إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. تفسير سورة لقمان - الحروف المقطعة في أوائل السور [2]

تفسير سورة لقمان - الحروف المقطعة في أوائل السور [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أكثر ما ورد من الحروف المقطعة في القرآن في أوائل السور المكية، وأكثر ما يأتي بعدها الكلام على القرآن، ومن هنا جعلها بعض العلماء رمزاً للتحدث بإعجاز القرآن وكونه من لدن حكيم خبير، ويؤيد ذلك أنها جاءت على نمط تراكب الكلام العربي بأقسامه الثلاثة: الاسم والفعل والحرف.

    1.   

    القول الثاني في معاني الحروف المقطعة أنها تدرك بالاجتهاد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعين عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    ذكر أن الحروف المقطعة في بعض سور القرآن حروف من لغة العرب لها معنى وذكرت لحكمة، الله أعلم بها، هذا القول الأول، وكما قلت هو قول الخلفاء الراشدين الأربعة، وجمهور السلف الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    والقول الثاني: قيل هذه حروف من لغة العرب، ولها حكمة ولها معنى يدرك عن طريق الاستنباط والاجتهاد، فإذا أعملنا عقولنا أمكن أن نقف على المراد من هذه الأحرف المقطعة.

    والذين قالوا بهذا القول وبحثوا في عقولهم ليصلوا إلى مراد الله من هذه الأحرف المقطعة اختلفوا فيما بينهم على أقوال كثيرة: يقول الإمام القرطبي: اختلفوا فيها على أقوال عديدة:

    يقول الإمام الثعالبي صاحب كتاب الجواهر الحسان في تفسير القرآن، وهو غير الإمام الثعلبي الذي تقدم معنا، ذاك تقدم معنا وتوفي سنة أربعمائة وعشرين ونيف، أما هذا فتوفي سنة (876هـ)، وتقدم معنا اسم تفسير الثعلبي: الكشف والبيان عن تفسير القرآن عند الأحاديث التي ذكرت في فضائل السور، وقلنا هو أول من فتح الباب وأورد هذا الحديث الموضوع، وتبعه الواحدي ثم تبعه من جاء بعدهما، لكن هذا الإمام الثعالبي من بلاد الجزائر له كتاب في التفسير في أربعة مجلدات: الجواهر الحسان في تفسير القرآن، يقول (1/30): تعددت أقوال العلماء فيها على القول بأننا ندرك معناها إلى اثني عشر قولاً، والإمام السيوطي في الإتقان (3/30) أيضاً ينقل عن الإمام ابن العربي صاحب كتاب أحكام القرآن أن الأقوال فيها وصلت إلى عشرين قولاً.

    يقول أبو بكر: ولا أعلم أحداً يتكلم فيها بعلم ولا يصل فيها إلى فهم، إنما من باب الاجتهادات والاستنباطات، وهذه الأقوال الثلاثون التي يقول عنها أبو بكر بن العربي يزيد عليها شيخنا عليه رحمة الله في كتابه: أضواء البيان (3/5) حيث تكلم على الحروف المقطعة عند تفسير سورة هود، ولم يتكلم عليها قبل ذلك، وسأذكر لمَ تكلم عليها عند تفسير سورة هود، عند بيان الأقوال في معنى هذه الحروف المقطعة على القول بأنه ممكن لنا أن ندرك معناها وأن نعلم المراد منها.

    يقول شيخنا عليه رحمة الله: بلغت الأقوال فيها إلى نحو ثلاثين قولاً، وهذه الثلاثون زاد عليها الحافظ ابن حجر في الفتح (8/554) فقال: زادت على ثلاثين قولاً، على القول بأنها لها معنى وذكرت لحكمة وتلك الحكمة وذلك المعنى ندركهما ونقف عليهما، هذه الأقوال التي زادت على الثلاثين سأقتصر على عشرة منها.

    تجمع هذه الأقوال إن شاء الله، وأدخل في ثناياها الأقوال الفرعية التي يمكن أن تنظم إلى أصول هذه الأقوال وهي عشرة، وهذا -كما قلت- على القول الثاني، أما القول الأول فتقدم معنا أنه قول جمهور السلف، وهو اختيار الخلفاء الراشدين الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين، بأن هذه الأحرف من قبيل المتشابه الذي استأثر الله بعلمه فنقول: (الم) حروف مقطعة من لغة العرب الله أعلم بمراده منها، ولم يتكلموا فيها بأكثر من هذا، هذا كما لو سئلنا عن الروح نقول: سر الله جل وعلا فينا به نحيا، لا ندرك حقيقته ولا كنهه ولا كيفيته، وكما لو سئلنا عن حقيقة صفات الله جل وعلا فنقول: الاستواء معلوم والكيف مجهول، الله أعلم بحقيقته، فلا يعلم كيف الله إلا الله، ولا يعلم كيفية صفات الله إلا الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وهكذا الأحرف المقطعة.

