إسلام ويب

شرح الترمذي - مقدمات [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إننا عندما نتعلم سنة نبينا صلى الله عليه وسلم نحفظها من الضياع والاندراس، وقد وردت الأدلة القرآنية وغيرها على حجية السنة، ومن أشهر ما ورد حديث معاذ رضي الله عنه حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وقال له: بم تقض؟ فقال: بكتاب الله ثم بسنة رسول الله، وقد اختلف أهل العلم في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه إسناداً ومعنى عند البعض، لكن الكثيرين ذهبوا إلى صحته إما لكون أسانيده صحت عندهم، أو لكون الأمة تلقته بالقبول فنزل منزلة المتواتر.

    1.   

    دراسة وتخريج حديث معاذ حين أرسل إلى اليمن

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    كنا نتدارس فوائد دراسة حديث خير الأنام عليه الصلاة والسلام، وهذه الفوائد كثيرة غزيرة وفيرة جليلة، أبرزها ثلاث فوائد، وهي ما سنتدارسها بإذن الله جل وعلا:

    الفائدة الأولى: حفظ أدلة الشرع المطهر من الضياع والذهاب والاندراس.

    الفائدة الثانية: كثرة الصلاة والسلام على نبينا خير الأنام عليه الصلاة والسلام.

    الفائدة الثالثة: أن من يدرس حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويعتني بسنته، يفوز بالرحمة والنضارة اللتين دعا بهما نبينا صلى الله عليه وسلم لمن يتلقى سنته ويحفظها وينشرها ويعلمها.

    كنا نتدارس الفائدة الأولى ألا وهي: حفظ أدلة الشرع المطهر من الضياع، وقلنا: إن أدلة الشرع المطهر تقوم على دليلين اثنين لا ثالث لهما: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويتعلق بهذين الأمرين دليلان، لكن لا يخرجان عن هذين الدليلين؛ لأنهما أخذا من هذين الدليلين وبنيا عليهما.

    أولهما: إجماع حق.

    وثانيهما: قياس صحيح.

    فإذا أجمعت الأمة على أمر من الأمور، وأن حكم الله كذا، فهذا دليل شرعي، ولا يكون الإجماع إلا بناء على نص، وهكذا القياس عندما نلحق فرعاً بأصلٍ في الحكم لعلة جامعة بينهما، فلا يمكن أن نقيس شيئاً إلا على شيء وارد، وعليه فالأدلة إذاً منحصرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما بني على هذين الدليلين وما أخذ منهما.

    وتقدم معنا أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام كانت تنزل عليه كما ينزل القرآن، ولا فارق بينهما، إلا أن القرآن وحي يتلى، والسنة وحي لا يتلى، فالقرآن وحي متلو، نتلوه ونتعبد به في صلواتنا، والسنة وحي لكنها لا تتلى ولا يتعبد بها في الصلاة، أما من حيث الحجية فهي كالقرآن.

    نص حديث معاذ وإقرار النبي له بالقضاء

    وآخر ما وقفنا عليه حديث معاذ رضي الله عنه، الذي صرح فيه معاذ وأقره النبي عليه الصلاة والسلام على أن القضاء إذا عرض للعالم أو القاضي فينبغي أن يقضي بما في كتاب الله، ثم بما في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا لم يجد حكم المسألة فيهما فما عليه إلا أن يقيس ما وقع متأخراً ولم ينزل فيه حكم بما وقع في العصر الأول وورد فيه حكم شرعي إذا اتفقا في العلة، ويكون حكم الله في القضيتين واحداً؛ لأن شريعة الله جاءت بالتسوية بين المتماثلات، والتفرقة بين المختلفات، فإذا وجدت العلة في مسألة متأخرة، وهذه العلة موجودة في أمر متقدم نص على حكم فيه، فإذاً: هذه المسألة التي طرأت ووقعت وحدثت بعد ذلك، الحكم فيها كالحكم في المسألة السابقة، وهذا قياس صحيح معتبر.

    فقال معاذ رضي الله عنه: أجتهد إذا لم أجد حكم القضية في كتاب الله ولا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وحديث معاذ تقدم معنا أن أئمتنا رووه في دواوين الإسلام، فأخرجه الإمام أحمد في المسند والترمذي في الجامع الصحيح وأبو داود في السنن، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه، والبيهقي في السنن الكبرى، وابن سعد في الطبقات الكبرى، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسله إلى اليمن قاضياً، قال له: إن عرض لك قضاء فبم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ )، أي: لم تجد حكم القضية والمسألة في كتاب الله؟ ( قال: بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب النبي عليه الصلاة والسلام في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ).

    ذكر من صحح حديث معاذ من العلماء

    ذكرت -سابقاً- ما يزيد على عشرة من علمائنا الكبار قبلوا هذا الحديث وصححوه واعتمدوه، فقد نقله الكافة عن الكافة، فمن جملة من صححه ابن كثير وابن تيمية والبغوي في شرح السنة، وتقدم معنا أيضاً أن أبا بكر بن العربي عليه رحمة الله في عارضة الأحوذي قال: الدين القول بصحته.

    وصححه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه، وشيخنا المبارك عليه رحمة الله في مذكرة أصول الفقه، وهكذا عدد من الأئمة كما تقدم معنا.

    شواهد لحديث معاذ

    وهذا الحديث وجد ما يشهد له من كلام صديق هذه الأمة أبي بكر ، ومن كلام سيد المحدَّثين فيها عمر رضي الله عنه، ومن كلام عبد الله بن مسعود ، وهذه الآثار في سنن النسائي والبيهقي ، وقد مضت هذه الآثار وكنت ذكرتها! ومضمونها: أن الإنسان إذا جاءه قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن لم يجد فليقض بما في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن لم يجد فليقض بما قضى به الأئمة الراشدون، فإن لم يجد يجتهد ولا يقول: إني أخاف، فإن ( الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات )، ( فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك )، وهذه الآثار صحيحة ثابتة عن هؤلاء الأئمة الأبرار الأخيار، أبي بكر وعمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، وإنما معاذ لم يقل في هذا الأثر: أقضي بما قضى به الصالحون؛ لأنه عندما أرسله النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليمن قاضياً لم يكن ثم قضاء إلا قضاء الله وقضاء رسوله عليه الصلاة والسلام، لكن لو قدر أنه وجد قضاء قبله، فأرسل في خلافة أبي بكر ، فإذا كان عنده قضاء قضى به أبو بكر رضي الله عنه، ووجد هذا القضاء بين الصحابة الكرام، قضى به.

    ذكر كلام من صححوا حديث معاذ

    اعلم أن بعض الأئمة من متقدمين ومتأخرين اعترضوا على إسناد حديث معاذ، وبعضهم اعترض على معناه، وقالوا: حديث ضعيف ومردود وباطل، وكلامهم هذا باطل قطعاً وجزماً، وأبرز من تولى هذا الأمر الإمام ابن حزم في كتابيه: إبطال القياس، وإحكام الأحكام، وهو يرى أن القياس غير سديد ولا يجوز أن يعول عليه، فتبنى رد هذا الحديث.

    لكن سأقرأ عليكم بعض كلام أئمتنا في تصحيح هذا الحديث واعتماده، وأن هذا الحديث ثابت مقرر، وعليه ما ينشر في هذه الأوقات من لغط حول هذا الحديث، وإثارة اللغط القديم، ينبغي أن لا ننصت له وأن لا ننتبه له، والحديث تلقاه أئمتنا بالقبول، ونقله الكافة عن الكافة.

    الإمام ابن القيم له كتاب اسمه: إعلام الموقعين، بكسر الهمزة وفتحها، كلاهما صحيح، وما ذهب إليه بعض المعاصرين من أن فتح همزة أعلام غلط وهم قبيح؛ لأنه ظن أن الأعلام جمع علم، وقال: ليس هذا الكتاب تراجم لأعلام المسلمين حتى يقال: أعلام المسلمين، يعني: تراجم أعلام المسلمين، قلت: العَلَم المراد هنا من العلامة بمعنى الراية، كأنه يقول: هذه أعلام -أي: رايات- ومعالم بارزة للموقعين الذين يوقعون عن رب العالمين وعن نبيه الأمين عليه الصلاة والسلام، تبين لهم ما ينبغي أن يفعلوه في توقعيهم عن الله جل وعلا وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، فالعالم إذا أراد أن يفتي فليعلم أنه ينوب عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام في هذه الفتيا، فليتأمل ويعرض نفسه على الجنة والنار قبل أن يفتي، فالأعلام جمع علم بمعنى: الراية والواسطة والدلالة، ليس بمعنى العلم الذي هو إمام معتبر، إذاً: الضبطان صحيحان، وكل منهما معتبر عند أئمتنا الكرام.

