بطلانه؛ فهذا لا حرج عليكم في أن تحدثوا عنهم، هذه التأويلات الخمسة كل منها حق ومقبول.

    المعنى السادس المردود: أن المراد ببني إسرائيل خصوص أولاد نبي الله يعقوب على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، والمراد بالحديث عنهم ما ورد من أخبارهم وذكر شأنهم في قصة نبي الله يوسف على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه في سورة يوسف، فحدثوا عنهم، أي: تحدثوا بقصتهم الواردة في هذه السورة الكريمة في كتاب الله الكريم.

    قال الحافظ ابن حجر : وهذا أبعد الأوجه، وهو حقيق بالبعد، والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    فوائد وثمرات مدارسة الحديث النبوي

    إخوتي الكرام! بعد أن تدارسنا هذا في الموعظة الماضية؛ نشرع الآن في بيان فوائد وثمرات مدارسة حديث نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وفهم سنته وحفظها، فإن الذي يدرس حديث النبي عليه الصلاة والسلام وينشر سنته ويعتني بها ويضبطها يحصل ثلاث فوائد، كل فائدة منها عظيمة جليلة:

    الفائدة الأولى: حفظ أدلة الشرع المطهر من الضياع والفقدان والاندراس.

    والفائدة الثانية: كثرة الصلاة والسلام على خير الأنام عليه الصلاة والسلام.

    والفائدة الثالثة: الفوز بالرحمة والنضارة اللتين دعا بهما نبينا صلى الله عليه وسلم لمن يروي حديثه وينشر سنته.

    أما الفائدة الأولى ألا وهي: حفظ أدلة الشرع من الضياع والفقدان والذهاب والاندراس، فلا يخفى على مسلم أن أدلة الشرع المطهر تقوم على دعامتين اثنتين، وعلى ركنين متينين، وعلى دليلين قويين محكمين، وسائر الأدلة ترتكز على هذين الدليلين: كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وأما الإجماع فإنه حجة ولا يكون إلا بناء على نص، وأما القياس فهو حجة أيضاً، ويكون بقياس ما لم يقع على ما وقع، قياس ما وقع في العصور المتأخرة على ما وقع في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، قياس حادثة متأخرة على حادثة متقدمة لمساواتها لها في العلة فنلحقها بها في حكمها، هذا هو القياس، فهو -إذاً- لا يكون إلا بوجود نص واستنباط علة منه، والنص الشرعي هو الذي يؤخذ منه الحكم ويبنى عليه الإجماع ويقاس عليه، فنحن عندما ندرس حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ونتدارس سنته ونضبطها وننشرها؛ نحافظ على أدلة الشرع المطهر من الضياع والاندراس، فنصوص الفقهاء مع علو شأنها ورفعة قدرها ليست بحجج شرعية، الحجة في كلام رب البرية وفي كلام رسوله عليه الصلاة والسلام، وأما كلام الفقهاء فيؤخذ من قولهم ويترك، ولا يؤخذ قول أحد بكامله ولا يرد عليه شيء إلا قول المصطفى عليه صلوات الله وسلامه، فهو الذي لا ينطق إلا بالحق، ولا يقول إلا الصدق، والوحي يسدده، والله جل وعلا يتولى أمره سبحانه وتعالى.

    إذاً: نصوص الفقهاء ليست بحجج، فلا بد لهذا الفقه من دليل يسنده، ألا وهو كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    حجية السنة

    والحجة كما تكون بنصوص القرآن -بآياته وسوره- تكون أيضاً بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر ووضحه، ففي مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة إلا سنن الإمام النسائي ، وكما رواه الحاكم في المستدرك والدارمي والبيهقي في سننيهما، والطحاوي في شرح معاني الآثار، ورواه الخطيب البغدادي في كتابه: الفقيه والمتفقه، وإسناده صحيح كالشمس، من رواية المقدام بن معدي كرب .

    والحديث روي أيضاً عن أبي رافع خادم نبينا عليه الصلاة والسلام ومولاه، وقد رواه أيضاً من تقدم ذكرهم إضافة إلى الشافعي في الأم والرسالة والبغوي في شرح السنة عن أبي رافع مع زيادة في الرواية.

    وروي الحديث عن محمد بن المنكدر مرسلاً كما في مسند الحميدي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وأشار إلى روايته الإمام الترمذي .

    وخلاصة الكلام أن الحديث مروي من طريقين صحيحين متصلاً مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام: من رواية المقدام بن معدي كرب ، ومن رواية أبي رافع ، وروي مرسلاً من رواية محمد بن المنكدر ، وهو تابعي.

    ولفظ الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه )، وفي رواية: ( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه )، وفي رواية: ( ألا إني أوتيت القرآن وما يعدله )، أي: ما يساويه في الحجية والدلالة، ( ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا عسى رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثلما حرم الله )، أي: الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلما حرمه الله تماماً، ( ألا وإني أحرم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير )، وهو ما يأكل فريسته ويصيدها بنابه، كالذئب والأسد والسبع وما شاكل هذا، (وكل ذي مخلب من الطير)، وهو ما يأكل فريسته بظفره، فهو من الجوارح، كالنسر والصقر وغير ذلك.

    إذاً: السنة تعدل القرآن تماماً، فهذا وحي وهذا وحي، فنحن عندما نتعلم سنة النبي عليه الصلاة والسلام نحافظ على أدلة الشرع من الضياع والذهاب والفقدان والاندراس، فتبقى أدلة الشرع ظاهرة بينة وكما تعهد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم كما قال سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فاستلزم ذلك التعهد قطعاً وجزماً حفظ السنة المطهرة، وقد هيأ الله لهذه السنة من يحفظها وينشرها ويرويها، ويحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

    1.   

    حاجة القرآن للسنة

    السنة تعدل القرآن من حيث الحجية والمكانة، فهذه وحي وهذا وحي، والكل أوحي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام: ( ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه )، وقد خشي علينا النبي عليه الصلاة والسلام من صورة وقعت في هذا العصر، ووقعت قبل ذلك بعصور من قبل الزائغين الضالين، ألا وهي: التعويل على القرآن ونبذ السنة، والعبارة الدقيقة لفعلهم: نبذ القرآن والسنة! لكن أرادوا أن يصوغوا ضلالهم بعبارة معسولة تخدع الناس، فقالوا: هذه السنة نقل رجال، وما تكفل الله بحفظها، وأما القرآن فهو كلام الله وقد تكفل الله بحفظه، فلنعول عليه، ولنطرح السنة وراء ظهورنا! وهل يمكن العمل بالقرآن دون سنة نبينا عليه الصلاة والسلام؟!

