إسلام ويب

مقدمة في التفسير - أحكام البسملة [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإتيان بالبسملة مستحب عند ابتداء كل أمر مباح أو مأمور به، وهي من القرآن في سورة النمل، واختلف أهل العلم قراؤهم وفقهاؤهم في البسملة أوائل السور، وما يترتب على هذا الخلاف من الحكم بقراءتها عند أول كل سورة، والإسرار أو الجهر بها في الصلاة تبعاً لذلك.

    1.   

    مجمل ما ذكر في عدد آي الفاتحة وكون البسملة آية فيها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أخواتي الكريمات! لا زلنا نتدارس مقدمة تفسير سورة الفاتحة، وهذه المقدمة كما بينت تدور على ستة أمور: على نزول الفاتحة أين نزلت، وعلى بيان موضوعها، وعلى ذكر فضلها، وعلى تعداد أسمائها، وعلى بيان عدد آياتها، وعلى صلتها بما بعدها، ووجه ترتيبها في المصحف في المكان الذي وضعت فيه.

    أخواتي الكريمات! المبحث الخامس الذي كنا نتدارسه في المعالم البارزة لتفسير سورة الفاتحة هو: عدد آيات سورة الفاتحة، وبينت عند هذا المبحث: أن سورة الفاتحة هي سبع آيات بالاتفاق، لكن اختلف أئمتنا في كيفية عد آياتها حسبما نقل عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وهذا الاختلاف -كما تقدم معنا- منحصر في قولين اثنين:

    القول الأول: أن البسملة هي آية من الفاتحة، وهي الآية الأولى من سورة الفاتحة، وقلت: على هذا مصاحف الكوفة ومكة.

    والقول الثاني: أن البسملة ليست آية من الفاتحة، والآية الأولى من سورة الفاتحة هي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] وبينت عند هذين القولين ما ينبغي أن يعيه المسلم نحو هذه القضية.

    ثم بعد ذلك تعرضت لقرآنية البسملة وهل هي من القرآن أم لا؟

    وبينت محل الاتفاق أيضاً فقلت: إنها بعض آية من سورة النمل بالاتفاق، وبعض البسملة آية من سورة الفاتحة بالاتفاق كما تقدم معنا بسط هذا وتقريره فيما مضى، ثم ما عدا هذين الأمرين وقع الاختلاف كما ذكرت ذلك في خمسة أقوال عند أئمتنا الأبرار:

    أولها: أن البسملة آية من الفاتحة وليست آية من بقية سور القرآن.

    والقول الثاني: هي آية من الفاتحة ومن كل سورة من سور القرآن إلا براءة.

    والقول الثالث: هي آية من الفاتحة، وبعض آية من سور القرآن الأخرى إلا براءة.

    والقول الرابع: ليست البسملة آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، إنما هي آية مستقلة لا تتبع سورة من السور، رسمت في أوائل السور للإعلام والإعلان؛ لأن السورة الماضية انتهت وسيشرع الإنسان في سورة جديدة.

    خامس الأقوال وهو آخرها: أنها ليست آية لا مستقلة، ولا آية من السورة التي سنقرؤها، ولا بعض آية من السورة التي سنقرؤها وإنما كتبت فقط في أوائل السور للتبرك.

    وهذه الأقوال الخمسة مع القول الأول ذكرت توجيه هذه الأقوال وأدلتها ومن قال بها فيما تقدم.

    1.   

    حالات قراءة البسملة عند تلاوة كلام الله جل وعلا وكيفية ذلك

    ووصلنا إلى كيفية قراءة البسملة عندما نريد أن نقرأ السورة، وكيفية قراءة البسملة عند تلاوة كلام الله جل وعلا:

    وقارئ القرآن له حالتان اثنتان:

    الحالة الأولى: القراءة خارج الصلاة

    الحالة الأولى: أن يقرأ القرآن خارج الصلاة، فإذا قرأ القرآن خارج الصلاة فقد أجمع أئمتنا على مشروعية الإتيان بالبسملة واستحباب تلاوتها وذكرها والإتيان بها أول كل سورة ابتدأ القارئ بتلاوتها إلا سورة براءة. وهذا لا خلاف فيه، فأي سورة من سور القرآن أراد أن يقرأها بدءاً من الفاتحة وانتهاء بسورة الناس يسن له ويستحب له أن يأتي بالبسملة في أول القراءة في مطلع وفي بداية السورة وفي فاتحة السورة إلا سورة براءة فإذا قرأها لا يبسمل في أولها، وما عداها من السور إذا كان يقرأ خارج الصلاة -كما قلت- فبالإجماع يشرع له ويستحب له ويطلب منه أن يأتي بالبسملة في بداية السورة، وهذا محل اتفاق، وكذا سورة براءة فبالاتفاق أيضاً إذا قرأها وابتدأ بها وقرأ من أولها لا يبسمل في بدايتها.