    1.   

    المعنى الأول للحروف المقطعة: تحدي العرب بالقرآن

    وعلى القول الثاني -كما قلت- هذا المعنى وتلك الحكمة بإمكاننا أن نقف عليهما عن طريق الاجتهاد والاستنباط والنظر إلى السياق، ومعرفة مراد الشارع عن طريق القرائن، فنحدد معنى هذه الحروف المقطعة، إذاً: ما هو المعنى؟

    اختلفوا كما قلنا إلى أكثر من ثلاثين قولاً، سنقتصر على عشرة منها.

    أظهر هذه الأقوال العشرة وأقواها، وهو الذي ذهب إليه جمٌّ غفير من علماء هذه الأمة الصالحين: أن هذه الأحرف المقطعة ذكرت في أوائل بعض سور القرآن إشارة إلى إعجاز هذا القرآن وأنه من كلام الرحمن، هذا هو المعنى، (الم) حروف مقطعة معناها أن الله يتحدى العرب بها، كيف يتحداهم؟ يقول لهم: أنتم تقولون: إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الفرقان:4]، إذا كان الأمر كذلك فهذا القرآن مركب من حروف لغة العرب، من الألف واللام والميم والكاف والهاء والياء والعين والصاد، وأنتم أئمة البيان والفصاحة، وفيكم الخطباء المفوهون، فإذا كان محمد عليه صلوات الله وسلامه افترى هذا القرآن واختلقه، وهذا من تأليفه، وما نزل عليه به جبريل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فمحمد بشر عليه صلوات الله وسلامه، ومهما ارتفع جهده وعلا قدره فهو بشر، وبإمكان البشر أن يأتي بما أتى به بشر آخر، وهو فرد، وتقولون أعانه جمع من الفصحاء والبلغاء، فاجمعوا فصحائكم وبلغائكم وإنسكم وجنكم ليل نهار وهاتوا سورة من مثل سور القرآن، فإذا عجزتم تبين أن هذا ليس من كلام محمد عليه الصلاة والسلام ولا من كلام بشر على الإطلاق، إنما هذا من كلام الله: تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42].

    إذاً: (الم) من حروف لغة العرب، ما معناها؟ وما الحكمة من ذكرها؟ لتحدي العرب، كأن الله يقول لهم: القرآن مؤلف من هذه الأحرف فائتوا بقرآن من مثل هذه الأحرف إن كنتم صادقين، ثم انظر للحكمة من ذكر هذه الأحرف بصورة معينة تقرر هذا القول كما قاله الذين قالوا بهذا القول.

    هذا القول قال به المبرد واختاره جمع عظيم من المحققين، وهو الذي مال إليه شيخنا عليه رحمة الله في أضواء البيان، ونقله الإمام القرطبي عن قطرب والفراء، ومال إليه الإمام ابن كثير وقال: إليه ذهب الإمام العلَّامة شيخنا ابن تيمية، والحافظ أبو الحجاج المزي -شيخ الإمام ابن كثير ووالد زوجته، أي عمه في المصاهرة- قال به أئمة كرام.

    هذا القول الذي قاله هؤلاء الأئمة حقيقة يوجد ما يشير إليه، فانتبه لهذه الإشارة:

    الدليل الأول على أن الحروف المقطعة جاءت لتحدي العرب بإعجاز القرآن

    أولاً: استقراء القرآن يدل على هذا المعنى، والاستقراء من الأدلة المعتبرة التي يعول عليها الناس في تقرير الحقائق والأمور، فاستقراء القرآن يدل على أن هذه الحروف المقطعة ذكرت للإشارة إلى إعجاز القرآن وأنه من كلام الرحمن، وليس هذا من كلام أحد من بني الإنسان، كيف هذا؟

