إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. تفسير سورة لقمان - الحروف المقطعة في أوائل السور [4]

تفسير سورة لقمان - الحروف المقطعة في أوائل السور [4]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد رويت أقوال كثيرة في معاني الحروف المقطعة في أوائل بعض السور القرآنية، ومن هذه الأقوال ما هو ضعيف، ومنها ما هو شديد الضعف أو باطل، فمن ذلك أن يقال: إنها تدل على عمر أمة أو أجلها، أو أنها في مفاتيح آلاء الله ونقمه، ومهما كان الأمر فإن هذه الأقوال تحتاج إلى بيان لمقاصدها وتوضيح لمكانتها عند أهل العلم.

    1.   

    القول السابع في معاني الحروف المقطعة أنها إشارة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، وأنت رب الطيبين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    القول السابع: ذكره الإمام السيوطي في الإتقان (3/32)، فقال: لا يبعد أن تكون هذه الأحرف المقطعة في أوائل السور ذكرت أمارةً وعلامةً على نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وكيف ذلك؟ قال: إن الله بشر بنبينا عليه الصلاة والسلام في الكتب المتقدمة، ومن ضمن البشارة والإخبارات: أن الله سينزل عليه كتاباً لم يألفه أهل الأرض، يبتدئ هذا الكتاب في بعض السور بهذه الأحرف (الم)، فلذلك كل متنبئ لا يأتي بهذا الأمر، وليس عنده هذا الأمر فيما يزعم أنه نزل عليه، فهذا كذاب!

    فأهل الكتاب عندما سمعوا النبي عليه الصلاة والسلام يتلو حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:1-2] قالوا: هذه العلامة وهذه الأمارة التي وردت في التوراة والإنجيل، وبذلك نعرفه كما نعرف أبناءنا؛ لأن وجود هذه الأحرف المقطعة لم كن معهوداً في الكتب السماوية السابقة، ولا كان معروفاً عند العرب، بل ولا استعمل عند أحد من المتكلمين أنه في أول كلامه يورد حروفاً مقطعة.

    فإذاً: لما ذكر الله هذا في تسعٍ وعشرين سورة لعله نوه بذلك في الكتب المتقدمة، فقال: من أوصاف ذلك النبي عليه الصلاة والسلام أنني سأنزل عليه قرآناً، في تسعٍ وعشرين سورةً من قرآنه يوجد حروف مقطعة هي كذا، فإذا وجدتموها فهذا هو نبي الله حقاً وصدقاً.

    وحقيقةً هذا القول لو وجد ما يدل عليه لكان أقوى قولٍ في بيان المراد من الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن؛ لأنه يكون من ذكره فائدةٌ عظيمة، وهي دلالة على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً، فالله أشار إلى أن كتابه الذي يحتوي على هذه الأحرف المقطعة في تسعٍ وعشرين سورة، فلما جاء نبينا عليه الصلاة والسلام بذلك وهو الأمي الذي لم يخالط أهل الكتاب ولم يتلق منهم ولا يعرف ما عندهم، دلّ حقيقةً على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل:76]، وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [القصص:44]، وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران:44]، إنما أوحى إليك بذلك رب العالمين سبحانه وتعالى.

    1.   

    القول الثامن في معاني الحروف المقطعة أنها مفاتيح أسماء الله وفي آلائه وبلائه

    ومن القول الثامن فما بعده سندخل في الأقوال الهزيلة التي لا تقبل، وبعضها فاسدٌ منكرٌ مردود، والقول به يؤدي بنا إلى متاهات وضلالات، أما الأقوال السبعة المتقدمة فكلها مقبولةٌ على تفاوتٍ في درجات قبولها، أما القول الثامن والتاسع والعاشر فهي أقوالٌ هزيلة قيلت في بيان معاني الحروف المقطعة في بعض سور القرآن.

    القول الثامن نقله الطبري في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره عن الربيع بن أنس من أئمة التابعين، قالا: ليس حرفٌ منها إلا مفتاح اسمٍ من أسماء الله جل وعلا، وتقدم ما يقرر هذا عن صحابيين جليلين: ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، وليس حرفٌ منها إلا في آلائه وبلائه، أي للإشارة إلى نعم الله ونقمه، وليس حرفٌ منها إلا في مدة قومٍ وآجالهم.

    وهذا القول قسمه الأول ورد ما يدل عليه؛ لكن ما ذكر في الآلاء وفي البلاء وفي مدة بقاء القوم وآجالهم، هذا يحتاج إلى طريقةٍ لإخراجه كما سيأتينا في القول التاسع الذي صرح بما هو المراد من هذا القول، وهذا في الحقيقة مردود، وتحميل لكلام الله جل وعلا ما لا يحتمل.