    أقوال العلماء في التعليل لعدم كتابة بسم الله الرحمن الرحيم في أول سورة التوبة

    اختلف أئمتنا في السبب الذي من أجله لا يبسمل الإنسان في أول سورة براءة، ولم تكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول السورة، وأعني ببراءة سورة التوبة في المصحف الكريم. وحاصل أقوالهم في ذلك ثلاثة أقوال معتبرة قال بها أئمتنا البررة:

    القول الأول: أن البسملة أمان وسورة التوبة نزلت بالسيف

    القول الأول في عدم الإتيان بالبسملة في أول سورة البراءة، يقول أصحاب هذا القول: إن البسملة أمان، فيها (بسم الله الرحمن الرحيم)، وسورة التوبة نزلت بالسيف، ونزلت بتهديد المنافقين وببراءة الله من المشركين الملعونين، فلا يتناسب أن يذكر في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم). وهذا القول منقول عن علي رضي الله عنه. رواه الحاكم في المستدرك في الجزء الثاني صفحة(330). ورواه أيضاً أبو الشيخ والإمام ابن مردويه في تفسيره ولفظ الأثر: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لـعلي رضي الله عنهم أجمعين: لِم لم تكتب بسم الله الرحمن الرحيم في أول سورة براءة؟ فقال علي رضي الله عنه وأرضاه: بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وسورة التوبة نزلت بالسيف ليس فيها أمان، ففيها براءة الله من المشركين والكافرين، وفيها أمر الله لنا بقتال المشركين إذا انسلخ الأشهر الحرم أينما وجدناهم ولقيناهم. فلا يتناسب مع هذا التهديد والوعيد الشديد أن يذكر في أول السورة (بسم الله الرحمن الرحيم).

    وإلى هذا المعنى يشير الإمام الشاطبي عليه رحمة الله في (حرز الأماني ووجه التهاني) في نظمه في القراءات السبع المتواترة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ونظمه هو المعروف والمسمى والمشتهر بين الناس بالشاطبية نسبة للإمام الشاطبي عليه رحمة الله.

    يقول في نظمه:

    ومهما تصلها أو بدأت براءة لتنزيلها بالسيف لست مبسمل

    ومهما تصلها، أي: تصل سورة التوبة بما قبلها. أي: سورة الأنفال، فإذا وصلت أول التوبة بآخر الأنفال أو بدأت بأول التوبة دون أن تقرأ ما قبلها إنما ابتدأت بقراءة سورة التوبة: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة:1] ففي الحالتين إن وصلت أول التوبة بآخر الأنفال أو ابتدأت القراءة بأول التوبة فلا تأت بالبسملة.

    ومهما تصلها أو بدأت براءة لتنزيلها بالسيف لست مبسمل

    ولذلك لا يأتي الإنسان بالبسملة -بسم الله الرحمن الرحيم- في أول سورة التوبة لهذه العلة ألا وهي أن سورة التوبة نزلت ببراءة الله من الكافرين والمشركين وبإلزام الله للمؤمنين بقتال الكافرين أينما وجدوهم، وهذه المعاني لا ينبغي أن يذكر معها بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا هو المنقول عن علي رضي الله عنه وأرضاه.

    ونقل مثل هذا المعنى عن عدة من الصحابة الكرام الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين، وثبت ذلك عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح، وأقر الإمام الذهبي تصحيح الحاكم ، ولفظ أثر حذيفة رضي الله عنه وأرضاه قال: (ما تقرءون ربعها). يعني: سورة التوبة، ويشير بذلك إلى أن هذه السورة كانت طويلة كبيرة تعدل سورة البقرة وتزيد عليها، لكنه نسخ منها ما نسخ: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106].