    الحروف المقطعة تقدم معنا -إخوتي الكرام- أنها أربعة عشر حرفاً ذكرت في تسع وعشرين سورة، هذه السور التي ذكرت فيها الحروف المقطعة ذكر فيها الانتصار للقرآن، وأنه من كلام الرحمن في خمس وعشرين سورة، باستثناء أربع سور -وسأذكر لمَ لم يذكر عقيبها ذكر القرآن- فلنذكر السور التي فيها ذكر القرآن عقيب الحروف المقطعة، لنبين أن هذه الأحرف إشارة إلى إعجاز ما بعدها، انظر لسورة البقرة وهي أول السور المفتتحة بالحروف المقطعة في المصحف: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2]، إذاً: هذا الكتاب الذي ليس فيه ريب وفيه هداية للمتقين مؤلف من الألف واللام والميم، ومن مثيلات هذا الأحرف من لغة العرب.

    السورة الثانية: سورة آل عمران: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [آل عمران:1-3]، فهذا الكتاب الذي نزل بالحق مؤلف من هذه الأحرف المقطعة التي هي من حروف لغة العرب.

    السورة الثالثة: سورة الأعراف: المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف:1-3].

    السورة الرابعة: سورة يونس الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ [يونس:1-2].

    السورة الخامسة: وهي سورة هود: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [هود:1-2].

    قال شيخنا عليه رحمة الله في أضواء البيان عندما تكلم على الحروف المقطعة في أوائل سورة هود: وإنما أخرت الكلام على الحروف المقطعة لأوائل سورة هود؛ لأن الحروف المقطعة غالبها ذكرت في السور المكية، وتقدم معنا جميع الحروف المقطعة ذكرت في سور مكية باستثناء سورتي البقرة وآل عمران، وفي الرعد خلاف هل هي مكية أو مدنية؟ يقول: إذاً أنا أخرت الكلام على الأحرف المقطعة إلى سورة هود لأنها مكية، وإذاً: ينبغي أن نتكلم على الحروف المقطعة في السور المكية، لأن الغالب أنها ذكرت في السور المكية.

    فإن قيل: سورة الأعراف مكية فلم لا تكلمت على الأحرف المقطعة في سورة الأعراف؟

    قال: لأن الدلالة في سورة هود أظهر منها في سورة الأعراف، على أن المراد من هذه الأحرف الانتصار للقرآن، والإشارة إلى أنه مؤلف من هذه الأحرف المقطعة في أوائل السور، الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1]، بواسطة هذه الأحرف التي تنطقون بها، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1]، ليس هذا من بشر على الإطلاق، بل مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:1-2].

    ولذلك إخوتي الكرام! كون هذه الأحرف ذكرت في السور المكية هذا مما يقرر أن المراد الإشارة إلى إعجاز القرآن؛ لأن المشركين كانوا يكثرون اللغط حول القرآن، ويكثرون الهذيان والافتراء والأوهام، فذكرت هذه الأحرف في بداية السور للصراخ عليهم بعجزهم، وأن هذا القرآن مؤلف من حروف لغتهم ولا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله، الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1]، بقية السور كلها مكية.

    سورة يوسف: وهي السادسة: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:1].

    السورة السابعة: الرعد: المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [الرعد:1].

    السورة الثامنة: سورة إبراهيم: الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:1].

    السورة التاسعة: سورة الحجر: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:1-2].

    السورة العاشرة: سورة طه: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:1-5].

    السورة الحادي عشرة: سورة الشعراء: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [الشعراء:1-2]، السورة الثانية عشرة: سورة النمل: طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:1].

    السورة الثالثة عشرة: سورة القصص: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص:1-3].

    السورة الرابعة عشرة: سورة لقمان: الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:1-2].

    السورة الخامسة عشرة: سورة السجدة: الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة:1-2].

    السادسة عشرة: سورة يس: يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس:1-3].

    السورة السابعة عشرة: سورة ص: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ [ص:1-2].

    السورة الثامنة عشرة: سورة حم المؤمن، غافر: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ [غافر:1-3].

    التاسعة عشرة: سورة حم فصلت: حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:1-3].

    السورة العشرون: سورة الشورى: حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الشورى:1-3].

    الحادية والعشرون: سورة الزخرف: حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:1-2].

    الثانية والعشرون: سورة الدخان: حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الدخان:1-2].

    الثالثة والعشرون: سورة الجاثية: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية:1-2].

    الرابعة والعشرون: سورة الأحقاف: حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الأحقاف:1-2].

    الخامسة والعشرون: ق: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1]، هذه خمس وعشرون سورة.

