إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. تفسير سورة لقمان
  5. تفسير سورة لقمان - الحروف المقطعة في أوائل السور [5]

تفسير سورة لقمان - الحروف المقطعة في أوائل السور [5]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد ذكر في معاني الحروف المقطعة المثبتة في أوائل بعض السور أقوال ضعيفة، منها: القول بأنها إشارة إلى عمر هذه الأمة وما سيحدث من فتن وملاحم، حتى أراد البعض أن يستخرج من هذه الحروف تحديد أزمنة وقوع الحوادث، وهذا ما لا يساعد عليه مقصود التنزيل، ولا يطابق الواقع.

    1.   

    مجمل أقوال المفسرين في معاني الحروف المقطعة

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، وأنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! كنا نتدارس تفسير الحروف المقطعة من بعض سور القرآن، وقدمت أن هذه الحروف لها معنىً بإجماع علماء الإسلام، الله أمرنا بتدبر القرآن كله، وتحدانا بالإتيان بمثل سورةٍ من سور القرآن، وكلٌ من الأمرين لا يتمان إلا إذا كان جميع ما في القرآن له معنى، لكن هل ذلك المعنى يعلم من جميع الوجوه، أو من وجهٍ دون وجه؟ فهذا الذي اختلف فيه علماء الإسلام كما قلت على قولين:

    القول الأول: أن الحروف المقطعة يعلم معناها من وجهٍ دون وجه، فهي حروفٌ من حروف لغة العرب، أوردها الله جل وعلا في كتابه لحكمةٍ يعلمها ولا نعلمها، ونسبت هذا القول إلى من قال به.

    القول الثاني: أن هذه الأحرف المقطعة يمكن أن نقف على معناها من جميع الوجوه، وأن ندرك الحكمة التي من أجلها ذكرت في أوائل بعض سور القرآن، وقلت: إن الذين قالوا بهذا القول اختلفوا فيما بينهم على أقوالٍ كثيرة زادت على الثلاثين قولاً، وذكرت أنني سأقتصر على عشرة منها وأبين قيمة كل قولٍ إن شاء الله، وقد ذكرت ثمانية أقوال فيما تقدم وتدارسناها، وكنا نتدارس القول التاسع، فأتكلم عليه إن شاء الله بعد أن أشير إلى الأقوال الثمانية المتقدمة على طريق الإيجاز.

    القول الأول: قلنا إنها: إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم، فهو مرتبٌ من هذه الحروف التي يترتب منها الكلام، فإذا كنتم تشكون في أن هذا القرآن من عند الرحمن جل وعلا، فرتبوا قرآناً من هذه الأحرف كما رتبها محمدٌ عليه الصلاة والسلام، فإذا عجزتم وأنتم عاجزون ولا شك، تبين أن هذا القرآن من كلام الرحمن جل وعلا، وليس لأي خلقٍ مهما كان شأنه مدخلٌ في هذا القرآن.

    والقول الثاني: أن هذه الأحرف المقطعة هي أسماء للسور التي ابتدئت وافتتحت بها.

    والقول الثالث: أنها فواتح وبداية أسماءٍ محذوفة، وما ذكر يدل على ما حذف، سواءٌ كانت تلك الأسماء لما يعود على الله جل وعلا، أو ما يعود على غيره، كما بينت هذا مفصلاً.

    والقول الرابع: أن هذه الأحرف هي أسماءٌ لله جل وعلا.

    والقول الخامس: أنها حروفٌ للتنبيه، فذكرت لأجل شد السامعين، وجذب انتباههم لما يكون بعدها من كلام رب العالمين.

    والقول السادس: هي أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة، وفي ذلك إشارة إلى أن منزل هذا القرآن هو الرحمن؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم أمي، ومعرفة هذا الأمر هو من خواص العلماء.

    القول السابع: هي أمارة ودلالة وعلامة لأهل الكتاب على صدق نبينا عليه الصلاة والسلام، فلعل الله جل وعلا ذكر في الكتب السابقة أنه سيرسل خاتم النبيين عليه صلوات الله وسلامه، وسينزل عليه كتاباً يفتتح بعض سوره بحروفٍ مقطعة.

    القول الثامن: وقلت: إن هذه الأقوال السبعة المتقدمة كلها يمكن قبولها، أما القول الثامن والتاسع والعاشر فهي نموذج للأقوال الضعيفة الباطلة المردودة التي قيلت في معنى وفي بيان الحروف المقطعة، فالقول الثامن هو المنقول عن الربيع بن أنس، بأنه ليس حرفٌ منها إلا بداية اسمٍ من أسماء الله جل وعلا، وقلت: ليس في قبول هذا غضاضة، لكن بعد ذلك ما جاء في كلامه مما يدل على أن هذا القول منكرٌ باطلٌ مردود، وليس حرفٌ منها إلا في آلائه وبلائه، وليس حرفٌ منها إلا في مدة أقوامٍ وآجالهم، في ولادة أناسٍ وفناء أناسٍ وموت أناس، وقلت: هذا القول بعد ذلك قال به الحكيم الترمذي، وزاده تسليماً، والقول ازداد بعد ذلك بعداً وضعفاً، وقال ما حاصله: إن جميع أحكام السور التي افتتحت بالأحرف المقطعة موجودةٌ في الحروف المقطعة، ولا يعلم تلك الحكم والأحكام إلا نبيٌ أو ولي، وبينت ما في هذا القول من شططٍ وبعدٍ عن الحقيقة، وهذا القول لا شك أنه باطل، وأنه يفضي بنا إلى متاهات، وما ينسب إلى علي رضي الله عنه من أنه لو شاء أن يوقر وأن يحمل سبعين بعيراً من تفسير سورة الفاتحة، ويستنبط من كل حرفٍ ومن كل كلمةٍ، ومن كل جملةٍ، دلالات خفية باطنة، ما ينقل عن علي رضي الله عنه، فهذا لا يثبت كما قرر أئمتنا الكرام.

    يقول الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى (13/244): وهذا إن صح عن علي -أي وهو لا يصح- فمراده أنه سيذكر باطناً يوافق الظاهر، وأما أن يذكر باطناً يخالف الظاهر ولا يدل الظاهر عليه، فهذا باطلٌ لا يمكن لـعلي رضي الله عنه ولا لغيره أن يقوله، وكنت سألت شيخنا المبارك الشيخ محمد المختار الشنقيطي عليه رحمة الله عن صحة هذا الأثر، وصحة نسبته لعلي رضي الله عنه، فقال: هذا من المبالغات والمجازفات، فلا يثبت الأثر عن علي رضي الله عنه ولا عن غيره، أنه لو شاء أن يوقر أو يحمل سبعين بعيراً من تفسير سورة الفاتحة.

    وهنا جميع أحكام السورة بالأحرف المقطعة، وهذه الأحكام والحكم لا يعلمها إلا نبيٌ أو ولي، وذكرت لهذا نظائر من كلام الصوفية، وقلت: إن هذا القول باطل، ويفضي بنا بعد ذلك إلى متاهات الباطنية وضلالهم.

    1.   

    تابع القول التاسع في معنى الحروف المقطعة أنها إشارة إلى مدة بقاء هذه الأمة

    القول التاسع: قال السهيلي عليه رحمة الله: لعلها تشير إلى مدة أجل وعمر هذه الأمة، ومدة بقائها على حسب حساب الجمّل، وقلت: ورد ما يشير إلى ذلك في حديثٍ ضعيف، وهو ما ذكر عن بعض اليهود: حيي بن أخطب وأبي ياسر بن أخطب، لكن هذا من ضلالهم وسوء سهوهم، وانتكاس بصيرتهم، فلما مر أبو ياسر على النبي عليه الصلاة والسلام وهو يسمع (الم) اعتراه روعٌ، ثم ذهب بعد ذلك إلى حيي بن أخطب وقال له: ما علمت أن الله أعلم نبياً عليه الصلاة والسلام بمدة أجله ومدة بقاء أمته إلا هذا النبي، ثم أخبره بأنه أنزل عليه (الم)، وقلت: إنها تساوي في حساب الجمّل إحدى وسبعون سنة، فالألف بسنة، واللام بثلاثين، والميم بأربعين، فإذاً مدة عمره وبقاء أمته إحدى وسبعون سنة.

    فقال: أنت سمعت هذا منه؟ ثم جاء حيي إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: بلغنا أن الله أنزل عليك شيئاً من القرآن، فاستقرأه فقرأ (الم) ثم قال: هل نزل عليك غيرها؟ فقال: نعم، (المص)، فقال: هذه أعظم وأطول وأثقل، وهي كما قلنا: إحدى وستون ومائة سنة، قال: هل نزل عليك غيرها؟ قال: نعم، (الر)، فقلت: إنها مائتان وإحدى وثلاثون سنة، قال: هل نزل عليك غيرها؟ قال: (المر) مائتان وإحدى وسبعون سنة، ثم قال له: يا محمد! قد أشكل علينا أمرك ولبسنا علينا أمرك، فلن نتبعك!

    قلت: إن هذا الأثر رواه محمد بن إسحاق في كتابه السير، ورواه ابن جرير في تفسيره، ورواه البخاري عليه رحمة الله في التاريخ الكبير، وقلت: إنه ضعيفٌ تالف لأنه من رواية محمد بن السائب الكلبي، وأقل ما قيل فيه: إنه متروك، بل اتهم بالكذب، كما أنه أقرّ على نفسه بالكذب كما قلت، وقال لـسفيان الثوري: كل ما حدثتك به عن أبي صالح عن ابن عباس فهو مكذوب، لم أسمعه من أبي صالح . رضي الله عن أبي صالحٍ وعن ابن عباس وعن المسلمين والمسلمات أجمعين.

    فإذاً: أقر على نفسه بالكذب، ومثل هذا الخبر لا يؤخذ به ولا يعول عليه، وبينت تناقض الإمام ابن جرير عليه رحمة الله نحو هذا القول، أعني القول التاسع، وبعد أن أعرض عنه وقال: في نقلته ورواته من لا يعول عليه، ولا يعتبر من أئمة النقل والرواية، ثم عاد بعد ذلك رحمه الله فاعتمد على هذا الأثر، وذكره على أنه من جملة الأقوال المأخوذة في تفسير الحروف المقطعة.

    وهذا القول نقلت عن الإمام ابن كثير عليه رحمة الله أنه باطل، ومن زعم أن هذه الأحرف المقطعة تدل على معرفة المدد، وما يستخرج منها الآجال، ويعرف أيام الفتن وحوادث الفتن وصفتها، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره.

    إذاً: على القول التاسع أن هذه الأحرف المقطعة هي من حساب الجمّل، وقلت: إن القول بذلك فيه نوعٌ وضربٌ وشعبةٌ من الكَهانة أو الكِهانة -بالفتح أو الكسر- وهي ادعاء علم الغيب، وسأفصل الكلام إن شاء الله في هذه الموعظة على هذا القول إن شاء الله.

    1.   

    الأدلة على بطلان تفسير الحروف المقطعة بأنها إشارة إلى عمر الأمة ونحو ذلك

    تفسير الأحرف المقطعة، وأنها تدل على مدة بقاء هذه الأمة، وأنه يمكن أن يستنبط منها معرفة ما يقع في المستقبل من آجالٍ وفتن وملاحم، هذا منكرٌ باطل، لعدة أمورٍ معتبرة أبرزها أمران:

    جعل الحروف المقطعة دلالة على عمر الأمة يحملها ما لا تحتمل

    الأمر الأول: في ذلك تحميل للكلام ما لا يحتمل (الم)، (الر) (ن) (ق)، وما شاكل هذا من الأحرف التي ذكرت في مطلع وبداية بعض سور القرآن الكريم، أن يقول: إنها تدل على مدة بقاء هذه الأمة، ونستنبط منها الحوادث والملاحم التي ستقع، هذا تحميل للكلام، وهو لا يحتمل ذلك، (الم) لا تحتمل هذه المعاني، و(ق) لا تحتمل هذه المعاني، وهذا صدع إذاً في القول، وخروجٌ عن الطريق المستقيم.

    تفسير الحروف المقطعة بالدلالة على عمر الأمة يحتاج إلى توقيف

    الأمر الثاني: لو كانت هذه الأحرف تدل على حساب الجمّل على حسب اصطلاح أبي جاد كما تقدم معنا ذلك، فتنزيل تلك المدد على مدة بقاء هذه الأمة، واستنباط الحوادث والفتن والملاحم في المستقبل بتلك الأحرف، هذا يحتاج إلى توقيف عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن حادثة كذا تدل عليها الحروف المقطعة من أواخر سورة مريم مثلاً، فاجمعوا حسابها، فإذا وصلت تلك السنة التي تشير إليها أحرف هذه السورة على حسب حروف الجمل ستقع.

    وأما أن يتخرص إنسانٌ هذا المعنى لتلك الأحرف ويحسبها، ثم يستنبط منها بعد ذلك ما سيقع في المستقبل، وأن هذه الأمة مدة أجلها كذا وكذا، هذا لو ثبت أن تلك الأحرف تدل على حساب الجمّل فلا يمكن استنباط شيءٌ منها مخصص، ولا تنزيلها على حادثةٍ من الحوادث التي ستقع في المستقبل إلا بواسطة نبيٍ معصوم لا ينطق عن الهوى، وأما الجري وراء التشهي فهذا لا يصح.

    ولذلك من زعم أنه يستنبط من هذه الأحرف شيئاً من أمور الغيب، فقد دخل في نوعٍ من أنواع الكهانة؛ لأن الكهانة هي ادعاء الإنسان معرفة علم الغيب بسببٍ من الأسباب، وعندما يأتي لهذه الحروف المقطعة ويقول: هذه تدل على واقعة كذا في المستقبل، وسيقع كذا في المستقبل، وهذه الأمة ستنقرض بعد فترةٍ محددة يحددها بواسطة هذه الأحرف المقطعة، فقد ادعى غيباً، وهذا نوعٌ من الكهانة، والقول في ذلك كبيرٌ عظيمٌ إذا استحله الإنسان يخرج به من دائرة الإيمان.

    وقد حذرنا نبينا عليه الصلاة والسلام من الكهانة وادعاء علم الغيب، والرجم بالغيب وادعائه واتباعه، ففي مستدرك الحاكم بسندٍ صحيح على شرط الشيخين أقره عليه الذهبي، والحديث رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد) عليه صلوات الله وسلامه.

    (من أتى كاهناً أو عرافاً)، العراف: هو الذي يدعي معرفة أمور الغيب وهكذا الكاهن، (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل الله على محمدٍ) عليه صلوات الله وسلامه، ومن استنبط من الأحرف المقطعة شيئاً من أمور الغيب، وصدق بهذا القول، فهذا القول فظيع عظيم كما قلت، يخرج الإنسان من دائرة الإيمان.

    وثبت في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، سماها الحميدي أنها حفصة كما في جامع الأصول (4/165)، قال الحميدي: روى أبو مسعود الدمشقي هذا الحديث في مسندها.

    قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وذكر بعض الرواة: أن المراد من بعض أمهات المؤمنين في هذه الرواية حفصة ، والعلم عند الله.

    عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً، لم تقبل له صلاةٌ أربعين ليلة)، وفي الأثر الأول: (فقد كفر بما أنزل الله على محمد) عليه صلوات الله وسلامه.

    وورد معنى الأثر الأول بأنه يكفر بما أنزل الله على محمدٍ على الصلاة والسلام من رواية جابر وعمران بن حصين، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وروي عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه موقوفاً بسندٍ صحيح، ورود معنى الأثر الثاني: (أن من أتى عرافاً أو كاهناً لا تقبل له صلاة مدة أربعين يوماً) من رواية عمر وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين، فانظروا تلك الروايات ودرجتها في مجمع الزوائد (5/113)، في باب السحر والكهانة، وفي الباب الذي بعده فيمن أتى كاهناً أو عرافاً، قال الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله (10/217): وإنما اختلف الوعيد إلى قسمين: (لم تقبل له صلاةٌ أربعين ليلة)، (فقد كفر بما أنزل الله على محمد) عليه صلوات الله وسلامه؛ لاختلاف حال من يأتي الكهان والعرافين، فإذا ذهب إليهم وصدقهم فقد كفر بما أنزل الله على محمدٍ عليه الصلاة والسلام، وإذا ذهب إليهم لمجرد سؤالٍ واستخبارٍ دون تصديقهم، لا يقبل الله له صلاةً أربعين ليلة.

    واختلف حال الذين يذهبون إلى الكهان ما بين مصدقٍ وما بين ذاهب، فمن ذهب وصدق كفر، ومن ذهب ولم يصدق لا يقبل الله له صلاةً أربعين ليلة، زجراً له عن الذهاب إلى ذلك المشعوذ الضال المخرف المهووس.

    وقد جاء في رواية: (من أتى كاهناً أو عرافاً وهو غير مصدقٍ لا يقبل الله له صلاةً أربعين ليلة، فإن صدقه فقد كفر بما أنزل الله على محمدٍ عليه الصلاة والسلام).

    وعليه فادعاء أمور الغيب، ومعرفة الحوادث والملاحم التي ستقع في المستقبل من الأحرف المقطعة، هذا نوعٌ من الكهانة، وهذا نوعٌ من ادعاء الإنسان علم الغيب، وهذا باطلٌ لا يجوز للإنسان أن يقول به، ولا أن يصدق من قاله.

    وقد وصل الهوس ببعض الناس أن حدد -كما قلت في الموعظة السابقة- وقت قيام الساعة، مستنبطاً ذلك من قول الله جل وعلا: لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف:187]، وقال: إنها تقوم في سنة (1407هـ) على حسب حروف الجمّل فينبغي أن تكون الساعة قد قامت من سنين، ولا زلنا لم ندرك ذلك!!

    وعلى القول الثاني: لما رأوا أنها لم تقم في هذا الوقت، قالوا: الهاء هنا هو في الضبط تاء ثانية، فتصبح سنة (1802هـ)، فإذاً باقي لها ما يقارب أربعمائة سنة تقريباً، وأيضاً هذا قولٌ باطل، وقد وجد في القرن التاسع للهجرة من جزم وألف في ذلك رسالة، بأنه لا يمر القرن العاشر إلا وقد قامت الساعة، والكتاب نشر سنة (898هـ)، قبل وفاة السيوطي عليه رحمة الله بثلاثة عشرة سنة، لأنه توفي سنة (911هـ).

    وألف السيوطي كتاباً في الرد عليه، سمى الكتاب: الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف، لكنه رد على ذلك الهوى والخرافات بشيءٍ وقع فيه بمثل ما رد به ذلك الكتاب، بشيءٍ من الهوس والخرافات، فجزم السيوطي في هذا الكتاب عن مجاوزة الأمة الألف، والكتاب مطبوع ضمن الحاوي للفتاوى (2/30)، جزم السيوطي في هذا الكتاب بأن هذه الأمة لا تزيد مدتها على ألف، لكن لم تجاوزه المائة سنةٍ بعدها مهما طال، بل وخمسمائة، وجزم في كتابه: بأنه إذا خرج الدجال بناءً على آثارٍ مستنبطة من هذا، ينزل عيسى بن مريم على نبينا عليه صلوات الله وسلامه فيمكث أربعين، يقول: وما بين المدتين أربعون، ثم بعد ذلك يمكث الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مائةٌ وعشرين سنة، فهي ستقع إذاً بعد الألف ودون ألف وخمسمائة، إذاً: خروج الدجال ينبغي أن يخرج قطعاً على حسب كلام السيوطي على أقصى حد إلى سنة ألف ومائتين، ولا بد، وقد جاء ذلك التاريخ ومضى ما بعده ولم يخرج الدجال ولم ينزل عيسى بن مريم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    وهو يقول: يستحيل أن يخرج أيضاً، ولا يمكن أن يخرج الدجال وينزل عيسى إلا في بداية القرن، وعليه فقد دخلنا الآن نحن في القرن الخامس، وفي هذا لا يمكن، لابد أن يأتي القرن السادس -بداية ألف وخمسمائة وكذا- حتى يخرج، وعلى حسب حسابه ينبغي أن تعيش الأمة بعد ذلك مائتي سنة، هذا كله هوس يطال العقل البشري في غير مجاله، عندما يتكلم الإنسان في علم الغيب يهلوس هذا الهوس.

    ولما كنت في أبها فاجأني بعض الإخوة، وهو مذعور، وهو ممن يدرسون في أمريكا، يقول: يا شيخ قرأت هذه الرسالة: الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف، وأنا أتوقع أن تقوم الساعة إذاً، يعني إما هذا اليوم وإما غداً؛ لأنه لا يمكن أن تنتهي ألف وخمسمائة سنة إلا وقد قامت الساعة.

    قلت: وما الذي يدريك أن هذه الأمة سيمد الله في حياتها بأكثر مما مضى من عمرها؟

    قال: هذا موجود في رسالة السيوطي .

    قلت: هذا لا يعلمه السيوطي، ولا يعلمه ملكٌ مرسل، ولا نبيٌ مقرب، على أنبياء الله ورسله من البشر والملائكة صلوات الله وسلامه، هذا لا يعلمه أحد، لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف:187]، (وما المسؤول منها بأعلم من السائل)، وقال الله جل وعلا في كتابه في سورة الجن، آمراً النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:25-27].

    ولذلك قال الإمام ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية من سورة الجن: ما روي من أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكث في قبره أكثر من ألف سنة حتى تقوم الساعة، كل هذا من الخرافات، ولم يثبت ذلك في شيء من كتب الحديث.

    إذاً: الادعاء بأن هذه الأحرف المقطعة تدل على معرفة ما سيقع في المستقبل، وعلى تحديد مدة بقاء هذه الأمة، هذا نوع من ادعاء علم الغيب، وهذا نوع من الكهانة، فلا يجوز قبول هذا القول ولا تصديق من قال به بشكل من الأشكال.

    قال الإمام السيوطي عليه رحمة الله في الإتقان، بعد أن نقل كلام السهيلي المتقدم، بأن هذه الأحرف المقطعة لعلها إشارة إلى ما سيقع في المستقبل وإلى مدة بقاء هذه الأمة، قال في الإتقان (3/30): قال الحافظ ابن حجر : هذا باطل، أي: القول بأن معنى هذه الحروف المقطّعة ما تشير إليه من حساب الجمّل إلى مدة بقاء هذه الأمة، هذا باطل لا يعتمد عليه.

    1.   

    كلام العلماء في الاعتماد على حساب الجمل

    وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما الزجر عن تعلم أبي جاد، وأن ذلك نوع من السحر، وأبو جاد كما تقدم معنا حروف (أبجد هوز)، وما فيها من دلالات على حسب حساب الجمّل.

    قال الحافظ السيوطي: وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل له في الشريعة، أي: كلام الحافظ ابن حجر ليس ببعيد، وأن الزعم بأن تلك الأحرف تدل على مدة بقاء هذه الأمة ومعرفة الحوادث في المستقبل على حسب حروف أبي جاد، زعم باطل، والقول بأن هذا باطل ليس ببعيد، ولا أصل لذلك في الشريعة.

    ولذلك قال الإمام أبو بكر بن العربي عليه رحمه الله في فوائد رحلته: ومن الباطل علم الحروف المقطعة، واستنباط ما تدل عليه من حوادث في المستقبل، هذا باطل لا تدل الحروف المقطعة على هذا بحال.

    وقد روى الإمام الهيثمي وذكر في مجمع الزوائد (5/116) في باب ما جاء في النجوم والحروف، حديثاً مرفوعاً عن نبينا عليه الصلاة والسلام، في التحذير من تعلم أبي جاد، واستنباط الحوادث في المستقبل من تلك الأحرف، لكن الحديث شديد الضعف، الحديث رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رُبّ معلمٍ أبي جاد دارس النجوم، ليس له يوم القيامة عند الله خلاق)، قال الحافظ الهيثمي: فيه خالد بن يزيد العمري وهو كذاب.

    لكن كما قلت: ثبت هذا عن ابن عباس كما قال الحافظ ابن حجر، وهذا نوع من الكهانة وإن لم يثبت هذا الحديث، فادعاء معرفة أمور الغيب، ومدة بقاء هذه الأمة، ومعرفة الحوادث في المستقبل من الحروف المقطعة في أوائل سور القرآن، نوع من الكهانة، ونوع من السحر، وهذا محرم لا يجوز للإنسان أن يتعاطاه ولا أن يقول به.

    دخول الاعتماد على حساب الجمل في شرك الخاصة

    وقد ذكر أئمتنا عليهم رحمة الله: أن الشرك ينقسم إلى قسمين:

    شرك الخاصة: وهو النظر في النجوم، واستنباط ما سيقع في المستقبل من الحروف المقطعة من حساب الجُمّل، وتحديد ما يقع في المستقبل من أمور الغيب، وهو الذي كان يقع فيه الفلاسفة، والكهان، ويقع فيه العرافون، وأرباب النظر، ويقولون: هذه النجوم لها سعود ولها نحوس.

    وشرك العامة: وهو العكوف على القبور وعبادتها.

    وعليه فاستنباط أمور الغيب من هذه الأحرف المقطعة، والزعم بأنها تدل على حوادث في المستقبل، هذا من الشرك الذي كان يقع فيه خواص المشركين في هذه الأمة من فلاسفة، ومن أهل نظر، بواسطة النظر في النجوم، أو بواسطة ما يستنبط من هذه الحروف المقطعة على حسب حروف الجُمّل.

    قال الإمام ابن القيم عليه رحمه الله في كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولايتي العلم والإرادة (2/97): وقد يجتمع النوعان في كثير من بني الإنسان، شرك الخاصة وشرك العامة، فيعول على هوسه ونظره وعلى السعد والنحوس بواسطة النظر إلى الكواكب، واستنباط حوادث في المستقبل ستقع بواسطة حساب الجُمّل، ويعكف على القبور ويسغيث بها، فيكون قبورياً نجومياً، وقع في الشرك الذي وقع فيه العامة، والشرك الذي وقع فيه الخاصة، ومما وضعه الخاصة من أحاديث تدل على شركهم وهي أحاديث موضوعة: (إذا أعيتكم الأمور، فعليكم بأهل القبور)، والحديث موضوع باتفاق أهل العلم.

    كما قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (1/356)، وتعرض للحديث في (11/293)، ومما وضعوا في هذا المقام: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه)، أي: ما دام هو يحسن الظن، يتمسح بقبر أو يطوف بصنم فإن ذلك سينفعه، وهذا كلام باطل مفترى، كلام الزنادقة والملحدين، كما قرر ذلك أيضاً الإمام ابن تيمية عليه رحمه الله في مجموع الفتاوى (24/335).

    وأذكر أنني لما كنت في مصر، وتعسرت معي بعض الأمور، جاءني بعض طلبة العلم زائراً وقال: أنا أرشدك إلى أمر، إذا قلته يفرج الله عنك ويقضي حاجتك، قلت: وما هو؟ قال: تذهب إلى قبر الحسين، فتطوف هناك أقل شيء سبعة أشواط، وإذا توسطت واحداً وعشرين شوطاً، وإذا أكملت فطف تسعة وأربعين شوطاً، ثم تقول وأنت تطوف:

    من أمكم في حاجة فيكم جبر ومن تكونوا ناصريه ينتصر

    قلت: أما تستحي أيها الإنسان، وأنت تدعي طلب العلم؟ فاعتراه الغضب والغيظ والسخط، وقال: أنت تنكر كرامات الأولياء، قلت: ما دخل الشرك في كرامات الأولياء، أما تستحي من الله! هب أنه يوجد في ذلك المكان الحسين، أو أنه يوجد نبينا عليه الصلاة والسلام، هل يجوز أن أطوف بقبره؟ وأن أقول هذا الشرك وهذا الكفر البواح؟

    من أمكم في حاجة فيكم جبر ومن تكونوا ناصريه ينتصر

    ثم أكمل الأشواط تسعة وأربعين شوطاً، لا أكملها حتى تنتهي حاجتي، أما تستحي من الله؟ هل قال الله: ارجعوا والجئوا إلى القبور والموتى، أم قال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62]؟ ألجأ إليه فإذا علم صلاحاً لي فيما تعسر عليّ، لعله يذلّله ويسره سبحانه وتعالى، وبيده مقاليد الأمور، وهو على كل شيء قدير، وإذا كان يعلم أن في تيسير ذلك العسير تلفاً لي في دنياي وآخرتي يصرفه عني، وقد اختار لي ربي جلّ وعلا: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ [القصص:68]، أما أنني أقع في الشرك، أما تستحي من الله؟!

    فإذاً: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور)، (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه)، فهذا شرك العامة.

    وشرك الخاصة: التعويل على النظر في النجوم واستنباط السعود والنحوس منها، الخيرات والشرور، وهكذا استنباط ما يقع من حوادث في المستقبل عن طريق حساب الجُمّل، كل هذا نوع من الكهانة، وشعبة من الشرك، وادعاء الإنسان علم الغيب، الذي ما جعل الله للعباد وسيلة إليه.

    إخوتي الكرام! هذه الأحرف لا تدل إذاً على مدة بقاء هذه الأمة، ولا تدل على حوادث ستقع يمكن أن تستنبط تلك الحوادث من هذه الأحرف على طريقة حساب الجُمّل، ومن عوّل على شيء من ذلك فهو مخرف كاهن موسوس مشعوذ ضال، لا يجوز أن نأخذ بقوله، ولا أن نعتبر قوله.

    ولذلك لما اجتمع أبو الحسين النوري مع مانيا المنجم، قال أبو الحسين النوري عليه رحمة الله، وهو من العلماء الصالحين ترجمه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (14/70)، توفي سنة (295هـ)، قال: شيخ الطائفة في بلاد العراق، له عبارات دقيقة يتعلق بها من انحرف من الصوفية، وكان يقول: مَن ادعى حالة مع الله جلّ وعلا، وتلك الحالة منكرة في الشرع، فاحذر منه وابتعد عنه.

    قال أبو الحسين النوري لـمانيا المنجم الذي يستنبط السعود والنحوس، والخير والشرور، وما يقع في المستقبل من النجوم، ومن الحروف المقطعة فيما سيكون في المستقبل من حوادث، قال له: أنت تخاف زحل، وأنا أخاف رب زحل، أنت ترجو المشتري، وأنا أرجو رب المشتري، -كواكب في السماء- وأنت تأخذ بالإشارة، وأنا أُعوِّل على الاستخارة، فكم ما بيننا؟!

    وكل من كان يعول على معرفة السعود والنحوس، وعلى ما سيقع في المستقبل، بواسطة النظر في الأفلاك السماوية، أو بواسطة استخلاص هذا من الحروف المقطعة على حسب حروف الجُمّل، فهو مفتر مهووس.

    رد الإمام ابن القيم على من يعتمدون حساب الجمل

    وقد رد الإمام ابن القيم عليه رحمة الله قولهم في كتابه مفتاح دار السعادة في (2/135)، فقال: الوجه الثامن عشر في بيان الرد على الذين يستنبطون السعود والنحوس، والخيرات والشرور، ويحددون ما يقع في المستقبل بواسطة حروف أبي جاد، وبواسطة الأبراج والكواكب، يقول:

    الوجه الثامن عشر: ثبوت كذبهم، هذا يدل على أن هذا العلم لا حقيقة له ولا صحة له، ثم ذكر حوادث كثيرة زادت على العشر، في أنهم حددوا أوقاتاً معينة لوقوع حوادث معينة، ثم جاءت تلك الأوقات وما وقع فيها تلك الحوادث، فقال: في سنة (223هـ)، اتفق المنجمون على أن المعتصم إذا خرج لفتح عامّورية سيبوء بالفشل، وسيخذل وسينكسر، وسيكون النصر للروم، فما بالى المعتصم بهذا، وذهب وفتح الله على يديه عمورية، فقال أبو تمام الشاعر المشهور بعد الموقعة:

    السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

    والعلم في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب

    أين الرواية أم أين النجوم وما صاغوه من زخرف منها ومن كذب

    إلى سبعين بيتاً، أجازه الخليفة المعتصم على كل بيت بألف درهم.

    وحادثة أخرى من الحوادث التي ذكرها يقول: أجمع المنجمون الذين يعولون على معرفة السعود والنحوس بواسطة النظر في الأبراج والكواكب، وبواسطة النظر في حروف الجمّل وما سيقع في المستقبل، أجمعوا على أنه سيكون في سنة (582هـ) ريح شديدة، لا ينجو منها إلا من كان في مغارة، وستزيد قوة هذه الريح في العالم على الريح التي أرسلها الله على قوم عاد، وستستمر ثلاثة أيام، وكل من لم يكن في مغارة سيهلك ويموت، يقول: وقد أجمعوا على هذا، واعترى الناس ذعر ورعب، وإنما أجمعوا على هذا قالوا: لأن الكواكب في هذا التاريخ ستكون في برج الميزان، وهو برج هوائي، إذا اجتمعت الكواكب فيه سيكون في العالم رياح شديدة كما حصل في عهد عاد.

    قال المنجمون: والطوفان الذي حصل على عهد نبي الله نوح، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، اجتمعت الكواكب في برج الحوت، فصار إذاً طوفان في العالم، وإذا اجتمعت في برج الميزان سيكون هناك هواء يهلك الناس كما أغرقهم الطوفان.

    يقول الإمام ابن القيم: فارتاع الناس في ذلك الوقت، وعملوا لأنفسهم مغارات، وافترى الأفاكون بعد ذلك خرافات كثيرة، ونسبوها إلى علي رضي الله عنه، وأنه قال: ما ينقله المنجمون عني بأنه سيقع سنة (582هـ) ريح شديدة تدمر الناس إلا من كان في مغارة، فهو صحيح فصدقوه.

    يقول: اعترى ذعر ورعب، فلما جاء ذلك التاريخ خفت الرياح والهواء، بحيث صعب على الناس التنفس من قلة الهواء الموجود في العالم، فصار الإنسان يتنفس بكلفة من أجل أن يحصل الهواء والأكسجين من أجل أن يعيش، وما حصل شيء مما قالوه من أنه سيقع دمار للعالم بواسطة الرياح الشديدة التي زادت على الرياح التي أرسلها الله على قوم نبي الله هود، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً: مما يدل على كذبهم، وعلى أن هذا العلم لا صحة له، ثبوت خلاف ما يقولون، وأن ما حددوه لم يقع في أوقات مختلفة.

    وعليه: فالقول بأن هذه الأحرف المقطعة تدل على حوادث في المستقبل، هذا نوع من الكهانة، نوع من ادعاء علم الغيب، وهذا محرم لا يجوز للإنسان أن يقول به.

    1.   

    الجواب عن إشكالين يتعلقان باستنباط علم المستقبل

    عندنا إشكالان يتعلقان بهذا المبحث:

    الإشكال الأول حديث معاوية بن الحكم: (كان نبي من الأنبياء يخط ..) وبيان معناه

    الإشكال الأول: حديث ثبت في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي ومسند الإمام أحمد ، وقد يفهم منه بعض من لا وعي له أنه يدل على استنباط حوادث مستقبلة، ستقع بواسطة حروف الجُمّل، أو بواسطة علم الرمل، أو ما يتعلق بهذه الأمور، والحديث رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ورقم الحديث (33)، (1/382)، وكرره الإمام مسلم في كتاب السلام، في باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، ورقم الحديث هناك (121).

    ولفظ الحديث: عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (بين أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه! -أي: ثكلتني أمي وفقدتني- ما شأنكم تنظرون إليّ؟)، وهو يصلي وحديث عهد بإسلام رضي الله عنه وأرضاه، (فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت)، أي: سكت من أجل أنهم يشيرون إليه بأن يسكت، (فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، فقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إني حديث عهدٍ بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالاً يأتون الكهان، قال: فلا تأتهم، قال: ومنا رجال يتطيرون -يتشاءمون ببعض ما يرونه، فيدفعهم ذلك إلى الإحجام عما يريدون فعله- فقال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم -قال ابن الصباح في روايته: فلا يصدنكم -قال: قلت: ومنا رجال يخطون؟) والخط: هو علم الرمل، أن يخط في الرمل خطوطاً.

    يقول العلماء: كيفية علم الرمل أن يخط خطوطًا متتابعة بسرعة، ثم يمحو خطين خطين، فإن بقي بعد ذلك خط واحد، فهذا علامة النجح والفوز والسعادة والتيمن، وإن بقي خطان فهذا علامة الفشل والخيبة والخسران، هذا علم الرمل.

    قوله: قلت: ومنا رجال يخطون؟ هذا محل الشاهد الذي قد يفهم بعض الناس منه خلاف المراد، قال صلى الله عليه وسلم: (كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك، قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية، -مكانان في المدينة المنورة- فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك عليّ، قلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيت بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).

    الشاهد إخوتي الكرام! (ومنا رجال يخطون)، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك)، وهذا النبي هو إدريس على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، كان يستدل على معرفة حسن الأمر أو سوئه، وعلى معرفة مآل الأمر أنه سيكون خيراً أو شراً بواسطة الخطوط في الرمل، ثم يمحو بعض الخطوط، فما بقي بعد ذلك يستنبط منها ما سيكون في المستقبل، لكن لا يخفى على أحد من المسلمين أن النبي معصوم، وأنه يسدد ويوفق من قبل الوحي الذي ينزل عليه، فالله جلّ وعلا جعل لنبيه إدريس على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، تلك العلامة معجزة له، فكان يخط في الرمل ثم بعد ذلك يمسح الخطوط، فما بقي يستنبط منه ما سيقع في المستقبل، عن طريق إعلام الله له، كما أعلم نبينا عليه الصلاة والسلام والأنبياء الآخرين بكثير من أمور الغيب التي تقع في المستقبل، لكن لا عن طريق الرمل، ولا عن طريق الخطوط في الأرض.

    لكن إدريس على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، علمه الله ما سيقع في المستقبل بواسطة الخطوط التي يخطها في الأرض، فمن وافق خطه فذاك، وهل يمكن لإنسان أن يوافق خط إدريس؟! لا يمكن قطعاً، فذاك معصوم، وعلمه -كما قلنا- ربنا عن طريق الوحي، ونحن ليس لنا ذلك.

    ولذلك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن علم الخط والرمل حرام، خشية أن يفهم أن نبي الله إدريس على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه كان يفعله حراماً، فنهانا عنه بهذا الأسلوب، فقال: من وافق خطه فذاك، أي: فهو صحيح معتبر، لكن من لم يوافق خطُّه خطَّ إدريس، فإذاً: هو كاهن عراف مشعوذ دجال، وليس عندنا بينة بأننا سنوافق خطه، وبالتالي لا يحل لنا ذلك، فذاك كان يحل له لأن الله علمه من لدنه ذلك العلم، وأما نحن فلم يعلمنا ذلك ربنا، ولا أذن لنا فيه نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز لنا أن نعول عليه.

    والحديث رواه الإمام أحمد في المسند (2/294)، قال الإمام الهيثمي في المجمع (5/116): بإسناد صحيح، لكن من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث المتقدم من رواية معاوية بن الحكم السلمي، ولفظ حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن وافق عِلمه عَلِمَهُ، ذاك نبي كان يخط)، فمن وافق علمه، أي: علم ذلك النبي، وعَلِمه: علم تلك الخطوط وعلى أي شيء تدل، لكن من أين لنا تلك الموافقة؟!

    فإذاً: قلنا: هذا الحديث يدل على النهي عن استنباط شيء من أمور المستقبل بعلامة من العلامات؛ لأن ذلك كله ظن وتخمين، لا يستند إلى يقين، فهو نوع من الكهانة.

    فإذاً: هذا الحديث لا ينبغي أن يستدل به إنسان على جواز معرفة أمور الغيب ببعض العلامات، كحروف الجُمّل، أو علم الرمل، أو النجوم، وما يستنبط منها من سعود ونحوس وغير ذلك.

    الإشكال الثاني ما ورد من التبشير لصلاح الدين بفتح بيت المقدس في تاريخ محدد

    الإشكال الثاني: ورد في ترجمة قاضي دمشق، وهو العبد الصالح المنتجب أبو المعالي محمد بن القاضي يحيى وهو المعروف بـابن الزكي ويقال له: ابن الصائغ، وكل من ترجمه أثنى عليه، وذكر بأنه كان من الصالحين، وانظروا ترجمته في سير أعلام النبلاء (20/137)، يخاطب صلاح الدين الأيوبي عليهم جميعاً رحمه الله، بعد أن فتح حلب، واستولى على قلعة الشهباء، وطرد الفرنج منها، يقول له وكان فتح حلب في صفر، يقول له:

    وفتحك القلعة الشهباء في صفر مبشر بفتوح القدس في رجب

    فقيل لهذا القاضي الصالح محمد بن القاضي يحيى : من أين أخذت هذا؟ لأن فتح بيت المقدس سيكون في رجب، فقال: سيكون في رجب في سنة (582هـ)، أخذته من تفسير عبد السلام بن عبد الرحمن أبي الحكم بن برجان، ذكر هذا في تفسير سورة الروم، وذكر أن فتح المقدس سيقع في هذا التاريخ (582هـ) في رجب، فإذاً أنا أخذت هذا من ذلك التفسير.

    يقول الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: قال أبو شامة في كتاب الروضتين، تكلم شيخنا أبو الحسن السخاوي عليه رحمه الله، على ما نقل عن أبي الحكم بن برجان، بأنه سيقع فتح بيت المقدس سنة (582هـ) في رجب، عند تفسير سورة الروم الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:1-4]، ثم قال أبو الحسن السخاوي عليه رحمة الله: وما نقل عن أبي الحكم بن برجان فهو نجابة وافقت إصابة، إن صح أنه قال ذلك الكلام قبل فتح بيت المقدس!

    قال الإمام ابن كثير: قلت: إن أبا الحكم بن برجان قد قال ذلك في كتابه قبل فتح بيت المقدس، وذكره ابن الزكي مخاطباً لـصلاح الدين الأيوبي قبل فتح بيت المقدس، فقيل ذلك الكلام سنة (522هـ)، أي: قبل فتح بيت المقدس بستين سنة، والإمام أبو الحكم بن برجان وفاته كانت سنة (536هـ)، فتوفي قبل فتح بيت المقدس بفترة طويلة، كما ذكر ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء (20/72)، ونعته بأنه كان من العلماء الصالحين، عبد السلام بن عبد الرحمن بن برجان أبو الحكم، وله تفسير للقرآن لم يكمله، وله شرح أسماء الله الحسنى.

    والقصة أشار إليها أبو حيان في البحر المحيط (7/172) عند تفسير آيات سورة الروم، فقال: وكان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يحكي عن أبي الحكم بن برجان، وكلّ من هؤلاء المشايخ أبو حيان وشيخه أبو جعفر بن الزبير وأبو الحكم بن برجان من بلاد الأندلس، يحكي عن أبي الحكم بن برجان أنه سيتم فتح بيت المقدس سنة (582هـ) في رجب، وكما قلت: إنه توفي قبل ذلك بكثير، وهذا الأمر نقله الإمام الألوسي في روح المعاني، عليهم جميعاً رحمه الله.

    إذاً: هذا الأمر الذي استنبطه أبو الحكم بن برجان في تفسيره، وأنه سيقع فتح بيت المقدس سنة (582هـ)، وقد جهز صلاح الدين الأيوبي جيشاً لبيت المقدس، وحاصرها في (15) رجب، وفتحها في نهاية رجب، لكن أول جمعة أقيمت فيها في (4 شعبان سنة 582هـ)، لكن المحاصرة والفتح كان في شهر رجب، فقد يقال: هذا إشكال، وهذا الآن شيء من علم الغيب استنبطه هذا الإنسان.

    الإمام السخاوي فيما نقله عنه أبو شامة، قال: لم يأخذ هذا من الحروف المقطعة، وليس هذا من باب الكرامة، إنما هو نجابة وافقت إصابة، والذي يبدو لي والعلم عند الله جلّ وعلا أن هذا لم يؤخذ من الأحرف المقطّعة، وهذا محل اتفاق كما قلت، ولا يجوز أن نزعم بأن هذه الأحرف المقطّعة تدل على حوادث في المستقبل، وهذا رجم بالغيب، وادعاء علم الغيب نوع من الكهانة وهذا حرام، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف علم أبو الحكم بن برجان هذا الأمر قبل وقوعه؟

    أقول: لعل ذلك من باب الكرامة، والله جلّ وعلا يطلع الصالحين على بعض المغيبات، وليس في ذلك أي إشكال، فشتان بين أن يدعي الإنسان أنه يعلم شيئاً من المغيبات عن طريق سبب من الأسباب التي يبذلها، أو عن طريق حيلٍ، أو عن طريق جدٍ واجتهاد، وبين أن يقول: ألهمني الله هذا الأمر وأنه سيقع بعد سنة كذا، من أين لك؟ يقول: ألقي في روعي، وهجم على قلبي، وهذه فراسة إيمانية، وهل هذا يقع؟ نعم يقع؛ لأن أمور الكمال كما قال أئمتنا في كتب التوحيد، مردها إلى ثلاثة أمور، لا توجد مجتمعة، بل واحد منها لا يكون على وجه التمام والكمال إلاّ في العزيز الغفور، وأمور الكمال هي: العلم، والقدرة، والغنى.

    علم: فيعلم ما يجهله غيره، قدرة: يقدر على ما يعجز عنه غيره، غنى: يستغني عما يحتاج إليه غيره.

    وهذه الأمور الثلاثة كما قلت لا توجد مجتمعة، بل لا يوجد واحد منها على وجه التمام إلاّ في رب العالمين سبحانه وتعالى، ثم يعطي الله شيئاً منها لعباده حسبما يشاء، فهو الفعّال لما يريد سبحانه وتعالى.

    وقد أمر الله آخر الأنبياء نبينا محمداً عليه صلوات الله وسلامه أن ينفي عن نفسه ادّعاء هذه الأمور الثلاثة، فقال جلّ وعلا آمراً له أن يقول في سورة الأنعام: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ [الأنعام:50]، أستغني عما تحتاجون إليه: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام:50] أقدر على ما لا تقدرون عليه، ولا أعلم ما يخفى عليكم من المغيبات التي ستقع، هذه أمور الكمال: خزائن الله، إني ملك، أعلم الغيب، فلا أستغني عما تحتاجون إليه، ولا أعلم المغيبات، ولست بملك أقدر على ما لا تقدرون عليه، أنا بشر مثلكم، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام:50].

    وقد أمر الله نبيه نوحاً على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وهو أول رسول إلى أهل الأرض بعد أبينا آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وكان بينهما عشرة قرون كلهم على التوحيد، أمره أن ينفي هذه الأمور الثلاثة أيضاً عن نفسه، فقال جلّ وعلا في سورة هود مخبراً عما قاله هذا العبد الصالح نوح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ [هود:31].

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.