    قوله: (ما تقرءون ربعها) يعني: نسخ أكثر من ثلاثة أرباعها وما بقي إلا الربع منها، وهذا الذي بقي هو الذي أمرنا الله جل وعلا بتلاوته وبالعمل بما فيه، وآيات كثيرة نزلت بالأمر الأول ثم نسخت ولله الحكمة البالغة في ذلك.

    قال: (ما تقرءون ربعها، وإنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب). ولا يريد حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن ينفي هذا الاسم -أعني: سورة التوبة- عن هذه السورة وإنما يريد أن يقول: هي مع كونها تسمى بسورة التوبة وبراءة وبغير ذلك من الأسماء فهي أيضاً سورة العذاب.

    وسورة التوبة لها أسماء كثيرة ولذلك قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الجزء الثامن صفحة (314) عند تفسير سورة التوبة يقول: (أشهر أسمائها: سورة التوبة، وسورة براءة، ولها أسماء أخرى تزيد على العشرة، وأسماؤها بلغت أربعة عشر اسماً).

    فكأن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما يقول في كلامه المتقدم: أنتم تسمونها سورة التوبة لكن فيها هذا المعنى فانتبهوا له أيضاً، وهي سورة العذاب. وهذا الأثر الذي رواه الحاكم بسند صحيح عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهم أجمعين رواه أيضاً ابن أبي شيبة في مصنفه، وأبو الشيخ والإمام ابن مردويه في تفسيره وأبو عبيد في فضائل القرآن، ورواه الإمام ابن المنذر في التفسير كما في الدر المنثور في الجزء الثالث (ص:209)، والأثر رواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط بسند رجاله ثقات كما قال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد في الجزء السابع (ص:28).

    إذاً: هذا القول الثاني قول حذيفة رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين: (ما تقرءون ربعها وإنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب).

    نقل أيضاً تسميتها بذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، روى ذلك عنه أبو عوانة والإمام ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قيل لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه: سورة التوبة؟ فقال: هي إلى العذاب أقرب). كأنهم يقولون: تسمى بهذا الاسم سورة التوبة؟ فقال عمر رضي الله عنهم أجمعين: (هي إلى العذاب أقرب، ما أقلعت عن الناس حتى ما كادت تترك أحداً منهم). يعني: ما انتهت هذه السورة حتى ما كادت تترك أحداً منهم؛ لأن الله يقول في هذه السورة بكثرة ومنهم ومنهم مثل قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ... [التوبة:75] إلخ الآيات.

    وقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49]، وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:58]، ومنها قوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة:61] ، الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:79]، ومنهم ومنهم ... يكني عنهم فتذكر أوصافهم وتكشف عما في ضمائرهم وسرائرهم، فما زال ينزل فيها: ومنهم ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لن تترك أحداً إلا ذكرته بصفاته وأوصافه.

    إذاً: هذا قول عن عمر رضي الله عنه يقرر ما تقدم من قول علي وحذيفة رضي الله عنهم أجمعين.

    وثبت أيضاً القول بذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين: روى ذلك ابن مردويه في تفسيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (يسمونها سورة التوبة وإنها سورة العذاب) أي: إخبار الله بتعذيبه للكافرين وبراءته منهم في الدنيا وفي كل حين.

    إذاً: هذا التعليل الأول لعدم كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول سورة التوبة، وعليه؛ فلا نأتي بالبسملة في أول سورة التوبة إذا قرأنا القرآن خارج الصلاة كما كنت أتكلم على هذه الحالة: حكم البسملة في أول السور خارج الصلاة، فقلت: تستحب البسملة في أوائل جميع السور إلا براءة، فإذا قرأ سورة براءة لا يبسمل، وإن وصلها بما سبقها لا يبسمل.

    ومهما تصلها أو بدأت براءة بتنزيلها بالسيف لست مبسمل

    وهذا القول الذي نقل عن عدة من الصحابة الكرام قال به أيضاً عدد من التابعين الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين، نقل ذلك الإمام ابن الجوزي في زاد المسير في الجزء الثالث (ص:39) عن سفيان بن عيينة رحمه الله ورضي الله عنه، وهذا موجود في تفسيره المطبوع المنسوب إليه في (ص:257)، ونسبه إليه الإمام الثعلبي في كتابه: (الكشف في التفسير)، ونسبه إليه الإمام الخازن في (لباب التأويل) أيضاً، ولفظ أثر ابن عيينة رضي الله عنه وأرضاه قال: (التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في كشف المنافقين -نزلت في المنافقين في بيان أحوالهم وغضب الله عليهم-، فلا ينبغي أن تذكر البسملة في أولها لأنها رحمة، والرحمة أمان، ولا أمان للكافرين ولا للمشركين عند رب العالمين).