    إن القرآن أحوج إلى السنة من احتياج السنة إلى القرآن، لو لم يكن هناك قرآن، وكان كل الوحي هو سنة النبي عليه الصلاة والسلام فقط لأمكن أن يعيش الإنسان بهدى ونور، وأن يستضيء بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون على محجة بيضاء، أما إذا ضاعت السنة كيف ستعمل بنصوص القرآن؟! كيف ستصلي؟ وكيف ستصوم؟ وكيف ستحج؟ وكيف ستزكي؟ وكيف ستبيع؟ وكيف ستشتري؟ كيف ستعرف هذه الأمور؟ لأن هذا كله وضحته سنة نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    فالذي يطعن في السنة حقيقة أمره أنه يطعن في القرآن، ويريد أن ينسلخ من الإسلام، لكن غلف هذا الضلال فقال: هذه السنة هي نقل رجال، ولا يوثق بها، وعليه فلنعول على القرآن! ثم يتلاعب بعد ذلك بنصوص القرآن كما يسول له الشيطان، ولذلك قلت ولا أزال أقول وهذا القول ينبغي أن نعيه تماماً: لا خير في إيمان بالقرآن من غير إيمان بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا خير في إيمان بالقرآن وبسنة النبي عليه الصلاة والسلام من غير اتباع السلف الكرام، وفهم الإسلام كما فهموه، وإلا إذا جئت أيضاً لتقول: قرآن وسنة، ثم بعد ذلك تفهم منهما على حسب عقلك وضلالك وغيك، وما يزين لك شيطانك فهذا ضلال ضلال، إنما قرآن وسنة كما فهمهما سلف الأمة.

    قوله عليه الصلاة والسلام: ( ألا عسى رجل شبعان متكئ على أريكته )، أي: متخم بطر أشر، كما حصل من بعض العتاة في هذه الأيام ينطبق عليهم هذا الوصف تماماً، وطاغوت من الطواغيت، وعاتٍ من العتاة، يقول: هذه السنة لا يوثق بها فاطرحوها وراء الظهور، نعول على كلام الله فقط! شبعان متكئ على أريكته، يرد سنة النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: دعونا من هذا، بيننا وبينكم كتاب الله، نعكف عليه فقط، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه!

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ألا وإن ما حرم رسول الله مثلما حرم الله، ألا وإني أحرم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير )، وهذا المعنى الثابت في حديث المقدام وحديث أبي رافع ومحمد بن المنكدر رحمهم الله ورضي عنهم جميعاً أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليه في حديث آخر رواه العرباض بن سارية كما في سنن أبي داود ، وفي إسناد الحديث أشعث بن شعبة المصيصي ، انفرد بالإخراج عنه أبو داود ، قال الحافظ في التقريب: مقبول، ويعني بهذه العبارة: أن حديثه يقبل إذا وجد له متابع، أو إذا شهد له شاهد، ويشهد لحديثه ما تقدم معنا من حديث المقدام ، وحديث أبي رافع رضي الله عنهم أجمعين.

    ولفظ حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: ( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيحسب أحدكم متكئاً يظن أن الله لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن، ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء، وإنها لمثل القرآن أو أكثر )، وحقيقة إذا أردت أن تقارن بين حجم القرآن وحجم سنة النبي عليه الصلاة والسلام ستجد أن حجم السنة أكبر من حجم القرآن بكثير، وأن المأمورات والمواعظ والنواهي الواردة في السنة أضعاف أضعاف ما في القرآن الكريم، والكل وحي أوحاه الله إلى نبيه عليه صلوات الله وسلامه.

    1.   

    الأدلة على أن السنة وحي من الله

    فعندما ندرس حديث النبي عليه الصلاة والسلام نحفظ أدلة الشرع من الضياع والاندراس، وقد صرح أئمتنا الكرام بأن السنة وحي أوحاه الله إلى نبينا عليه الصلاة والسلام والأمر كذلك.

    ففي سنن الإمام الدارمي في المقدمة في الجزء الأول، صفحة: (145) عن حسان بن عطية بإسناد صحيح، وهو من أئمة التابعين، وأثره له حكم الرفع إلى نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، فهو مرفوع مرسل، وهذا الأثر رواه عنه أيضاً الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه، وروي أيضاً عن تابعي آخر ومن طريق الإمام الأوزاعي عليهم جميعاً رحمة الله.

    عن حسان بن عطية والإمام الأوزاعي أنهما قالا: كان جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ولذلك قال أئمتنا: سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحي كالقرآن غير أنها لا تتلى كما يتلى، الفارق بينهما أن القرآن كلام الله لفظاً ومعنى، والسنة أوحي بها إلى النبي عليه الصلاة والسلام وصاغها بعبارات من عنده حسبما ألهمه ربه جل وعلا، فالوحي مشترك في الأمرين، لكن القرآن يتعبد بتلاوته، وأما سنة النبي عليه الصلاة والسلام فلا يتعبد بتلاوتها، وليس لنا على قراءة كل حرف عشر حسنات، ولا يجوز أن نقرأ الأحاديث في الصلاة، لكن هي وحي كالقرآن تماماً، وإذا أردت أن تتحقق من هذا الأمر فانظر إلى حديثين اثنين من أحاديث كثيرة تقرر هذا الأمر، ألا وهو أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحي أوحاه الله إلى نبينا عليه الصلاة والسلام بواسطة جبريل كما أوحى إليه بالقرآن الكريم.

    الدليل الأول على أن السنة وحي

    الحديث الأول: رواه الإمام أحمد في المسند، ومسلم في صحيحه، وعبد الرزاق في مصنفه، والحديث مروي أيضاً في السنن، وفي سنن الإمام البيهقي ، ومنتقى ابن الجارود ، ورواه الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار، ولفظ الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كرب )، أي: اعتراه شدة وكرب ومشقة، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، وكان عليه الصلاة والسلام إذا نزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد يتفصد جبينه من العرق عليه صلوات الله وسلامه.

    فيقول عبادة بن الصامت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي كرب بذلك وتربد وجهه )، (وتربد)، أي: اعترى وجهه شيء من التغير الذي يميل إلى التغبر، كأنه اغبر وجهه عليه الصلاة والسلام من أثر الشدة التي يعانيها.

    يقول: (فأنزل عليه الوحي ذات يوم فلقي كذلك)، أي: رؤي بهذه الحالة عليه، أي كرب عليه صلوات الله وسلامه، وتربد وجهه، أي: تغير.

    (فلما سري عنه)، أي: ذهب عنه الوحي، وعاد إلى طبيعته عليه صلوات الله وسلامه قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً)، كان الصحابة ينتظرون السبيل الذي أشار إليه ربنا الجليل في سورة النساء: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15]، ما هو السبيل؟ فلما نزل عليه الوحي وكرب عليه صلوات الله وسلامه، وتربد وجهه، فلما سري عنه نطق بما أوحي إليه في تلك الساعة فقال: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً: الثيب بالثيب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة ثم نفي سنة).

    وهذا الحديث سيأتينا ضمن أحاديث سنن الترمذي عند حد الزنا إن شاء الله.

    إذاً: لما أنزل عليه الوحي نزل بهذا الحكم الذي هو حديث بينه لنا نبينا عليه الصلاة والسلام فيمن وقع في جريمة الزنا نسأل الله أن يصون أعراضنا بفضله ورحمته.

    الدليل الثاني على أن السنة وحي

    والحديث الثاني: رواه الإمام أحمد في المسند، وأخرجه الشيخان -البخاري ومسلم - في صحيحيهما، ورواه أهل السنن الأربعة باستثناء ابن ماجه ، وهو في موطأ الإمام مالك أيضاً، والحديث في أعلى مراتب الصحة لإخراج الشيخين البخاري ومسلم له، عن يعلى بن أمية أنه قال لـعمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين: ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي، وفي رواية قال: ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يوحى إليه، أريد أن تريني فأنت من خواص النبي عليه الصلاة والسلام، اجتماعاتك به كثيرة ومصاحبتك له دائمة، فإذا نزل عليه الوحي أخبرني بذلك لأنظر إليه في حال نزول الوحي، يقول يعلى بن أمية : فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، وهي موضع بين مكة والطائف، اعتمر منه النبي عليه الصلاة والسلام في العام الثامن للهجرة بعد أن انتهى من موقعة هوازن، وهي أقرب إلى مكة منها إلى الطائف كما قال أئمتنا، ولا خلاف بين العلماء قاطبة أنها بكسر الجيم واختلف بعد ذلك المحدثون واللغويون وأهل المدينة وأهل العراق فيما زاد على هذا الضبط، فالمحدثون وأهل المدينة يضبطونها بإسكان العين وتخفيف الراء مع كسر الجيم، وهذا بالاتفاق، وأما اللغويون وأهل العراق فيكسرون العين ويشددون الراء، وهكذا لفظ الحديبية، فيخففها المحدثون وأهل المدينة ولا يثقلون، واللغويون وأهل العراق يشددون الياء، واللفظان صحيحان، وليس واحد منهما كما قال أئمتنا بلحن أو بخطأ، لكن هذا ضبط المحدثين وأهل المدينة، وهذا ضبط اللغويين وأهل العراق.

    فلما كان النبي عليه الصلاة والسلام بالجعرانة، وعليه ثوب قد أظل به عليه الصلاة والسلام من شدة الحر جاءه رجل متضمخ بطيب (فقال: يا رسول الله! كيف تراه؟) أي: كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالطيب؟ أي: عندما أحرم لبس جبته ولبس عباءته وما تجرد من المخيط، ولبس لباس الإحرام، وزاد على ذلك أنه متضمخ بطيب، (كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالطيب؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم ساعة) أي: وقتاً وبرهة وزمناً يسيراً، (ثم سكت، فجاءه الوحي)، وطبيعته كما تقدم معنا عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يعتريه الكرب والشدة، ويتغير وجهه عليه الصلاة والسلام، يقول يعلى : (فجاءه الوحي، فأشار عمر إلي وناداني، فقال: تعال أقبل جاء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول يعلى بن أمية : فأدخلت رأسي، أي: في هذا الثوب الذي ظلل به النبي عليه الصلاة والسلام لأنظر إليه نظراً خاصاً، فإذا هو محمر الوجه عليه الصلاة والسلام يغط -أي: يخرج منه صوت كحال النائم عندما يخرج منه شخير عليه صلوات الله وسلامه- كذلك ساعة، ثم سري عنه، أي: ذهب عنه الوحي عليه صلوات الله وسلامه وانكشف، فقال: أين الذي سألني عن العمرة آنفاً؟ )، أي: أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب، (أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها -يعني: والبس لباس الإحرام- ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك)، والحديث دليل لما ذهب إليه الإمام الشافعي ومعه جم غفير من أئمة الإسلام إلى أن من كان في النسك حجاً كان أو عمرة ولبس المخيط جاهلاً أو ناسياً أو طيب نفسه جاهلاً أو ناسياً ثم تذكر أو علم فلا شيء عليه، إنما يصحح وضعه، فإذا تطيب يغسله ثلاث مرات بحيث يزول الأثر، وإذا لبس المخيط ينزعه، وتأتينا المسألة في أحكام الحج عند هذا الحديث إن شاء الله، وسنتكلم حولها بعون الله جل وعلا.

    الشاهد: أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل أحرم بحج، وعندما أحرم لبس الجبة وتضمخ بطيب فماذا عليه؟ والنبي عليه الصلاة والسلام ما أوحي إليه بهذا الحكم قبل ذلك، (فنظر ثم سكت، فجاءه الوحي، فاحمر وجهه عليه الصلاة والسلام، فبدأ يغط ويسمع له صوت شخير، ثم عندما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة؟ أما الطيب فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك)، إن هذا دليل واضح على أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحي ينزل عليه كالقرآن، لكن لا تتلى كما يتلى كلام الرحمن جل وعلا.

    ولذلك فإن حُكم ما حكم به النبي عليه الصلاة والسلام يعدل ما ورد في القرآن من أحكام، بل نقل الإمام ابن كثير في مقدمة تفسيره في الجزء الأول صفحة: (3) عن الشافعي أنه قال: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن، ومما أوحي به إليه.

    1.   

    اهتمام السلف ببيان أن السنة وحي كالقرآن

    حكم النبي عليه الصلاة والسلام يعدل ما في القرآن من أحكام، وقد كان سلفنا الكرام يهتمون بهذا الأمر ويلفتون إليه الأذهان.

    قصة ابن مسعود في بيان أن السنة وحي كالقرآن

    ثبت في المسند والكتب الستة: الصحيحين والسنن الأربع من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، فجاءت إليه امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب فقالت: يا بن مسعود ! كيف تلعن من فعل هذا؟ قال: ما لي لا ألعن من لعنه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في كتاب الله؟! كأن ابن مسعود يقول لها: إن النبي عليه الصلاة والسلام لعن، وأخبر أن الله لعن النامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة والمتفلجات للحسن اللاتي يغيرن خلق الله، وهذا الأمر منصوص عليه في القرآن، فقالت أم يعقوب : لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدت فيه ذلك، والنامصة هي التي تزيل شعر الوجه، ترقق الحاجبين، وتنتف شيئاً من شعر وجهها، والمتنمصة هي التي تطلب من غيرها أن يفعل هذا بها.

    وأما الواشمة فهي التي تغرز إبرة بشيء من زينة أو حبرٍ أو صفرة أو زرقة أو غير ذلك ثم تغرسها في الجلد من أجل أن تتجمد تحت الجلد، ويصبح بعد ذلك نقاط ورسمات معينة.

    والمتفلجة للحسن التي تأخذ المبرد إذا صارت عجوزاً، لكي ترقق أسنانها، فإن المرأة إذا كبرت التصقت أسنانها ببعض، فإذا أرادت أن تظهر أنها صبية فتية تأتي فتباعد ما بين الأسنان، فترققها وتبردها لتظهر الحسن بذلك، هذه هي المتفلجة، من الفلج وهو المباعدة.

    فقالت المرأة: كيف تلعن هؤلاء؟ فقال عبد الله بن مسعود : هؤلاء لعنهن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولعنتهن مذكورة في القرآن، فقالت أم يعقوب : كيف تقول: إن الله لعن هؤلاء، وأنا قرأت ما بين لوحي المصحف من أوله إلى آخره، فما وجدت أن الله لعن نامصة ولا متنمصة، ولا متفلجة ولا واشمة؟ فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لو قرأتيه لوجدتِ ذلك فيه، قالت: وأين ذاك؟ قال: أما قرأتِ قول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]؟ قالت: بلى! قال: فرسول الله عليه الصلاة والسلام لعن من فعل هذا، فإذاً من لعنه رسول الله عليه الصلاة والسلام كأنما لعنته ذكرت في القرآن؛ لأن الله قال لنا: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

    فقالت أم يعقوب : يا عبد الله ! بلغني أن أهل بيتك يفعلون هذا، أي: زوجتك، تفعل النمص، والوشم! فقال عبد الله : ادخلي فانظري أيوجد فيها نمص أو وشم، أو تباعد ما بين أسنانها، فدخلت وخرجت فلم تر شيئاً، فقال عبد الله بن مسعود : لو فعلت ذلك لما جامعتها، لأنها ترتكب كبيرة، وتحصل لعنة، ومثل هذه لا يصلح أن تعاشر، بل تطلق وتفارق، ولا خير في صحبتها.

    إذاً: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: هذه السنة مذكورة في القرآن، مع أنها ما ذكرت بهذا اللفظ، لكن بما أن القرآن قال لنا: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر:7]، فما حكم به النبي عليه الصلاة والسلام فهو حق ووحي، إذاً: هذه اللعنة كأنه نص عليها في القرآن.

    قصة الشافعي في بيان أن السنة كالوحي

    ورحمة الله على الإمام الشافعي الذي أشار إلى هذا المعنى في قصة وردت في السنن الكبرى للإمام البيهقي في الجزء الخامس صفحة: (212) في كتاب الحج في باب: ما للمحرم قتله من دواب البر في الحل والحرم، ورواها الإمام البيهقي أيضاً في كتاب مناقب الإمام الشافعي .

    وخلاصة القصة: أن الإمام الشافعي عليه رحمة الله عندما حج وجلس في فناء زمزم قال: سلوني، فلا تسألوني عن شيء إلا نبأتكم عنه بكتاب الله جل وعلا وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تسألوني عن شيء إلا أجيبكم عنه بالكتاب والسنة، فقام بعض المتنطعين الذين يريدون أن يحرجوا هذا الإمام الكبير، فقال: أخبرنا عن قتل الزنبور إذا قتله المحرم، والزنبور بضم الزاي، ذباب لساع وهو معروف يزيد على النحلة في الحجم، وإذا طار له صوت، وإذا لدغ الإنسان فلدغته فوق لدغة النحلة ودون لدغة العقرب، كأن الرجل يقول: هاتِ آية وحديثاً في الجواب على هذا السؤال، وأنت تقول: سلوني، ما تسألوني عن شيء إلا نبأتكم عنه بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

    فتبسم الإمام عليه رحمة الله وقال: قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، لكن لا يوجد في السنة جواب لحكم هذه القصة، ثم قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وقد حكم عمر رضي الله عنه بأن المحرم يجوز له أن يقتل الزنبور، وليس عليه إثم ولا فدية، وبناء عليه فقضاء عمر من قضاء رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقضاء رسول الله عليه الصلاة والسلام من قضاء الله.

    وهذا الحديث الذي استدل به الإمام الشافعي عليه رحمة الله: (اقتدوا باللذين من بعدي )، حديث صحيح، كنت ذكرته في موعظة سابقة رواه الإمام أحمد والترمذي ، وسيأتينا في السنن إن شاء الله، ورواه الإمام ابن ماجه والحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية وإسناده صحيح كالشمس، من رواية حذيفة بن اليمان ، وروي عن غيره من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وبينت هناك أن منزلة أبي بكر وعمر من النبي عليه الصلاة والسلام كمنزلة السمع والبصر، كما ورد هذا في معجم الطبراني الكبير من رواية عبد الله بن عمرو ، ورواه الترمذي والحاكم في المستدرك من رواية عبد الله بن حنطب ، والحديث صحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال عندما رأى هذين الصحابيين المباركين أبا بكر وعمر قال: (هذان السمع والبصر).

    وورد في تاريخ بغداد بإسناد صحيح من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أبو بكر وعمر من هذا الدين كمنزلة السمع والبصر من الرأس)، أي: لهما منزلة في دين الله كمنزلة السمع والبصر من الرأس، فإذا فقد الإنسان سمعه وبصره فكأنه فقد عقله، وليس بإمكانه أن يفهم ولا أن ينتهض، لا عن طريق الإشارة ولا العبارة، بل يرفع القلم عنه، حكمه كحكم من يفقد عقله تماماً، فإذاً: ماذا يستفيد الرأس من بقية الجوارح إذا فقد سمعه وبصره، وهكذا أبو بكر وعمر في هذا الدين كالسمع والبصر لرأس الإنسان الحي.

    1.   

    حالات السنة مع القرآن

    فسنة النبي عليه الصلاة والسلام وحي نزل عليه، فعندما نقرأ السنة ونتدارس حديث النبي عليه الصلاة والسلام نحفظ أدلة الشرع ونحافظ عليها من الضياع والفقدان والذهاب والاندراس.

    أن السنة وحي كالقرآن إلا أن لها حالات مع القرآن، هذه الأحوال يمكن أن تجمل في ثلاثة أمور لا تخرج السنة عنها، وانتبهوا لها، فمعرفتها ضرورية:

    الحالة الأولى: موافقة السنة لما جاء في القرآن

    أولها: أن ترد السنة بما ورد في القرآن تماماً مقررة مؤكدة مع اختلاف في اللفظ، فهذا غالب سنة النبي عليه الصلاة والسلام كما يقول أئمتنا، فمثلاً ورد تحريم الزنا في القرآن وكذا في السنة، فالأحكام متوافقة، فهي تقرير وتأكيد لما ورد في تحريم الزنا، وكذا تحريم الربا، وتحريم عقوق الوالدين، وهكذا وجوب الصلوات المفروضات، وغيرها من أمور العبادات، وهكذا ما يتعلق بأمر الآخرة من جنة ونار، فإذا ورد في القرآن، وورد مثله في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فنقول: اتفقت السنة مع القرآن في هذا، فدليل القرآن أكد وقرر بدليل آخر من سنة النبي عليه الصلاة والسلام وهو وحي غير متلو، فهنا وحي متلو يدل على هذه القضية وهو القرآن، ووحي غير متلو يدل على هذه القضية أيضاً وهو السنة، هذه هي الحالة الأولى لسنة النبي عليه الصلاة والسلام مع القرآن.

    الحالة الثانية: بيان السنة لإطلاق وإجمال وعموم القرآن

    الحالة الثانية: أن تكون سنة النبي عليه الصلاة والسلام مبينة لمراد القرآن وموضحة له، فالقرآن إذا ورد بحكم فيه شيء من الإبهام، وعدم الوضوح عند السامعين، فتأتي السنة المطهرة توضح المراد، وتزيل الخفاء، وتدفع اللبس، وهذا له نظائر كثيرة، وعليه فما زالت السنة ضمن محيط القرآن ودائرته، ففي القسم الأول قررته وأكدته ووافقته، وهنا وضحته فأظهرت المراد منه؛ لئلا يكون في اللفظ خفاء عند بعض الناس، وهناك أمثلة كثيرة منها قول الله جل وعلا في سورة الأنعام: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، يحصل الاهتداء للناس في هذه الحياة والأمن بعد الممات إذا آمنوا وما خلطوا إيمانهم بظلم، وقد ثبت في الصحيحين وعند الإمام أحمد والترمذي في السنن والطبري في تفسيره: عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحقيقة لو كان المراد منها ظاهرها لكانت هذه الآية قاصمة الظهور، فقالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: ( يا رسول الله! أينا لا يظلم نفسه؟ )، إذا كان المراد من الظلم مطلق المخالفة فلا يسلم بشر من خطأٍ ومخالفة لأمر لله، أينا لا يظلم نفسه؟ فإذاً: ليس لنا اهتداء في هذه الحياة ولا أمن بعد الممات، والله شرط لحصول هذين الأمرين أي: الأمن في الآخرة والاهتداء في الدنيا شرط إيماناً بغير عيب، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ [الأنعام:82]، لهم لا لغيرهم، وهم مهتدون، فهم على هداية في الدنيا، وأمن في الآخرة كما قال الله جل وعلا: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ [طه:123]، في الدنيا: وَلا يَشْقَى [طه:123]، في الآخرة، فهو آمن، وفي هذه الحياة سلم من الضلال؛ لأنه على هداية تامة، نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    ( أينا لا يظلم نفسه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ليس بالذي تعنون )، هذه سنته الموضحة للمراد: ( ليس بالذي تعنون، إنما الظلم الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لقمان : يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] )، وورد في بعض الروايات: ( فأنزل الله: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] )، والجمع بين الروايتين: أن الله أنزل هذه الآية: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، ثم أنزل الله مما حكاه عن عبده الصالح لقمان : يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، فلما تلا النبي عليه الصلاة والسلام عليهم الآية وعقلوها وضبطوها ورسخت في أذهانهم نبههم عليها، وأن المراد من الظلم الشرك، كما ورد في آية سورة لقمان السابق ذكرها، وهذا هو ما أشار إليه الحافظ ابن حجر في الجمع بين الروايتين، وفي بعض روايات البخاري : ( فأنزل الله: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] )، هناك إشكال فقوله: (ألم تسمعوا) يدل على أنهم سمعوها وهي في أذهانهم، وهنا: (فأنزل الله)، يدل على أنها نزلت عقيب سؤالهم واستشكالهم؟ فبعد أن قالوا: (أينا لا يظلم نفسه؟)، أنزل الله الآية التي في سورة لقمان، ثم أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيان المراد ووضحه وأزال الخفاء ودفع اللبس، وبين أن المراد من ذلك هو الشرك، فالمراد إذاً: الذين آمنوا ولم يشركوا أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، وعليه لا تدخل مطلق المخالفات ومطلق الظلم في قوله: (بظلم)، مع أن الظاهر أنه يدخل؛ لأن الظلم نكرة، وهو في سياق نفي: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، ينبغي أن تفيد العموم، وأن يدخل كل ظلم ومخالفة في هذه الآية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الظلم؛ قصر وحدد الظلم على نوع من أنواعه وفرد من أفراده ألا وهو الشرك، فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا بريئين منه، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وإذا لقي العبد ربه لا يشرك به شيئاً وعليه من الذنوب ما يقارب ملء الأرض؛ لقيه الله بملء الأرض مغفرة، وهو أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    إذاً: هنا السنة وضحت المراد وأظهرته، وأزالت الخفاء ودفعته، ودفعت اللبس ونفته، فظهر المراد من الآية: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، يعني: بشرك، وهكذا قول الله جل وعلا: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:78-79]، فقوله تعالى: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) من الذي سيشهده؟ الجواب: جاءت السنة وبينت من سيشهد صلاة الفجر، وهنا لفظ ورد لا بد من تفسيره، فسره نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد يتساءل الإنسان عند تلاوة هذه الآية: من يشهد صلاة الفجر؟ من يحضرها؟ (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)[الإسراء:78]، ثبت في سنن الترمذي من رواية أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( عندما تلا نبينا عليه الصلاة والسلام هذه الآية: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار )، إذاً الملائكة التي تنزل لمراقبة العباد وضبط أحوالهم، ويتعاقبون عليهم ليل نهار، يجتمعون جميعاً في صلاة الفجر، فإذا نزلت ملائكة النهار الموكلة بحفظك في النهار، وتريد ملائكة الليل أن تعرج إلى الله لا تعرج إلا بعد صلاة الفجر، وملائكة النهار تنزل قبل صلاة الفجر، فتجتمع الملائكة بأسرها الموكلة عليك نهاراً وليلاً في صلاة الفجر.

    إذاً: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)، تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وأصل الحديث ثابت في المسند والصحيحين وسنن ابن ماجه والنسائي وموطأ الإمام مالك من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يتعاقبون فيكم ملائكة في الليل وملائكة في النهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم جل وعلا، فيسألهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون )، إذاً: كان مشهوداً تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وهذا كما قلت: حديث له صلة بالقرآن أنه وضح المراد من الشهود وأنه شهود ملائكة الليل والنهار لصلاة الفجر التي يقوم بها عباد الله الأبرار.

    مثال آخر: قول الله جل وعلا: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4]، في سورة الزلزلة والزلزال: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4]، ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم وشعب الإيمان للإمام البيهقي بإسناد صحيح من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أتدرون ما أخبارها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها من خير أو شر يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4]، يعني: تشهد بما وقع عليها وعمل على ظهرها، ورحمة الله على من قال:

    العمر ينقص والذنوب تزيدُ وتقال عثرات الفتى فيعود

    وهل يستطيع جحودٍ ذنب واحدٍ رجلٌ جوارحه عليه شهود

    فالأرض تحدث أخبارها وتشهد بما عملت على ظهرها، وجوارحك التي باشرت المخالفة فيها وبها تشهد عليك، فكيف ستنكر وأين ستفر؟ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4]، إذاً وضح هذا التحديث بكلام نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الصحيح، وأزيل اللبس، ونفي الخفاء عن كلام الله جل وعلا الذي قد يستشكله بعض الناس ولا يظهر له المراد، وهذا كما قلت: يدخل في بيان السنة للقرآن، وهو من النوع الثاني من أنواع صلة السنة بالقرآن.

    أما بالنسبة للآية التي في سورة لقمان عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان، هل نزلت بعد آية الأنعام؟

    هذا الذي يظهر -والعلم عند الله جل وعلا- كما في رواية البخاري وفي أصح الكتب بعد كتاب الله: لما شق ذلك على الصحابة وعرضوا حالهم على النبي عليه الصلاة والسلام، يقول عبد الله بن مسعود : فأنزل الله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    ولمزيد من الإيضاح أقول: لما نزلت آية لقمان وقرأها النبي عليه الصلاة والسلام على أصحابه فصارت معلومة عندهم، ثم نبههم إلى دفع الإشكال، فقال لهم: ( ليس الظلم بالذي فهمتموه )، وهو مطلق المعاصي والمخالفات، ( الظلم الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] )، يعني: في الحالة التي بلغتكم إياها آنفاً، وقريباً وحديثاً، وتلوتها عليكم، يعني: فالجمع كما قال الحافظ: ألم تسمعوا، يشير إلى أنها نازلة، وقول عبد الله بن مسعود ، يقول: فأنزل الله، يقول الحافظ ابن حجر في الفتح: الجمع بين الروايتين: هم عندما شق عليهم وعرضوا أمرهم على النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: ( يا رسول الله! أينا لا يظلم نفسه؟ )، فقال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: ( ليس بالذي تعنون )، فما ينبغي أن تشق عليكم هذه الآية، وتظنوا أنكم كلفتم ما ليس في وسعكم وأنه لن ينجو أحد منكم في الآخرة ولن يكون مهتدياً في الدنيا! لا، إنما الظلم هو الشرك، كما سمعتم مني آنفاً -قريباً حديثاً- في الآية التي نزلت، وهي: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، هذا جمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين، والعلم عند الله جل وعلا.

    إذاً: النوع الثاني من أنواع صلة السنة بالقرآن هو: تفسير وإيضاح وبيان لشيء قد يشكل، ولا يتضح لبعض الناس، فيوضح المراد منه، فيدخل في هذا النوع: تقييد المطلق وتخصيص العام، وتفصيل المجمل وغيرها.

    فالسنة لم تخرج عن دائرة القرآن، بل وضحت المراد وأظهرته، فهي إما قصرت العام على بعض أفراده، وإما حددت المطلق ببعض أفراده، وأخرجت بعض أفراده، إلى غير ذلك فمثلاً: قول الله جل وعلا في سورة النساء بعد أن ذكر المحرمات من النساء في النكاح: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23].. إلى أن قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ [النساء:24]، السنة جاءت إلى هذا الإطلاق فقصرته وأخرجت منه بعض الأفراد، فلم يذكر في الآية تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، ولا الجمع بين المرأة وخالتها، إذاً: الذي ذكر في الآية تحريم نكاح المرأة وابنتها، وتحريم الجمع بين الأختين، إلى آخر المحرمات، ولا يجوز بالنسبة للأم وابنتها أن تتزوج بهما لا بحال الجمع ولا بغير الجمع، يعني: لو دخلت بالبنت حرمت عليك الأم، ولو عقدت على البنت حرمت عليك الأم، ولو دخلت بالأم حرمت عليك البنت، أما لو عقدت على الأم عقداً دون دخول فلا تحرم عليك البنت إلا بالدخول بالأم، ولو ماتت أو طلقت واحدة منهما لا يجوز أن تنكح الثانية، إنما ذكر الله الجمع بين الأختين: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23]، هذا الذي حرم الله علينا في آية المحرمات من النساء، ولم يذكر: وأن تجمعوا بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، فإذاً: هذا الإطلاق وهذا العموم في قوله سبحانه: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24]، يبيح لك أن تتزوج امرأة وعمتها، وامرأة وخالتها، وأن تتزوج امرأة وبنت أخيها، وامرأة وبنت أختها، هذا ظاهر القرآن، فجاءت السنة الصحيحة الصريحة وأخرجت هؤلاء النسوة الأربع وحرمت الجمع بينهن، فلا يجوز أن تجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها.

    والحديث بذلك ثابت في مسند الإمام أحمد والكتب الستة، ورواه الإمام مالك في الموطأ والدارمي في السنن، وهو في أعلى مراتب الصحة من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجمع بين أربع نسوة: بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها )، إذاً: هذا الإطلاق وهذا العموم يخص منه هؤلاء النسوة، وهؤلاء الأصناف فيخرجن، وما عدا هذا يبقى في قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24]، قال الإمام الترمذي في سننه: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم خلافاً، بأنه لا يجوز أن تنكح المرأة وعمتها بأن يجمع بينهما، وكذا المرأة وخالتها، مع أن هذا لم يذكر في القرآن، فهذا العموم وذلك الإطلاق كما قلت: خص بالسنة، فخرج منه هؤلاء الأصناف الأربعة: المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها.

    قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم في الجزء التاسع صفحة: (190): وقالت طائفة من الخوارج والشيعة: يجوز أن نجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وهذا من ضلالهم وإفكهم، ومخالفتهم لما ثبت وصح عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وهكذا قول الله جل وعلا: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة:38]، لفظ (السارق) من صيغ العموم كما قال أئمتنا، إذاً: دخل في هذا كل من سرق أي شيء فهو سارق، كل من سرق مهما سرق فهو سارق، حتى من سرق سواكاً مثلاً فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، هذا ظاهر القرآن، فجاءت السنة وبينت أن المراد من هذا العموم خصوص السرقة التي تبلغ نصاباً، فإذا سرق شيئاً لم يبلغ نصاباً محدداً فلا قطع عليه، فقد ثبت في المسند والكتب الستة ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار، ورواه أبو داود الطيالسي والحديث مروي في أكثر كتب السنة كسنن الدارقطني والبيهقي وغيرها من المصنفات عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً )، وفي بعض الروايات: ( لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً )، إذاً: لا يكون القطع حتى يسرق مقدار النصاب، وهو ربع الدينار، والدينار يزن قرابة أربع غرامات ونصف، وربع الدينار تقريباً غرام ذهبي، والغرام الذهبي الآن يصل لحدود خمس وأربعين ريالاً، وعليه لو سرق خمسين ريالاً الذي هو ربع الدينار غراماً وشيء قليل، وربع الغرام أن يسرق بحدود خمسين ريالاً تقطع يده، وعليه من سرق ما دون ذلك فلا قطع عليه، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام: (تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً)، (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار).

    وهكذا سرقة كل شيء قل أو كثر، سواء كان في حرز أو يدخل في عموم الآية، ولكن بينت السنة -كما سيأتينا عند مدارسة السنن للترمذي - أنه لا بد من كون المسروق في حرز، فإذا سرقت شيئاً ليس في حرز فلا قطع.

    إذاً: هذا كله كما قلت: تخصيص لذلك العموم، هنا عموم السرقة ومطلق السرقة ينبغي أن يصان فيها هذا الحد وهو القطع، فجاءت السنة وخصت هذا بما قيمته نصاب، وهو ربع دينار فصاعداً، هذا كله من النوع الثاني من أنواع صلة السنة بالقرآن.

    الحالة الثالثة: زيادة السنة لأحكام لم ترد في القرآن

    الحالة الثالثة من حالات صلة السنة بالقرآن وهي آخر حالة: أن تضيف السنة الصحيحة الثابتة أحكاماً على القرآن، وتقدم معنا ما يدل على هذا في حديثين: حديث المقدام بن معدي كرب ، وحديث أبي رافع : ( ألا وإني أحرم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير )، وهذا لا وجود له في القرآن، وتقدم معنا في حديث عبادة بن الصامت الثابت في صحيح مسلم وغيره: ( الثيب بالثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة )، وهل يوجد الرجم في كلام الله جلا وعلا؟ نعم ورد في قرآن منسوخ كان يتلى ثم نسخ، ثم بعد ذلك بالنسبة للبكر: ( والبكر بالبكر جلد مائة ثم نفي سنة )، وهل ورد النفي للزاني البكر في القرآن؟ لا، هذا حكم زائد أضافته السنة إلى حكم ثالث في القرآن، فصلة السنة بالقرآن تتحدد في ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: موافقة مقررة مؤكدة.

    القسم الثاني: موضحة مبينة مفسرة.

    القسم الثالث: مضيفة زائدة، زادت حكماً على ما ورد في القرآن، كل هذا وحي من ذي الجلال والإكرام، وكما نعمل به إذا كان في القرآن فإننا نعمل به إذا ورد في سنة نبينا عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    دلالة حديث معاذ حين أرسل إلى اليمن على حجية السنة

    عندما نتدارس سنة النبي عليه الصلاة والسلام نحفظ أدلة الشرع ونحافظ عليها من الضياع والذهاب والفقدان والاندراس، وقد كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يعون هذا الأمر ويذكرونه أمام النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يقرهم على ذلك ويوافقهم، فيبين لهم أن سنته يحتكم إليها كما يحتكم إلى القرآن، وأن السنة ينبغي أن تضبط كما يضبط القرآن، وأن الأحكام إذا أردنا أن نبحث عنها نبحث عنها في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وإذا لم نجد الحكم في القرآن فالسنة كفيلة بالبيان على وجه التمام.

    كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الذي رواه الإمام أحمد في المسند، والإمام الترمذي في سننه، وسيأتينا عند مدارسة كتابه إن شاء الله، ورواه أبو داود في السنن أيضاً، ورواه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته في الجزء الثاني صفحة ست وخمسن، ورواه الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه، وأذكر الحديث ثم أبين درجته -فقد جرى حوله كلام- ثم أختم الكلام على هذا الحديث بإذن ربنا الرحمن.

    لفظ الحديث عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ( عندما بعثني النبي عليه الصلاة والسلام وأرسلني إلى اليمن قاضياً، فقال لي: يا معاذ ! إن عرض لك القضاء بم تقضِ؟ )، ستذهب إلى هناك لتقضي بين الناس، فإذا جاءتك قضية كيف ستقضي؟ ( قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أقضي بما في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو )، أي: لا أقصر، أبذل ما في وسعي، ( فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله )، تأخذ الحكم من كتاب الله جل وعلا، ثم من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا لم تجد حكماً بعد ذلك صريحاً في قضية فلا بد من أن تقيس النظير على النظير وأن تقيس ما حدث على ما وقع، وأن تستنبط حكم ما جد مما سبق بيان حكمه في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.

    كلام العلماء في الحكم على حديث معاذ

    اعلم أن هذا الحديث قد احتج به أئمتنا وصححوه، من جملتهم الإمام البغوي في شرح السنة، والإمام ابن كثير في مقدمة تفسيره، والإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في أصول التفسير، وله قاعدة في أصول التفسير، وهي ضمن مجموع الفتاوى، واللفظ الذي ذكره الإمام ابن كثير في تفسيره في الجزء الأول صفحة: (3)، هو لفظ الإمام ابن تيمية بعينه في قاعدة أصول التفسير، فلعله أخذ هذه العبارة من كتابه، وهو شيخه وقد حفظها عنه، ثم عند ذكرها في التفسير لم ينسبها لشيخه، بل نسبها لنفسه، يقول ابن تيمية وابن كثير : وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد.

    والحديث احتج به الإمام ابن القيم وأطال النفس في إعلام الموقعين في الجزء الأول صفحة: (202)، فذكر قرابة صفحة ونصف في تصحيح هذا الحديث وتقريره، وسأقرأ عليكم كلامه إن شاء الله، كما صححه الإمام أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي في الجزء السادس صفحة: (72)، فبعد أن حكى خلاف العلماء في تصحيحه قال: والدين القول بصحته؛ فإنه حديث مشهور.

    وصححه الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه في الجزء الثاني: (190)، وأطال الكلام في تقريره وتصحيحه، ونقل ما يرد كل دندنة حول هذا الحديث فقال: هذا الحديث تلقاه الكافة عن الكافة، كأنه يشير بذلك إلى أنه لا يبحث في إسناده؛ لأن هذا منقول من قبل العلماء جيلاً عن جيل وطبقة عن طبقة، وجماً عن جم، فهو في غنية عن البحث عن إسناده، مهما كان هناك كلام حول الإسناد فلا قيمة له، تلقاه الكافة عن الكافة، وذكر أحاديث كثيرة نظائر لهذا الحديث جرى كلام حولها، لكن تلقاها الكافة عن الكافة فعمل بها، وما أثر كلام بعض الناس فيها، والحديث صححه الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تعلقيه على جامع الأصول، والشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على شرح السنة، ومال إلى قبوله وتصحيحه واعتماده شيخنا المبارك عليه رحمة الله الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في مذكرة أصول الفقه في صفحة ثلاثٍ وثلاثين، فبعد أن ذكر أن في إسناد الحديث ضعفاً لوجود مجهول فيه كما سيأتينا، قال: ومثل هذا الحديث تلقاه العلماء بالقبول فلا حاجة إلى البحث عن إسناده.

    والإمام السخاوي عليه رحمة الله في فتح المغيث يقرر قاعدة ينبغي أن ترسخ في أذهاننا فاضبطوها وعوها، في الجزء الأول صفحة: (268)، ولو رحل الإنسان إلى الصين كما كان يقول أئمتنا في تحصيل هذه القاعدة لما كان كثيراً!

    يقول: الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول ينزل منزلة المتواتر، أورد هذا عند شرح كلام الإمام شيخ الإسلام عبد الرحيم الأثري في ألفيته:

    وسهلوا في غير موضوع رووا من غير تبيين لضعف ورأوا

    بيانه في الحكم والعقائدِ عن ابن مهدي وغير واحد

    يقول الإمام السخاوي في صفحة: (268) في الجزء الأول: وكذا إذا تلقت الأمة الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح، حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به، ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله في حديث: ( لا وصية لوارث )، إنه لا يثبته أهل الحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به، حتى جعلوه ناسخاً لآية الوصية، في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [البقرة:180]، وحديث النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا وصية لوارث )، حوله كلام، وبعض العلماء يضعفه، يقول الإمام الشافعي : تلقته الأمة بالقبول، فيعمل به، وعليه ( لا وصية لوارث ) نسخ قول الله جل وعلا: الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [البقرة:180]، فكان قبل ذلك يجوز للإنسان أن يوصي للوالدين، ثم نسخ هذا، فلا يجوز أن توصي لوارث، فكل من يرثك عند موتك لا يجوز أن توصي له بشيء من مالك، فلا يجتمع إرث ووصية.

    إذاً: تلقي الحديث الضعيف بالقبول يعمل به وينزل منزلة المتواتر.

    من شواهد حديث معاذ

    وقد ذكر الإمام النسائي في سننه نحو هذا الحديث الذي يشهد بمعناه في كتاب القضاء، وهو حديث جيد من كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ويشهد لهذا الأثر الذي هو حديث معاذ ، بوب عليه في كتاب القضاء: باب: الحكم باتفاق أهل العلم، ثم روى بإسناده إلى عبد الله بن مسعود أنه قال: إنه قد أتى علينا زمانٌ ولسنا نقضي، ولسنا هنالك، ثم إن الله عز وجل قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه ولا يقول: إني أخاف، وإني أخاف، فإن الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، قال أبو عبد الرحمن -يعني: الإمام النسائي -: هذا الحديث جيد جيد.

    وهذا الحديث موجود في سنن البيهقي في الجزء العاشر صفحة: (114-115)، وأورد الإمام النسائي لهذا الحديث الموقوف على عبد الله بن مسعود نظيراً من كلام عمر رضي الله عنه: أنه كتب بذلك إلى شريح ، فكتب: عن الشعبي عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله عن أمر القضاء، فكتب إليه: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض به بما قضى به الصالحون، وإن لم يكن في كتاب ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقض به الصالحون، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك، والسلام عليكم.

    وكذا أورده الإمام البيهقي وأورد أيضاً في السنن أثراً آخر عن صديق هذه الأمة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه فيه هذه الدلالة؛ وهو أن الإنسان يقضي بما في كتاب الله، فإن لم يجد فبما في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن لم يجد ينظر هل قضى الصالحون قبله بشيء؟ فذلك القضاء إذاً يقضي به، وإلا يجتهد رأيه ولا يقصر، ويقيس النظير بالنظير، وشريعة الله دلت على التسوية بين المتماثلين والتفرقة بين المختلفين، فيبحث إذاً عن المتماثلات ويلحقها بحكم واحدٍ فيما نص عليه، والعلم عند الله جل وعلا.

    كلام ابن حزم على حديث معاذ والرد عليه

    هذا الحديث جرى حوله شيء من الكلام من بعض الأئمة المتقدمين، وتبنى بعد ذلك هذا الكلام الإمام ابن حزم في كتاب إبطال القياس وفي كتاب إحكام الأحكام، وذهب إلى أن الحديث باطل لا يجوز أن يعول عليه، ولا أن يستدل به، على ما يقرره هو من أن القياس باطل، ولا يجوز أن يعول عليه، ولا أن يستدل به، ومن أراد أن يلغي القياس كأنه ألغى الاجتهاد! فكيف بعد ذلك سيكون حكم ما لم ينص عليه من الحوادث التي جدت ووقعت بعد ذلك؟! ينبغي أن تلحق بما نص عليه.

    على كل حال، قال أئمتنا في الرد عليه: القياس الذي هو في معنى الأصل إذا كانت العلة متساوية لا ينكره إلا مكابر جاهل، وعندما تبنى ابن حزم هذا الأمر وقال: القياس جاء، وأراد أن ينسف هذا الحديث، وجد له من بعض الأئمة المتقدمين كلاماً حول هذا الحديث، كالإمام البخاري وغيره فيما يتعلق بإسناده، لوجود راوٍ مجهول فيه، وهو الحارث بن عمرو عن رجال، وهم أصحاب معاذ كما سيأتينا الحديث في سنن الترمذي عن معاذ ، فقالوا: أصحاب معاذ مجهولون، الإمام ابن القيم يقول: لا! هؤلاء هم من الشهرة بمكان، وهذا أعلى مما لو سميناهم بأعيانهم، فهم أئمة ثقات كثيرون عبر عنهم بهذه الصيغة.

    أما الأمر الثاني: وهو أن الحارث بن عمرو كما قال الحافظ في ترجمته: من رجال أبي داود والترمذي مجهول، لكن في الإسناد شعبة ، وأئمتنا يقولون: إذا وجدت شعبة في الإسناد فاشدد يديك به، وإذا كان الحديث بانفراده فيه ضعف، إلا أنه وجد له شواهد تقويه وتدل عليه من كلام أبي بكر وعمر وعبد الله بن مسعود كما أن الحديث المرسل إذا أفتى بموجبه صحابي صحح المرسل مع أنه ضعيف في الأصل! فثلاثة من كبار الصحابة يخبرون بأسانيد ثابتة عنهم بمثل ما هو ثابت في هذا الحديث، فهو وإن كان على انفراده ضعيفاً فقد وجد ما يشهد له فيتقوى.

    الرد على قول بعض المعاصرين: إن حديث معاذ يفرق بين القرآن والسنة

    وأما قول بعض العلماء المعاصرين في هذا الحديث: إنه باطل من حيث المعنى؛ لأنه فرق بين القرآن والسنة، فنقول: هذا الحديث ما فرق بين القرآن والسنة، وفهمك فهم خاطئ بأن الحديث يفرق! وإنما عندنا أن الأدلة تختلف في المرتبة، وأئمتنا بالاتفاق ذكروا في مراتب الأدلة: أن المستدل إذا أراد أن يستدل بدليل على حكم فأول ما ينظر في دليل الإجماع، وإذا وجده لا ينظر فيما عداه، ولو وجد نصاً يخالفه من قرآن أو سنة فهو منسوخ أو متأول، ولا خلاف بين أئمتنا في هذا، وإذا لم يجد الحكم في الإجماع انتقل إلى النصوص المتواترة، من آيات القرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا لم يجد انتقل إلى النصوص الأحادية، وهي الأحاديث التي لم تبلغ التواتر، فإذا لم يجد يلجأ إلى القياس الذي اعتمد على النصوص الشرعية من الأدلة المتواترة والأدلة الأحادية، وكما قلت: هذا لا خلاف فيه بين أئمتنا، وانظروا تقرير الإمام ابن قدامة له في روضة الناظر وجنة المناظر في الجزء الثاني صفحة: (386) في ترتيب الأدلة، وانظروا أيضاً كلام الإمام الغزالي في المستصفى في الجزء الثاني، صفحة: (392)، كيف يتصرف المجتهد عند تعارض الأدلة.

    فهذا الحديث لا يفرق بين السنة والقرآن، فالسنة ينظر فيها كما ينظر في القرآن، لكن أقوى الأدلة كلام الله حتماً، يعني: إذا قال لك قائل وسألك سائل: هل يجوز نكاح البنت؟ ماذا تقول؟ يعني: هل يجب أن ترجع إلى السنة أم تقول مباشرة: قال الله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23]؟ أوليس كذلك؟ وإذا جاءك أمر ليس في القرآن كالجمع بين المرأة وعمتها، قل: هذا لم ينص عليه في القرآن نبحث في السنة: ( نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها )، لكن ما نص عليه في القرآن نأخذه من القرآن، فهذا دليل أقوى؛ لا لأن السنة غير معتبرة، ومن قال هذا فهو ضال لا يعظم النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يؤمن بأحاديثه! بل حديثه معتبر، لكن الأدلة تتفاوت، ( فإن عرض لك القضاء فاقض بما في كتاب الله، فإن لم تجد فاقض بما في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن لم تجد فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم تجد فاجتهد وألحق النظير بالنظير )، حول هذا الحديث شيء من الكلام، أقرأ تتمته إن شاء الله في أول الموعظة الآتية بعون الله، ومن كلام الإمام ابن القيم ، ثم أكمل هذا المبحث بعون الله جل وعلا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.