    يقول الإمام ابن القيم في أعلام الموقعين في الجزء الأول صفحة (202): فصل: وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصاً عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

    سنقرأ حديث معاذ من سنن الترمذي وقد تقدم معنا أن في إسناد الحديث شعبة .

    وإذا وجدت شعبة بن الحجاج أبو بسطام في إسناد فاشدد يديك عليه؛ لأنه أمير المؤمنين في الحديث.

    يقول شعبة : حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو .. وهو من رجال الترمذي وأبي داود كما سيأتينا، وقد أخرجا حديثه، وفيه جهالة كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب؛ لأنه ما روى عنه إلا أبو عون ، وأبو عون ثقة من رجال البخاري كما سيأتينا في ترجمته إن شاء الله.

    عن الحارث بن عمرو ؛ وهو ابن أخي المغيرة بن شعبة . عن أناس من أصحاب معاذ رضي الله عنه.

    فيقول من يرد هذا الحديث: (أناس)، هؤلاء مجهولون، وإذا لم يسموا فما هو حالهم؟ هل هم عدول ضابطون أم لا؟

    عن أناس من أصحاب معاذ، عن معاذ : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله جل وعلا؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأيي، ولا آلو )، يعني: لا أقصر في بذل الوسع للوصول إلى مراد الله جل وعلا في هذه القضية.

    ( قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري، ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم )، فهذا الحديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره عدم تسميتهم؛ لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا عن واحد منهم، يعني: هم جماعة، وهذا أعلى مما لو سمى واحداً ثقة.

    وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سُمي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى؟! ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث؟ وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به.

    ذكر حافظ المشرق الخطيب البغدادي ، الذي توفي سنة: (463هـ)، وكل الذين جاءوا بعده من المحدثين فهم عيال على كتبه، وما دخل بغداد بعد الإمام الدارقطني أفضل من الخطيب البغدادي ، وما دخل بغداد بعد الإمام أحمد أفضل من الإمام الدارقطني ، عليهم جميعاً رحمة الله، ذكر في كتابه الفقيه والمتفقه، في الجزء الأول، صفحة: (190): وقد قيل: إن عبادة بن نُسي -بضم النون وتخفيف السين المفتوحة- رواه عن عبد الرحمن بن غَنْم -بفتح الغين وإسكان النون- عن معاذ ، إذاً: سميت الواسطة من غير طريق الحارث بن عمرو وعبادة بن نسي ثقة إمام عدل رضا، وعبد الرحمن بن غَنْم من كبار التابعين، وقيل: إنه صحابي، وبهذا اتصل الإسناد.

    قال الخطيب : وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد نقلوا هذا الحديث واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا وصية لوارث )، وقوله في البحر: ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته )، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا اختلف المتبايعان في الثمن، والسلعة قائمة تحالفا، وترادا البيع )، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( الدية على العاقلة )، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، ولكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له. انتهى كلامه.

    وقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم للحاكم أن يجتهد رأيه، وجعل له على خطئه في اجتهاد الرأي أجراً واحداً إذا كان قصده معرفة الحق واتباعه.

    الكلام حول إسناد حديث معاذ

    إن هذا الحديث تلقي من قبل الكافة عن الكافة، ومثله لا يبحث عن إسناده، وقد رواه الإمام الترمذي في سننه في كتاب الأحكام في باب: ما جاء في قاضٍ كيف يقضي، ثم قال: حدثنا هناد ، وسيأتينا الإشارة إلى حاله وحديثه قد أخرجه البخاري لكن في كتاب: خلق أفعال العباد، وهو من رجال مسلم في الصحيح، وحديثه مخرج في السنن الأربعة، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة من العاشرة، أي: من الطبقة العاشرة توفي بعد مائتين بثلاثٍ وأربعين سنة: (243هـ) عليه رحمة الله.

    قال هناد: حدثنا وكيع ، وهو ابن الجراح الكوفي ، ثقة حافظ عابد، أخرج حديثه أهل الكتب الستة، فهو ممن تجاوز القنطرة.

    عن شعبة ، حديثه مخرج في الكتب الستة، ثقة حافظ متقن، قال عنه الثوري : أمير المؤمنين في الحديث.

    عن أبي عون الثقفي واسمه محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي الكوفي الأعور ، ثقة، حديثه مخرج في الكتب الستة إلا سنن ابن ماجه ، فهو ممن جاوز القنطرة.

    إذاً: هناد ووكيع وشعبة وأبو عون كلهم أئمة ثقات عدول. عن الحارث بن عمرو ، وهو ابن أخي المغيرة بن شعبة ، يقول عنه الحافظ في التقريب: مجهول من السادسة، والجهالة فيه أنه لم يرو عنه إلا واحد، وعند الجمهور: لا يخرج الراوي عن الجهالة إلا برواية راويين، وعند ابن حبان إذا روى عن الراوي واحد رفعت عنه الجهالة، وهذا مذهبه في التوثيق.

    إذاً: هنا الحارث بن عمرو من رجال أبي داود والترمذي ، عن رجال من أصحاب معاذ ، ورواية أبي داود عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ ، وقلنا: هؤلاء ليسوا بمجهولين، إنما هم أعلى مما لو سمي واحد منهم باسمه وكان ثقة.

    الحديث بهذا الإسناد ليس فيه إلا الحارث بن عمرو ، ما روى عنه إلا أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي فقط، هذا الحديث كما قال الخطيب : قيل: إن عبادة بن نفيل رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ ، وعبادة بن نفيل هو أبو عمر الشامي قاضي طبرية ثقة فاضل، أخرج حديثه أهل السنن الأربعة، فهو ثقة، وعبد الرحمن بن غَنْم مختلف في صحبته، قال العجلي : هو من كبار ثقات التابعين، أخرج حديثه البخاري في صحيحه معلقاً وأصحاب السنن الأربعة.

    إذاً: على ثبوت رواية عبادة بن نفيل فالحديث إسناده متصل، وإذا لم يثبت لأن في الحارث بن عمرو كلام، وهو وجود الجهالة فيه فأقول: إذا وجد للحديث ما يشهد له يتقوى، وقد تقدم معنا أقوال ثلاثة من كبار الصحابة: صديق هذه الأمة، وفاروق هذه الأمة، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، فهي تشهد لهذا الحديث.

    وقد تقدم معنا أن الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول ينزل منزلة المتواتر، وحديث معاذ لا يوجد كتاب من كتب أصول الفقه إلا وذكره في مبحث القياس كدليل على أن القياس حجة شرعية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الصحابة على اعتبار القياس حجة، وأنه يلجأ إليه ويعول عليه، ونقيس ما وقع متأخراً على ما وقع متقدماً إذا اتفقا في العلة، فنلحق المتأخر بحكم المتقدم الذي ثبت حكمه في كتاب الله أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: هذا الحديث تلقي بالقبول، ونقله الكافة عن الكافة، فلا أقل من أن يكون صحيحاً إن لم يكن في درجة الاستفاضة والتواتر كما قال الإمام السخاوي : الحديث إذا كان فيه ضعف في إسناده، وتلقي بالقبول، ينزل منزلة المتواتر، كما تقدم معنا كلامه عندما قرأته من فتح المغيث في شرح ألفية الحديث.

    الكلام حول حديث معاذ من ناحية المعنى

    ثم سواء ثبت هذا الحديث أو لا فمعناه صحيح، فالمسلم إذا عرض له قضاء فإنه سيقضي بكتاب الله جل وعلا، فإذا لم يجد فبسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأما توهم بعض المعاصرين أن الحديث فرق بين القرآن والسنة، وجعل السنة في درجة ثانية، وهي وحي كالقرآن، نقول: لم يفرق الحديث بينهما؛ إنما القرآن من ناحية الدلالة أقوى، فأنت عندما تُسأل عن حكم شرعي وهو منصوص عليه في كلام الله فسوف تستدل عليه من كلام الله جل وعلا، فلو قيل: ما حكم نكاح البنت؟ ما حكم نكاح الأم؟ كانت الإجابة في قول الله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23]، ولا يلزم أن تأتي بحديث. وقد تقدم معنا: أن صلة السنة بالقرآن لا تخرج عن ثلاثة أقسام: إما أن تكون مقررة مؤكدة موافقة، بمعنى أننا لا نأتي الآن بدليل من السنة على أن النبي عليه الصلاة والسلام حرم على الإنسان أن ينكح أمه أو ابنته؛ لأن هذا لا داعي له، فيكفينا الاقتصار على القرآن.

    والقسم الثاني من أقسام السنة: يوضح ويفسر ويبين المراد ويزيل الخفاء.

    والقسم الثالث: زائد على ما في القرآن من أحكام، وعليه إذا كان الحكم في القرآن، فهل يعقل أن تأتي السنة بما يعارض القرآن؟ لا يمكن ولا يتصور هذا. وعليه فإذا لم يكن الحكم في القرآن نرجع إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا لم نجده في السنة، ماذا سنعمل؟ نلجأ إلى القياس للضرورة، وإلا سنعطل أحوال الحياة وأحكام الناس.

    انظروا إلى هذه القصة التي قضى بها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بناء على اجتهاده ورأيه بعد توقفه مدة شهر كامل، ثم وافق اجتهاده قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثبت في المسند والسنن الأربعة، ورواه ابن حبان والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن، ورواه أهل المصنفات، وقال ابن حزم في المحلى: لا مغمز فيه بصحة إسناده، فهو حديث صحيح، من رواية مسروق الإمام التابعي تلميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، قال: أتي عبد الله بن مسعود بمسألة عندما كان في بلاد الكوفة قاضياً من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.

    حاصل هذه المسألة: أنه قيل له: امرأة توفي عنها زوجها وقد عقد عليها، ولم يسمّ لها مهراً، فما حكم الله في هذه القضية؟ هل عليها العدة؟ هل ترث؟ هل لها مهر؟ ما هو الحكم؟

    الله جل وعلا يقول في كتابه في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:49]، فهل هذه التي مات عنها زوجها ولم يسم لها مهراً حالها كحال المطلقة قبل الدخول حيث إنها لا تعتد؟ ولها نصف المهر؟ فما الحكم؟ فتوقف عبد الله بن مسعود فيها شهراً، وهم يراجعونه، قال: سلوا غيري، قالوا: من نسأل وأنت من جملة أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنت المبعوث قاضياً إلى هذه البلاد، وأنت من كبار أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فقال: والله ما عرضت عليَّ مسألة أشد من هذه بعد مفارقتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف أتسرع في القضاء بعد أن قبض رسول الله عليه الصلاة والسلام، قالوا: لابد من قضاء، فلما مضى شهر كامل قال: (أقول فيها برأيي).

    هذا مثل الذي ذكره معاذ : أجتهد رأيي ولا آلوا، يعني: أبحث عن الدلالات الشرعية، وأقيس هذه المسألة على المسألة المتفق عليها، عندنا مسألة متفق عليها، وهي أنه لو سمي للمرأة مهراً ومات عنها زوجها فهذه بالإجماع لها المهر، وعليها العدة، ولها الميراث.

    إذاً: فلنجعل هذه نظير تلك، أوليس كذلك؟ امرأة لم يسم لها مهر، ماذا نقول؟ الجواب: لها مهر مثلها، وعليها العدة؛ لأن عدة الوفاة ليست كعدة الطلاق، نعمة الزوجية حصلت لهذه المرأة بالعقد، سواء دخل بها أو لم يدخل، فليس من الإنصاف والمروءة أن تتزوج بعد موته بليلة؛ لأن نعمة الزوجية التي خسرتها نعمة عظيمة، فلا بد من أن تحد أربعة أشهر وعشراً على هذا الزوج، ولها الميراث كاملاً كما لو دخل بها، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله من ذلك بريئان، لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط، ولا وكس، يعني: لا نقصان، ولا شطط، أي: لا زيادة.

    يأتي أهل الخبرة مثيلاتها فيعرفون بكم تزوجت؟ فالعرف هو الذي يحدد، مهر مثلها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، كان هذا بعد أن توقف عبد الله بن مسعود شهراً.

    فقام معقل بن سنان الأشجعي ، وهو من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (يا عبد الله ! حضرت النبي صلى الله عليه وسلم فقضى بمثل ما قضيت، في بروع بنت واشق )، صحابية جليلة عندما توفي عنها زوجها هلال بن مرة الأشجعي ، ولم يسم لها مهراً، وقد عقد عليها، فقضى النبي عليه الصلاة والسلام لها بأن لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقال عبد الله بن مسعود : الله أكبر! فرفع يديه، وما فرح بشيء بعد الإسلام كما فرح بموافقة قضائه قضاء رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    الاجتهاد بالرأي وموافقته للشريعة

    إننا نحافظ على أدلة الشرع المطهر من الضياع عندما نتعلم سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحديثه، وسيأتينا بعد ذلك أن هذه النصوص الشرعية من كتاب وسنة يقال لها: شريعة منزلة، والاجتهادات الفقهية التي قال بها أئمتنا البررة يقال لها: شريعة مؤولة، وبعد ذلك نبين حكم كل من الشريعتين.

    ثم أذكر بعد ذلك النوع الثالث وهي الشريعة النجسة المنتكسة الفاسدة الباطلة المبدلة، والشرائع لا تخرج عن هذه الأنواع الثلاثة: منزلة، مؤولة، مبدلة.

    النصوص الشرعية من كتاب وسنة شريعة منزلة، ووحي يوحى، لا دخل فيه لرأي بشر، كما أن اجتهادات أئمتنا شريعة، لكنها مؤولة، وسيأتينا حكمها، كذلك يوجد بيننا قوانين وضيعة وضعية، نقول عنها: شريعة مبدلة نجسة رذيلة، إن هذه الشرائع كل واحدة لها حكم، وعليه فالفقيه عندما يجتهد يقال لاجتهاده حكم شرعي، أصاب أم أخطأ، وله أجر أصاب أم أخطأ، لكن ما هو موقفنا نحو خطئه إن أخطأ؟ نقول: اجتهد في حكم شرعي، ولكنه أخطأ فيه، وفي الغالب الذي لا ينقص عن: (90%) إن لم يصل إلى: (99%) ولا أريد أن أقول: (100%) أنها أحكام شرعية؛ لئلا تثبت العصمة لأئمتنا، فالعصمة لا تكون إلا لنبينا عليه الصلاة والسلام.

    والغالب أن المجتهد الذي عنده أدوات الاجتهاد كأئمتنا: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، إذا اجتهد في مسألة وما بلغه نص فيها، يكون حكمه فيها موافقاً لنص لو وجد، ولا يخرج عن هذا أبداً؛ لأن هدي النبي عليه الصلاة والسلام قد اختلط بأنفاسهم وقلوبهم وأرواحهم وأشعارهم وأبشارهم وأبصارهم، فيعرفون مراد النبي عليه الصلاة والسلام ومراد الله، مما ثبت عندهم عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، فعندما يقيسون النظير على النظير في قضية لا يعلمون لها نصاً، ثم لو وجد حكم في هذه القضية من النبي عليه الصلاة والسلام وما بلغهم سيوافق بعد ذلك هذا الحكم ما قضوا به، كما حصل من عبد الله بن مسعود قضى دون أن يبلغه الحديث بعد توقف شهر، ثم قيل له: هذا قضاء النبي عليه الصلاة والسلام، هذا وقد أخذ الأئمة قاطبة بهذا الحديث، إلا الإمام الشافعي توقف فيه، فانظر لديانته وورعه وإمامته وصلاحه وخشيته من ربه وإجلاله لنبيه عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وهو الذي يقول: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت حديثاً ثم خالفته، والإمام السبكي عليه رحمة الله شرح هذا الكلام في رسالة مستقلة سماها: شرح قول المطلبي -يعني: الإمام الشافعي -: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وهذه الرسالة مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية المجلد الثاني، في بيان قول المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي.

    قال الإمام الشافعي : إذا ثبت حديث بروع بنت واشق قلت به، يعني: الحديث بلغني، ولكن ما بلغني من وجه لا يثبت، بلغني من طريق فيه كلام، فأنا أتوقف وأعلق الحكم في هذه المسألة على ثبوت الحديث، قال الحاكم أبو عبد الله في المستدرك بعد أن روى هذا الحديث، وذكر كلام الإمام الشافعي ، والإمام الحاكم شافعي المذهب عليهم رحمة الله، قال: قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ، وهو المعروف بـابن أخرم ، توفي سنة (324هـ)، قال: لو أدركت الإمام الشافعي، لأن الإمام الشافعي توفي سنة (204هـ)، وابن أخرم توفي سنة (324هـ)، يعني: بعده بمائة وعشرين سنة، يقول: لو أدركت الإمام الشافعي لقمت على رأسه، ثم صحتُّ بأعلى صوتي: يا إمام! قد صح الحديث فقل به، يعني: أنك علقت الحكم في هذه القضية على ثبوت الحديث، فقلت: حديث بروع إذا ثبت قلت به، فأنا أقول لك: يا إمام! الحديث قد صح، وثبت عندنا من طرق صحاح فقل به، وهذا هو مذهب الشافعي وغيره من أئمة الإسلام -رضي الله عنهم أجمعين- بأن المرأة إذا عقد عليها دون تسمية مهر ومات زوجها قبل أن يدخل بها، فلها مهر مثيلاتها، وعليها العدة، وترث كما لو دخل بها، هذا قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    دفع شبهة تأخير السنة في حديث معاذ

    إذاً: إخوتي الكرام! هذا الحديث لو لم يصح تنزلاً من حيث الإسناد، فمعناه حق لا شك فيه عند خيار العباد، نقدم القرآن ثم السنة ثم نجتهد.

    ولا يقولن قائل: كيف نؤخر السنة؟ لأن هذا من باب ترتيب الأدلة، وكنت ذكرت مرجعين في أصول الفقه: روضة الناظر لـابن قدامة والمستصفى للغزالي في ترتيب الأدلة، وأن المستدل إذا أراد أن يستدل على حكم فأول ما ينظر في الإجماع، فإذا وجده لا ينظر فيما عداه؛ لأنه لو وجد إجماعاً ووجد نصاً من قرآنٍ أو سنة يخالفه فالنص يكون منسوخاً أو متأولاً، وهذا لا خلاف فيه بين أئمتنا؛ لأن الإجماع لا يكون إلا على نص، فهنا إجماع قطعي بني على نص، ووجد حديث يخالفه، نقول: هذا الحديث إما مصروف عن ظاهره، أي: مؤول، وإما منسوخ بدلالة الإجماع على خلافه، سوف يأتينا إن شاء الله عند قتل شارب الخمر في الرابعة، والحديث قد صح: ( من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه )، وهذا الحديث لم يعمل به المسلمون، مما دل على أنه منسوخ، وسيأتينا قتل شارب الخمر في الرابعة ليس بحد لازم.

    وكذلك حديث ابن عباس : ( جمع النبي عليه الصلاة والسلام بين الصلاتين بين الظهر والعصر من غير سفر ولا مطر )، أصل الحديث في صحيح مسلم لم يعمل بهذا الحديث أحد من الفقهاء، وسيأتينا بعد ذلك ما يشير إلى أن هذا الحديث منسوخ، وهل هو خاص؟ والذين قالوا: ليس بمنسوخ وليس خاصاً بالنبي عليه الصلاة والسلام ذكروا له تأويلاً سنذكره إن شاء الله.

    فإذاً: لا جمع بين صلاتين إلا لعذر، وشارب الخمر لا يقتل في الرابعة، هذا الإجماع، والإجماع يكشف عن وجود نص النهي، فإذاً: الإجماع في المرتبة الأولى، فإذا لم نجد الحكم في الإجماع نلجأ إلى النصوص المتواترة من آيات القرآن والأحاديث المتواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا لم نجد، نلجأ إلى الأحاديث التي هي دون المتواتر، فإذا لم نجد، نلجأ إلى القياس الذي بني على دليل شرعي من كتاب أو سنة، هذه مراتب الأدلة، وهذا لا خلاف فيه بين أئمتنا، فالحديث: ( أقضي بكتاب الله ثم بسنة رسول الله )، لا يعني تأخير السنة وطرحها، إنما يعني: أن نقدم كلام الله، فإن وجدنا الحكم فيه فالسنة إما أن تكون مقررة موافقة ومؤكدة، وإما أن تكون مبينة مفسرة موضحة، والزائدة إذا لم يوجد الحكم في القرآن، ثم إذا لم نجد الحكم في القرآن بل ورد في السنة فقط فإننا نأخذ به، ثم إذا لم يوجد الحكم فيهما فلا بد من القياس لأهل القياس، وهم الأئمة الأسلاف، رضوان الله عليهم أجمعين.

    إذاً: هذه هي الفائدة الأولى التي نجنيها من دراسة حديث النبي عليه الصلاة والسلام: حفظ أدلة الشرع المطهر من الضياع، وقد كان أئمتنا الكرام يولون هذه الفائدة عناية عظيمة ويشيدون بقدرها، فقد روى الإمام السخاوي في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع عليه الصلاة والسلام، وهو من أحسن ما ألف من الكتب في الصلاة والسلام على خير الأنام عليه الصلاة والسلام، وقبله كتاب الإمام ابن القيم جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، والإمام السخاوي بعده مائة عام، توفي رحمه الله في بداية القرن العاشر (902هـ).

    1.   

    فضل الحديث وأهله

    ينقل الإمام السخاوي عن الإمام أبي داود الطيالسي أنه قال: لولا هذه العصابة من أهل الحديث لاندرس الإسلام، أي: لولا المحدثين لضاع الإسلام، فالله جل وعلا تكفل بحفظ القرآن، ويلزم من هذا حفظ سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهيأ الله المحدثين الذين هم أصحاب النبي الأمين عليه الصلاة والسلام، وإن لم يصحبوا نفسه فأنفاسه صحبوا.

    الفرق بين أهل السنة والبدعة في المنقول والمعقول

    أقول: ينبغي أن يكرر هذا، لا خير في إيمان بالقرآن من غير سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا خير في إيمان بالقرآن والسنة من غير فهم سلف الأمة، لا بد من هذا، ولذلك أهل البدع ردوا الأحاديث، وأولوا الآيات، وتلاعبوا بها، ولذلك الفارق بيننا وبين أهل البدع شيء واحد هو المعقول والمنقول، فنحن جعلنا عقولنا تبعاً لما ثبت عن ربنا وعن نبينا عليه الصلاة والسلام، ولم نقدم بين يدي الله ورسوله، أما أهل البدع فإنهم جعلوا المنقول تبعاً للعقول، وأنزلوا هذه النصوص على عقولهم منزلة الضيوف الكرام عند المضيفين اللئام، فبدءوا يركضونها ويضربونها بأيديهم وأرجلهم، ويتلاعبون بها كما يريدون، ليس هذا هو الإيمان، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7].

    أحاديث الرؤية التي زادت عن الخمسين ترد بتأويل بارد وكلام فارغ، وزعموا أن أحاديث الصحيحين كثر فيها الخبط والخلط، سبحان الله! جاء مرة بعض أهل الأهواء من أهل البدع والشقاق والنفاق لبعض الشيوخ الكرام، وقال: نريد أن نتناظر، قال: على العين والرأس، لكن لا بد من حكم إذا اختلفنا، يعني: ما هي النصوص التي سنحتكم إليها؟ هل تؤمن بالقرآن أنه كلام الله؟ قال الشيخ: نعم، قال: تسلم بأحاديث الصحيحين؟ قال المبتدع: لا، قال: قم يا عدو الله! إذاً كيف سنتناظر؟!

    أقول لك: الحديث في الصحيحين تقول: لا آخذ به، إذاً: كيف سنتناظر؟ يعني: على حسب الآراء والأهواء، فكل آية تخالف هواك تتلاعب في معناها، وأي حديث لا يوافقك ترده؟ أحاديث الصحيحين ثابتة عند المسلمين، حتى إذا ذكرت دليلاً خالفتك فيه قلتَ: هات الكتاب: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93]، أقرأ عليك النص وأنت تراه بعينيك، وأنت إذا ذكرت شيئاً، فلا بد أن تأتي بكتاب يدل عليه، إذاً: لا بد من شيء نتفق عليه في الحجية نتناظر على وفقه، وأما إذا لم يكن بيننا أصول مشتركة، لأنه لا يتفق من اتخذ إلهه هواه مع من يعبد مولاه، وكيف يتفق عباد الشيطان مع عباد الرحمن؟ لا يمكن أن نتناظر إلا إذا ضللنا مثلكم، أو إذا اهتديتم مثلنا، لا بد من أحد هذين الأمرين.