    بقي معنا أربع سورة افتتحت بالأحرف المقطعة ليس فيها ذكر القرآن بعدها، وهما سورة مريم، وسورة الروم، افتتحتا بالأحرف المقطعة وليس فيهما ذكر القرآن بعد الأحرف المقطعة، كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم:1-3]، والسورة الثانية: سورة الروم: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:1-3].

    قال الإمام الرازي عليه رحمة الله: ذكر في هاتين السورتين ما يشير إلى معنى ذكر القرآن فيهما، وهو الإشارة إلى أمر معجز، ففي سورة الروم أشار إلى أمر معجز: وهو أن الروم سيغلبون بعد أن غلبوا، وهذا إخبار بغيب، يقوله رب العالمين الذي يعلم السر وأخفى، يعلم الغيب في السموات والأرض، وفي سورة مريم أشار ربنا إلى أمر معجز، وهو أنه خلق من امرأة عاقر وشيخ هرم مولوداً، من زكريا وزوجه، وخلق بعد ذلك من أنثى بلا زوج عبداً صالحاً وهو عيسى على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    فإذاً هنا إشارة إلى أمر معجز، وهذا الأمر المعجز يكون من الله جل وعلا، فكأنه ذكر القرآن، أي أن هذا الإخبار الذي حصل عن هذا الأمر المعجز ينوب مناب ذكر القرآن، لأن القرآن معجز.

    إذاً بقي معنا سورتان: السورة الثالثة: العنكبوت: ما ذكر فيها القرآن ولا أمر معجز يساوي ذكر القرآن، الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2].

    قال الإمام الرازي عليه رحمة الله: ذكر الله في هذه السورة مضمون القرآن، ومضمون القرآن هو التكاليف، فأغنى ذلك عن ذكر القرآن، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، أي يختبرون بأنواع التكاليف الشاقة، كما قال الإمام الألوسي: كالمهاجرة، ورفض الشهوات ووظائف الطاعات، وفنون المصائب في الأنفس والأهل والأموال.

    والسورة الرابعة: وهي سورة ن: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1]، ما ذكر القرآن فيها مباشرة لكن ورد الإشارة إليه بعد آيات في نفس السورة، عندما قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم:2]، ثم ذكر العبد المأفون المغبون: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:15-16]، كيف يكون هذا القرآن من أساطير الأولين وترهاتهم وأوهامهم، وهو معجز مؤلف من النون ومثيلاتها من أحرف اللغة العربية؟!

    إذاً: في خمس وعشرين سورة ذكر الانتصار للقرآن صراحةً وأنه كلام الله بعد هذه الأحرف المقطعة، وفي ذلك إشارة إلى أن المراد من هذه الأحرف الإشارة إلى أن القرآن معجز، ومؤلف من حروف لغة العرب، فإذا كنتم في شك من ذلك فهاتوا قرآناً من هذه الأحرف، يماثل ويشابه القرآن الذي أتى به محمد عليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً: الدليل الأول: استقراء السورة التي ذكر فيها الأحرف المقطعة يشير إلى أن هذه الأحرف ذكرت انتصاراً للقرآن، وأنه معجز من كلام الرحمن.

    الدليل الثاني على أن الحروف المقطعة جاءت لتحدي العرب بإعجاز القرآن

    الدليل الثاني: واقع هذه الأحرف يقرر هذه القضية:

    تقدم معنا إخوتي الكرام في الموعظة الماضية أن هذه الأحرف ذكرت في خمس صور: على حرف وحرفين وثلاثة وأربعة وخمسة، ولا توجد زيادة، لمَ ذكرت بهذه الصور؟ ذكرت بهذه الصور للإشارة إلى التحدي، فكلام العرب لا يخرج عن هذه الأحوال الخمسة، فكلام العرب إما حرف وإما اسم وإما فعل.

    الحرف عندهم مركب من حرف ومن حرفين ومن ثلاثة فقط ولا يزيد: الباء حرف جر، (عن) حرف جر، (إلى) حرف جر، فالله إذاً ذكر هذه الأحرف بصورة حرف وحرفين وثلاثة أحرف، فيصنع حروفاً منها كحروفهم الموجودة بحرف أو حرفين أو ثلاثة.