    هذا هو التعليل الأول.

    القول الثاني: أن سورة التوبة تتمة لسورة الأنفال

    التعليل الثاني لعدم ذكر البسملة ولعدم قراءتها في أول سورة التوبة خلاصته: أن سورة التوبة من أواخر ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، وقبل سورة التوبة سورة الأنفال، وسورة الأنفال من أوائل ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة، فموقعة بدر كانت في السنة الثانية وسورة الأنفال نزلت قبيل موقعة بدر وما جرى فيها، وفي حكم المغانم التي غنموها: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ [الأنفال:1] وهي المغانم قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال:1] ... إلخ الآيات.

    إذاً: سورة الأنفال من أوائل ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة، وسورة التوبة من أواخر ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة، وموضوع السورتين واحد، فالسورة الثانية تكمل موضوع السورة الأولى تماماً، فالسورة الأولى تحدثت عن المغانم وعن أحكام الجهاد، والسورة الثانية أمرتنا بقتال الكافرين في كل حين والبراءة منهم، ووضعت الدستور النهائي للأمة الإسلامية الذي ينبغي أن تسير عليه، فقسمت الناس إلى ثلاثة أقسام: إلى مسلم مؤمن، وإلى مسالم آمن من أهل الكتاب يدفع الجزية وهو ذليل صاغر، وإلى محارب خائف.

    إذاً: الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام لا رابع لها: مسلم مؤمن، أخ لنا له ما لنا وعليه ما علينا، ومسالم من أهل الكتاب قبل أن يدفع الجزية وعليه الذلة والصغار فهو آمن أيضاً، ومن عدا هذين الصنفين محارب خائف أينما لقيناه قتلناه. وهذا هو الدستور النهائي الذي رسمته سورة التوبة وهي من أواخر ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة.

    إذاً: هذه السورة بينت ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع الإسلامي، فسورة التوبة مع سورة الأنفال تشتركان في وضع البناء للمجتمع الإسلامي، وتشتركان في بيان نشر الدعوة بمراتبها المرحلية التي ذكرت في سورة الأنفال، والنهائية التي قررت في سورة التوبة.

    إذاً: موضوع السورتين واحد، وسورة التوبة تكمل سورة الأنفال، وإذا كان الأمر كذلك فهل هاتان السورتان تعتبران كأنهما سورة واحدة فلا نبسمل في أول سورة التوبة لأنها كالتتمة لسورة الأنفال وقد ذكرت البسملة في أول سورة الأنفال فهما سورتان في العد لكنهما في الحكم سورة واحدة؟ هل هذا يمكن أن يعتبر؟

    قالوا: الأمر يمكن أن يعتبر، وإلى ذلك أشار الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام، وحديث عثمان رضي الله عنه رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه أبو داود في سننه، والإمام الترمذي في سننه أيضاً، ورواه الحاكم في المستدرك وصححه وأقره عليه الذهبي، ورواه ابن حبان في صحيحه، ورواه البيهقي أيضاً في السنن الكبرى، وفي كتاب دلائل النبوة، والحديث حسن إن شاء الله ولا ينزل عن درجة الحسن بعون الله.

    وقد ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري في موطنين وحكى تصحيح الأئمة لهذا الحديث ولم يعترض عليهم. ذكره في المجلد الثامن (ص: 314)، وفي المجلد التاسع (ص:42).

    وهكذا ذكره الإمام العيني في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري في الجزء الثاني عشر (ص:253)، ولفظ الحديث: (عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لعثمان رضي الله عنهم أجمعين: ما حملك على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني؟)

    ويقصد بالمثاني: السور التي تقل آياتها عن مائة آية ولم تكن من المفصل؛ لأن القرآن ينقسم إلى أربعة أقسام:

    الأول: السبع الطول وهي السبع السور الأولى طويلة.

    الثاني: المئون وهي ما زادت آياته على مائة آية من السور فيقال له: مئون ومئين.