    ولا يمكن التقريب بين أهل السنة والبدعة، إلا إذا اهتدى أهل البدعة أو إذا ضل أهل السنة، وأما بعد ذلك فالطهارة والنجاسة لا يجتمعان، إما أن الطاهر يصبح نجساً، وإما أن النجس يتطهر، لولا هذه العصابة من أهل الحديث لاندرس الإسلام، فهذه العصابة هي التي حفظت لنا الإسلام ودين الرحمن، وفي هذه الأيام المفتونون لا المفتون يقولون: هذه الأحاديث التي رواها المحدثون -وأي محدثين؟! يعنون جهابذة المحدثين كـالبخاري ومسلم- فيها خبط ولبط.

    إذاً: على أي شيء سنعول؟ فما بقي شيء من الدين، وهذا هو حال أهل البدع، إن جئتهم بنص يسلمون به أولوه، وإن جئتهم بنص لا يسلمون به ردوه، والدين عندهم على قسمين: مردود أو مؤول.

    أولوية أهل الحديث بالطائفة المنصورة

    وينقل الخطيب البغدادي في كتاب سماه: شرف أصحاب الحديث في صفحة: (59)، وهذا الكتاب ينبغي أن يقتنيه كل مسلم، ينقل عن إبراهيم بن أدهم ، يقول: إن الله ليدفع البلاء عن هذه الأمة بأهل الحديث.

    ولا تستغربوا هذا؛ لأن دين الله ما دام ظاهراً بيناً يدفع البلاء عن الناس، فإذا ضاع دين الله أتى الناس ما يوعدون وقامت القيامة، فالبلاء يدفع عنهم ما دام في الأمة أهل حديث ينشرون سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فدين الله يبقى عزيزاً ظاهراً واضحاً بيناً، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42]، وإن الله ليدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أهل الحديث لطلب الحديث، والخطيب البغدادي عليه رحمة الله، ألف كتاباً سماه: الرحلة في طلب الحديث، سمى فيه أناساً رحلوا من أجل حديث واحد، بدءاً من الصحابة إلى زمن الخطيب ، يكون الواحد منهم ممن رحل في طلب حديث واحد، هو في العراق مثلاً يبلغه حديث في مصر، فيشد الرحل إلى هناك، فيسمع هذا الحديث ممن بلغه عنه ثم يعود.

    انظر لجهود هذه الفرقة التي هيأها الله لنصرة دينه، فهي الطائفة الظاهرة المنصورة الباقية على الحق إلى يوم القيامة ( ولن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله )، وتقدم معنا كلام الإمام أحمد عليه رحمة الله، قال: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، وقلت: يقصد بهذا رحمه الله: أن أهل الحديث أول من يدخل في هذه الطائفة دخولاً أولياً، فهم أولى الناس من غيرهم، ثم لا مانع أن يوجد غيرهم أيضاً من هذه الطائفة من فقهاء ومفكرين ومجاهدين وقضاة ودعاة وغير ذلك، لكن أول من يدخل في الطائفة المنصورة الذين يحافظون على دين الله، وعلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فينصرون حديث النبي عليه الصلاة والسلام ويبنون سنته.

    أهمية معرفة الفقيه للحديث

    لقد كان أئمتنا يعيبون الفقيه إذا لم يكن محدثاً، فهذا أبو عروبة الحراني -توفي سنة: (318هـ)- يقول: الفقيه إذا لم يكن محدثاً فهو أعرج، والأعرج لا يستطيع أن يمشي.

    الفقيه عندما تسأله عن الحكم يجيبك من نصوص الفقهاء، فإذا قلت: ما الدليل؟ تراه يسكت، كالأعرج عندما تتسابق معه لا يستطيع أن يلحقك، فإذا ذكرت له حديثاً يخالف حكمه يقف.

    إذاً: الفقيه إذا لم يكن محدثاً فهو أعرج، بل كان أئمتنا يزيدون على هذا، كما قال الإمام الأعمش ، والأثر في شرف أصحاب الحديث أيضاً للخطيب البغدادي في صفحة: (67)، -والأعمش هو سليمان بن مهران ، سيد المحدثين في زمنه- يقول: إذا رأيت الرجل لم يقرأ القرآن، ولم يكتب الحديث فاصفع له، فإنه من شيوخ القمر، أي: اصفعه ولا تبالي به، فهذا من شيوخ القمر، والناس عندما يتكلمون على أنواع، واحد لا تشتهي أن تسمعه -ونسأل الله أن لا يجعلنا منهم- وواحد يجري ولا يجرى معه، وواحد يسبق وسط المعمعة، وواحد لا تستحي أن تصفعه، فهم أربعة أقسام، فهؤلاء من هذا الصنف الأخير، لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث، إنما اشتغل بفلسفة ابن سينا وأرسطو ، وهؤلاء الذين قال عنهم أئمتنا: لا للإسلام نصروا، ولا لأهل البدع جسروا، وإذا تعلم الإنسان علم الكلام فأقل ما يقال فيه: إنه يفقد من قلبه هيبة الرحمن.

    يذكر الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في كتابه: نقض المنطق، في صفحة: (82)، يقول: اجتمع علماء الكلام في المشهد الحسيني في بلاد القاهرة، وكان هذا في القرن السابع للهجرة، وكان شيخ المشهد الحسيني شمس الدين الأصبهاني شيخ الإمام الكندي صاحب النواقض في علم الكلام، كان حاضراً بينهم يقول: فأرادوا أن يقرءوا شيئاً من القرآن، وأخرجوا أجزاء الربعة القرآنية التي ينجزئ إلى ثلاثين جزءاً، وتوزعوها، فأخذ هذا جزءاً من هذه الربعة، فقالوا: اقرأ، فجاءه في نوبته وفي ربعته التي سيقرأ فيها أول سورة الأعراف، فقرأ: ألمص، كتاب أنزل إليك، فقالوا: المص [الأعراف:1]، قال: ما كتبت هكذا، هي مكتوبة ألمص، هذا الذي أفنيت حياتك فيه، ما تعرف قراءة القرآن؟ وما أكثر هذا الصنف الرقيع السافل في مدارسنا في هذه الأيام، عندما يأتي يقول للطلاب: اكتبوا موضوعاً في قول الله جل وعلا: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)؟!

    ومرة قابلني بعض الناس في بعض الكليات، وهو مسئول عن النشاط، أعان هذا النشاط الذي هذا هو المسئول عنه، يقول: يا مولانا! قلت: نعم، قال: نريد أن نكتب هذه الجملة، لكن هل هي حكمة أو حديث؟ قلت: ما هي؟ قال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] وهو أستاذ في كلية، ومسئول عن النشاط فيها، نسأل الله أن يحفظنا بفضله ورحمته، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وما أكثر هذه النماذج!

    ولما صار في أيامنا هذه طلب العلم بالتجارة -نسأل الله العافية- نوقشت رسالة في التفسير لأحد الباحثين، ومنحت أعلى درجة، كان أحد المناقشين يقول للباحث: أنا لن أناقشك في شيء مما كتبت من جهة علمية، فما عندك في رسالتك شيء علمي، إنما لأبرئ ذمتي، أريد أن أصحح لك الآيات التي في هذه الرسالة فقط، وما ناقشه إلا في تصحيح الآيات، يقول: هذه الآيات ليست الأخطاء فيها مطبعياً من زيادة حرف، أو عدم رسم الكلمة رسماً معتبراً صحيحاً، بل أنت تأتي بجمل وبكلام تدخله في الآيات، من أين؟ لا أعلم، يعني: أنت عندما تريد أن تكتب الآية تسمعها من الناس، ليس عندك مصحف ترجع إليه، ثم بدأ يصحح له في المناقشة من أولها إلى آخرها آيات القرآن فقط، قال: هذا لأبرئ ذمتي، وأما الرسالة فليس فيها شيء علمي، بعد ذلك يمنح درجة العالمية ليصبح أستاذاً في أعلى مستوى في تفسير كلام الله جل وعلا، وهو لا يحسن قراءة القرآن، ونسأل الله حسن الختام.