    وهذا القول الثامن يدخل فيه ما نقله القرطبي في تفسيره (1/156) عن محمد بن علي الترمذي وهو المعروف بـالترمذي الحكيم، ليس بـأبي عيسى صاحب السنن، فلا تخلطوا بينهما، أبو عيسى صاحب السنن، توفي سنة (270هـ) أو (271هـ) في غالب ظني، وأما هذا فتوفي سنة (320هـ)، وقيل: بعدها، يعني كان حياً في ذلك الوقت، لكن ما وقف على التحديد في سنة وفاته وموته عليهم جميعاً رحمة الله.

    محمد بن علي الترمذي الذي يقال له الترمذي الحكيم صاحب كتاب: نوادر الأصول، ليس صاحب كتاب جامع الترمذي وسنن الترمذي فلا تخلطوا بينهم.

    يقول: إن الله أودع في الأحرف المقطعة جميع ما في تلك السورة من حكمٍ وأحكام، ولا يعلم ذلك إلا نبيٌ أو ولي، فـ(الم) الولي بمجرد ما يقرؤها يعرف أحكام سورة البقرة وهي مائتان وستٌ وثمانون آية، جميع ما في تلك السورة من حكمٍ وأحكام أودعه الله في أول تلك الأحرف المقطعة، لا يعلم ذلك إلا نبي أو ولي.

    وهذا كما يقول الصوفية: جميع معاني الكتب المنزلة أودعها الله في القرآن -لا بأس على العين والرأس- يقول: وجميع ما في القرآن أودعه الله في الفاتحة -لا بأس على العين والرأس؟ إلى هنا الكلام لا مانع من قبوله- وجميع ما في الفاتحة أودعه الله في البسملة، هذه في الحقيقة فيها شيءٌ من التوقف، لكن نزيد: وجميع ما في البسملة أودعه الله في حرف الباء منها، وجميع ما في الباء أودعه الله في نقطتها، ولا يعرف ذلك إلا نبيا أو ولي، فالولي بمجرد ما ينظر إلى (بسم الله الرحمن الرحيم -ليس إليها كاملاً ولا إلى حرفٍ منها وهو الباء، بل إلى نقطة- يعلم ما في كتب الله المنزلة، من عهد نبي الله آدم إلى نبينا محمد عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وهذا القول قريبٌ من ذاك، ومحمد بن علي الترمذي الحكيم كان صوفياً، فيقول: جميع ما في تلك السورة مذكورٌ في الحروف المقطعة، ولا يعلمه إلا وليٌ أو نبي.

    نبذة عن الحكيم الترمذي وتصوفه

    محمد بن علي الترمذي قال الإمام الذهبي في ترجمته في سير أعلام النبلاء (13/440): له حكمٌ ومواعظ وجلالة، لولا هفوةٌ بدت منه، ما هي الهفوة؟ ابتدع هفوةً في هذه الأمة لم يسبقه إليها أحد، وجاء زنديقٌ ماردٌ بعد ذلك فتلبس تلك الهفوة وادعى أنه هو المقصود بها، فقد ألف الحكيم الترمذي كتاباً سماه ختم الولاية، خاتم الأولياء، وادعى في هذا الكتاب شططاً وزوراً وهفوة وزلة بدت منه، وفهماً معكوساً قرره في هذا الكتاب عندما فهم من خاتم الولاية ما يفهم من خاتم النبوة، فقال: إن رتبة الولي أعلى من رتبة النبي، لكنه يقصد أن كل نبي ففيه ولاية، فحصلت الولاية والنبوة، يقول: وأفضل الأولياء هو خاتم الأولياء، كما أن أفضل الأنبياء هو خاتم الأنبياء.

    وهذه في الحقيقة سفاهة وشططٌ في الاستدلال، وعدم وعيٍ وبصيرة، الأنبياء يتصلون بالله فخاتمهم لا مانع أن يكون أفضلهم، لا مانع فالله حباه، لكن الأولياء يتصلون بالأنبياء، وهم تابعون لهم، فأفضلهم أولهم، وكلما تقدم الولي كان أفضل، وكلما تأخر نزلت درجته، ولذلك خير هذه الأمة القرن الذي صحب النبي عليه الصلاة والسلام، وخيرهم أبو بكر.

    وقرر في كتابه خاتم الولاية سؤالاً ثم أجاب عنه، فقال: فإن قيل: هل يصل أحدٌ إلى درجة أبي بكر؟ فقال: إلى عمله لا يصل، وأما إلى حاله وأذواقه وطهارة قلبه والسر الذي بينه وبين ربه فلا مانع أن يصل إلى درجة أبي بكر وإلى ما هو أعلى من ذلك. ونعوذ بالله من هذه السفاهة، لا نصل إلى درجة أبي بكر وإلى حال قلبه قبل أن نصل إلى حاله في العمل، بل لعل الوصول إلى حاله في العمل أيسر من الوصول إلى حاله في القلب.

    وما فضلنا أبو بكر -كما ورد هذا عن كثير بن عبد الله المزني - بكثير صلاةٍ ولا صيام، إنما بشيءٍ وقر في قلبه، ولو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح إيمانه على إيمان الأمة، وهذا شيءٌ قلبي، فهو يقول: لا يمكن أن ندركه في العمل، لكن ندركه بما يقوم في قلبه من معانٍ وتعظيمٍ وصلةٍ بينه وبين الله جل وعلا.