    والثالث: المثاني، وهو ما كان من غير المئين وليس من المفصل.

    والرابع: وهو المفصل الذي يبتدئ من (ق) إلى نهاية القرآن .. إلى الناس. هذه يقال لها: المفصل؛ لكثرة الفصل بين السور بالبسملة؛ لأن السور في الغالب قصيرة في الربع الأخير من القرآن.

    فقال ابن عباس رضي الله عنهما لعثمان الذي تولى جمع القرآن في الجمع الثاني ونشره في مصحف بعد أن كان في صحف في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين، فقال: (ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين. أي: زادت آيات سورة براءة على المائة، وسورة الأنفال أقل من مائة، فهذه من المثاني وتلك من المئين . قال: ما حملكم على أن قرنتم بينهما، جعلتم براءة بعد الأنفال ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول؟

    فقال عثمان رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً، وكانت قصتها شبيهة بقصتها -يعني: قصة وموضوع سورة التوبة يشبه قصة وموضوع سورة الأنفال- فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب سطر: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطول ) والحديث -كما قلت- لا ينزل عن درجة الحسن.

    قال الحافظ ابن حجر في الفتح في الجزء الثاني (ص:42) معلقاً على هذا الحديث: هذا الحديث يدل على أن ترتيب الآيات في كل سورة كان توقيفاً. أي: من قبل النبي عليه الصلاة والسلام ولا دخل في ذلك لأي إنسان كان.

    يقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، ولما لم يفصح النبي عليه الصلاة والسلام بأمر براءة يعني: هل هي تابعة للأنفال أو مستقلة؟ وهل نكتب بسم الله الرحمن الرحيم في أولها أم لا؟ لما لم يبين النبي عليه الصلاة والسلام هذا، ولما لم يفصح النبي عليه الصلاة والسلام بأمر براءة أضافها عثمان إلى الأنفال اجتهاداً منه رضي الله عنه.

    وعليه؛ بما أن موضوع السورتين واحد جعلت سورة التوبة تابعة للأنفال ولم يفصل بينهما بـ(بسم الله الرحمن الرحيم).

    وهذا أيضاً تعليل ثان لهذا القول -أي: القول بعدم قراءة البسملة في أول سورة التوبة- ولذلك أخرج الإمام النحاس في الناسخ والمنسوخ عن عثمان رضي الله عنه وأرضاه قال: ( كانت الأنفال وبراءة يدعيان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم القرينتين -هذه قرينة تلك، لا تفارقها بل تلازمها- فلذلك جعلتها بعدها ولم أكتب بسم الله الرحمن الرحيم ).

    ثم قال عثمان: (فلذلك جعلتهما في السبع الطول) الطول: بضم الطاء جمع الطولى كالكبر جمع الكبرى، وهي السور السبع الأولى، أولها: البقرة، ثم آل عمران، ثم النساء، ثم المائدة، ثم الأنعام، ثم الأعراف، والسورة السابعة الأنفال وبراءة، مجموعهما سورة واحدة فيكملان السبع الطول.

    القول الثالث: لأن المشركين ردوا البسملة في بداية الأمر في صلح الحديبية فعوقبوا بحرمان بركتها في نهاية الأمر عندما نبذت العهود إليهم

    التعليل الثالث لم يقل به صحابي أو تابعي؛ لأن لقول الصحابي حكم الرفع ولقول التابعي حكم الرفع المرسل ويقبل إذا كان من أئمة التفسير الذين أخذوا تفسيرهم عن الصحابة أو تقوى قوله بمرسل آخر.

    وأما قائل هذا القول الثالث فهو من الذين جاءوا بعد الصحابة والتابعين ألا وهو عبد العزيز بن يحيى الكناني الذي توفي سنة (240) للهجرة وقيل بعد ذلك.

    وهذا القول أذكره من باب بيان ما قيل في تعليل عدم قراءة البسملة في أول سورة التوبة.. براءة، والتعليلان الأولان مقبولان ثابتان عن الصحابة الكرام، وأما الثالث فقال به بعض علماء الإسلام اعتماداً على تعليلات وردت في الآثار فأذكر هذا القول وأوجه إن شاء الله.

    و عبد العزيز بن يحيى الكناني توفي سنة (240) للهجرة وقيل بعد ذلك، وهو من العلماء الصالحين الربانيين، ويذكرون أنه كان ذكي الفؤاد، وكان فيه دمامة وقبح من حيث الصورة، ولما دخل هذا العبد الصالح على الخليفة المأمون بطلب منه كان بجوار المأمون أحد أبنائه فضحك من شدة دمامة وتشويه خلقة عبد العزيز بن يحيى الكناني، فالتفت هذا الإمام الصالح إلى المأمون وقال: يا أمير المؤمنين! علام يضحك هذا؟ يضحك لدمامة صورتي وخلقتي؟ إن الله ما اصطفى نبينا عليه الصلاة والسلام على النبي يوسف لجماله، إنما اصطفاه لطهارة قلبه وطيب جماله. ما اصطفاه لأنه كان جميل الصورة، إنما اصطفي لأنه كان من عباد الله المخلصين، ممن كان نقي السريرة طيب القلب سليم الصدر على أنبياء الله جميعاً عليهم صلوات الله وسلامه.

    عبد العزيز بن يحيى الكناني يقول: إن سبب عدم ذكر البسملة في أول سورة التوبة وعدم قراءتها: أن المشركين في صلح الحديبية في العام السادس للهجرة ردوا بسم الله الرحمن الرحيم، فلما كتب الصلح بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام وكان الصلح يتضمن أن يعود النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة، وأن يأتي إلى مكة في العام الذي بعده، وكان هذا صلح الحديبية في العام السادس للهجرة، والنبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة في العام الثامن للهجرة فاتحاً بعد أن اعتمر في العام السابع على نبينا صلوات الله وسلامه، لكن الصلح لما كتب في صلح الحديبية في العام السادس والحديث وارد بذلك في المسند والصحيحين وسنن أبي داود وغير ذلك، قال النبي عليه الصلاة والسلام لـعلي: ( اكتب! فكتب علي : بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل بن عمرو -رئيس وفد المشركين- ما نعرف هذا، لا أدري ما هو الرحمن الرحيم -أي: لا ندري ما هو ولا سمعنا به ولا نذكره- اكتب: بسمك اللهم -أي: هذا هو الذي نعتاد عليه، فلا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم- فقال النبي عليه الصلاة السلام لـعلي: امح بسم الله الرحمن الرحيم واكتب: باسمكم اللهم -كما يعتادون-، ثم كتب علي : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة ) يعني: هذا ما صالحهم عليه واتفقوا عليه. فقالوا: ( لو كنا نعلم أنك رسول الله عليه الصلاة والسلام لما قاتلناك، اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله أهل مكة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـعلي: امح رسول الله عليه الصلاة والسلام واكتب: محمد بن عبد الله. قال: والله لا أمحوك أبداً، فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام الكتاب ومحاه بنفسه عليه الصلاة والسلام، ثم كتب: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله أهل مكة ).

    وقال عليه الصلاة والسلام: ( أنا محمد رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ) على نبينا صلوات الله وسلامه.

    إذاً: المشركون في صلح الحديبية ردوا هذه التسمية وما قبلوها وما أرادوها أن تذكر في العهود والعقود التي جرت بينهم وبين نبينا المحمود عليه الصلاة والسلام، وقالوا: اكتب باسمك اللهم، فلما نبذ الله إليهم العهود بعد ذلك في سورة التوبة وأخبر أنه بريء منهم قال: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة:1].

    يقول الإمام عبد العزيز بن يحيى : فلا يناسب أن يرد الله عليهم ما ردوا. هم ردوا البسملة فكيف يردها عليهم ويعيدها عليهم، فحجبهم منها ومن بركتها.

    وبما أن هذه السورة نزلت في نبذ العهود إليهم والبراءة منهم وهم في أول الأمر ما أرادوا بسم الله الرحمن الرحيم التي هي رحمة وفيها أمان إذن نحن نعاقبهم أيضاً بذلك فلا تذكر البسملة في أول سورة التوبة وبراءة؛ لأنهم ردوا هذه البسملة في أول الأمر فعوقبوا بحرمان بركتها في نهاية الأمر عندما نبذت العهود إليهم، وهذه السورة فيها نبذ العهود إلى المشركين، فما ذكرت البسملة في أولها.

    وتعليله يستند إلى دليل لكن لم يقل بذلك أحد من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    وخلاصة الكلام أخواتي الكريمات! إذا كان الإنسان يقرأ القرآن خارج الصلاة فيسن له ويستحب له أن يأتي بالبسملة في أول كل سورة إلا سورة براءة.

    كيفية تلاوة البسملة عند قراءة السورة خارج الصلاة

    إن قيل: ما الكيفية لتلاوة البسملة عند قراءة السورة خارج الصلاة؟ نقول: الكيفية تابعة لكيفية قراءة السورة، فإذا أراد أن يجهر بالسورة فليجهر بالبسملة، وإذا أراد أن يسر بالسورة فليسر بالبسملة، فحكم البسملة كحكم السورة، فإذا جلس وأراد أن يقرأ سورة ما وأن يرفع صوته بها فليرفع صوته بالتسمية، وإذا كان سيقرأ السورة في صدره وقلبه دون أن يسمع أحداً ممن حوله فليس هناك داع للجهر بالبسملة.

    إذاً: يقرأ البسملة في أول كل سورة إلا سورة براءة خارج الصلاة، وكيفية قراءتها تابعة لكيفية تلاوته للسورة، فإن جهر بالسورة جهر بالبسملة، وإن أسر بالسورة أسر بالبسملة والعلم عند الله جل وعلا.

    هذا فيما يتعلق بكيفية قراءة البسملة خارج الصلاة إذا قرأ الإنسان كلام الله جل وعلا.

    الحالة الثانية: قراءة القرآن في الصلاة

    وأما في الصلاة فإذا قرأ الإنسان القرآن في الصلاة من الفاتحة وغيرها فهل يأتي بالبسملة أم لا؟

    لذلك تفصيل منحصر في ثلاثة أقوال انتبهوا لها:

    القول الأول: قراءة البسملة مع الفاتحة واجبة ومع غيرها سنة

    أول هذه الأقوال: أن الإنسان يأتي بالبسملة في أول كل سورة في الفاتحة أو غيرها، كما يأتي بالبسملة في أول كل سورة خارج الصلاة إلا سورة براءة وهذا محل اتفاق أننا لا نأتي بالبسملة في أولها سواء كنا داخل الصلاة أو خارجها.

    وعليه؛ فإذا صلى الإنسان وقرأ سورة الفاتحة فليقرأ البسملة في أولها، وإذا قرأ سورة أخرى فليقرأ أيضاً البسملة في أولها، وهذا هو الذي ذهب إليه الإمام الشافعي عليه رحمة الله ورضي الله عنه، وتقدم معنا أن الإمام الشافعي يرى أن البسملة آية من الفاتحة بلا خلاف عنه، ويراها أيضاً أنها آية أيضاً -أعني: البسملة- من السور الأخرى على قول من أقواله الثلاثة التي تقدمت معنا، لكن قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة، وعليه فقراءة البسملة مع الفاتحة واجبة لأنها آية منها، وأما ما زاد على الفاتحة قراءة فسنة وعليه فقراءة البسملة أيضاً سنة، فالبسملة لابد منها لكنها في أول الفاتحة فرض إذا لم يأت بها لم تصح صلاته عند الإمام الشافعي، وفي غيرها من السور سنة. لو لم يأت بها ما عليه حرج ولو ترك السورة بكاملها ما عليه حرج؛ لأن الفاتحة هي التي تتعين للقراءة في الصلاة.

    هذا القول الأول: لابد من البسملة في أول كل سورة سواء كان الإنسان يصلي فريضة أو نافلة، لكن إذا قرأ الفاتحة على هذا القول فالبسملة واجبة كالفاتحة، وإذا قرأ غيرها فالبسملة سنة كحكم تلك السورة.

    القول الثاني: قراءة البسملة مع الفاتحة وغيرها من السور سنة

    القول الثاني: ذهب إليه الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وهذا القول عند الإمام أحمد هو الذي رجحه أصحابه الحنابلة رحمة الله عليهم أجمعين، فقالوا: يأتي الإنسان بالبسملة في أول كل سورة في الصلاة، لكن حكم البسملة سنة ومستحب، ليس بواجب وفريضة، سواء كان قبل الفاتحة أو قبل السور الأخرى. يعني: الفاتحة والسور الأخرى حكمها واحد، فلو قرأ الفاتحة من غير بسملة صحت صلاته على هذا القول. وهذا تعليله كما تقدم معنا أن المعتمد عند الإمام أحمد وهذا هو المقرر عند الحنابلة، وهو قول أبي حنيفة : أن البسملة آية مستقلة لا من الفاتحة ولا من كل سورة، أنزلت للفصل بين السور.