    والأسماء عند العرب لا تخرج عن ثلاثة أحوال أيضاً، إما ثلاثة أحرف، وإما أربعة، وإما خمسة، وما عدا هذا فهو مزيد ليس بأصلي؛ فمثال هذا أسماء العرب: حسن وحسين وحسناء، إذا كان كذلك فاصنعوا من هذه الأحرف التي صنعت وذكرت بهذه السور ثلاثة وأربعة وخمسة أسماء، وركبوها في جمل لأجل أن تكون كما هو في هذا القرآن فصاحة وبلاغة.

    وأما أفعال العرب فلا تخرج عن صورتين: إما ثلاثة أحرف وإما أربعة، وهذا جاء في هذه الأحرف المقطعة، منها ما هو على ثلاثة ومنها ما هو على أربعة، فإذاً هذه الأحرف في جميع صورها ما خرجت عن استعمالات العرب، من حرف إلى حرفين إلى ثلاثة، من ثلاثة إلى أربعة إلى خمسة، من ثلاثة إلى أربعة في أفعالهم، فإذاً هذه الأحرف كررت على حسب استعمالكم في لغتكم، من حروفكم وأسمائكم وأفعالكم، فصيغوا من هذه الأحرف قرآناً يشابه القرآن الذي أتى به محمد عليه الصلاة والسلام.

    وقد تقولون: هذه الأحرف سبقنا محمد -عليه الصلاة والسلام- إليها فاستعمل حروفنا، فكيف نحن سنستعملها مرةً ثانية؟ فيقال: اطمئنوا! نحن استعملنا نصفها وتركنا لكم النصف الآخر، فنحن استعملنا النصف وذكرناها في فواتح السور، فلئلا تقولوا سبقنا محمد عليه الصلاة والسلام إلى استعمال سائر الأحرف، فكل سورة سنضع فيها حرفاً في بدايتها سيقال لنا: سبقتم إليها؟ لا، هناك أحرف ما ذكرت على الإطلاق، هاتوا سورة وضعوا بعض الأحرف التي لم تذكر في أوائل بعض السور التي ذكرت فيها الأحرف المقطعة، وضعوا تلك الأحرف فيها، لأن هذا القرآن الذي نزل على محمد عليه صلوات الله وسلامه، ما ذكرت سائر حروفكم في مطلع سوره، إنما ذكرت نصف أحرفكم وبقي عندكم النصف، وهذه القسمة العادلة بيننا وبينكم، فإذا كنتم تخرفون وتفترون وتكذبون وتقولون: هذا من صنع محمد عليه الصلاة والسلام، ففي وسعكم في البقية أن تصنعوا كما صنع، ولا تقولوا: هو سبقنا لكل الأحرف فكيف سنصنع قرآناً من هذه الأحرف التي استعملها هو وسبقنا بالاستعمال؟

    وحقيقة هذا القول الذي قال به هؤلاء الأئمة الكرام يمكن أن يقبل، ولا أقول إنه قطعي، ولكن لا محذور فيه، وذكرت أنه ذهب إليه أجلة من مشايخ هذه الأمة وعلمائها، منهم الإمام ابن تيمية وابن كثير والشيخ أبو الحجاج المزي والشيخ المبارك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عليهم جميعاً رحمة الله، وذهب إلى هذا جمع عظيم من المحققين، وهو أن الحروف المقطعة حروف من لغة العرب، معناها معلوم والحكمة من ذكرها معروفة، وهي الإشارة إلى أن هذا القرآن مؤلف من هذه الأحرف، فإذا كنتم تشكون في هذا فاصنعوا قرآناً من هذه الأحرف يماثل هذا القرآن: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:23-24].

    وحقيقة ما ذكر لهذا القول من الأدلة تدور على دليلين: دليل الاستقراء، ودليل كيفية ذكر هذه الأحرف في أوائل بعض سور القرآن، وأنها إشارة إلى إعجاز القرآن، لأنه مركب من هذه الحروف العربية التي تنطقون بها وتتكلمون بها، وجاءت هذه الأحرف في مطلع السور على حسب استعمالكم في أسمائكم وحروفكم وأفعالكم، فإذا عجزتم عن استعمال ما بقي من الأحرف لصنع قرآن يشابه هذا القرآن، دلّ هذا على أنه من كلام الرحمن.

    هذا القول الأول من الأقوال العشرة.

    1.   