    سبب سوء الفهم أنه أراد أن يقيس خاتم الأولياء على خاتم الأنبياء، فكما أن خاتم الأنبياء هو أفضل الأنبياء، فخاتم الأولياء هو أفضل الأولياء، والسؤال: من هو خاتم الأولياء؟ أنت تترنم الآن بشيء لا حقيقة له، خاتم الأنبياء معلوم عليه صلوات الله وسلامه، لكن من هو خاتم الأولياء؟ كل مؤمنٍ وليٌ لله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، والمعتمد أن آخر أولياء الله في هذه الحياة هو آخر الموحدين موتاً، لكن من هو؟ لا يعلمه إلا الله، عندما تأتي الريح اللينة من قبل الشام تحت آباط المؤمنين فتقبض روح كل مؤمنٍ ومؤمنة، هذا بعد خروج الدجال ونزول عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وعود الخيرات والبركات إلى الأرض، يتهارج الناس في الشوارع والطرق كما تتهارج الحمر كما في صحيح مسلم، فتأتي ريحٌ لينةٌ من قبل الشام فتأخذ الناس تحت آباطهم، فلا يبقى مؤمنٌ ولا مؤمنةٌ إلا مات، فيبقى شرار الناس وعليهم تقوم الساعة.

    إذاً: من يموت في ذلك الوقت؟ آخر الموحدين موتاً هو آخر الأولياء وخاتم الأولياء، من الذي ادعى هذه المرتبة؟ ادعاها الشقي ابن عربي صاحب كتاب الفتوحات الهلكية التي يسميها بالفتوحات المكية، وصاحب كتاب: فصوص الحكم، فقال: هو خاتم الأولياء، وخاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، نعوذ بالله من هذا الشطط وهذه السفاهة وهذا الضلال!

    من كلام الحكيم الترمذي في الحكمة

    فـالترمذي الحكيم بدت منه هذه الهفوة، نعم، كان حكيماً ينطق بالحكم لولا ما جرى منه من هذه الهفوة، وكتابه نوادر الأصول كل ما انفرد في هذا الكتاب فأقل أحواله أنه ضعيفٌ إن لم يكن موضوعاً، ولذلك من أمارة الحديث الضعيف أن يقال: رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، هذا إذا لم يصل إلى الوضع فأقل ما فيه الضعف، لكن مع ذلك كان ينطق بالحكمة.

    فمن كلامه: كفى بالمرء عيباً أن يسره ما يضره، وحقيقةً هذا عيبٌ عظيم فظيع في الإنسان أن يسر بما به يضر، ويقصد بذلك المعاصي، يفرح بها بعض الناس وهي ضررٌ عليهم.

    وكان يقول: ليس في الدنيا حمل أثقل من البر؛ لأن من برك فقد أوثقك وقيدك، ومن جفاك فقد أطلقك.

    وحقيقةً هذا هو الأمر عند الكرام، فالكريم إذا عملت معه معروفاً فقد قيدته، بخلاف اللئيم، فعندما تكرمه يزداد تمرداً وعتواً وسفاهةً وشططاً عليك، ولذلك ليس شيءٌ أثقل على الكريم في هذه الحياة من البر، فمن برك وأحسن إليك فقد أوثقك وقيدك، وأما من جفاك فقد أطلقك، فأنت منه في حل، تلقاه ويلقاك، وليس له حقٌ عليك، وأما ذاك فعندما تلقاه تطأطئ رقبتك أمامه لما حصل من برٍ منه نحوك، وهذا حقيقةً لا يشعر به إلا الأحرار!

    وكان يقول: الخلق ضعفٌ ظاهر، ودعوى عريضة، ضعفٌ ظاهر، لأنه لو دخلت شوكة في رجله لما استطاع أن ينام، لو احتبس الطعام في بطنه لما استطاع أن ينام، يصيح آه بطني طول الليل؛ لكنه دعوى عريضة، إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34]، أنا وأنا، وفعلت وفعلت، وأتحدى الأولين والآخرين، وقد يتحدى بها رب العالمين كما قال الله: وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان:55].

    قيل مرةً لبعض السفهاء: عندكم قدرة على قتال اليهود؟ قال: عندنا قدرة على قتال الله، ليس اليهود، من اليهود؟ نحن نستطيع أن نقاتل رب العالمين، ونحن نقول: يا كلاب البشرية رفقاً بأنفسكم، يا بغاة المخلوقات أربعوا على أنفسكم، دعوا الآن ربكم، أنتم الآن هؤلاء الذين لعنهم الله وغضب عليهم عجزتم أمامهم، وأنتم أنذل وأذل خلق الله أمام هؤلاء الذين لعنهم الله، فإذا هؤلاء الذين يقول الله عنهم: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14]، كسروا رءوسكم وأذلوكم إذلالاً ليس بعده إذلال، ولو أن العرب الجرب الذين يتشدقون بالعربية سلطوا بولهم إلى إسرائيل لأغرقوها بالبول فقط، دون رصاص ودبابات، لو سال من بولهم سيلٌ أغرق إسرائيل وما ترك لليهودي حياة يتنفس بها، يموت خنقاً من بول العرب، فهؤلاء أذلوكم إذلالاً ليس بعده إذلال، ثم بعد ذلك تتشدق بأنك ستقاتل الله، وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان:55]، يظاهر الشيطان في عداوة الرحمن، وهذا حال الخلق ضعفٌ ظاهر، ودعوى عريضة، خذ ما شئت من الدعاوى الباطلة، من الدعاوى المنكرة المزيفة، ومن عرف نفسه عرف ربه كما تقدم معنا تقرير هذا، ومن نسي ربه نسي نفسه، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19].

    وكان يقول: صلاح خمسٍ بخمس، ودواء خمسٍ بخمس الصبي صلاحه ودواؤه أن يكون في المكتب يتعلم الكتابة، ألف باء تاء، هذه الأحرف التي تقدمت معنا، وصلاح الفتى الذي جاوز الصبا وعنده وعيٌ ورشدٌ وبلوغٌ وعقل، أن يكون في التعلم وتحصيل العلم، ذاك في مبادئ الكتاب، وأما هذا ففي العلم، وصلاح الكهل الذي طعن في الأربعين وجاوزها أن يلازم المسجد، وصلاح المرأة بأن تلازم البيت، وصلاح المفسد المؤذي أن يوضع في السجن.

    صلاح خمس بخمس: الولد في المكتب، والفتى في دروس العلم، والكهل إذا طعن في السن لا داعي لمقاه ولا لتلفزيونات، هذا يلازم بيوت الله.

    وكان أهل المغرب إذا ظهر الشيب في لحية أحدهم أو رأسه ترك الدنيا وتخلى للعبادة، جاءه النذير فصار كهلاً، وبلغ أشده، ودخل الأربعين وجاوزها، إذاً هذا للمسجد.

    وأما المرأة فلا صلاح لها ولا للأمة إلا بملازمتها لبيتها، وأما المؤذي المفسد الكلب العقور لكنه من البشر، فما له إلا أن يوضع في السجن.

    شبهة الحكيم الترمذي في ختم الولي وخطؤه في ذلك

    والإمام ابن تيمية عليه رحمة الله سئل عن الحكيم الترمذي وعن كتابه خاتم الولاية في مجموع الفتاوى (10/363)، وتكرر السؤال له، وأعاد الجواب في (ص:373)، وبين الزلة التي وقع فيها، ورد عليه عليه رحمة الله، وقلت لكم: سبب الاشتباه عليه أنه أراد أن يقيس خاتم الأولياء على خاتم الأنبياء، وهذا كلام باطلٌ لا يقبل مطلقاً، وهو وإن استدل أحياناً ببعض أحاديث لكنه ما فهم المراد منها، استدل مثلاً بخبر الإمام الترمذي وهو حديثٌ حسنٌ صحيح: (إن من عباد الله من ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانتهم عند ربهم جل وعلا، قالوا: من هم يا رسول الله -عليه الصلاة والسلام-؟! قال: المتحابون بجلال الله)، وهل هذا فيه إشارة إلى أنهم أفضل من الأنبياء؟ إشارة إلى أن الأنبياء يغبطون هؤلاء بما حصلوه من درجةٍ ورفعة، ونحن نعلم ضرورةً ويقيناً أن منزلتهم دون منزلة المقام المحمود، ودون منزلة الدرجة التي لا تكون إلا لعبدٍ واحدٍ، وهو نبينا عليه الصلاة والسلام، نعلم هذا ضرورة، لكن هذه الدرجة العظيمة التي حصلوها يغبطهم الأنبياء يوم القيامة، كيف حصلوا هذا، مع أن ما بذلوه من جهدٍ في الظاهر قليل؟ وهو الحب فيما بينهم في جلال الله جل وعلا، هذا من حيث الظاهر عملٌ قليل، لكن نالوا به أجراً أكثر من أجر الشهداء، وأكثر من أجر العباد، فهذا إذاً الأنبياء يغبطونهم على هذا الأجر، ويهنئونهم به، وليس في ذلك دلالة على أنهم أعلى من الأنبياء، من أين أتيت بهذا؟

    ثم هل في ذلك إشارة إلى أن هؤلاء هم خاتم الأولياء؟ يعني: من أين تستدل بهذه الأحاديث على أن هؤلاء يمكن أن يكونوا أفضل من الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وإجماع أهل السنة منعقدٌ على أن كل نبي أفضل من كل ولي من المتقدمين والمتأخرين، ودرجة الولي مهما علت من الصديقية فما دونها لا تصل إلى درجة أقل نبيٍ عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، ودرجة النبي مهما علت دون درجة الرسول الذي خصه الله بالرسالة مع النبوة، ثم الرسل أيضاً يتفاوتون فيما بينهم، فأفضلهم أولو العزم الذين أشار إليهم ربنا جل وعلا في آيتين من كتابه: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ [الأحزاب:7] أي محمد عليه صلوات الله وسلامه وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7]، شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى:13]، أي محمدٌ عليه صلوات الله وسلامه، وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى [الشورى:13]، هؤلاء أولو العزم أعلى وأفضل الرسل منزلةً عند الله جل وعلا، وأعلى الخمسة منزلةً الخليلان: خليل الرحمن إبراهيم، وخليل الرحمن محمد على نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه.

    أما خليل الرحمن إبراهيم فهو أفضل من أنبياء الله جميعاً باستثناء نبينا عليه الصلاة والسلام بلا خلافٍ عند أهل السنة الكرام، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء:125]، وقد جعل قلبه للرحمن وبدنه للنيران، وولده للقربان، وماله للضيفان، وشهد له ربنا بأنه جاء ربه بقلبٍ سليم، هذا حال الخليل إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    وأما نبينا عليه الصلاة والسلام فأعلى قدراً منه وأرفع رتبةً وأكمل خلة، ولذلك يقول إبراهيم كما في حديث الشفاعة في صحيح مسلم وغيره والحديث متواتر: (عندما يذهب الخلق إليه في عرصات الموقف ويقولون: اشفع لنا، فقد اتخذك الله خليلاً، فيقول: إنما كنت خليلاً من وراء وراء) أي: ما وصلت إلى درجة الخلة الكاملة، إنما الخليل الكامل هو محمدٌ عليه صلوات الله وسلامه، فأفضل الخليلين نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وهو أفضل المخلوقات.

    وأفضل الخلق على الإطلاق نبينا فمل عن الشقاق

    وقد ثبت في مسند البزار وغيره بسندٍ صحيحٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومثل هذا له حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: (خيار ولد آدم -وفي روايةٍ-: سيد ولد آدم خمسة: محمدٌ عليه الصلاة والسلام، إبراهيم، موسى، وعيسى، ونوح)، هؤلاء سيد ولد آدم، كما قال عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) عليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً: القول بأن بعض الأولياء أفضل من أي نبي، فضلاً أن يكون ذلك الولي أفضل من خاتم الأنبياء، هذا شططٌ وسفاهة، ولذلك قال الذهبي في ترجمته: له حكمٌ ومواعظٌ وجلالة لولا هفوةٌ بدت منه، وهذه الهفوة التي بدت منه خاتم الولاية، أو ختم الولاية.

    هذا كحال أبي عبد الرحمن السلمي الذي ألف كتاب: حقائق التفسير، فملأه بالشطحات والإشارات والرموز، وكان أئمتنا يقولون: من قال إن هذا الكتاب -حقائق التفسير للسلمي - هو تفسيرٌ للقرآن فقد كفر، إنما هذا إشارات ورموز، منها ما يمكن أن يقبل، ومنها ما هو ضلالٌ وباطل.

    ولذلك ختم الإمام الذهبي ترجمة الحكيم الترمذي بقوله: نعوذ بالله من الإشارات الحلاجية، التي تدل على الحلول ووحدة الوجود، يعني الحسين بن منصور الحلاج الذي قتل على الزندقة سنة (311هـ) ما روى ولله الحمد شيئاً، الحسين بن منصور الحلاج الذي كان يقول: أنا الله، أنا الله، وسبحاني سبحاني، وما أعظم شأني، وما في الجبة إلا الله، ومن هذا الكلام الباطل.

    نعوذ بالله من الإشارات الحلاجية، والشطحات البسطامية يعني أبا يزيد البسطامي الذي كان يقول: لو بصقت على جهنم بصقةً لأطفأتها، هذه شطحة، ولعله قال هذا في حال غيبة عقله، والقلم مرفوعٌ عنه، وأمره موكولٌ إلى ربه، إنما هذه شطحة وزلة.

    نعوذ بالله من الإشارات الحلاجية، والشطحات البسطامية، وتصوف الاتحادية، والتصوف له جانبان: تصوف عملي وهو جانب الزهد، ومجاهدة النفس، فلا حرج في ذلك إن شاء الله، وتصوفٌ فلسفي وهو الذي ادعاه ابن عربي والحلاج ، وهو الذي يؤدي إلى الحلول ووحدة الوجود، وهذا هو عين الزندقة، ولذلك يقول: نعوذ بالله من الإشارات الحلاجية، والشطحات البسطامية، وتصوف الاتحادية، فوا حزناه على غربة الإسلام والسنة، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].

    هذا ما ختم به الإمام الذهبي ترجمة محمد بن علي الترمذي المعروف بـالترمذي الحكيم صاحب كتاب: مسند الفردوس أو الفردوس، وصاحب كتاب: خاتم الولاية أو ختم الولاية.

    1.   

    القول التاسع في معاني الحروف المقطعة أنها إشارة إلى مدة بقاء هذه الأمة

    القول التاسع في بيان المراد بالأحرف المقطعة وبيان معناه:

    القول التاسع: أشار إليه الإمام السهيلي، فقال: لعل ذلك إشارة إلى مدة بقاء هذه الأمة، وتقدم معنا قول الربيع بن أنس: أنه لا يوجد حرفٌ منها إلا في آلاء الله وبلائه وفي مدة أقوامٍ وآجالهم، كيف هذا؟ قال: على طريقة حساب الجمَّل، وأذكر لكم حساب الجمل إن شاء الله لنرى ماذا يريد أن يقول هؤلاء.

    وهذا القول روي في الأثر ما يشير إليه، لكن تلك الرواية مع أنها منكرةٌ ضعيفةٌ مردودةٌ متروكةٌ باطلة، هي أدل على بطلان هذا القول من الاستدلال بها على إثباته، يعني لو ثبتت لكانت دليلاً على بطلانه، فكيف وهي متروكةٌ منكرة!

    أما الرواية: فقد روى ابن إسحاق في كتابه المغازي، والبخاري في تاريخه، وابن جرير في تفسيره، وانظروا الأثر في تاريخ البخاري (2/208) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ( أن أبا ياسر بن أخطب من أحبار اليهود، مر على النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2]، فدخله روعٌ وذهب مسرعاً إلى أخيه حيي بن أخطب، وقال: إن محمداً عليه الصلاة والسلام أنزل الله عليه سورةً أعلمه فيها بمدته ومدة أمته، وما نعلم أن نبياً من الأنبياء أعلمه الله بمدة بقائه وبقاء أمته إلا هذا النبي، فقال: وما ذاك؟ فقال: سمعته يقرأ الم [البقرة:1]، والألف في حساب الجمل سيأتينا بسنة، واللام بثلاثين، والميم بأربعين، والمجموع إحدى وسبعين سنة، فقال حيي بن أخطب: أنت سمعت هذا من محمد؟ قال: نعم، وتحقق من ذلك إن شئت، فجاء حيي إلى محمدٍ -عليه الصلاة والسلام- وقال: يا محمد، بلغني أن الله أنزل عليك (الم) قال: نعم، فقال له: هل نزل عليك غيرها؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، أنزل الله علي المص [الأعراف:1]، فقال: هذه أثقل وأطول، الألف بسنة، واللام بثلاثين، والميم بأربعين، والصاد بتسعين، فصار المجموع مائة وإحدى وستين سنة، فقال: هل نزل عليك غيرها؟ قال: نعم، (الر) قال: هذه أثقل وأطول، الألف بسنة، واللام بثلاثين، والراء بمائتين، صار المجموع مائتين وإحدى وثلاثين.

    قال: هل نزل عليك غيرها؟ قال: نعم، (المر) قال: هذه أثقل وأطول، الألف بسنة، واللام بثلاثين، والميم بأربعين، والراء بمائتين، فصار المجموع مائتين وإحدى وسبعين سنة، زادت على تلك بأربعين، ثم قال: يا محمد! لبس علينا أمرك، فلا ندري أي ذلك أعطاك الله وأعطى أمتك؟ فلن نتبعك ) أي: هل هي إحدى وسبعين، أو مائة وإحدى وستين، أو مائتين وإحدى وثلاثين، مائتين وإحدى وسبعين، ماذا أعطاك من ذلك؟ لا ندري! لبس علينا أمرك، فلن نتبعك.

    قال الإمام ابن كثير عليه رحمة الله في تفسيره (1/38): وأما من زعم أنها دالةٌ على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديثٌ ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على فرض صحته.

    هذا الحديث فيه محمد بن السائب الكلبي، وهو متروك، وهذا أقل ما قيل فيه، بل إنه قد اتهم بالكذب، قال الحافظ في التقريب: متهمٌ بالكذب، ورمي بالرفض، والرفض هو التشيع، وهو سلم الزندقة وباب الزندقة، وأكذب خلق الله الرافضة، فهم أكذب الناس في النقليات وأجهلهم في العقليات، متهمٌ بالكذب، ورمي بالرفض، ثم أشار له بتاء و(فق) فاء مع القاف للإشارة إلى أنه من رجال الترمذي، وروى له ابن ماجه لكن في التفسير لا في السنن، (فق) ابن ماجه في تفسيره، والترمذي تاء في سننه، متروك، ورمي بالرفض.

    قال سفيان الثوري: قال لي محمد بن السائب الكلبي الذي يقال له أبو النضر العلامة: كل ما حدثتك به عن صالح عن ابن عباس فهو كذب، وقد أقر على نفسه بهذا، وهنا الآن روى الحديث عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر، وهو يقول للثوري: كل ما حدثتك به عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب، وبفيك أدنَّاك وحكمنا عليك! فهو يقول: ما رويته لكم عن ابن عباس فهذا من كذبي، هذا محمد بن السائب الكلبي هو في إسناد هذا الحديث، ورواه البخاري في تاريخه من طريقٍ آخر ضعيف أيضاً، فالحديث ضعيف، وأقل أحواله كما قلنا الترك، فلا يستدل به.

    ولو ثبت هذا فهو فهم حيي بن أخطب، وأبي ياسر بن أخطب ، وهم يهود، لو كان هذا الفهم معتبراً ومقرراً فإنه لا يدل على أن هذا هو مدة بقاء هذه الأمة، إنما يدل على أن هذا من هوسهم وفهمهم، وهذا الأمر هو الذي صدهم عن اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، فأين إذاً الدلالة من هذا الأثر على أن هذه الأحرف إشارة إلى مدة بقاء هذه الأمة، فهذا القول ضعيفٌ باطل!

    تناقض ابن جرير في تقرير القول التاسع لمعاني الحروف المقطعة

    ومن العجيب أن الإمام ابن جرير عليه رحمة الله، في مطلع تفسيره للحروف المقطعة وفي بداية تفسيره ضرب عن هذا القول صفحاً، فقال: ذكر بعضهم أن الحروف المقطعة هي من حساب الجمّل، ثم قال: كرهنا ذكر الذي حكي عنه ذلك؛ لأنه ممن لا يعتمد عليه في النقل والرواية، وهو محمد بن السائب الكلبي، فإذاً هذا القول باطل، ولذلك لا نذكره ولا نعول عليه.

    ثم تناقض بعد ذلك رحمه الله بعد صفحات فقال: هذا القول معتبر، ويمكن أن تكون هذه الأحرف المقطعة إشارة إلى حساب الجمّل، وإلى مدة بقاء هذه الأمة، وذكر هذا الأثر الذي قال في أول الأمر: إنه أعرض عنه؛ لأن ناقله ممن لا يعول عليه في النقل والأثر.

    وهذا من تناقض الإمام ابن جرير العجيب، وله نظائر في تفسيره عليه رحمة الله أذكر نظيراً واحداً لهذا، في تفسير قول الله جل وعلا: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255]، نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الكرسي هو موضع القدمين، وأن العرش لا يعلم قدره إلا الله جل وعلا.

    الكرسي موضع قدمي الرب جل جلاله، ثبت هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير ابن جرير، ورواه الحاكم في المستدرك بسندٍ صحيحٍ على شرط الشيخين، أقره عليه الذهبي، ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد، والبيهقي في الأسماء والصفات، والطبراني بإسنادٍ صحيح في الجامع الكبير، كما في مجمع الزوائد (6/323)، ورواه عبد الله بن الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله في كتاب السنة، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد.

    وقال الإمام ابن جرير: أولى ما قيل في تفسير الكرسي ما ثبتت الرواية به عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه موضع القدمين، ونقل أن الكرسي هو العرش، وضعف هذا، ثم نقل أن الكرسي هو العلم، ونقل هذا عن ابن عباس لكن بإسنادٍ شاذ، والمحفوظ عنه أنه موضع القدمين، فقال الإمام ابن جرير بعد أن حكى أن الكرسي موضع القدمين، وهو العرش، وهو العلم، قال: وأولى ما يفسر به الكرسي أنه العلم؛ لقوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255]، والله يقول حكايةً عن الملائكة: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:7].

    وأقول له: أنت تقول: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255] أي: علمه؛ لأن الله حكى عن الملائكة أنهم يقولون: وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:7]، فهلاّ فسرت الكرسي بالرحمة كما فسرته بالعلم؟ ثم ما المناسبة بين الكرسي الذي هو واحد الكراسي، وهو السرير الذي يجلس عليه الملك، وهو في لغة العرب معروف، وقد استعمله ربنا في مكانين من كتابه، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ [البقرة:255]، وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص:34]، فما المناسبة بين الكرسي والعلم؟

    ثم أنت في البداية رجحت تفسير الكرسي بأنه موضع القدمين، ثم قلت: إن الكرسي معناه العلم، هذا في الحقيقة تناقض عجيب!

    وهنا كذلك بعد أن ضرب عن هذا القول صفحاً وقال: لا أريد أن أذكره، ولا أن أنقل الأثر الذي ورد بذلك؛ لأن ناقله ليس ممن يعول عليه في الرواية والأثر، عاد واعتمد هذا القول ونقله من طريق الكلبي، وأورد الأثر الذي ذكرته لكم آنفاً.

    وهذا -كما قلت- من التناقض، وهذا حال البشر، والكريم من عد سقطه، والفاضل من عدت خطاياه.

    وكفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه!

    ولا نقول هذا قدحاً في ابن جرير وطعناً فيه، فرحمة الله عليه ورضي الله عنه عن أئمة الإسلام، إنما من باب بيان قيمة هذا القول، وبيان حاله، فالإمام ابن جرير تناقض نحوه عليه رحمة الله.

    بيان القول التاسع لمعنى الحروف المقطعة على طريقة حساب الجمل

    إخوتي الكرام! حساب الجمّل قال ابن منظور في اللسان: بتشديد الميم، وهي الحروف المقطعة على أبجد هوز، وقال ابن دريد: لا أحسبه عربياً، وقد روى بعضهم ضبط الجُمَّل (الجُمَل) بالتخفيف، قال ابن سيده من أئمة اللغة: لست منه على ثقة، والضابط المشهور حساب الجمّل، وهي حروف أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذٌ ضظغ، هذه تنقسم إلى ثلاثة أقسام، الحروف العشرة الأول منها كل حرفٍ بسنة على الترتيب، أبجد الهمزة واحد، (الم)، الباء باثنين، الجيم بثلاثة، الدال بأربعة، الهاء خمسة، الواو ستة.. وهكذا، حتى تصل إلى الياء من حطي نهاية العشرة، ثم الحروف التسعة التي تليها كل واحدٍ يزيد على ما بعده بعشرة، فتبدأ عشرة عند الياء من حطي كلمن، الكاف عشرون، ثم تمشي بعد ذلك إلى المائة، تسعة تسعون مع العشرة المتقدمة، ولذلك ألف بسنة، ولام ثلاثون، وميم أربعون، والمجموع واحد وسبعون (الم).

    فإذاً التسعة المتبقية كل واحدٌ منها بمائة، فإذاً المائة عندنا انتهت عند القاف، نبدأ بعد ذلك بمائتين وهي الراء من قرشت، ولذلك يقول: (الر) راء بمائتين، قال: هذه أكبر من (الم)، هذه مائتان، قرشت، تخذٌ، ضظغ، الغين هي آخر الأحرف، وهي ألف سنة، لأن الغين بألف، يليها الظاء التي قبلها فهي تسعمائة، والضاد بثمانمائة؛ لأننا قلنا: كل حرف يزيد مائة، من الراء إلى الغين مائة مائة مائة، إذاً: تسعمائة مع المائة المتقدمة صارت ألفاً.

    ولذلك بعضهم أراد أن يتفلسف في قول الله: بَغْتَةً [الأنعام:31] فقال: هذا تحديدٌ لوقت قيام الساعة، الباء أبجد اثنان، والغين بألف صار ألفاً وسنتين، والتاء بأربعمائة، صارت أربعمائة وألف وسنتين، و(بغتة) هل هي هاء أو تاء ثانية؟ إذاً اختلفوا في تقدير قيام الساعة، نعوذ بالله من هذا الشطط والضلال! فاحسبوها هاءً فستكون خمسة، واثنان هناك سبعٌ، إذاً: ألف وأربعمائة وسبعة، أي بعد ست سنين ستقوم الساعة، أو قامت، نحن لسنا الآن في واحد، نحن الآن في إحدى عشر، إذاً: قد قامت، فإذاً هذا باطل.

    احسبوها على أنها تاء؛ لأنهم أوردوا احتمالين هل الهاء هنا هاء أو تاء؟ إذ كانت تاءً فستزيد أربعمائة أخرى، يصبح ألف وثمانمائة واثنين، فلم يبق للساعة فترة طويلة، نعوذ بالله من هذا الضلال! هذا على حساب الجمّل.

    يقول بعض السفهاء: الله حدد موعد قيام الساعة في قوله: بَغْتَةً [الأنعام:31]، وسيأتينا إن شاء الله أن التعويل على هذا نوعٌ من الكَهانة والكِهانة، وهو نوعٌ من السحر، والبحث أرى أنه يحتاج إلى شيءٍ من الطول، ما أعلم نكمله أو نقف عند هذا الحد، ونشير إلى القولين بعد ذلك في شيءٍ من الوقت في أول المحاضرة الآتية إن شاء الله، وندخل في تفسير الآيات، إنه يحتاج إلى شيءٍ من الطول، وإلى استنباط ابن برجان، وقيمة هذا الاستنباط أنها ستفتح بيت المقدس سنة خمسمائة وثلاثٍ وثمانين استنباطاً من قول الله: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:1-4]، أي قوله: فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:4] قالها بخمسمائة وثلاثٍ وثمانين، (سيغلبون) وأنها ستفتح بيت المقدس، وقد وقع هذا، وقد أشار هو في تفسيره، وقرر هذا كما قال الإمام ابن كثير سنة خمسمائة وعشرين، قبل فتح بيت المقدس بفترة، وهو توفي سنة خمسمائة وستٍ وثلاثين، وفتحت بيت المقدس بعده، ما قيمة هذا الاستنباط الذي أورده في تفسيره أبو الحكم عبد السلام بن عبد العزيز بن برجان؟ ثم إلى التعرض إلى الكهانة، وإلى السحر، وإلى الخط الذي يسمى بعلم الرمل، أرى لو تركنا هذا لأول المحاضرة الآتية يكون البحث مرتباً إن شاء الله.

    إذاً: هذا القول التاسع: أن هذه إشارة إلى مدة بقاء هذه الأمة على حساب الجمّل، والأثر الوارد في ذلك ضعيفٌ متروك، ولا يدل على هذا القول، فهذا القول باطل، ثم سنتعرض لحساب الجمّل وما فيه من محاذير، وربّ دارسٍ أبي جاد ناظرٌ في النجوم لا خلاق له عند الله، كما روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.