    أقوال العلماء في الجهر والإسرار بالبسملة في الصلاة

    وأما حكم قراءتها على القولين:

    القول الأول: الإمام الشافعي يقول: حكم قراءة البسملة كحكم قراءة السورة. أي: ككيفية قراءة السورة فإذا كان يجهر في صلاته فليجهر بالبسملة، يجهر بالبسملة كما يجهر بالفاتحة، ويجهر بالبسملة كما يجهر بالسورة، وإذا كان يسر القراءة في صلاته فليسر بقراءة البسملة، فحكم البسملة تابع لحكم قراءة السورة.

    وأما الإمام أحمد والإمام أبو حنيفة عليهم جميعاً رحمة الله فقالا: يسر القارئ في الصلاة بالبسملة في كل حال سواء جهر بالسورة أو أسر، فحكم البسملة عندهما: الإسرار، وأما عند الشافعي فحكمها كحكم السورة، فإن جهرت بالسورة فاجهر بالبسملة، وإن أسررت بالسورة فأسر بالبسملة، وعليه فقول الإمام الشافعي بالنسبة لكيفية البسملة في داخل الصلاة عند قراءة القرآن كقراءة القرآن خارج الصلاة تماماً.

    والقول الثالث ذهب إليه الإمام مالك رحمهم الله جميعاً فقال: المصلي إن كان يصلي المكتوبة -أعني الفريضة- لا يأتي بالبسملة مطلقاً لا في أول الفاتحة ولا في غيرها من السور لا سراً ولا جهراً، وأما في النوافل فيجوز له أن يقرأها -أي: أن يقرأ البسملة في أوائل السور-، والمشهور من مذهب المالكية أنه أيضاً في النوافل يأتي بالبسملة ويجوز له أن يأتي بها إلا في الفاتحة، ففي الفاتحة لا يأتي بالبسملة ويأتي بها في السور الأخرى.

    وعندهم قول ثالث وهذا القول يلتقي مع قول الجمهور، وهو أقوى الأقوال وهو أرجح ما في هذه المسألة: أن الإنسان يأتي بالبسملة في أوائل السور عندما يصلي لكل حال سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة، سرية أو جهرية، وعندهم على هذا القول لا يجهر بالبسملة كما هو قول أبي حنيفة والإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله، وهذا في الحقيقة -كما قلت- ينبغي أن يعول عليه، فلابد من البسملة في أول الفاتحة وفي أول السور الأخرى، لكن هل يجهر بها أو لا؟ الأمر سهل ويسير والأمران ثابتان عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    حكم ترك البسملة في الصلاة

    أما ترك البسملة مطلقاً بحيث لا يأتي بها الإنسان في فريضة أو في فريضة ونافلة فالذي يظهر والعلم عند الله أنه خلاف الصواب، وإذا كان كلاً من القولين جائز -أعني: الجهر بالبسملة عندما يصلي الإنسان إذا جهر بالقراءة أو الإسرار بالبسملة عندما يصلي الإنسان- إذا كان كلاً من الأمرين جائز فالذي يظهر أيضاً والعلم عند الله أن الأحوط والأحسن الجهر بالبسملة، فإذا جهر بها المصلي في الصلاة الجهرية كان أولى وأحسن والعلم عند الله عز وجل.

    وقد ثبت في سنن النسائي وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم وصحيح ابن خزيمة وسنن الإمام البيهقي وسنن الإمام الدارقطني والحديث إسناده حسن أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه صلى بالمدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه صلى إماماً بالصحابة الكرام، ثم جهر بالبسملة، وبعد أن انتهى من صلاته التفت إلى الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان رضوان الله عليهم أجمعين وقال: إني أشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: جهر بالبسملة، فإذا كان الجهر جائزاً والإسرار جائزاً فالأحوط أن يجهر الإنسان ليعلم السامعين أنه أتى بالبسملة وأنه ما تركها وما فرط فيها. هذا فيما يتعلق بكيفية قراءة البسملة في أوائل السور داخل الصلاة وخارج الصلاة.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.