    المعنى الثاني للحروف المقطعة أنها أسماء للسور المذكورة فيها

    القول الثاني من الأقوال العشرة: قيل إن هذه الأحرف المقطعة في أوائل سور القرآن هي أسماء لسور القرآن، فـالم [البقرة:1] البقرة، هذا اسم لسورة البقرة؛ لكن بما أنه شابهها بعض السور في هذه الأحرف المقطعة فتنعت السورة بنعت آخر، فتقول: اقرأ سورة الم البقرة، الم العنكبوت، كما تقول: جاء زيد، نقول: مَن زيد؟ يقول: ابن عبد الرحيم، لأنه يوجد زيد بن عبد الرحيم وابن إبراهيم، فنعته بنعت آخر لتميزه عن غيره ممن يشاركه في تلك التسمية.

    فـ(الم) اسم للسورة، إذاً سميت السورة بسورة (الم)، وكما سميت بسورة البقرة، وكما سميت بسورة النساء، وكما سميت بسورة الأحقاف، هنا (الم)، (حم) اسم للسورة التي ذكرت فيها. إن قلت لك: من أي الحواميم أقرأ؟ تقول: (حم) الدخان، فإذاً أقرأ لك هذه السورة، إنما (حم) هذه اسم للسورة، لكن لو لم يكن لهذا الاسم شبيه ومثيل في القرآن فلا داعي أن أذكر معه نعتاً آخر، فأقول لك: اقرأ سورة (ق)، لا تقول لي أي (ق)؟ لأنه لا يوجد اسم آخر، واقرأ سورة (ن)، واقرأ سورة (ص)، اقرأ سورة (المص)، فلا تقل لي: أي سورة؟ هذه معروفة، يعني سورة الأعراف، لأنه لا يشاركها في هذه التسمية أحد، اقرأ سورة (المر)، لا يشاركها أحد، اقرأ سورة (حم) (عسق)، أي السورة المسماة بهذا الاسم، اقرأ سورة (كهيعص) لا داعي لأن أقول لك: مريم، لكن عندما أقول: اقرأ سورة (الر)، تقول: أي (الر) أقرأ؟ تقول: (الر) هود، التي ميزتها مثلاً عن يونس، وهكذا سورة (طسم) القصص أو الشعراء، ولو قلت لك: اقرأ سورة (طس) فهذه سورة النمل لا يشاركها غيرها فلا داعي إلى أن نقول: (طس) النمل.

    إذاً: الشاهد أن هذه الأحرف المقطعة أسماء للسور، حروف من لغة العرب، عرفنا المراد منها من جميع الوجوه، ما هو؟ اسم للسورة، (الم) اسم للسورة التي هي سورة البقرة وسورة آل عمران وبقية السور.

    نقل هذا في تفسير الطبري عن إمام من أئمة التابعين وهو زيد بن أسلم، ونقله الحافظ في الفتح وعزاه إلى تفسير عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وهذا القول هو الذي اختاره إمام النحو سيبويه، وكنت ذكرت إخوتي الكرام أن كل اسم يختم بـ(ويه) لا ننطقه في أبحاثنا الشرعية إلا بضم ما قبل الواو، وإسكان الواو وفتح الياء، فماذا نقول: سيبويه ، وأما أئمة اللغة فيقولون سيبويه ، ما لنا ولهم؟ وضبطه هو حتى في الفارسية سيبويه ، وأما في الشريعة فلا نقول: (ويه) على الإطلاق.

    ثبت في كتاب معاشرة الأهلين لـأبي عمرو الموقاتي عن ابن عمر رضي الله عنهما، والأثر نقل أيضاً عن الإمام الشعبي أن (ويه) اسم شيطان، فكل شيء يختم بويهٍ ننفثه، ونتصرف فيه ونخرجه عن هذه الصورة، فـسيبويه سيِبُويَه، إسحاق بن راهويه راهُوْيَه، وجميع المحدثين يقولون هذا، نفطويه نفطويه، وهكذا سائر الأسماء، كل ما يختم بـ(ويه) نضم ما قبل الواو ونسكن الواو ونفتح الياء، وهذا قرره أئمتنا بلا خلاف بينهم، وأقول اصطلاحاً خاصاً، لكن صار الأمر المقرر عند أئمتنا مجهولاً عندنا.

    ذكر هذا الإمام السيوطي في تدريب الراوي (ص:226) عند ترجمة العبد الصالح إسحاق بن راهويه بن إبراهيم الحنظلي شيخ الإمام البخاري عليهم جميعاً رحمة الله، قال: هذا أول لفظ يرد معي في هذا الكتاب يختم بويه، وضبط هذا الاسم عند علماء الشريعة كذا وعند علماء النحاة كذا، كما ذكرت لكم في سيبويه.

    وقرر هذا الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات في القسم الأول منه (2/258)، وقرره السيوطي في بغية الوعاة في طبقات النحاة (1/428)، وذكره الإمام ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان (3/465) وانظروا جميع كتب الأحاديث المؤلفة في الأحاديث المشتهرة على الألسن، ككتاب: المقاصد الحسنة، وكشف الخفاء للإمام العجلوني عليهم جميعاً رحمة الله عند حرف الواو ويه، كلهم تعرضوا لهذا، وقالوا: إن (ويه) اسم شيطان، نقل هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما وعن الإمام الشعبي، وأن علماء الشريعة يضبطونها بضم ما قبل الواو وإسكان الواو وفتح الياء.

    سيبويه إمام النحو اختار هذا القول، وهي أن الأحرف المقطعة أسماء للسور التي ذكرت فيها، هذا قول سِيبُويَه وهو الذي مال إليه الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي. وحجة هذا القول أمران أيضاً:

    الأمر الأول: أن هذا جارٍ على لغة العرب، وفاشٍ بينهم، فيطلقون هذه الأحرف المقطعة على أسماء لمسميات كثيرة من أشخاص وغيرهم، فالعرب سموا والد حارثة الطائي باسم لآم فقالوا: حارثة بن لآم الطائي، شخص اسمه لآم، فسورة البقرة اسمها (الم)، و(ن) اسمها (ن) بهذا الحرف، إذاً حارثة بن لآم الطائي وسمى العرب النقد عيناً، والسحاب غيناً، والحوت يسمونه نوناً، فسمى العرب إذاً أسماء متعددة مختلفة بالحروف المقطعة، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، فـ(ق) اسم للسورة، (حم) اسم للسورة، فهذا الدليل الأول، أن هذا مستعمل في لغة العرب.

    والدليل الثاني: ورد في السورة المطهرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام ما يشير إلى هذا ويقرره، ثبت في الصحيحين والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث رواه الإمام مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بـ(الم * تَنزِيلُ) السجدة)، فــالم هذا اسم لها، لكن عندنا ست سور فيها (الم)، فأي (الم)؟ قال: ((الم تَنزِيلُ) السجدة)، يعني التي فيها تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة:2]، التي هي سورة السجدة.

    (كان يقرأ في صلاة الفجر بـ(الم * تَنزِيلُ) السجدة، ويقرأ في الركعة الثانية بـ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1])، أي: بسورة الإنسان.

    فهذه إشارة إلى أن (الم) اسم للسورة، لكن (الم) قلنا يسمى بها ست سور فلابد من تمييزها عن غيرها، فقلنا (الم * تَنزِيلُ)، أي: ليس الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:1-2].

    إخوتي الكرام! ويسن أن يقرأ المسلمون وخاصة في المساجد في صلاة الفجر يوم الجمعة بهاتين السورتين، ولا داعي لضجيج العامة، ولا داعي لغوغاء العامة، والإمام هو إمام وليس بمأموم، فإذا قال له المأمومون: نتضايق! فهو إمامهم، لا ينبغي أن يكون الإمام مأموماً ويسير وراء أهواء العامة، فينبغي أن يقرأ هاتين السورتين، دائماً باستمرار، ويسجد إذا جاء لآية السجدة، هذا ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    إنما يقول الإمام ابن القيم في زاد المعاد (1/209): بعض العلماء رأى أن نترك القراءة في صلاة الفجر بهاتين السورتين لمحذور وقع فيه الناس، وهو أنه يسن أن نقرأ سورة سجدة في صلاة الفجر يوم الجمعة، وهو أنه شرعت هاتان السورتان من أجل السجدة، وهذا ما أدركت عليه كثيراً من الأئمة، ولذلك الناس لا يقرءون سورة (الم * تَنزِيلُ) السجدة من أولها لآخرها، يقرءون في الغالب من وسطها، وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة:10] من آية عشرة! أدركت كثيراً الأئمة يقرءون من هنا، ثم يأتي للسجدة ويسجد، ثم يقرأ بعدها آيتين وينهي السورة ولا يكملها، ورأيت بعض الأئمة يقرءون سورة العلق من أجل السجدة في الركعة الأولى، فلما صار في أذهان العامة أنه ينبغي أن نقرأ سورة سجدة، رأى بعض العلماء أن ننبه الناس إلى السنة، وأنه ما شرعت هذه السورة من أجل السجدة، وأن صلاة الفجر يوم الجمعة فضلت بسجدة على سائر الصلوات، ما شرعت من أجل السجدة، إنما شرعت من أجل أنه في هاتين السورتين الإشارة إلى أمر المبدأ والمعاد، وما يتعلق بخلقنا، وبعد ذلك إلى أننا سنئول إلى جنة أو إلى نار، وهذه الأمور كلها ستحصل يوم الجمعة، ففيه خلق آدم وفيه قبض، وفيه الصعقة وفيه تقوم الساعة، فلأجل تذكير الناس بهذا اليوم وما فيه من حوادث وقعت وستقع نقرأ هاتين السورتين، لأن فيهما الإشارة إلى بدأ الخلق وإلى نهايته، وإلى مصير المكلفين يوم الدين إلى جنة وإلى نار، إذاً: يقرأ (الم * تَنزِيلُ) السجدة.

    وقد ثبت في صحيح البخاري في كتاب التفسير عند تفسير سورة غافر (حم) المؤمن، قال الإمام البخاري: مجازها حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر:1-2]، مجازها أي: تفسيرها، قال مجاهد: مجازها مجاز أوائل السور، يعني تفسيرها كتفسير أوائل السور، حروف مقطعة الله أعلم بمراده، ويقال: هذا كلام الإمام البخاري عليه رحمة الله: بل هو اسم (حم)، هذا اسم للسورة، بل هو اسم لقول شريح بن أبي أوفى العبسي:

    يذكرني (حم) والرمح شاجر فهلا تلا (حم) قبل التقدم

    هذا الرجل شريح بن أبي أوفى العبسي رفع رمحه على محمد بن طلحة رضي الله عنهم أجمعين الذي يقال له السجاد من كثرة عبادته وخشوعه لربه، وخرج مع والده طلحة في الخصومة التي وقعت في موقعة الجمل، وقد أوصى علي رضي الله عنه من أدرك محمد السجاد أن لا يقتله لأنه خرج براً بأبيه ولم يحمل السلاح، فخرج طلحة وأراد من ولده أن يخرج فخرج؛ لكن ما حمل السلاح، فقال علي: من أدرك منكم محمد السجاد فلا يقتله، ما خرج لقتال وليس هذا من البغاة، إنما خرج براً بأبيه، أمره بالخروج فخرج دون مشاركة في قتال، فلما التقى شريح بن أبي أوفى العبسي بـمحمد بن طلحة السجاد ورفع عليه الرمح، تلا عليه سورة (حم) وفيها أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28]، فكيف تقتلني وأنا مؤمن وأنت مؤمن، فقال شريح:

    يذكرني (حم)، أي: السورة المسماة بهذا الاسم، فأعربها -على أنها اسم للسورة- إعراب ما لا ينصرف:

    يذكرني (حم) والرمح شاجرٌ فهلا تلا (حم) قبل التقدم

    (الرمح شاجرٌ) أي: مصلت إليه.

    لماذا ما تلاها قبل أن يتقدم وقعد في بيته؟ لماذا جاء إلى القتال فلما رفعت إليه الرمح يتلو عليّ الآية؟ لكن هو كما قلنا ما خرج لقتال.

    الشاهد أنه أعرب (حم) إعراب الأسماء التي لا تنصرف.

    إذاً: هذا هو القول الثاني، هذا القول يدخل فيه أيضاً أقوال أخرى أذكرها في أول الموعظة الآتية إن شاء الله، وأسرد بقية الأقوال إن أحيانا الله، في الغالب سيكون الأسبوع الآتي إن أحيانا الله بداية رمضان، هذا الغالب!

    والذي يظهر والعلم عند الله أن دروس التفسير ستتوقف في شهر رمضان، وسأعوضها بثلاثة دروس تكون بعد صلاة القيام والتراويح إن شاء الرحمن.

    لكن فيها شيء من الاختصار لئلا يحصل هناك ملل من كثرة الكلام، ونسأل الله حسن الختام، فلعل الدرس يكون بحدود ساعة أو أنقص، فيما يتعلق بصيام شهر رمضان، وما فيه من حكم وأحكام وفوائده إن شاء الله، وأما دروس التفسير فنتوقف عند هذا المقدار إن أحيانا الله إلى ما بعد رمضان، ونسأل الله إذا توفانا أن يتوفانا على الإيمان.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك!