إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. تفسير سورة لقمان
  5. تفسير سورة لقمان - تابع تفسير الآية رقم [2]

تفسير سورة لقمان - تابع تفسير الآية رقم [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما قاله العلماء في بيان عمل اسم الإشارة (تلك): أنه يشير إلى البعيد الغائب، وأن المراد به ما وعد به النبي صلى الله عليه وسلم من نزول كتاب عليه، وعلى هذا فلا يقصد به الإشارة إلى القريب الحاضر، ونقضوا بذلك كل ما أورده أصحاب القول الأول الذين حملوا الإشارة إلى القريب على التناوب في أسماء الإشارة مرة، والإشارة إلى البعيد دلالة على علو المنزلة مرة، وأن (تلك) تكون بمعنى (هذه) التي تشير إلى القريب والبعيد على حد سواء.

    1.   

    القول الثاني في تفسير اسم الإشارة (تلك) أنه للبعيد الغائب

    الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    القول الثاني في بيان المراد باسم الإشارة: أن اسم الإشارة هنا (تلك) للبعيد، والمشار إليه بعيد، واختلف في تعيين ذلك البعيد كما قال القرطبي على عشرة أقوال، وتلك الأقوال ذكرها الإمام الرازي وزاد عليها، أنا سأجملها في تسعة، بحيث تصل على التفصيل أحد عشر قولاً إن شاء الله، في بيان المراد باسم الإشارة (تلك) على أن المشار إليه بعيد غائب، ليس بحاضر قريب.

    يعني البحث عندما يكون في المفردات اللغوية قد يكون فيه شيء من الجفاف، ولذلك ندخل من حديث إلى حديث ونربط هذا ببحثنا، لأجل أن يصبح في البحث شيء من الطراوة.

    على القول بأن المراد هنا إذاً مشار إليه غائب بعيد، فما المراد بذلك المشار؟ هو أن اسم الإشارة الآن على ظاهره، صيغة بعيدة مشار بها إلى بعيد، فلا تناوب، ولا تعاوض، ولا وضع، ولا نكتة، عندما عبر بالبعيد عن البعيد، ما هي هذه الأقوال؟

    بيان أن المراد بالإشارة بـ(تلك) ما وعد به النبي من نزول كتاب عليه

    القول الأول: قيل: إن الله وعد نبيه عليه صلوات الله وسلامه بأن ينزل عليه كتاباً عندما بعثه، فأشار ربنا جل وعلا في هذه الآية وفي نظائرها إلى الوفاء بذلك الوعد الذي وعده به عندما بعثه: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ [يونس:1] أي: ذلك الكتاب الذي وعدناك بإنزاله، هذا هو، إذاً: (تلك) يشار إلى ذلك الوعد الغائب البعيد، هل الله وعد نبيه عليه صلوات الله وسلامه بأن ينزل عليه كتاباً؟ نعم، ورد هذا في الحديث وورد في القرآن، وهذان القولان اعتبرتهما واحد، والقرطبي جعلهما قولين، لذلك قلت: ستكون تسعة، لكن بعد ذلك أزيد قولاً من الرازي فتصبح أحد عشر قولاً.

    ثبت في السنة ما يشير إلى هذا الوعد، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم، وإذا ذكرت كما قلت -إخوتي الكرام- الحديث في الصحيحين أو في أحدهما فلا داعي أن نقول: إنه صحيح؛ لأن هذا مقطوع به، فكونوا على علم بذلك، إذا لم يكن الحديث في أحد الصحيحين أشير إلى درجته إن شاء الله.

    وفي صحيح مسلم والمسند عن عياض بن حمار المجاشعي قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً ذات يوم، فقال: (إن ربي أمرني أن أعلمكم ما علمني في يومي هذا مما جهلتم)، أي: أعلمكم في يومي هذا ما جهلتموه، مما علمني ربي وأنزل علي، (كل مال نحلته عبداً فهو حلال) هذا حديث قدسي، ولم يصرح النبي عليه صلوات الله وسلامه بإضافته إلى ربه، كأنه يقول: قال الله تعالى: كل مال نحلته عبداً فهو حلال، الله سخر لنا ما في السموات والأرض، والناس هم الذين أحلوا وحرموا كما فعل المشركون عندما جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا، كما فعلوا بالوصيلة، والسائبة، والحامي، والبحيرة.. الشرائع الشيطانية التي كانوا يشرعونها.

    إذاً: الأصل في الأشياء الحل، ولا يثبت التحريم إلا بنص، عندما يأكل الإنسان البندورة، لا يلزم أن يستدل على ذلك بنص جزئي في حل البندورة، كلوا البندورة فإنها حلال، عندما يأكلها يقول: كيف تأكل؟ قل: سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [لقمان:20]، بين لنا ما حرم علينا، وما سكت عنه فهو داخل في دائرة الإباحة، الأصل في الأشياء الإباحة والحل.

    (كل مال نحلته عبداً فهو حلال) أي: يقول الله: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم على الإسلام وعلى الفطرة، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ينزل به سلطاناً).

