إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في التفسير - موضوع سورة الفاتحة

مقدمة في التفسير - موضوع سورة الفاتحةللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن موضوع سورة الفاتحة البارز ومقصودها الأعظم الذي تناولته آياتها هو ذات موضوع كل القرآن المكي الذي نزل قبل الهجرة، والذي ركز على بناء القلوب عن طريق تقوية صلتها بعلام الغيوب؛ وذلك بتناوله لمحورين هامين وأمرين عظيمين، وهما قضية الربوبية، وما يترتب عليها من واجب العباد نحو ربهم جل وعلا من إفراده بالعبودية، وهو ما يعرف بتوحيد الألوهية.

    1.   

    سؤال وجواب

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أخواتي الكريمات! كنا نتدارس مقدمة لتفسير سورة الفاتحة، وهذه المقدمة قلت: تتعلق بتفسير سورة الفاتحة وترتبط بها وهي بمثابة إثبات شخصية هذه السورة الكريمة، وكل سورة يدرسها الإنسان ينبغي أن يحيط بهذه المعالم نحوها، وقلت: هذه المعالم التي تثبت شخصية كل سورة وتميزها عن غيرها ستة معالم:

    أولها: أين نزلت، وثانيها: موضوعها، وثالثها: فضلها، ورابعها: أسماؤها، وخامسها: عدد آياتها وسادسها: صلتها بما سبقها وبما يأتي بعدها.

    والمعلم الأول من هذه المعالم والمبحث الأول انتهينا من مدارسته في الدرس الماضي: أين نزلت سورة الفاتحة وقلت: نقل عن أئمتنا الكرام في ذلك ثلاثة أقوال حسان نجمع بينها بحيث تجتمع في القول الثالث، فقيل: إنها مكية وهذا صحيح كما تقدم معنا، وقيل: أنها مدنية، والذي يجمع بين الأمرين هو القول الثالث: مكية مدنية تكرر نزولها لعظم شأنها وكبير منزلتها، فهي مكية مدنية، أي: نزلت بمكة ثم تكرر نزولها بالمدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، وآخر ما ختمت به الدرس الماضي بيان الطريق لمعرفة المكي والمدني فقلت: إن الطريق في ذلك هو الرواية لا الرأي والنقل لا العقل.

    وننتقل الآن إلى مدارسة المبحث الثاني والمعلم الثاني من المعالم البارزة في تفسير كل سورة وإثبات شخصيتها: موضوع سورة الفاتحة.

    عظم حق الزوج على زوجته وكيفية تعامل المرأة مع زوجها الذي يسيء إليها

    قبل أن أتكلم على موضوعها ننظر في الأسئلة التي قدمت في الأسبوع الماضي وكان يفترض أن أجيب عليها جميعاً، لكن بعضها فيه شيء من الطول وهي أسئلة متعددة فأرجئ الكلام عليها إن شاء الله للموعظة الآتية بعون الله، لكن هناك سؤال واحد تقدمه أخت كريمة حقيقة ينبغي الإجابة عليه عاجلاً لخطورته وأهميته ولعله يتعلق ببيت كل مسلم من المسلمين، وقد تجري مثل هذه الحادثة فلابد من إعطاء حكم الله فيها، ونصح كل من الزوجين في هذا الأمر.

    أخت كريمة تقول: إنها متزوجة، أسأل الله أن يؤلف بينها وبين زوجها وبين المسلمين والمسلمات إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وهي تحسن عشرة زوجها لكن ذلك الزوج يسيء إليها فيعذبها عذاباً شديداً ويضربها ويسبها، ثم هي بعد أن تشرح وضعها تقول: هل أفارقه وأترك المنزل وأطلب الطلاق أم ماذا تشيرون علي؟

    والجواب عن هذا الأمر وعن هذه المشكلة يدور على عدة أمور:

    أولها: هي الأخت الكريمة التي تقول أنها تحسن خلقها مع زوجها وتحسن عشرتها معه. هذا إن شاء الله هي صادقة ومصيبة في ذلك، لكنني مع ذلك أذكرها بأول أمر من هذه الأمور التي سأذكرها وسأسردها لتنتبه لهذا الأمر غاية الانتباه، فأخشى أنها تقدر أنها تحسن عشرة زوجها لكن الأمر بخلاف ذلك، ولذلك ينبغي أن تنتبه لهذا الأمر انتباهاً كبيراً.

    أولاً: منزلة الزوج منزلة عظيمة كبيرة فأعظم الناس حقاً على المرأة زوجها، وإذا ماتت المرأة وزوجها عنها راض دخلت الجنة، لو كان أحد من الخلق يستحق السجود في هذه الحياة ويجوز أن يسجد له لأمر الشرع المطهر المرأة بأن تسجد لزوجها كما بين لنا هذا نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه والحديث رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) والحديث أخواتي الكريمات صحيح صحيح، روي عن عدة من الصحابة الكرام، رواه الترمذي أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الترمذي أيضاً عن أمنا عائشة رضي الله عنها، ورواه الإمام أحمد في المسند عن معاذ بن جبل، ورواه الحاكم عن بريدة رضي الله عنهم أجمعين: ( لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) والزوج له حق عظيم على المرأة، لو علمت هذه المرأة المزوجة بحق زوجها لفعلت هذا الفعل مع زوجها الذي أشار إليه نبينا صلى الله عليه وسلم كما في معجم الطبراني الكبير ومسند البزار، وإسناد الحديث صحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لو تعلم المرأة حق زوجها عليها لم تقعد ما حضر غداؤه وعشاؤه حتى يفرغ منه ) فإذا وضعت الغداء ليأكل هذا الزوج الذي جاء من التعب والعناء من خارج البيت تقف على رأسه تنظر ماذا يريد لتقدم له، وهكذا عند العشاء تقف حتى يفرغ من غدائه وعشائه؛ لمنزلة الزوج وعظم حقه.

    وعليه فهذه الأخت الكريمة التي تحسن العشرة مع زوجها وتطيعه ولكن هو على تعبيرها يظلمها ويسيء عشرتها ويعذبها ويضربها ويسبها أنا أقول لها: حسني أيضاً خلقك ما استطعت، وإذا أخطأ الزوج أحياناً فلا تقابلي الخطأ بالخطأ، وما ينبغي أن يتمعر وجهك ولا أن تتأففي ولا أن تظهري له الكره، أظهري له المحبة وقولي له: يا عبد الله! فارقت أهلي وأبوي وأسرتي من إخوتي وأخواتي طاعة لله من أجل أن أكون معك لننجب ذرية مسلمة تعبد الله وتوحده، ذكريه بهذه الأمور، وإذا رأى منك حقيقة الجد في حسن العشرة فحقيقة سيميل قلبه إذا كان يخاف الله ويتقيه ويتعلق به، لكن إذا أحياناً أخطأ فتأففت وتغير وجهك وأعرضت عنه وظهرت عليك علامات الاشمئزاز يأتي الشيطان ويستغل هذا الموقف منك فيوقع في قلبه ما يوقع من العداوة والبغضاء ليفرق بين المرء وزوجه، فأنت الواجب عليك في أول الأمور ألا تجعلي للشيطان سبيلاً على زوجك، كل طريق يمكن أن يدخل منه الشيطان من أجل نفور الزوج عنك سديه، واجعلي بين هذا الطريق وبين زوجك حواجز كثيرة.

    الأمر الثاني: أحياناً المرأة قد تبتلى حقيقة بزوج عنده شيء من سوء العشرة، وهي تتقي الله وتطيع الزوج ولا تقصر في حقه لكنه يقصر في حقها، فانتقلي معه إلى المرحلة الثانية، بعد المرحلة الأولى: لا يظهر -كما قلت- عليك علامة غضب ولا استياء ولا اشمئزاز ولا نفور ولا كره، لا في حال ولا في قال، لا في قول ولا في فعل، إذا عملت هذا مدة طويلة لا تقل عن شهر وشهرين وثلاثة وما رأيت منه رجوعاً إلى الصواب والرشد فاسلكي معه الطريق الثاني، ذكريه بالله، فهو مؤمن مهما كان عنده من عصيان ومن انحراف، مهما كان فهو مؤمن يعلم أن الله خلقه وينبغي أن يطيعه وأن يعبده وأنه سيئول إلى الله وأن الظلم حرام، فذكريه بالله، كما أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له: أنا أطيعك وأنت زوجي وسيدي والله سمى الزوج سيداً في كتاب الله: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف:25] كما في سورة يوسف (سيدها) يعني زوجها، أنت زوجي سيدي والد أولادي، أطيعك في طاعة الله، وكل ما تأمرني به على العين والرأس إلا في معصية الله، لكني لا أرى منك حسن عشرة ولا حسن معاملة وأريد أن تحسن خلقك معي كما أمر الله وكما أوصاك بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتذكريه بالأحاديث التي تدل على حسن عشرة الزوج لزوجته، ومن هذه الأحاديث ما ثبت في سنن الترمذي وصحيح ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم ).

    إذاً: حسن الخلق هذا يدل على أن من يتصف به وأن صاحبه هو أرفع المؤمنين عند رب العالمين، وخير المؤمنين عند الله هو خيرهم لزوجه ولنسائه: ( خياركم خياركم لنسائهم ) فالذي يحسن عشرته ومعاملته مع زوجته هذا من علامة خيريته وفضيلته ورفعة درجته عند الله جل وعلا: ( خياركم خياركم لنسائهم ) والحديث ثابت من رواية عدة من الصحابة الكرام، رواه الترمذي أيضاً، وابن حبان في صحيحه، والإمام الدارمي عن أمنا عائشة رضي الله عنها بلفظ قالت: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ). والحديث رواه ابن ماجه في سننه والحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنهما باللفظ المتقدم: ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) ورواية الحاكم لفظها: ( خيركم خيركم للنساء ) والحديث رواه ابن ماجه في سننه أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خياركم خياركم لنسائهم ).

    ذكريه بهذا الحديث، فإذا استجاب فالحمد لله، وذكريه بالأحاديث الأخرى التي حذرت من ضرب النساء ونفرت من ذلك، وأخبرت أنه لا يضرب الأخيار النساء، وما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله سبحانه وتعالى.

    ثبت في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والحديث رواه ابن حبان والحاكم في المستدرك والدارمي وإسناده صحيح عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب رضي الله عنه وهو من الصحابة الكرام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تضربوا إماء الله ) يعني: النساء، لا تضربوا زوجاتكم ( لا تضربوا إماء الله، فجاء عمر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! ذئر النساء على أزواجهن ) ذئر. أي: تجرأ النساء على أزواجهن عندما نهيت عن ضرب النساء، فبدأت المرأة تعلم أنه لا يوجد من يضربها إذا خرجت عن الحدود الشرعية المحددة لها فبدأت تتطاول على زوجها ( ذئر النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربهن، فطاف تلك الليلة ببيوت النبي عليه الصلاة والسلام سبعون امرأة كل واحدة تشتكي من زوجها وأنه ضربها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد طاف بآل محمد عليه الصلاة والسلام سبعون امرأة كل امرأة تشتكي زوجها، فلا تجدون أولئك خياركم ) أي: هؤلاء الذين ضربوا ليسوا من الخيار.

    فذكري الزوج بهذا أن يتقي الله في عشرتك وصحبتك، وأن يحسن خلقه معك، وأن يكف يده عنك، وإذا ضرب فليس من الخيار، وإذا أساء المعاملة فليس هو من الأبرار، ذكريه بهذا، هو مؤمن فإذا أخطأ ذكريه وانصحيه بدون عبوس وجه ولا فضاضة لفظ إنما بليونة، فإذا لم يجد الطريق الثاني أيضاً، حسنت خلقك وما رجع إلى الهدى وصراط الله المستقيم، وذكرتيه بالله وما رجع ولا استقام، فأنت الآن بين أمرين، وأنت التي تقررين الأمر في هذا، إذا صبرت فهذا خير لك عند ربك جل وعلا، والله يوفيك أجرك بغير حساب، وإذا أردت الفراق ولا يوجد مجال للإصلاح بعد الطريق الثاني وهو التذكير بالله ونصحه، إذا لم يجد معه وما وجدت نفسك تتحمل فالله جل وعلا لا يرضى لعبده المؤمن أن يصبر على ذلة ومهانة إذا كان لا يتحمل، فإذا كنت لا تتحملين فليس في طلبك الفراق معصية: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ [النساء:130] ومن واسع فضله سبحانه وتعالى، لكن إذا كان هناك مجال للتحمل ولو كما يقال: واحد في الألف وليس من مائة فتحملي لعل الله يصلحه وبعد ذلك سيعطيك الله من الأجر ما لا يخطر بالبال، إنما الطريقان الأولان ينبغي المحافظة عليهما:

    أولاً: حسن عشرة منك على وجه التمام، ثم تذكير للزوج بالرحمن، فإذا ما نفع فيه الأول ولا الثاني كما قلت فأنت بالخيار بين أمرين اثنين: إن صبرت فهذا أعظم لأجرك وأبقى لك عند ربك، وإن طلبت الفراق فليس عليك إثم في ذلك، والله يتولاك ويتولى المسلمين أجمعين، أسأل الله أن يؤلف بين المؤمنين والمؤمنات إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    هذا السؤال كما قلت أخواتي الكريمات لعله يتكرر في كثير من بيوت المسلمين في هذا الحين عندما ضعف الوازع الديني، وعندما ما وجد في القلوب تقوى ولا خشية من الله جل وعلا، تتكرر مثل هذه الصور، أحياناً امرأة تسيء عشرة الزوج وأحياناً زوج يسيء عشرة المرأة وكل هذا حرام.

    أولى الناس بمعروفك زوجتك وأنت أولى الناس بإكرامك واحترامك زوجك، وكل واحد يتقي الله في صاحبه، وكما قال نبينا عليه الصلاة السلام: ( خيركم خيركم لأهله ) وهو كان خيرنا لأهله ولنسائه عليه صلوات الله وسلامه.

    1.   

    موضوع سورة الفاتحة

    أخواتي الكريمات! أنتقل بعد هذا إلى لمبحث الثاني من المعالم البارزة التي ينبغي أن نتدارسها عند تفسير سورة الفاتحة:

    المعلم الثاني: موضوع سورة الفاتحة. ما هو الموضوع البارز والمحور الرئيسي الذي دارت آيات سورة الفاتحة حوله؟

    مسائل الاعتقاد في القرآن المكي

    موضوع سورة الفاتحة ومقصودها الأعظم التي دارت آياتها حوله هو: موضوع القرآن المكي، والقرآن المكي الذي نزل قبل الهجرة على نبينا عليه الصلاة والسلام دار حول بناء القلوب عن طريق تقويتها وصلتها بعلام الغيوب، فكان القرآن المكي يركز على هذا الأمر.. تقوية القلب ليتصل بالرب جل وعلا.

    يركز على هذا الأمر عن طريقين اثنين:

    أولهما: قضية الربوبية والله جل وعلا هو الخالق هو الرب لهذا الوجود، وهذا كان يسلم به المشركون ويسلم به كل مخلوق فلابد لهذا الخلق من خالق، فهذا الرب وهذا الخالق وهذا الموجد وهذا المدبر لهذا الكون له على عباده حق الطاعة والعبادة والاستعانة سبحانه وتعالى، فينبغي أن يطيعوه وأن يعبدوه وأن يستعينوا به في جميع أحوالهم، فهذا الإله الحق هو الذي يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقصان.. قضية الألوهية والعبودية .. هذان الركنان دار حولهما القرآن المكي.

    الإله هو الخالق الموجد يتصف بكل صفات حسنة ويتنزه عن كل صفات ذميمة ناقصة سبحانه وتعالى.

    قضية العبودية: المخلوق ضعيف ينبغي أن يعبد خالقه وأن يستعين به وأن يلجأ إليه في جميع شئونه وأحواله.

    إذاً: القرآن المكي هذا موضوعه، وبما أن سورة الفاتحة مكية فدارت حول هذا الأمر .. إثبات قضية الألوهية، وأن الله يتصف بالصفات الكاملة الحسنة سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] وإذا كان الأمر كذلك فالواجب على العباد وهو الشق الثاني من الأمرين اللذين دار حولهما القرآن المكي فيجب إذاً على العباد أن يعبدوا الله وأن يستعينوا به، فهذا الخالق جليل كريم عظيم رحمن رحيم سيؤول إليه العباد يوم الدين ليجزيهم على ما عملوا: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8] وهذا المخلوق فقير مسكين ينبغي أن يلجأ إلى الله في كل حين، وأن يسأله الهداية للصراط المستقيم، وأن يستعيذ به من طريق المغضوب عليهم والضالين؛ فبذلك يكون من العابدين ومن المستعينين بالله العظيم.

    إذاً: سورة الفاتحة دارت حول هذين الأمرين: قضية الألوهية وما يترتب عليها من واجب العباد نحو ربهم جل وعلا.

    الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] هو الرب السيد المالك فهو مالكنا سيدنا خالقنا مدبر جميع شئوننا رب العالمين، ليس هو رب الإنس والجن فقط بل كل ما عدا الله عالم، وعالمين جمع عالم، فهو مالك وسيد وخالق هذا الوجود بأسره وهو يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقصان، هو الرحمن هو الرحيم إليه سنئول يوم الدين مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] وهو ملك في ذلك اليوم، وهو الذي يملك في ذلك اليوم: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16].

    ثم جاء لقضية العبودية وواجب العباد نحو ربهم فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، الدين من أوله إلى آخره عبادة لله واستعانة به؛ لأنه هو الذي يستحق ذلك ولا ينبغي أن يصرف شيء من ذلك إلى غير الخالق .. إلى غير الإله الحق وهو الله جل وعلا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وإذا كنا نعبدك ولا نستعين إلا بك فنسألك إذن وهذا من عبادتنا لله واستعانتنا به أن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين.

    إذاً: سورة الفاتحة دارت حول ما دارت حوله السور المكية والقرآن المكي كما قلت حول قضية الألوهية وقضية العبودية، فالعبد مخلوق ضعيف: يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15] والله جل وعلا غني عزيز حميد فينبغي على هذا العبد المخلوق الفقير الضعيف ينبغي عليه أن يعبد الله وأن يستعين به وأن يلجأ إليه في جميع شئونه، فمن عرف نفسه بالفقر عرف ربه بالغنى، ومن عرف نفسه بالذل عرف ربه بالعز، وهكذا من عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة، ولذلك من عرف نفسه عرف ربه كما أثر هذا الكلام عن يحيى بن معاذ الرازي وأثر عن سهل بن عبد الله التستري عليهم جميعاً رحمة الله، وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه كلام حق وصدق (من عرفه نفسه عرف ربه) وهذا الكلام تأويله على أحد تأويلات ثلاث معتبرة في معنى هذه الجملة: (من عرف نفسه بالفقر يعرف ربه بضد ذلك .. بالغنى، ومن عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة، ومن عرف نفسه بالذل عرف ربه بالعز)، فأنت مخلوق مسكين ضعيف والله جل وعلا بضد ذلك سبحانه وتعالى، (من عرف نفسه عرف ربه).

    ويحتمل هذا الكلام معناً آخر من باب الفائدة كما قال أئمتنا: من عرف نفسه وأن هذه النفس البشرية تحتمل صفات الكمال وتتصف بها من العلم والرحمة والقدرة على حسب ما يليق بها .. من عرف نفسه وأنه يتعلم وعنده علم وعنده قدرة وفيه رحمة عرف ربه بأنه يتصف بتلك الصفات من باب أولى.

    إذاً: هناك عرف ربه من باب ضد صفاته، وهنا إذا ثبتت لك هذه الكمالات فتثبت للخالق من باب أولى.

    والمعنى الثالث من باب الفائدة: من عرفه نفسه عرف ربه، والوقوف على حقيقة النفس وكنهها مجهول: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85] فإذا لم تحط علماً بحقيقة نفسك فلن تحيط علماً بحقيقة ربك سبحانه وتعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].. قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، من عرف نفسه عرف ربه إما بالضدية أو الأولوية أو النفي.

    خلاصة الكلام أخواتي الكريمات! سورة الفاتحة مكية كما تقدم معنا، وموضوعها هو موضوع القرآن المكي حول تثبيت العقيدة وتقوية القلب ليتصل بالرب عن طريقين اثنين: قضية الألوهية وقضية العبودية، والصلة بين العباد وبين ربهم جل وعلا، وفاتحة الكتاب كما قلت فيها هذا المعنى.

    سر اهتمام القرآن المكي بأمور العقيدة

    قد يتساءل متسائل فيقول: لم كان القرآن المكي يدور حول هذا الأمر ويقرره وأن الإله الموجود يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقصان وأن هذا الإله الحق ينبغي أن نعبده وحده لا شريك له، وأن نستعين به وأن نلجأ إليه. لم كان القرآن المكي يعالج هذا الأمر؟

    أخواتي الكريمات! هذا الأمر حقيقة هو الذي يحدد سلوك الإنسان في هذه الحياة، فهذا القلب إذا طهر وعلم القلب أن الله جل وعلا الذي خلقه يتصف بكل كمال له عليه حق العبادة والطاعة، وأن هذا الإنسان لو ترك لنفسه لتخبط في ظلمات الضلالات والجهالات وصار الناس في هذه الحياة كأنهم يعيشون في الغابات. لو علم الإنسان هذا فقوي قلبه عندما يتصل بربه سيستقيم بعد ذلك كل فعل منه، فجميع أفعال الإنسان مرتبطة باعتقاداته .. بما في قلبه من أفكار؛ وبما في قلبه من معان وإرادات، فإذا طهر القلب وزكى استقام الفعل وحسن واستقام، ولذلك لابد من تطهير القلب في أول الأمر، ولا يصلح أن نوجه الإنسان بالفعل في الظاهر ونقول له: افعل ولا تفعل، ولا زال القلب في خراب، لا يصلح هذا، وقد أشارت أمنا عائشة رضي الله عنها إلى هذا الأمر، والأثر في صحيح البخاري في كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( أول ما أنزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل من أول الأمر لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، ولو نزل من أول الأمر لا تشربوا الخمر لقالوا: لا نترك الخمر أبداً، لقد أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [القمر:46] وأنا جارية ألعب وما نزلت البقرة والنساء إلا وأنا عنده في المدينة ) على نبينا صلوات الله وسلامه.

    أول ما أنزل من القرآن سورة من المفصل وسيأتينا إن شاء الله أخواتي الكريمات عند بقية مباحث سورة الفاتحة أن المفصل يبتدئ من سورة (ق) إلى نهاية سورة الناس، وسميت بالمفصل لكثرة الفصل بين السور بالبسملة لأن السور تكون قصيرة ليست كالسور التي قبل (ق) فيقال لها المفصل، وآخر أرباع القرآن ربع المفصل.

    تقول عائشة: (أول ما أنزل من القرآن سورة من المفصل)، تقصد من أول ما أنزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، وهذه السورة التي تقصدها أمنا عائشة رضي الله عنها هي سورة المدثر، وهي ثاني ما نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام من القرآن والسور بعد خمس آيات من سورة العلق، واكتملت سورة المدثر قبل اكتمال سورة العلق، وفي سورة المدثر يذكر الله الجنة والنار فيقول: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:8-10] ... إلى آخر الآيات. ثم يأتي بعد ذلك إلى النار ويتحدث عنها فيقول: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ [المدثر:30-31] ... إلى آخر السورة، إلى أن يأتي إلى قوله: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:39-43] إلى آخر السورة.

    إذاً: هذه فيها ذكر الجنة والنار، فلما حصل في القلوب الخشية من علام الغيوب وارتبط القلب بالرب نزل بعد ذلك تفاصيل أحكام الإسلام من الحلال والحرام.

    قالت: (ولو نزل من أول الأمر: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا نترك الخمر أبداً)، تحريم الخمر كان في العام الثامن للهجرة، أي: بعد بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام بإحدى وعشرين سنة.

    وفي العام الثامن من الهجرة ينزل التحريم بعد ثلاثة عشر سنة، في مكة لم تحرم الخمر، وثمان سنين في المدينة لم تحرم، وحرمت بعد ذلك أي: قبل وفاة نبينا عليه الصلاة والسلام بسنتين. فلما نزلت الآية: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:90-91] قالوا: انتهينا انتهينا. وبعضهم كان أخذ أقداح الخمر بيده ورفعها إلى فمه فإذا بالمنادي ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت فطرح القدح من يده وما عاد إلى شرب الخمر بعد ذلك.

    إذا طهر القلب يستجيب لنداء الرب سبحانه وتعالى، ولذلك أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار.

    قالت: ( حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل من أول الأمر: (لا تزنوا) لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، ولو نزل من أول الأمر: (لا تشربوا الخمر) لقالوا: لا نترك الخمر أبداً، أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام وأنا جارية ألعب: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [القمر:46] -وهي في سورة القمر وهي مكية بالاتفاق- وما نزلت البقرة والنساء إلا وأنا عنده في المدينة ) أي: بعد أن صارت زوجة لنبينا عليه الصلاة والسلام، وتزوجها عليه صلوات الله وسلامه ودخل بها في العام الثاني من الهجرة الشريفة على نبينا وآل بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه.

    إذاً: البقرة والنساء مدنيتان فيهما أحكام كثيرة .. هذه الأحكام لا يمكن أن تنفذ ولا أن تطبق ولا أن تفعل ولا أن تمتثل إذا لم يكن هناك قلب طاهر واتصلت هذه العبودية بالألوهية وقامت بأداء حقوق الله جل وعلا، وعلمت أن الله هو الخالق الذي يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقصان وينبغي أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له، وينبغي أن نستعين به في جميع أمورنا، إذا غرست هذه المعاني الحقة في القلب فإن القلب يستجيب بعد ذلك لنداء الرب.

    ولذلك إخوتي الكرام تعلم سلفنا الكرام الإيمان قبل القرآن، فلما تعلموا القرآن بعد ذلك ازدادوا إيماناً، يخبرنا عن هذه القضية والحقيقة عبد الله بن عمر كما في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح على شرط الشيخين والأثر رواه الطبراني في معجمه الأوسط ورواه الإمام البيهقي، يقول: ( لقد عشنا برهة من الدهر -أي: فترة طويلة- وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، ثم كانت السورة من القرآن تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عندها، ولقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن -كأنه يريد أن يقول: يتعجل بأخذ القرآن قبل أن تغرس معاني الإيمان في قلبه- يؤتى أحدهم القرآن يقرأه من فاتحته إلى خاتمته لا يعرف أمره ولا زجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده ينثره نثر الدقل ) أي: رديء التمر وحشف التمر هذرمة بلا وعي وبلا فهم لما يقرأ ولما يتلوا، ومن باب أولى إذا ما وعى ولا فهم ولا تدبر لن يحصل هناك التزام وعمل، ولذلك كان الصحابة الكرام في أول أمرهم يتلقون الإيمان قبل أن تنزل جميع سور القرآن، والنبي عليه الصلاة والسلام يغرس هذه المعاني في قلوبهم ويربط قلوبهم بربهم، فإذا نزلت السورة بعد ذلك عكفوا عليها ودرسوها وتعلموا أحكامها وحلالها وحرامها وما ينبغي أن يقفوا عندها، فتعلموا القرآن بعد الإيمان.

    ولذلك يقول جندب بن عبد الله أيضاً كما في سنن ابن ماجة والحديث إسناده صحيح يقول: ( كنا ونحن فتيان حزاور -جمع حزور، أي: فتيان ممتلئون نشاطاً وقوة وشباباً وحيوية- كنا ونحن فتيان حزاور نتعلم الإيمان قبل القرآن، فإذا نزل القرآن ازددنا إيماناً إلى إيمان ).

    إذاً: لابد أخواتي الكريمات من العناية بهذا الأمر ألا وهو تطهير القلب ليتصل بالرب سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك عندما يقرأ الإنسان القرآن يمتثل أحكامه ويطبقها في حياته لوجود الطهارة في قلبه، لكن إذا ما استقرت خشية الله في القلب وما طهر القلب وما طاب القلب ماذا يستفيد الإنسان من قراءة القرآن من أوله إلى آخره؟ نسأل الله أن يرزقنا إيماناً كاملاً، وأن يجعلنا ممن ينتفعون بالقرآن؛ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    1.   

    فضل سورة الفاتحة وما رود في ذلك من آثار

    المبحث الثالث: فضل سورة الفاتحة: هناك عدد من سور القرآن ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أحاديث صحيحة حسان تدل على وجود فضيلة لها لا توجد لغيرها من سور القرآن، وقد ألف الإمام السيوطي في هذه السور التي وردت في فضلها أحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام كتاباً سماه: (خمائل الزهر في فضائل السور)، وأحصى السور التي ورد في فضلها آثار عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فبلغت ستاً وعشرين سورة، والقرآن الكريم من أوله إلى آخره مائة وأربعة عشر سورة، فست وعشرون سورة من مائة وأربعة عشر سورة ورد في فضلها آثار خاصة، ثم هذه السور التي هي ست وعشرون عشرون سورة منها ورد في فضلها أحاديث صحيحة ثابتة منها سورة الفاتحة كما سيأتينا، وثلاث سور ورد في فضلها آثار موقوفة على الصحابة لها حكم الرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وسورتان ورد في فضلهما آثار عن التابعين لها حكم الرفع إلى نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام فهي من قبيل المرسل، وسورة واحدة ورد في فضلها حديث متصل لكن بإسناد ضعيف، هذه السور الست ثلاث منها وردت فيها آثار موقوفة، وسورتان ورد فيهما أثران مرسلان، وسورة أثر متصل لكنه ضعيف، وأما العشرون سورة الباقية فقد ورد في فضلها أحاديث صحيحة عن نبينا عليه الصلاة والسلام ومن تلك السور التي ورد في فضلها أحاديث صحيحة ولها منزلة خاصة سورة الفاتحة، وهكذا سورة البقرة وسورة الإخلاص .. الصمد قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وهكذا عدد من السور.

    أما سورة الفاتحة فإليكن أخواتي بعض ما ورد في فضلها عن نبينا صلى الله عليه وسلم:

    ثبت في مسند الإمام أحمد والحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه ورواه أبو داود في سننه والإمام النسائي في السنن أيضاً ورواه الإمام ابن ماجة في سننه أيضاً من حديث أبي سعيد بن المعلى، ولفظ الحديث عن أبي سعيد، قال: ( كنت أصلي في المسجد -يعني: في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم- فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني، فقال: يا أبا سعيد ! قال: فلم أجبه حتى صليت وانتهيت ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله! إني كنت أصلي -يعني: منعني من إجابتك أنني كنت في صلاة-، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا سعيد ! ألم يقل الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]، فقلت: يا رسول الله! لن أعود -يعني: إذا ناديتني وأنا أصلي سأجيبك خلال صلاتي- فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي سعيد -مطيباً خاطره ومبشراً له بجائزة لئلا يشعر بأنه أخطأ وأن قلب النبي عليه الصلاة والسلام تغير عليه وتأثر منه-: يا أبا سعيد ! لأعلمنك -وفي رواية-: ألا أعلمك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟! -والرواية الأولى-: (لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد)، يقول أبو سعيد : ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت: يا رسول الله! ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ).

    وتقدم معنا أخواتي الكريمات أن سورة الفاتحة تسمى بالسبع المثاني عند المبحث الأول: أين نزلت سورة الفاتحة.

    وقلت: سميت بذلك بالسبع المثاني لأنها تثنى في كل ركعة، ويؤتى بها، ولأنه يحصل بها الثناء على الله جل وعلا؛ ولأنها استثنيت لهذا الأمة، فهي تكرر في كل ركعة ويحصل بها ثناء عظيم على رب العالمين واستثناها الله لهذه الأمة فلم ينزلها على أمة قبل أمة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: فاتحة الكتاب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته. أي: هي القرآن العظيم الذي أوتيته، فيقال لسورة الفاتحة: فاتحة الكتاب وأم الكتاب ويقال لها: القرآن العظيم؛ لأن لفظ القرآن يطلق على كله وعلى بعضه، وإذا كان هذا البعض كسورة الفاتحة يحمل مقاصد القرآن فيقال لسورة الفاتحة: إنها القرآن العظيم لأن ما في القرآن من معنى ودلالة دلت عليه سورة الفاتحة عن طريق الإجمال والعلم عند الله جل وعلا.

    يقول صلى الله عليه وسلم: ( هي السبع المثاني وهي القرآن العظيم ). إذاً: هذه أعظم سورة في القرآن بشهادة نبينا عليه الصلاة والسلام، وإنما قال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي سعيد: ( ألا أعلمك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ) وفي رواية: ( لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ) قال: قبل أن تخرج من المسجد لأجل أن يتبين للنبي عليه الصلاة والسلام مدى حرص أبي سعيد على تعلم هذه السورة، وليحرك عزمه على طلبها، فقال له هذا الكلام ثم أخذ بيده، بدأ يمشي معه ليخرج من المسجد، فـأبو سعيد تأدباً مع النبي عليه الصلاة السلام ما قال: ما هي السورة؟ لكن لما وصل عند باب المسجد وسيخرج الشرط أنه سيعلمه قبل أن يخرج، فإذا خرج ليس له إذاً حق في طلب تعلم هذه السورة، فقال: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنت وعدتني بأن تعلمني أعظم سورة في القرآن قبل أن نخرج من المسجد، والآن قاربنا على الخروج، فما هي؟ قال: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] هي السبع المثاني وهي القرآن العظيم الذي أوتيته ) وهذا الحديث كما قلت أخواتي الكريمات في صحيح البخاري وغيره كما في المسند وسنن أبي داود وابن ماجة والنسائي، والحديث في أعلى درجات الصحة.

    وقد تكرر مثل هذا وتكررت هذه الحادثة مع صحابي آخر، تكررت مع أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، وثبت ذلك أيضاً في مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك، والحديث رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه وإسناده صحيح كالشمس من رواية أبي هريرة وغيره رضي الله عنهم أجمعين: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبي يا أبي! فالتفت أبي فلم يجبه، ثم صلى وخفف ثم انصرف فجاء فقال: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام، ما منعك إذ تجيبني إذ دعوتك؟ فقال أبي رضي الله عنه وأرضاه: كنت في صلاة، قال: أفلم تجد فيما أوحي إلي أن: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] قال أبي: لا أعود إن شاء الله يا رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ) أي: في الكتب السماوية ما نزل سورة أعظم من هذه السورة لا في التوراة التي أنزلت على موسى، ولا في الإنجيل الذي أنزل على عيسى، ولا في الزبور الذي أنزل على داود، ولا في الفرقان الذي أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام، ما نزل أعظم من هذه السورة ( تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها؟ قال أبي: نعم. قال: كيف تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وإنها سبع من المثاني وهي القرآن العظيم الذي أعطيته ) وهذه القصة كما قلت تكررت مع أبي سعيد بن المعلى ومع أبي بن كعب سيد القراء أبي المنذر رضي الله عنهم أجمعين، وهذا ما ذهب إليه الحافظ في فتح الباري في الجزء الثامن (ص:157) وذكر أن الإمام البيهقي عليهم جميعاً رحمة الله ذهب إلى هذا القول وهو أن هذه الحادثة تكررت مع أبي سعيد بن المعلى ومع أبي بن كعب رضي الله عنهم أجمعين، لاختلاف مخرج الحديثين واختلاف سياقهما، فحديث أبي سعيد بن المعلى تقدم معنا قال: ( لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن )، وأما هنا: ( ما أنزل مثلها في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن ) وهناك أبو سعيد وهنا أبي رضي الله عنهم أجمعين.

    إذاً: هي أفضل سور القرآن وما نزل في القرآن ولا في الكتب السابقة سورة تعدل هذه السورة. إذاً: هذه السورة هي أفضل سور القرآن على الإطلاق، وهذه الفضيلة أخواتي الكريمات من حيث الثواب، لا من حيث الصفة والمعنى، فالصفة والمعنى القرآن كله كلام الله جل وعلا، لكن من حيث الثواب يتفاضل، الذي يقرأ سورة الفاتحة له أجر كثير كبير ليس كما لو قرأ مقدارها من سورة أخرى، والذي يقرأ سورة الإخلاص له أجر سدس القرآن، وهكذا سورة الفاتحة له أكثر من هذا الأجر، فهي أفضل من سورة الإخلاص وغيرها، وهي أعظم سور القرآن على الإطلاق.

    1.   

    مسألة: حكم قطع الصلاة لإجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو الوالدين

    أخواتي الكريمات! إجابة النبي عليه الصلاة والسلام فرض، وإذا كان الإنسان في صلاة نافلة ودعاه النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن يجيبه، ولا تنقطع بذلك صلاته، يجيبه ثم يكمل الصلاة، وإذا كانت الإجابة لا تحصل إلا بترك الصلاة والذهاب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فيجب عليه أن يقطع الصلاة وأن يذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه الصلاة نافلة وإجابة النبي عليه الصلاة والسلام فريضة يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24].

    وهكذا أخواتي الكريمات يقرر علماؤنا الكرام أن الأم إذا نادت ولدها وكان يصلي صلاة نافلة فينبغي على الولد أيضاً أن يقطع الصلاة وأن يجيب أمه؛ لأن إجابة الأم وبر الأم واجب، وصلاة النافلة ليست بواجبة، بل إذا كان الولد في فريضة ونادته أمه وعلم أنها بحاجة إليه بحيث لو لم يجبها لتضررت يقطع الفريضة ويجيب أمه ثم يعيد الفريضة بعد ذلك، وأما النافلة فهو بالخيار إن شاء أعادها وإن شاء لم يعدها، لأن الإجابة فرض.

    هذا في حق النبي عليه الصلاة والسلام.. في حق الأم .. في حق الأبوين، وينبغي أن يكون عندنا فقه ووعي في أمور ديننا، فالأم عندما تنادي ولدها وهو في صلاة نافلة يقطعها ويجيب الأم، فله أجر الصلاة إن شاء الله وله أجر بعد ذلك البر بأمه، وهكذا إذا كان في صيام نافلة وطلبت أمه أن يفطر من أجل برها.. من أجل مشاركتها في طعام لتسر وجب عليه أن يفطر.

    نعم. إذا أرادت أن تمنعه بعد ذلك من واجب فلا طاعة لها عليه، ونشير إلى هذه القضية في الحديث الثابت في المسند والصحيحين وهو في أعلى درجات الصحة في قصة العابد جريج، عابد صالح تقي نقي لكن عنده جهل بشرع الله جل وعلا، فأوقع نفسه في ورطة، وإليكن قصته التي يذكرها لنا نبينا عليه الصلاة والسلام وجريج كان في الأمم السابقة في بني إسرائيل، وكما قلت الحديث في المسند والصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تكلم في المهد ثلاثة: عيسى ) أي: من جملة من تكلم في المهد ثلاثة تكلموا عند ولادتهم، أولهم عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه عندما أتت به مريم تحمله وقالوا: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً [مريم:27] أنطقه الله فقال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً [مريم:30-32] إلى آخر الآيات التي حكاها الله جل وعلا عن هذا العبد الصالح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أنه تكلم في المهد ( عيسى وصاحب جريج جريج عابد ما قصته؟

    ( كان رجلاً عابداً فاتخذ صومعة فكان فيها فأتته أمه وهو في صومعته يعبد ربه فنادته، وقالت: يا جريج! فقال جريج: يا رب! أمي وصلاتي -يعني: أنا أصلي وأمي تناديني. فأنا في حيرة ماذا أعمل أقطع صلاتي من أجل أمي أم أكمل صلاتي ولا أبالي بأمي، ثم من جهله أقبل على صلاته وأعرض عن أمه- فأقبل على صلاته فانصرفت أمه فجاءت من الغد وهو في صومعته يصلي فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته ولم يجب أمه، فانصرفت وجاءت من الغد في اليوم الثالث فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي فأقبل على صلاته ولم يجب أمه، فرفعت يديها إلى السماء إلى ربها وقالت: اللهم لا يموت جريج ...) وفي رواية: ( اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات )، أي: الزانيات. نسأل الله العافية وأن يصون أعراضنا بفضله ورحمته.

    ( اللهم لا يموت جريج حتى يرى وجوه المياميس، فتذاكر بنو إسرائيل جريج وعبادته ) أي: أنه تقي متشدد صاحب عبادة كثيرة، بدءوا يبحثون في شأنه وأن الشيطان بعيد عنه ( فكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها في ذلك الوقت، فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم -أي أتسلط عليه وأضله وأغويه- قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها )، ما انتبه لها وأعرض عنها وما فتن بها .. رحمه الله وغفر لنا وله، ( فأتت هذه البغي راعياً كان يأوي إلى صومعته وينام بجوارها فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت منه فلما ولدت قالت لبني إسرائيل: هذا الولد من جريج، فأتوه واستنزلوه وأخرجوه من صومعته وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه، قال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك. قال: أين الصبي، فجاءوا به فقال: دعوني أصلي فصلى فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال: يا غلام! من أبوك؟ ) وفي رواية: ( ضرب على بطنه وقال: يا بابوت! من أبوك؟ -بابوت يعني: لغة في الغلام كما يقال: يا بوبوا يا ولد يا غلام- يا بابوت! من أبوك؟ فقال وهو في المهد مولود في تلك الساعة وفي ذلك الوقت: أبي فلان الراعي -الذي يرعى الغنم وزنا بهذه البغي- فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، قالوا: نبينها من ذهب وفضة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، قال: لا، أعيدوها من لبن -أي: من طين كما كانت- ففعلوا ).

    جريج كما قال الحسن البصري عليه رحمة الله لو كان فقيهاً لعلم أن إجابته لأمه أولى من صلاته، ولقطع الصلاة وأجاب أمه.

    (اللهم لا يموت جريج حتى يرى وجوه المياميس) وقد رأى وجه هذه البغي، ولذلك إذا دعاك من تجب عليك إجابته وأنت في صلاة نافلة فاقطعها ولا حرج.

    وأما الثالث الذي تكلم في المهد -وهذا من باب استكمال الفائدة- فهي امرأة أيضاً من بني إسرائيل كانت ترضع ولدها، وهي تمشي في الطريق فمر راكب على دابة فارهة وشارة حسنة -شارة أي: علامة- يلبس لباس الشرطة الذين لهم علامات أوسمة ورتب وشعارات خاصة، فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك هذا الغلام الذي في المهد الثدي وأقبل على هذا الرجل الذي يركب الدابة الحسنة ويلبس الثياب الحسنة وله شارة حسنة أقبل إليه فنظر إليه قال: ( اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع، فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحشر صباعه بإصبعه السبابة في فيه يقول أبو هريرة رضي الله عنه هذا، فجعل يمصها -أي: وضع النبي عليه الصلاة والسلام إصبعه السبابة التي يتشهد الإنسان بها ووضعها في فيه وجعل يمصها- يحكي رضاع الصبي من أمه، ثم مروا بجارية -أي: هذه الأم ومعها هذا الولد الذي يرتضع منها- مروا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيتي سرقتي وهي تقول: حسبي الله حسبي الله حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثل هذا، فترك الرضاعة ونظر إليها إلى هذه الأمة المسكينة التي تضرب بالظلم والعدوان ويتهمونها بالزنا والسرقة وهي بريئة من ذلك، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهناك تراجعا الحديث -يعني: الأم صارت تكلم ابنها الذي في المهد وتخاطبه؛ لأنه يقول كلام من يعقل، إذاً: ستوجه إليه الخطاب- فقالت: حلقى )، أي: أصابك الله بداء في حلقك تدعو على ولدها، وهذا حرام، وما ينبغي للأم أن تدعو على ولدها، لكن هذا الذي جرى منها.

    ( فقالت: حلقى -أي: أصبت بداء في حلقك- مر رجل حسن الهيئة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون: زنيتي سرقتي فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت: اللهم اجعلني مثلها، فقال: يا أماه! إن ذلك الرجل كان جباراً، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها: زنيت ولم تزن، وسرقت ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها ).

    والشاهد من هذا كما قلت أخواتي الكريمات أن الإنسان إذا كان في صلاة النافلة ودعاه من تجب عليه إجابته فليقطع الصلاة ولا حرج عليه، ولذلك عندما دعا النبي صلى الله عليه وسلم أبا سعيد بن المعلى ودعا أبي بن كعب واعتذرا عن الإجابة بأنهما كانا يصليان قال لهما النبي عليه الصلاة والسلام: ألم يقل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] فكان ينبغي إذن أن تقطعا الصلاة وأن تجبيا النبي عليه الصلاة والسلام.

    أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يزيدنا ولا ينقصنا، وأن يعطينا ولا يحرمنا، وأن يكرمنا ولا يهينا، وأن يؤثرنا ولا يؤثر علينا.

    أسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرضينا ويرضنا عنا؛ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

    والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.