    إذا رأيت الرجل لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر، وهم: أناس مخرفون في بغداد، كانوا يخرجون إلى الصحراء في الليالي المقمرة النيرة، ويتكئون على الرمال، وينظرون إلى القمر وبين أيديهم الدفاتر والمحابر، ويكتبون، يقولون: سيقع في الشهر الآتي كذا وكذا، سيقع في الشهر الآتي كذا وكذا، ثم ينشرون هذه الصحف بين الناس، يعني: يأخذون علمهم من نور القمر الذي يستضيئون به، حسبما يوحي إليهم الشيطان.

    وحقيقة إذا لم يتعلم الإنسان القرآن والسنة فكلامه هذيان، وهو من وساوس الشيطان، ولذلك كان الإمام أحمد عليه رحمة الله كثيراً ما ينشد كما نقل عنه هذا الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في الجزء الثاني صفحة: (35)، كان ينشد:

    دين النبي محمد أخبار نعم المطية للفتى الآثارُ

    لا تزهدن عن الحديث وأهله فالرأي ليلٌ والحديث نهار

    ولربما جهل الفتى أثر الهدى والشمس بازغة لها أنوارُ

    لا ترغبن عن الحديث وأهله فالرأي ليلٌ والحديث نهارُ

    فالناس في ظلمة إلا إذا استضاءوا بنور الوحي، بكلام النبي عليه الصلاة والسلام وهذه الأبيات نقلها القاسمي في قواعد التحديث عن الشعبي وعن عبد الرحمن بن مهدي عليهم جميعاً رحمة الله، فإنهم كانوا ينشدون هذه الأبيات في مجالسهم ويرددونها.

    وقد سمى المحدثون رجلاً كان يطلب الحديث، ثم أعرض عنه إلى علم الكلام ولهو الحديث، سموه باسم يناسبه اقتباساً من آية قرآنية، وهذه التسمية ذكرها الإمام الخطيب البغدادي عنه في شرف أصحاب الحديث، في صفحة: (75)، سموه بأبي ثمود، إشارة إلى قول ربنا المعبود: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17]، فهنا كذلك هدي هذا للتي هي أقوم، ومن الله عليه بدراسة حديث النبي المكرم عليه الصلاة والسلام، فتركه وعكف بعد ذلك على علم الكلام واشتغل بالهذيان، هذا أبو ثمود حقيقة، كان سلفنا الكرام يشيدون بقدر طلبة الحديث، ويرفعون من مكانتهم، ويخبرون عن شأنهم، وعن رفعة قدرهم.

    جمع الأئمة الأربعة للفقه والحديث

    وهذه الآثار المنسوبة عن السلف الأبرار قبل أن أجاوزها إلى غيرها، أحب أن أبين أن أئمتنا الأربعة الفقهاء: أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى جمعوا بين الفقه والحديث، وحضوا الناس على علم الحديث، فأولهم: أبو حنيفة عليه رحمة الله، وهو أقدمهم، وهو فقيه هذه الأمة، وكل من جاء بعده فهو عيال عليه في الفقه، يقول أبو حنيفة : لا يزال الناس في صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث، فإذا طلبوا العلم من غير حديث فسدوا، وتقدم معنا أن الله يدفع البلاء عن هذه الأمة بطلبة الحديث، ودين الله ظاهر، والحجج بينة منيرة ظاهرة، فإذا طلبوا العلم من غير حديث فسدوا، هذا كلام هذا الإمام المبارك، الإمام أبي حنيفة رحمه الله.

    وأما الإمام مالك الذي هو بعده في الترتيب الزمني، توفي سنة: (179هـ)، والإمام أبو حنيفة توفي سنة: (150هـ)، عليهم جميعاً رحمة الله، كان يقول كما روى عنه ذلك الإمام السيوطي في كتاب مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، وهذا الأثر ينقله ابن تيمية في مجموع الفتاوى بكثرة، كان يقول هذا الإمام المبارك: السنة كسفينة نبي الله نوح -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- من دخلها نجا، ومن ابتعد عنها هلك، ولا ينجو أحد إلا إذا تمسك بالسنة وعض عليها بالنواجذ: ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ).

    وأما الإمام الشافعي عليه رحمة الله، وهو بعد الإمام مالك من حيث الترتيب الزمني، وهو تلميذ للإمام مالك ، وتوفي سنة (204هـ)، قال: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت حديثاً ثم خالفته.

    وروى الشافعي مرة حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له تلميذه الحميدي وهو شيخ البخاري : أتذهب إليه يا أبا عبد الله؟ قال: سبحان الله! وهل رأيتني خرجت من كنيسة وعلي زنار؟! أروي حديث النبي عليه الصلاة والسلام ثم أخالفه؟ تراني أنني نصراني، أشد الزنار في وسطي والصليب في صدري وأنا خارج من كنيسة، فتقول هذا الكلام، كأنك في شك مني، والإمام الحميدي لا يتهم الإمام الشافعي ، إنما أراد أن يقول: هل عندك شيء يعارضه من أدلة أخرى أقوى تذهب إليها، أو أنك تذهب إلى دلالته ولا معارض له؟

    فالإمام الشافعي أراد أن يفطم الناس عن مثل هذا القول، وأن الحديث إذا ثبت لا يقال للإنسان: ما رأيك فيه؟ وهل تذهب إليه؟ وهل تأخذ به؟ لا خيار له في ذلك، وإذا لم يفعل هذا فلا إيمان له.

    وأما قول بعض الضالين في كتاب نشره وفتن به المسلمين -وأسأل الله أن يكفينا شره وشر أمثاله، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين- عندما يذكر أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وفي غيرهما، يقول: أرده بلا غضاضة ولا يقدح ذلك في ديني.

    سبحان الله! حديث في الصحيحين، وأنت تدعي بعد ذلك أنك تخدم الإسلام ومن دعاة الإسلام، أنا أعجب كيف ترد حديثاً في الصحيحين ولا يقدح ذلك في دينك، ولما أتى على حديث الذبابة: ( في أحد جناحية داء وفي الآخر شفاء )، قال: أرده ولا يقدح ذلك في ديني، وليس من أركان الإيمان أن في أحد جناحي الذباب داء وفي الآخر شفاء!

    أيها الإنسان! أما تتقي الله في كلامك؟ أليس من أركان الإيمان والإسلام: الإيمان بأن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ أم هي كلمة مجردة علمية ذهنية ليس لها مدلول؟ ألا تقتضي هذه الكلمة أن يصدق فيما أخبر، ويطاع فيما أمر، وينتهى عما عنه زجر وحذر؟

    فإذا أخبرنا أن في الذباب داء ودواء، أليس تصديقنا بذلك من مقتضيات إيماننا بنبينا عليه الصلاة والسلام، أن نقول: صدق فيما قال، ولا ينطق عن الهوى، وهكذا إذا أمر نتبع، وهكذا إذا نهى نترك؟ أم هو رسول الله فقط، ثم نخالفه فيما أمر، ونرتكب ما نهانا عنه، ونكذبه فيما أخبر؟ أي إيمان هذا إذاً؟

    فإذا كان كلام النبي عليه الصلاة والسلام يرد، فما هو معنى الإيمان بأن محمداً رسول الله عندك؟ نعوذ بالله من هذا الزور والبهتان، والذي يقوله من يدعي أنه يحمي الإسلام، ويصنّف من الدعاة إلى الله، ونسأل الله العافية، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    وأما شيخ المحدثين وسيدهم الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله، فهو آخر الأئمة الأربعة من حيث الترتيب الزمني، وهو تلميذ الإمام الشافعي ، وهو الذي ما صلى صلاة إلا استغفر للشافعي ، ولما سئل عن ذلك قال: كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، فهل لهذين من خلف أو عنهما من عوض؟ لا يمكن أن يعوض عن هذين بغيرهما.

    وقال أحمد أيضاً: ما عرفنا ناسخ الحديث من منسوخه، ومطلقه من مقيده، وعامه من خاصه حتى جالسنا هذا الفتى من قريش، يقصد الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله.

    هذا الإمام المبارك أحمد بن حنبل يقول: من رد حديث النبي عليه الصلاة والسلام فهو على شفا هلكة، أي: على طرف هلكة توقعه في نار جهنم.

    وكان يقول: ما أعلم الناس أحوج منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان -هذا في القرن الثالث، سبحان الله!- قيل: لم يا أبا عبد الله ؟ قال: لأن البدع قد كثرت، فإذا لم يعرف المسلم السنة وقع في البدعة، فكيف يقول لو رأى زماننا؟! نسأل الله حسن الخاتمة.

    منزلة العلماء في الإسلام

    إخوتي الكرام! هؤلاء أئمتنا العظام: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد نتقرب إلى الله بحبهم، وأعظم ما ندخره عند ربنا بعد إيماننا به، حبنا لنبينا عليه الصلاة والسلام ولصحابته ولأئمة الإسلام وعلى رأسهم هؤلاء الأئمة الكرام، وإياك أن تقول: هم رجال ونحن رجال، والله لا يقول هذا إلا الحمار:

    ذهب الرجال وحال دون مجالهم زمر من الأوباش والأنذال

    هم رجال؟ نعم رجال، رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23]، رجال كانوا يذكرون الله في بيوت الله جل وعلا، وينشرون دين الله، رجال كانوا يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، رجال كانوا يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين، أما نحن فإياك أن تقرن نفسك باسمهم، والله إن في هذا احتقاراً لهم غاية الاحتقار.

    هؤلاء الأئمة الأبرار نسمي فقههم الذي دونوه: شريعة مؤولة، والشرائع ثلاثة أقسام، انظروا تفصيل الكلام عليها بإحكام في مجموع الفتاوى لـشيخ الإسلام في الجزء الثالث بين الصفحات: (268)، وفي الجزء التاسع عشر، صفحة: (308)، وفي الجزء الخامس والثلاثين صفحة: (395)، وذكر هذه الأقسام الثلاثة الإمام ابن القيم في آخر كتابه الروح في صفحة: (266)، وفي غير ذلك من كتبه.

    خلاصة الكلام على هذه الأقسام الثلاثة:

    الأول: شريعة منزلة، وهذه مقدسة لا يتطرق إليها كذب ولا شك ولا ريب، وهي كلام الله وما صح من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذه يُحتج بها لا لها، فهي المهيمنة على ما سواها، وإذا ثبتت نصوص القرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام فكما قال الشاعر:

    دعوا كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر

    فليس فيها خطأ ولا احتمال الخطأ، ولا يتم الإيمان إلا بالتسليم لما فيها والانقياد له، فهي مقدسة منزلة، وهي وحي يوحى؛ لأن الوحي نوعان: متلو وهو القرآن، وغير متلو وهو السنة.

    الثاني: الشريعة المؤولة وهي استنباط أئمتنا لأحكام الشرع من نصوص القرآن والسنة عن طريق القياس الصحيح الذي فعله أئمتنا بإقرار نبينا عليه الصلاة والسلام لـمعاذ عندما قال: (أجتهد رأيي ولا آلو)، هذه يقال لها: شريعة مؤولة، يعني: فيها تأويل واجتهاد، وهذه نحتج لها لا بها، ونأتي بنصوص الشرع التي تؤيدها وتدل عليها وتقررها كما فعل أئمتنا، يقولون: قلنا كذا وكذا بدليل كذا وكذا، وأخذنا هذا من أدلة شرعية معتبرة، وليس عند هؤلاء الأئمة دليل الرأي ولا دليل الهوى، ولا دليل القانون الوضعي، ولا لينين ولا غيره، إنما كلام رب العالمين، وحديث النبي الأمين عليه الصلاة والسلام، فلا يوجد حكم إلا وهو معلل بنص شرعي من كتاب أو سنة وكفى، لكن أحياناً قد يخطئ المجتهد، فيعلل بتعليل ليس قوياً، وعلة إمام آخر أقوى، أو هناك حديث أقوى، وهذا بناه على حديث آخر أقل رتبة منه، أو منسوخ، أو مؤول، إلى غير ذلك من الاعتبارات التي تبحث في علم الفقه وأصوله.

    وهذه شريعة حقة، نحتج لها لا بها، وهي معتبرة محترمة، وهذه الشريعة المؤولة لا يجوز لنا أن نلزم أحداً بشيء منها، سواءٌ على مذهب هذا الإمام أو هذا الإمام فكلهم أئمة هدى، ثم بعد ذلك نرد الخطأ إذا صدر من أحد أئمة الإسلام، وفي حال ردنا الخطأ عليه، نقول: معذور فيما قاله ومأجور، وقد نكون نحن المخطئين في ردنا عليه، لكن قلنا على حسب ما في وسعنا، ومع أننا نرد هذا القول نراه أيضاً حجة شرعية معتبرة، لا نضلل من قال به ولا من فعله؛ لوجود احتمال الدليل له، ولذلك قال ابن تيمية في الجزء الثلاثين صفحة: (80) من مجموع الفتاوى: إجماع العلماء حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، فإذا أنا رأيت أن أحرك الأصبع مثلاً إذا جلست للتشهد باستمرار، بناء على تعليل شرعي قال به إمام من أئمة الإسلام، وآخر لم ير تحريكها إلا عند كلمة الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، لا يجوز أن أسفه رأيه، ولا أن أضلله، نعم أبين له أن الدليل يحتمل هذه الكيفية أكثر، فإذا استبان له ذلك فبها ونعمت، وإلا سيقول: أنت تتبع ما شهد له دليل، وأنا أتبع ما شهد له دليل، فأنت في خير، وأنا في خير، ورحمة الإسلام تسعنا، فلا أعترض عليك ولا تعترض علي، لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37]، و(لا يصلين أحدٌ منكم العصر إلا في بني قريظة)، والحديث في الصحيحين، فبعض الصحابة صلى في الطريق، وقال: لم يرد النبي عليه الصلاة والسلام منا الصلاة في بني قريظة بعينها بتلك الجملة التي صدرت منه، إنما المراد التعجيل إلى بني قريظة، والفريق الآخر قال: النص صريح وواضح، وهو أن تؤخر الصلاة حتى نصل إلى بني قريظة، وما صلوها إلا في الليل، فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فلم يعنف أحداً منهم.

    إذاً: ما احتمله الدليل وقال بها إمام من أئمتنا المهتدين فهو حكم شرعي شئت أم أبيت، لكن لا تتبن قولاً وتلزم الأمة به، فكأنك جعلت نفسك نداً لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فاترك الأمة في سعة، أقوال شهدت لها أدلة معتبرة، قالها أئمتنا البررة، فالحمد لله الأمة في سعة، إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وإذا رددنا الحكم على إمام لكونه بعيداً عن الدليل، فإننا نقول: هو حكم شرعي معتبر عند قائله وعالمه، ولا يضلل بعضنا بعضاً.

    هذه الاعتبارات الثلاثة نحو الشريعة المؤولة التي أتى بها أئمتنا واستنبطوها من النصوص المنزلة، فهي إذاً: شريعة مؤولة معتبرة.

    والقسم الثالث: مبدلة نجسة قذرة، وهي القوانين الوضعية الوضيعة، نسميها شريعة مبدلة. قد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها إذ بدلوا أحكامه بنظام، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11-12].

    إن الشريعة المبدلة النجسة القذرة، يقال لها في هذه الأيام وتسمعونها بما يصك الآذان: الشرعية الدولية، وهي حقيقة شريعة الغاب التي يحتكم إليها البشر في هذه الأيام بعيداً عن شرع الله، يسمونها شريعة دولية؟ فأين شريعة رب البرية؟ أين الاقتداء بخاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام.

    المروءة والصدق والعدالة في أهل الحديث

    عوداً إلى فضل أهل الحديث فإن: أئمتنا قاطبة كانوا يشيدون بقدر طلبة الحديث والذين ينشرون سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى رأسهم الأئمة الفقهاء الأربعة، ولذلك كان أئمتنا يعتبرون هذه منقبة لأهل الحديث.

    اسمعوا لكلام حاكم المسلمين في زمنه هارون الرشيد عندما سبر غور الناس وبحث عن معادنهم، يقول -كما في كتاب: شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي -: طلبت الكفر -أي: بحثت في أي الفرق يوجد؟- فوجدته في الجهمية، هم أكفر خلق الله، يقولون: الله لا فوق ولا تحت، لا يمين ولا شمال، لا أمام ولا وراء، لا داخل العالم ولا خارج العالم، وضيعوا الإله، فابحثوا عن إله بعد ذلك تعبدونه، وليس له صفة يتصف بها، وهؤلاء هم المعطلة، والممثلة مع ضلالهم أخف من المعطلة، فالممثل يعبد صنماً، لكن المعطل يعبد عدماً، يعني: ذاك المشبه عنده وجود بشيء، وأما هذا الجهمي المعطل فلا شيء.

    قال: وطلبت الشغب والكلام والثرثرة والهذيان فوجدتها في المعتزلة، كل كلام أحدهم سفسطة لا نهاية له، ويجلس في قيل وقال وجدال، حتى كان بعضهم يفطر في رمضان ليتقوى على المناظرة! بزعمهم يريدون نصرة دين الرحمن! لا إله إلا الله!

    قال: وطلبت الكذب فوجدته في الرافضة، هم أكذب خلق الله، في النقليات وأجهلهم في العقليات، قال: وطلبت المروءة والحق والصدق فوجدتها في أهل الحديث.

    إذاً: إن أردت أن تبحث عن المروءة وعن الحق وعن الصدق فإنك لا تجد هذا إلا في هذه الفرقة التي بسببها يحفظ الله هذه الأمة، وأما من سواها من الفرق فكل واحدة فيها بلية من البلايا ورزية من الرزايا، ورحمة الله على الإمام الزهري عندما كان جالساً في مجلس هشام بن عبد الملك -أحد خلفاء بني أمية- وسأله هشام عن قوله تعالى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]؟ فقال محمد بن شهاب الزهري : الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي رئيس المنافقين، قال: كذبت، قال: فمن يا أمير المؤمنين؟! قال: علي بن أبي طالب ! ونحن نصنف أكثر حكام بني أمية في فرقة النواصب الذين ناصبوا آل البيت العداوة والبغضاء، ومذهبنا معشر أهل السنة بين الرفض والنصب، فلا رافضة ولا ناصبة، لا ندعي موالاة آل البيت ثم نسب الصحابة كما يفعل الرافضة، ولا ندعي أننا نحب الصحابة ثم نلعن آل البيت كما يفعل النواصب، بل كلهم على رءوسنا أئمة هدى: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وآل البيت الطيبون الطاهرون نفديهم بأرواحنا، ونحن أشد الناس حباً لآل البيت وللصحابة الكرام، وهذا أرجى أعمالنا عند ربنا بعد إيماننا به سبحانه وتعالى.

    قال الزهري : يا أمير المؤمنين! والله لو نزل منادٍ من السماء فقال: إن الكذب حلال فاكذبوا لما كذبت؛ لأن الكذب يخدش المروءة، فنحن معشر أهل الحديث لا نكذب.

    وأول من جمع علم الحديث والأثر ابن شهاب ، أمره بذلك عمر بن عبد العزيز. قال الإمام مالك : عندما قدم الزهري المدينة كنا نزدحم على بابه. ثم قال الزهري : لكن حدثني فلان عن فلان عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11]، هو عبد الله بن أبي ، فهي أعلم أم أنت؟ فسكت هشام .

    إن المروءة والصدق في أهل الحديث.

    الدليل على عدالة أهل الحديث

    وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم بعدالة رواة السنة، ونقلة حديثه عليه الصلاة والسلام، وورد الحديث بذلك، واعتمد الإمام ابن عبد البر على هذا الحديث، فقال: كل من عرف بطلب الحديث ولم يعرف عنه فسق ولا بدعة فهو عدل، ولا داعي للتنصيص على عدالته، وهذا المذهب الذي قال به ابن عبد البر تبعه عليه الإمام أبو الفتح ابن سيد الناس ، الذي توفي سنة (734هـ)، وتبعه أبو عبد الله بن المواق ، وأشار إلى ذلك الإمام زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي الأثري عليه رحمة الله في ألفيته، فقال عند مبحث العدالة:

    وصححوا استغناء بالشهرة عن تزكية كمالك نجم السنن

    وهذا محل اتفاق، فمن اشتهر بالصلاح والخير والإمامة والفضل كـمالك مثلاً لا يحتاج إلى أن نقول: من نص على عدالته؟

    ثم قال العراقي :

    ولابن عبد البر كل من عني بحمله العلم ولم يوهن

    فإنه عدلٌ بقول المصطفى يحمل هذا العلم لكن خولفا

    ومذهبه هذا كما قال ابن الصلاح في مقدمته: فيه اتساع غير مرضي.

    ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين )، وكنت سمعت هذا الحديث من إذاعة القرآن في بعض البلاد، والحديث كتبه بعض الشيوخ يقرأه مقرئ يأخذ الشيخ عليه دريهمات، والمقرئ دريهمات أخرى، ومن أجل أن يتقاسما الجائزة، كتب له مقالاً للقراءة، فأنا أسمعه يعلم الله بأذني يقول: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوٌ له)، كيف سيستقيم هذا مع آخر الحديث، و(عُدُوله) -جمع عدل- وهو يقرأها: (عدوٌ له) -من العداوة- فهو عدو نفسه بجهله، فآخر الحديث لا ينطبق مع تحريفه: ( ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين )، هذا ليس حال عدو العلم، إنما هذا حال المخلص لله، المتقي لربه صديق العلم، قال العراقي :

    ولابن عبد البر كل من عني بحمله العلم ولم يوهن

    فإنه عدلٌ بقول المصطفى يحمل هذا العلم لكن خولفا

    أي: خولف ابن عبد البر في مذهبه. وقال العلماء في معنى الحديث: ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، فهو حث للعدول على حمل العلم؛ لئلا يحمله الكفرة والفسقة، فينبغي على حامل العلم أن يكون عدلاً، وقد يحمل العلم غير العدل، هذا معنى الحديث كما قال أئمتنا.

    وهذا الحديث رواه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من رواية أبي هريرة وأسامة رضي الله عنهما عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ورواه عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري من التابعين مرفوعاً إلى النبي الأمين عليه الصلاة والسلام، ورواه البيهقي في السنن الكبرى في الجزء العاشر صفحة: (209)، وإبراهيم العذري يقول عنه الذهبي في الميزان: تابعي مقل، ما علمته واهياً، لكن الراوي عنه هو معاذ بن رفاعة وليس بعمدة، وهو من رجال ابن ماجه ، لين الحديث كثير الإرسال كما قال الحافظ في التقريب، لكن هذا الحديث كما قلت: روي عن صحابيين: أبي هريرة وأسامة ، وروي من طريق مرسلة، وروي عن ثمانية آخرين من الصحابة هم: أنس وابن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وأبو بكر وأبو أمامة وعلي وجابر بن سمرة ، هؤلاء ثمانية، وأبو هريرة وأسامة صاروا عشرة.

    والطرق كلها إليهم فيها ضعف بالنظر لرواية واحدة، كما قال العراقي والبلقيني ، لكن تعددها يجبر ضعفها، ولذلك صحح هذا الحديث الإمام أحمد شيخ المحدثين، وتوسط الحافظ العلائي فقال: إن الحديث حسن، وهذا جمع بين قول الإمام أحمد عليه رحمة الله، وبين قول العراقي والبلقيني ، فهو ضعيف بالنظر إلى انفراده، حسن معمول به بالنظر إلى تعدد طرقه، وكلام العلائي لا يخالف كلام الإمام أحمد ؛ لأن الحسن من قسم الصحيح.

    موقف يبين تعظيم الناس لأهل الحديث

    وأختم هنا بقصة طريفة ذكرها الإمام الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث في صفحة: (20)، أن يعقوب بن شيبة أحد أئمة الحديث الكبار قال: رفعت قضية عند إسماعيل القاضي، أحد أئمة المسلمين الكبار رحمهم الله جميعاً. فقال إسماعيل القاضي للمدعى عليه: أصحيح ما يقول المدعي؟ فقال: لا، إنما البينة على المدعي واليمين على من أنكر، فقال للمدعي: هل عندك بينة؟ قال: نعم، فلان وفلان شاهدان.

    فقال القاضي: أما فلان فهو من شهودي أعرفه، وأما فلان فلا أعرفه، ائت بشاهدٍ عدلٍ عندي، قال المدعي: إنني أعرفه بطلب الحديث وكتابته، ومن عدله رسول الله عليه الصلاة والسلام خير ممن عدلته أنت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين )، قال القاضي إسماعيل : سمعاً وطاعة لرسولنا عليه الصلاة والسلام، ائت به فقد قبلت شهادته.

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن لا يجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، واغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، واغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.