    هذا الحديث القدسي: (وإن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)، والمقت: هو أشد الغضب وأعظم أنواع السخط، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:3]، ولذلك نكاح المقت هو: أن يتزوج الإنسان منكوحة أبيه، هذا ليس فاحشة، بل هذا مقت أيضاً، وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22]، بينما في الزنا: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، وأما هنا نكاح امرأة الأب، والمعتمد عند الحنابلة وهذا أظهر أقوال الإسلام: أن من وطئ إحدى محارمه من منكوحة أبيه أو غيرها ممن تحرم عليه على التأبيد يقتل كيفما كان حاله، سواء بعقد أو بعهر بغير عقد، إذا وطئ إحدى محارمه فحده القتل؛ لأنه فرج محرم قطعي التحريم، لا يباح بحال، ليس للإنسان في ذلك شبهة.

    وقد ثبت في المستدرك وغيره، من حديث البراء بن عازب (أنه رأى عمه يحمل راية، فقال: إلى أين؟ قال: إلى ذاك الذي تزوج زوجة أبيه، فقد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب رقبته، وأن آخذ ماله)، أي: فيئاً لبيت المال، أي أنه يقتل ويؤخذ هذا المال بعد ذلك فيئاً.

    إذاً: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب).

    والسبب في المقت: الظلام الذي خيم على البشرية قبل بعثة خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، إلا بقايا من أهل الكتاب الذين يتمسكون بالدين الحق، الذي كان عليه نبينا عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    (وقال الله: -أي للنبي عليه الصلاة والسلام-: إني بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً)، أي: سأنزل عليك كتاباً، وأخبر عنه بصيغة الماضي لتحقق نزوله (لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان)، إذاً: وعد الله نبيه عليه الصلاة والسلام عند بعثته بأن ينزل عليه كتاباً لا يغسله الماء، (أناجيلهم صدورهم)، ليست هذه الصحف بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت:49]، ولو أحرقت المصاحف عن بكرة أبيها، فلا يحصل تغيير في هذا القرآن، والمصاحف التي في القلوب تساوي المصاحف التي في السطور، أناجيلهم صدورهم: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17].

    وهذا محل الشاهد، لكن من باب استعراض كمال الحديث، للننظر إلى أحكامه، ولنخرج من هذا البحث الذي هو بحث لغوي محض في بدء هذه السورة، (وقال الله لي: حرق قريشاً -أي: قاتلهم وحرقهم- فقلت: ربى! إذاً يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة) أي: يقطعوه ويشقوه كما يقطع الخبز ويشق، وقال لي ربي: حرق قريشاً، أي: قاتلهم واصدع بالحق فيهم ولا تبال، (فقلت ربي: إذاً يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزاً، فقال الله لي: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك -أي: نمكنك منهم ونعينك عليهم- وأنفق ينفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: إمام مقسط متصدق موفق)، إذا لم يكن الإمام من هذا الصنف فهو من أهل النار، أمير مقسط، يتصدق ويتفقد الرعية، ويواسي الفقراء والمحتاجين، ومجالسه يحضرها أهل الحاجة والمسكنة، لا أهل الكبرياء والغطرسة، (إمام مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم القلب على كل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال)، أي: عفيف في نفسه، عندما تعطيه يتعفف ويقول: أنا في نعمة وستر وعافية، وعنده عيال، هؤلاء من أهل الجنة.

    (وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبر له، الذين هم فيكم تبعاً، لا يتبعون أهلاً ولا مالاً)، الذي لا زبر له: أي: لا عقل له، ولا يقصد بالعقل هنا العقل الغريزي، أي: المجنون، إنما يقصد هنا به الأحمق السفيه الذي هو عالة على غيره، همه أن يأخذ من هذا وذاك، ولذلك ليس له زوجة، وليس له عمل، عاطل باطل، لا في دين ولا في دنيا، لا زبر له، لا يتبع شيئاً، ليس عنده أهل ولا مال، يحتال على هذا، وينصب على هذا، ويتطفل على هذا، يعيش عالة على الناس، كما هو الموجود في كثير من الناس عندما تصل بهم الدناءة والخسة إلى هذا.

    انطباق وصف الضعيف الذي لا زبر له على قسس النصارى

    قال بعض الكسالى معبراً عن هذا: والله ما فقرنا اضطرار، إنما فقرنا اختيار وأكلنا ما له عيار! فنحن جماعة كلنا كسالى، هذا هو الضعيف الذي لا زبر له، أو لا تدرون من هم؟ أول ما ينطبق هذا الوصف على قسس النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، ليس له عمل لا في دين ولا في دنيا، أما في الدين فأكذب خلق الله، أكذب من الشيطان الرجيم، الشيطان إذا رأى القسيس يبتعد عنه خشية أن يزيده خبثاً وفساداً.

    ولذلك عندنا في بلاد الشام إذا أراد أن يخبر عن حقارة إنسان يقال: أكذب من الخوري والقسيس على الله يوم الأحد! عندما يجلس يوم الأحد يكذب على الله، اسمع من الكذب الذي إبليس ما سمع به، هذا قسيس!

    إذاً: الدين ليس عنده عبادة، وأما الدنيا جالس فتراه مثل الثوب في جسمه، طيب! أنت في الأصل زاهد، اعتكفت في هذه الصومعة وفي هذه الكنيسة، ينبغي أنك تكون مثل العود، رقبته فقط أغلظ من رقبة الثور، يأكل حقيقة والله ما لا تأكله عشرة ثيران، ويحرم عليه النكاح، إذ لا يجوز أن يتزوج؛ لكن يجوز أن يزني، فالزواج حرام والزنا حلال، يزني في اليوم أحياناً بعشر نسوة، هذا قسيس! هذا هو الضعيف الذي لا زبر له.

    (الذين هم فيكم تبعاً، لا يتبعون أهلاً ولا مالاً). وهذا حال القسس، وانظر للنصارى مع قسسهم، لو أن قسيساً لعيناً يقول في أمريكا سيجمع مائة ألف دولار، مليون دولار، عشرة ملاين دولار في يوم كذا قبل أن تشرق الشمس، لوضعت أمامه على الطاولة في الكنيسة قبل أن تشرق الشمس، هذا حاله!

    وانظر بعد ذلك لعلماء هذه الأمة في هذه الأمة، إذا سلموا من أذى الناس فهم في نعمة، أما الإكرام فلا يخطر هذا على بال علماء الإسلام الصالحين ولا يريدونه من أحد.

    رأى مرة بعض الناس رجلاً معه ثعلب قبض عليه، قيل: ماذا ستفعل بهذا الثعلب؟ قال: سأعذبه عذاباً شديداً، قال: ولمَ؟، قال: كل فترة يأتي ويأكل لي الدجاج، وأنا أطارده من جهة إلى جهة، وأمكنني الله منه، سآخذه الآن أمثل به تمثيلاً ما رآه مخلوق على وجه الأرض، قال: أتريد أن تعذبه؟ قال: نعم -والذي يكلمه طالب علم- قال: خذ هذه العمة وضعها على رأسه واتركه يعاني من هذه الأمة ما يعاني، لا يطارد في الحياة إلا علماء الإسلام، والله إن طالب العلم الصادق في هذه الأيام ما تمر عليه -لا أقول ليلة- لحظة إلا ويتوقع فيها إما القتل وإما الاعتقال، لمَ هذا؟ هل سمعتم عن قسيس في بلاد النصارى يعتقل؟ لا إله إلا الله!

    انحطاط المسلمين وتضييع أقدار العلماء الربانيين

    لما زج بالعلماء في بعض البلدان -على التعبير اللعين- حاكم تلك البلاد، بأنه يرمي الشيخ في السجن كالكلب! يقول: زي الكلب، الكلب الذي يرقص زوجته مع كافر، ليس الذي يوضع وراء القضبان في سبيل الرحمن، ماذا عمل مع القسيس الذي هو سبب الفتنة وسبب كل بلاء، هل يستطيع أن يضعه وأن يحبسه وراء الحديد والقضبان؟ غاية ما حصل أن صفق له واعتبروا هذا نصراً أنه أقاله من المسئولية عن النصارى، وقال: اختاروا غيره ليحل محله، ثم أعيد بعد ذلك إلى رتبته، وقيل له: الزم الإقامة في بيتك، قسيس يقيم في بيته، ثم ترسل له الدولة بعد ذلك مكافآت يقولون: خاطرك لا يبقى علينا إلا طيب، لأجل ننتهي من المسلمين، نحن بعد ذلك نكرمك أكثر مما كنت تحصل، لكن التمس لنا عذراً.

    وأما ذاك يقال عنه بكل قلة حياء: هذا الشيخ في السجن زي الكلب، العلماء صاروا مثل الكلاب، هذا حالنا! على من يصب أليم العذاب في بلدان المسلمين؟ الزاني واللوطي والسكير والعربيد والمرابي كل هؤلاء كما يقال: يتمتعون بأقصى أنواع الحريات، في حالهم، في حال محاربة رب الأرض والسماء، وأما هذا فهل يوجد أحد يضيق عليه؟ أجهزة المخابرات في بلاد المسلمين هل تطارد الزناة؟ تطارد اللوطيين؟ تطارد البنوك؟ تطارد السينمات؟ من تطارد؟ تطارد الذين لا يصلون، أم تطارد من هم في المسجد وعلى الخصوص خطيب الجمعة فقط؟ خطيب الجمعة هذا هو الذي تسجل خطبته، وبعد ذلك يحقق معه.

    وصل الانحطاط في بعض بلدان المسلمين، أن الخطيب قال: إن الزنا حرام، فاستدعي بعد الخطبة مباشرة، قيل له: لم تتدخل في الشئون الاجتماعية؟ قال: يا جماعة هذا مقرر في كتاب الله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، قال: الدين شيء والحياة الحاضرة شيء آخر، مرة ثانية تقول الزنا حرام، أو السفور حرام، أو الخمر حرام، نقطع رقبتك لا لسانك، أنت فقط تقول للناس: اصدقوا الحديث، أدوا الأمانة، صلوا، صوموا، وما شاكل هذا، أما أن تعالج شئون الحياة، وتقول: الزنا حرام، وهذا زنا، فلا؛ مع أنه ما قال: ينبغي أن يجلد، وأن يرجم، والحكومة مقصرة، وإنما يحذرهم فقط من الزنا!

    يقولون: أمور اجتماعية لا دخل لك فيها، هذا يعالجه القانون، هكذا وصل الانحطاط في بلدان المسلمين، لا يجوز أن يقال على المنبر إن الزنا حرام.

    طيب، ماذا يوجد في الكنائس بعد ذلك؟ كل كذب وخيانة، وكل غدر ومكر بالمسلمين، وجدت في بعض الكنائس دبابات، توضع في القبو -في البدروم- لأجل ما يخططونه للمسلمين في المستقبل، وهذه كلها يستر عليها وتمشي بسلام، وإذا وجدوا معك أنت مسدساً فالله يعينك! أردت مرة أن أدخل إلى بعض الدوائر، فكان على الباب مسئول كأنه يعرفني، قبل رأسي، ثم قال: أنا عبد مأمور، قلت: ماذا تريد؟ قال: أريد أن أفتش، فقلت: فتش! ماذا عندك؟ أليس هذا من الذل إخوتي الكرام؟ مسلم في بلدان المسلمين، بغض النظر عن كونه عالماً أم لا، يفتش على الباب.

    طيب، الذي يريد أن يغتال القاضي أو غيره، عندما يدخل لمحكمة شرعية، يعني: ألا يمكن أن يغتاله في الخارج؟ لمَ هذه السفاهة؟ يعني: لا دين ولا دنيا، مجرد حماقة وإذلال للعباد، قال: عبد مأمور، قلت: فتش!

    مد يده إلى جيبي من الخارج، قال: إيش هذا يا شيخ، قلت: كما ترى سكين لأجل قطع يعني: أحياناً أمور في هذه الحياة إما من فاكهة إما من خيط أو كذا، قال: هذا ممنوع تدخل به في هذه الدائرة، قلت: ماذا تريد؟ قال: اتركه عندي، يعني: ما يريد أن يعمل معي تحقيقاً، لا ملف ولا تحويل للقضاء، اتركه عندي، عندما تخرج تأخذه.

    قلت: طيب، لا إله إلا الله! فلما خرجت ذاك بتقدير الله، ذهب وجاء واحد آخر، لكن أعطى المسئول الذي كان يفتش هذه القطعة لذاك، فلما جئت قلت: أين المسئول الذي كان هنا، قال: ماذا تريد؟ قلت: أخذ مني حاجة وكذا، قال: أنت صاحب السكين؟ أنا لا أريد أن أقول سكيناً، قلت: يا عبد الله! يعني المسألة دعها الآن في ستر الله، قال: أنتم مطاوعة يا أخي، كيف تحمل السكاكين في جيبك؟!

    أقول: المطاوعة لابد أن يحملوا السكاكين والرشاشات، من الذي يحملها؟ الله جل وعلا رخص لنا ترخيصاً فقط: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ [النساء:102]، وإلا حمل السلاح حتى في الصلاة مشروع، لاسيما إذا كانت الأمة في أحوال يخشى منها، قال: لا يا شيخ، المطاوعة هؤلاء ما لازم يحملون السلاح، قلت: لازم المطاوعة يكونون مثل الأنعام، كل واحد يذبحه ويركب على ظهره، ما يقول له: ماذا تفعل؟ لا إله إلا الله!

    انطباق وصف الضعيف الذي لا زبر له على بعض شيوخ الصوفية

    هذا الوصف -إخوتي الكرام- (الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعاً)، لا أحد يظن أنه ضعيف مسكين، لا قدرة له على العمل، أو أنه مثلاً مسكين ضعيف في المال، بل ضعيف في عقله، سخيف في رأيه، وينطبق هذا انطباقاً أولياً على القسس، وبعد ذلك على المسلمين البطالين حدث ولا حرج، مشايخ الصوفية المخرفون كلهم يشملهم هذا الوصف: الضعيف الذي لا زبر له.

    مخرف صوفي يخلو بالنساء، ويأكل الأموال، وليس أي عمل، بطال، إنما هذا تنكة سمن، وهذا علبة لبن، وهذا فلوس، وهذا شاة، وهذا وهذا، (ضعيف لا زبر له، الذين هم فيكم تبعاً، لا يتبعون أهلاً ولا مالاً)، لا يقوم برعاية أهل وأسرة، ويكدح ويتعب ويعمل من أجلهم، وليس عنده مال ينميه، كما قلنا: لا دين، ولا دنيا، عالة على غيره.

    (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه)، كلمة يخفى، بمعنى يظهر، وأخفى بمعنى: كتم وأسر، وقيل كل من الصيغتين يستعمل في الإظهار وفي الإخفاء، فهذا من الألفاظ المتضادة.

    يقال: أخفى وخفى، أخفى بمعنى: أسر، أخفى بمعنى: أظهر، خفى الشيء بمعنى: أظهره، خفى الشيء بمعنى: كتمه، من الألفاظ المتضادة، فهذا مثل أسر: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:10]، أسروا قولكم: هنا بمعنى أخفوه، وأسروا النجوى: أخفوها، والله جل وعلا يقول: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ [يونس:54] يوم القيامة بمعنى: أظهروها وأعلنوها، فالإسرار بمعنى الإظهار وبمعنى الكتمان، ومثل الخوف، يأتي بمعنى الوجل وبمعنى الأمل، وهذا الذي ألف فيه كتب الأضداد في اللغة، وهنا الخائن الذي لا يخفى له طمع: معنى لا يخفى: أي: لا يظهر له طمع وإن دق إلا خانه، هذان صنفان من أهل النار.

    والثالث: (رجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك)، يريد أن يعتدي على عرضك، أو أن يأخذ منك المال، فهو خداع.

    والصنف الرابع: (البخيل أو الكذاب)، شك الراوي.

    والخامس: (هو الشنظير، قيل: وما الشنظير؟ قال: الفحاش) أي: سيئ الخلق.

    1.   

    ما ورد في القرآن من الإشارة إلى الوعد الإلهي للرسول بكتاب ينزل عليه

    الشاهد إخوتي الكرام من هذا الحديث هو: (إني منزل عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان)، فإذاً: قول الله: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2] أي ذلك الكتاب الذي وعدت بإنزاله عليك هو المشار إليه، فالمشار إذاً إلى شيء غائب بعيد سبق ذكره في أول بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام وإرساله.

    وورد في القرآن ما يشير إلى هذا، ففي سورة المزمل: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، هذا القول الثقيل هو القرآن، أشير إليه في هذه الآيات، وسورة المزمل هي من جملة ما قيل إنها أول ما نزل على الإطلاق من أقوال ستة، أرجحها خمس آيات من سورة العلق، ويليه بعد ذلك في القوة ويمكن أن يجمع به وبين القول الأول أنها سورة المدثر، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر، والحديث الأول عن أمنا عائشة في الصحيحين، والأقوال الأربعة بعد ذلك كلها لا تخلو من ضعف، ويمكن أن يتكلف للتأليف بينها وبين ما تقدم.

    قيل الفاتحة، وقيل البسملة، وقيل ن والقلم، ونقل هذا عن مجاهد، وقيل المزمل، ثبت ونقل هذا عن عطاء الخراساني، وهو مع ضعفه لم يثبت له رواية عن الصحابة، فروايته معضلة، هو ضعيف في نفسه، والرواية لم تنقل عن صحابي يؤخذ منه هذا الحكم، فاجتمع فيه آفتان: ضعف في نفسه، والإعضال في روايته، إنما المزمل هي من أوائل ما نزل قطعاً، لكن ليست أول ما نزل على الإطلاق، ولعلها بعد المدثر؛ لأن الله يقول: يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:1-4]، ويعده في هذه السورة: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5].

    معنى الثقل في قوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)

    هذا القول الثقيل هو القرآن، وثقله وشدته على العموم أي: على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والكافرين والمنافقين، أو على الخصوص: على الكافرين والمنافقين، قولان لأئمتنا الكرام، القول بأن الثقل للعموم وعلى العموم أولى، وفي توجيه ذلك أربعة أقوال معتبرة:

    أولها: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]: هو ثقيل من حيث التلقي والعمل به، وحقيقة تلقيه وتعلمه ثقيل على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى الأمة، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أمنا عائشة رضي الله عنها، قالت: سأل الحارث بن هشام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال: (أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول، قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه جبريل في الليلة الشديدة البرد، وإن جبينه ليتفصد عرقاً)، هذا ثقيل أم لا؟ ثقيل حتى على النبي عليه الصلاة والسلام، وفي التلقي ثقيل: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5].

    وقد ثبت في صحيح البخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه من أجل أن يتابع مع جبريل)، حتى لا ينسى، على نبينا وعلى جبريل صلوات الله وسلامه.

    قال سعيد بن جبير: فأنا أحركهما -أي: شفتيه- كما رأيت ابن عباس يحركهما، وقال ابن عباس: أنا أحركهما كما كان -لم يقل: كما رأيت- كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما، لمَ؟ لأن ابن عباس ما أدرك تحريك النبي عليه الصلاة والسلام لشفتيه في أول الأمر، لأنه ولد سنة ثلاث للبعثة، وكان صغيراً لا يدرك هذا، ولما قبض النبي عليه الصلاة والسلام كان يناهز الاحتلام، وبعد ذلك التحريك انقطع نبينا عليه الصلاة والسلام عن تحريك شفتيه، فما رأى ابن عباس كيفية تحريك النبي عليه الصلاة والسلام لشفتيه، لكن سعيد بن جبير رأى كيفية تحريك ابن عباس لشفتيه، لذلك قال سعيد بن جبير: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، وقال ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما، فأنزل الله على نبيه عليه الصلاة والسلام: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:16-17]، أن نجمعه في صدرك، وأن تقرأه على الناس، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:19]، أن تبينه للناس، فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أتاه جبريل بعد ذلك أنصت، لا يحرك شفتيه، فإذا ذهب جبريل تلا النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل به جبريل عليه على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً: في ذلك شدة على النبي عليه الصلاة والسلام، وشدة أيضاً على من يتعلم القرآن!

    ثبت في الكتب الستة عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)، هذا حكمه حكم الملائكة، وفي درجتهم، ماهر يقرأ بيسر وسهولة، وليس عنده شدة ولا مشقة، (والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)، أجر القراءة وأجر التعلم، وهل يمكن ويتصور أن يكون الإنسان ماهراً من غير تعتعة؟ لا يمكن أن يكون ماهراً بالقرآن إلا بعد تعتعة كثيرة، والآن كيفية التلاوة ضبط قواعد التجويد، لا يمكن للإنسان أن ينطقها إلا بعد تعتعة وشدة وكلفة، ولذلك إذا لم يتعلم هذا من الصغر وكان كبيراً معه أعلى الشهادات، عندما يأتي ليقرأ يستحي الإنسان من سماع قراءته، مما فيها من نكارة وشدة وفظاعة وغلط.

    التتعتع في قراءة القرآن وبيان ما يترتب عليه الأجر منه

    فإذاً: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)، الشاهد إخوتي الكرام (يتتعتع).

    هذا الحديث من باب التنبيه والفائدة إخوتي الكرام: سئل بعض المشايخ عنه في حادثة معينة، وهي أن إنساناً يقرأ في المسجد، ويقرأ قراءة ملحونة، وهذه قدرته وهذا الذي في وسعه، فنهاه بعض الناس وقال: لا يجوز أن تقرأ بهذه الصورة، فقال: كيف ستمنعني من كتاب ربي؟ قال: تعلم ثم اقرأ، أما أن تقرأ القرآن بهذه الصورة، فهذا حرام وأنت آثم، فرفع هذا السؤال لبعض المشايخ، فأجاب جواباً غلطاً خطأً، استدلالاً بهذا الحديث من غير فهم له، فقال: ليس من حق هذا المعترض أن يمنعك من القراءة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران).

    نعوذ بالله من هذا الفهم المعكوس المنكوس! بل المراد يتتعتع فيه بين يدي شيخه وأستاذه ومعلمه عند تعلمه، لا أنه يريد أن يعلم نفسه ويقول: هو الذي أنزل السِّكينة في قلوب المؤمنين، ثم يقول: هذا الذي في وسعي، يا عبد الله لمَ لا تتعلم؟ عندما تريد أن تبني بيت دجاج تتعلم، وعندما تريد أن تبني كوخاً لتسكنه تسأل المهندسين الذين في هذه البلدة وفي غيرها، وتبحث عن أنواع الأسمنت والحديد وأي المواصفات أحسن للبيت الذي ستسكنه، كوخ في هذه الحياة سيزول هو وأنت، طيب! تريد قصوراً في عليين بجوار رب العالمين من غير كلفة ولا تعب، فالاستدلال بهذا الحديث على هذه القضية باطل.

    واستلال آخر أشد نكارة: من يعيب على بعض الناس أنه يجهر في المساجد، ولا يجوز للإنسان أن يجهر بالقراءة في المساجد إذا كان هناك مصلى، أو قارئ، أو ذاكر، أو نائم، إذا كان بمفرده فليجهر، وما عدا هذا لا يجوز؛ لأنه يشوش على هؤلاء، أما ما يفعلونه في الاجتماعات كصلوات الجمعة وغيرها، كل واحد يفتح المصحف ويريد أن يصيح أكثر من الآخر، كأنهم في سوق (حراج)، يا عباد الله: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، وهذا يؤذي هذا، وهذا يشوش على هذا، وفي الغالب أحياناً تجلس بجوار من يقرأ قراءة ملحونة، وأنا أقول عن نفسي مراراً: أضع يدي في أذني، عندما أنتظر صلاة الجمعة من أجل من يؤذيني عن يميني وعن شمالي بهذه القراءة الملحونة، وعندما تنصحه يشير إليك أن اسكت! يا عبد الله هذه القراءة غلط، سمعت من يقرأ: الذين يلمزمون المُطَوعين، أعوذ بالله، ومثل هذا كثير، فكيف هذا سيقرأ؟ فهذا لو قرأ في نفسه لأثم، فعندما يؤذي غيره ازداد الإثم.

    ولقد ثبت في صحيح ابن خزيمة وسنن أبي داود بسند صحيح كالشمس، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه اعتكف في المسجد، واعتكف معه بعض الصحابة فجهروا بالقراءة، فرفع الستر فقال عليه الصلاة والسلام: (كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يجهر بعضكم على بعض في القراءة)، وقد بوب الإمام ابن خزيمة على هذا الحديث فقال: (باب الزجر عن الجهر في القراءة إذا تأذى بعض الحاضرين)، فهي لو كانت قراءة صحيحة لأثم عندما يشوش على الناس، فكيف وهي ملحونة؟ اقرأ في نفسك ولا داعي أن تشوش على غيرك لو كانت القراءة سديدة.

    الشاهد: أنه عيب على بعض الناس هذا، فقيل لبعض المشايخ: يقولون: لا يجوز القراءة عندما يجتمع الناس في المسجد، والبلاء أن أعظم طاغوت في هذا الوقت وفي الزمن الماضي طاغوت العرف والعادة، والبلية تزداد عندما يصير العلماء وراء هذا الطاغوت، وعندما تغيره كأنك غيرت السنة، هذا نعتاد عليه وورثناه كابراً عن كابر، كيف ستعترض علينا به؟ إذاً: سنتمحل لتأويله، قال: هذا الذي يقول هذا على باطل، ما الدليل؟

    يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]، هذا دليل على مشروعية رفع الصوت بالتلاوة، يعني: يجلس الواحد يصيح بالقرآن، هذه هي القوة؟ هذا هو الفهم المعكوس المنكوس، وهذا من التفسير بالرأي كما تقدم معنا، أنه يكون له في الشيء هوى، وله إليه ميل، فينزل الآية عليه وهي لا تدل عليه، فيكون قد فسر القرآن برأيه، كما هو الحال: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]، لا مانع أن تجهر بالقراءة وأن تؤذي الناس، وتشوش عليهم صلاتهم وقراءتهم، عندما يكون يقرأ من حفظه بجوارك، وتقرأ أنت من مصحف ترفع صوتك، متى ما ضيعت عنه محل الآية انتهى، وأحياناً يعيد الإنسان السورة من أولها عدة مرات، كسورة الكهف مثلاً، ويقطعها عليه من هو بجواره، وهذا أذى ولا يجوز، فانتبهوا لهذا إخوتي الكرام، وانصحوا المسلمين، وحذروهم من هذا.

    الشاهد: (قولاً ثقيلاً) على العموم، أي على النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى المؤمنين، وعلى غيرهم، ثقيل في تعلمه، في العمل به، يحتاج إلى جهد وإلى حزم وعزم إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] ثقيل أيضاً.

    المعنى الثاني: في العموم ثقيل في الميزان لمن قرأه وعمل به، فله بكل حرف عشر حسنات، فقوله: سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، أي أجره ثقيل عند الله الجليل، فلك بكل حرف عشر حسنات، إذا كانت كلمة: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، هذه الجملة كلمتان حبيبتان للرحمن، ثقيلتان في الميزان، فالقرآن أفضل وأعظم أجراً من هاتين الكلمتين.

    إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] في حق العموم مهيباً كريماً، يقال للرجل العاقل الرزين، الراجح الرأي، الثاقب النظر: إنه ثقيل، يقول: فلان خفيف وفلان ثقيل، ما يقصد ثقل الوزن وأن هذا وزنه مائة كيلو وذاك سبعون، إنما يقصد أن هذا الثقيل رزين مهيب وقور، ليس بخفيف ولا طائش.

    ولذلك في صحيح مسلم، عندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن آخر الزمان، قال: (يكونون في خفة الطير، وأحلام السباع) خفيف طائش مثل الطائر، من كثرة حركاته، كما ترى الناس في هذا الوقت، تنظر إليه كأنه رقاص من كثرة حركاته، وعندما تبحث عن عقله، تجده عقل سخلة أو فأرة!

    إذاً: ثقيل: ثقيل مهيب كريم، راجح الرأي، ثاقب النظر، متزن سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] كريماً مهيباً، لا يعادله شيء ولا يزنه شيء، هو أثقل من كل كلام، فهذا كلام الرحمن، فالثقيل هو: الثابت الحق، وفي ذلك إشارة إلى إعجاز القرآن، أي: هذا هو الحق الذي لا باطل فيه ولا يمكن أن يعارض، وكل ما عداه كلام من الكلام.

    إذاً: ثقيل في تعلمه والعمل به، ثقيل في الأجر، ثقيل بمعنى المهيب الكريم الراجح، الثقيل بمعنى: الحق الثابت، هذا في حق العموم، ثقيل بالنسبة لكل أحد.

    وقيل: ثقيل بالنسبة للكافرين والمنافقين، فهو ثقيل عليهم كما قال الله في الصلاة: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142]، وقال: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45].

    قاموا كسالى: ثقيل عليهم هذا، فأما المؤمنون فهم وإن ثقل عليهم العمل به من حيث الظاهر، فله في قلوبهم حلاوة، وله في نفوسهم نحوه ابتهاج ولذة وسرور.

    والقول الأول أولى: أن الثقل هنا في حق العموم.

    الشاهد إذاً: عندنا دليلان من القرآن والسنة، إلى أن نبينا عليه الصلاة والسلام وعد بأن ينزل الله عليه شيئاً ثقيلاً، بأن ينزل عليه كتاباً جليلاً، ما هو هذا الكتاب؟

    أشار إليه ربنا في هذه السورة: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2] هذا الكتاب الحق الثابت، الثقيل الراجح، الذي له أجر كبير عند الله، الذي يحتاج إلى كلفة وجهد وعناية في تلقيه والعمل به، هو الذي وعدت به سابقاً، فالإشارة إلى غائب وعد به نبينا صلى الله عليه وسلم، فالكلام على ظاهره، (تلك): إشارة إلى غائب بعيد ليس إلى حاضر قريب، هذا القول الأول.

    1.   

    تبرم الطلاب من دروس العلم الشرعي

    نحن عندنا أربع كلمات، وكان في نيتي أن أنهي الكلام عليها، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2] وما انتهينا من الأولى، ماذا نعمل؟ لا إله إلا الله، فلا أريد أن أطيل أكثر من هذا، يعني أخشى أن يحصل ملل وسآمة، إذا بحدود الساعتين، يعني: وكان بين ذلك قواماً، مع أن عادتي عندي ثرثرة في الكلام، ونسأل الله حسن الختام.

    لكن أرى طلاب المعهد حقيقة أمرهم يندى له الجبين، ولذلك أخشى البقية الباقية أن تشرد، فيكفي شرود من شرد، في سير أعلام النبلاء، هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي، توفي سنة (485ه) عليه رحمه الله، ينطبق على حال المعهد، كان هذا الرجل من شيوخ الحديث، ويسكن في رباط من أربطة الصوفية، فكان إذا جاءه طالب علم ليتلقى عنه علم الحديث، يأخذه إلى الصحراء ويعلمه الحديث، يقول: علامَ؟ في الرباط نجلس في المسجد، يقول له: إن الصوفية يتبرمون من العلم، ولا يتحملون الحديث، ويرون أن ذلك يشوش عليهم وقتهم، إذا جلسنا نتعلم يقولون: شغلتمونا عن الله، دعهم، هم على تعبيرهم قلبي عن ربي، والعبارة الدقيقة: قلبي عن شيطاني، ليس عن ربي، إنما هو زين له سوء عمله فصده عن السبيل فهو غير مهتد.

    وأنا أقول حقيقة: هذا الوصف ينطبق تمام الانطباق (100%) وزيادة فوقه حبة مسك -كما يقولون- على طلبة هذا المعهد، إنهم يتبرمون من العلم، وتضيق صدورهم من حلق الذكر، ويقولون: هذا يضيع وقتنا، فوقتنا إما في دروس نظامية -على تعبيرهم- سيأخذون بها شهادة، ويأكلون بعد ذلك بها عيشاً، ويملئون الكريشا، وإما في لعب الكرة وغير ذلك.

    أليس من العار إخوتي الكرام: طالب علم محاضرات نظامية لا تفوته من أجل وريقة تسمى شهادة.

    سألت مرة بعض إخواننا الذين يصلون معنا في المسجد قلت: أين فلان لا يحضر الجماعة؟ قال: يا شيخ! إنه مريض يشتكي، أنا ظننت أنه حقيقة مريض، يعني: مطروح في الفراش، قلت: إذاً ينبغي أن نزوره يا عبد الله، قال: هو في الوظيفة، وهذا الذي كنت أكلمه ليس له وظيفة، وكان يصلي معنا في القرية، في صلاة الظهر، قلت: كيف في الوظيفة ومريض؟ كيف يذهب إلى العمل ويتحمل ولا يحضر صلاة الجماعة؟ وكان الصحابي إذا كان مريضاً يهادى بين الرجلين حتى يوضع في الصف، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه، فكان لا يشهد العمل لكن يشهد الجماعة، نحن نعكس: يشهد العمل ولا يشهد الجماعة، كيف هذا؟

    فانظروا ماذا أجابني! قال: يا شيخ هناك في فلوس، قلت: والصلاة فيها فلوس، يعني: أنت ستصلي، ستأخذ أجراً، والله لو ملئت الدنيا ذهباً لكان أقل من ذلك الأجر الذي ستحصله على تلك الطاعة، لكن قل إيمان الناس بربهم، هناك فلوس حاضرة في الوظيفة، وأما في الصلاة فلوس غائبة، فلذلك يزهد في الغائب: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16-17].

    وأنا أقول حقيقة: طلبة المعهد يتبرمون بالعلم، وتضيق صدورهم ولا تتسع نفوسهم لحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فأخشى أن يشرد من بقي، فلذلك نقتصر على هذا المقدار، ونسأل الله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شح نفوسنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقائه، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين.