إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مقدمة في علم التوحيد
  5. مقدمة في علم التوحيد - الأقوال المرجوحة في مصير غير أولاد المسلمين [2]

مقدمة في علم التوحيد - الأقوال المرجوحة في مصير غير أولاد المسلمين [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأقوال المرجوحة في مصير من لم توجد فيهم شروط التوحيد من غير أطفال المسلمين؛ كأطفال المشركين والمجنون والمعتوه، ومن ولد أعمى أصم أنهم في الجنة، وقد ذهب إلى هذا القول علماء من أهل السنة، واستدلوا عليه من العقل والنقل، والحق أنه يمكن الجمع بين هذا القول وبين القول بأنهم يمتحنون في العرصات.

    1.   

    القول الثاني: أن الجنة هي مصير من لم توجد فيهم شروط التكليف بالتوحيد من غير أولاد المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا رب العالمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك, سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    القول الثاني: أنهم من أهل الجنة، إذاً هم كأولاد المسلمين، هذا القول أيضاً الذين قالوا به اعتمدوا على ثلاثة أدلة: قالوا: تقرر أن أولاد المشركين ومن في حكمهم في جنات النعيم، ولا يصلون نار الجحيم.

    الدليل الأول على القول بأن الجنة هي مصير غير أولاد المسلمين

    الدليل الأول: قالوا: آيات القرآن التي صرحت بأن الله لا يعذب إلا بعد قيام الحجة وإرسال الرسل، وتقدم معنا آيات كثيرة فصلت الكلام عليها في عشر آيات لا تغيبن عن أذهانكم، وأن الله لا يعذب إلا بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب وإقامة الحجة على أبلغ وجه، ولذلك يقول الله: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أنتمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [الملك:6-9] .

    فإذاً: النار لا يصلاها إلا من كفر بالله: فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَولي [الليل:14-16]، جاءته الدعوة فكذب وتولى، أما هذا فمات في المهد لا كذب ولا تولى، وذاك ما جاءته رسالة ولا وصل إليه نذير، ما يقول يوم القيامة عندما يقول الله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ [الملك:8-9]، لا. ما جاءهم، ولو عُذب قبل امتحانه لقال: ربي ما جاءنا نذير ولا أُقيمت علينا الحجة.

    إذاً: هؤلاء يقولون هذه الآية التي صرحت بأن النار أعدت للكافرين، ولا يعذب فيها الإنسان إلا إذا كفر بالنذير وبالرسول الذي جاءه، ولا يعذب إلا إذا أقيمت عليه الحجة، فأولاد المشركين ومن في حكمهم تخلفت شروط التكليف فيهم بتوحيد ربهم.

    إذاً: -انتبه لوجه الاستدلال- ليسوا من أهل النار، فإذا لم يكونوا من أهل النار فليس في الآخرة إلا دار النعيم، وإذا انتفى كونهم من أهل النار ثبت أنهم من أهل الجنة، فإذاً: هم من أهل الجنة؛ لأن الله لن يعذبهم، فما كفروا به ولا جحدوه ولا عصوه ولا كذبوا رسله عليهم صلوات الله وسلامه.

    هذا الدليل الأول الذي قالوه، فقالوا: هؤلاء ليسوا من أهل النار، إذاً: سيدخلون الجنة؛ لأن الجنة دار الفضل، والنار دار العدل، ولا يعذب فيها إلا من كفر بالله، فهؤلاء إذا لم يكن عندهم إيمان يؤهلهم لدخول الجنة، لا يمنع هذا من دخولهم الجنة؛ لأن الجنة دار فضل الله، ولذلك ينشئ الله يوم القيامة للجنة خلقاً لم يعملوا خيراً قط، عندما يبقى فيها فضل فيجعلهم في هذا الفضل وفي هذه المساحات التي لم يدخل فيها أحد، فإذاً: الجنة دار الفضل، تفضل الله بما شاء على من شاء، أما النار لا يعذب فيها إلا من استوجب العذاب، فالذي مات وهو صغير لن يعذب، فإذا كان لن يدخل دار العدل وهي دار العذاب، سيذهب إلى دار الفضل، وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، هذا الدليل الأول.

    وبعد أن أذكر الأدلة التي استدلوا بها على هذا القول، أبين أنه لا دلالة فيها على أنهم يدخلون الجنة جميعهم، لا دلالة فيها على ذلك.

    نعم لن يدخلوا النار، نحن معكم، وما قلنا لكم إنهم من أهل النار، لكن أين النص الصريح الصحيح على أن كل واحد من هؤلاء في الجنة؟

    كيف ألغيتم أحاديث الامتحان؟ وكيف ألغيتم أحاديث: (الله أعلم بما كانوا عاملين)؟ وكيف ألغيتم أحاديث أنهم في النار؟ كما سيأتينا في القول الثاني، ألغيتم ثلاثة أدلة ثابتة وذهبتم إلى نص ودليل ثابت، هذا في الحقيقة قول مردود.

    ليسوا من أهل النار نعم، ونحن معكم، وما قلنا إنهم في النار، لكنهم ليسوا من أهل الجنة، لا من أهل الجنة ولا من أهل النار، أين هم؟ سوف يمتحنون كما بين لنا نبينا عليه الصلاة والسلام، فبعضهم يئول إلى الجنة وبعضهم إلى النار، وهذا هو العدل الإلهي، كما عاملنا الله في هذه الحياة يعامل من لم يكلف في هذه الحياة في الآخرة، فيمتحنهم كما امتحننا، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، حقيقة هذا الذي دل عليه المنقول ويقتضيه المعقول، وهذا هو العدل الإلهي على أتم وجه، فلا يعذبون عندما لا توجد فيهم شروط التكليف بالحي القيوم، لكن ليس معنى هذا أنهم من أهل الجنة، بل يمتحنون كما امتُحنا، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، فليست النصوص التي دلت على أن النار لا يصلاها إلا من كفر وكذب وتولى وأعرض عن اتباع النذير، ليس في ذلك دلالة على أنهم من أهل الجنة جميعهم.

    الدليل الثاني على القول بأن الجنة هي مصير غير أولاد المسلمين

    الدليل الثاني الذي استدلوا به قالوا: تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء في الجنة كما تقدم، وتصريح النبي عليه الصلاة والسلام للوقف في شأنهم.

    وحقيقة -إخوتي الكرام- نصوص الشرع عندما تتعارض هنا تظهر عقول الناس وتظهر معادنهم وقدراتهم، فليس من الحكمة أن نأخذ ببعضها ونغمض العينين عن بعضها! لابد من أن نعمل العقل لنجمع بينها جميعاً، نعم ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنهم في الجنة، وثبت أنهم في النار، وثبت: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، وثبت أنهم يمتحنون، نلغي ثلاثة نصوص ونرجح نصاً واحداً، نلجأ للطريق الثالث ونتخطى الجمع والنسخ، لمَ؟ في الحقيقة هذا تكلف مردود، قالوا: ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنهم في الجنة فيجب أن نقول بذلك.

    استمعوا لهذا الدليل؛ ثبت في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد ، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، في قصة سرد النبي عليه الصلاة والسلام لما رآه في النوم من رؤيا في قصة طويلة سأذكر محل الشاهد منها، وهذا لفظ البخاري ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنه أتاني الليلة آتيان فابتعثاني وقالا لي: انطلق)، وأتياه في نومه عليه الصلاة والسلام، ويحكى لهم رؤيا رآها في الليل، ورؤيا الأنبياء وحي وحكم شرعي يؤخذ به، (إنه أتاني الليلة آتيان فابتعثاني وقالا لي: انطلق، يقول: فانطلقت معهما حتى أتيا على روضة معتِمة)، بكسر التاء المثناة وفتح الميم (معتِمَة)، مأخوذة من العَتْمَة وهي شدة الظلمة، ويقصد بالروضة المعتمة أي: كثيرة الخضرة، والروضة الحديقة إذا كثرت أشجارها من كثرة خضرتها يظهر لها كأنها سواد، لذلك يقال: سواد العراق لكثرة ما فيها من شجر النخل، كأنك إذا رأيت الخضرة الكثيرة تعطى لون السواد، والله يقرر هذا في كتابه: وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن:62].. مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن:64] أي: سوداوان من شدة خضرتهما، لكن ليس بسواد حالك، بل السواد من كثرة الخضرة، الأشجار إذا تشابكت ببعضها أي: خضرتها كثيرة يظهر لها لون السواد من كثرة الخضرة، وهنا: حتى أتيا بي على روضة معتِمة، أي: شديدة الخضرة من العتمة تميل إلى السواد من كثرة خضرتها.

    قال الحافظ في الفتح: وضُبط (معْتَمَّة) أي: كأن عليها العِمة من خضرتها وبهجتها، يعني: كأنه لها رءوس خضراء بارزة معْتَمَّة، والضبط الأول هو الأشهر (معتِمة) من العتَمة، أي: لها سواد من شدة خضرتها وكثرتها.

    (أتيا بي على روضة معتمة، فيها من كل لون الربيع) أي: من كل لون الأشجار والزروع والورود والرياحين.

    (يقول: وفي ظهري الروضة جالس رجل طويل لا أكاد أرى رأسه من طوله في السماء)، طويل من ارتفاعه لا أرى رأسه، هذا مقيم في الروضة وبين ظهرانيها وفي وسطها.

    (وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط)، هذا الرجل الذي لا يُرى رأسه من طوله في السماء حوله ولدان كثيرون من أكثر الأولاد رأيتهم حوله.

    (فقلت لهذين الملكين اللذين ابتعثاني: أخبراني من هذا الرجل الطويل؟ ومن هؤلاء الولدان حوله؟ فقالا: إنا سنخبرك، أما هذا الرجل الطويل فهو خليل الرحمن إبراهيم -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- وأما الأولاد الذين هم حوله فهم كل مولود مات على الفطرة، فقال بعض الصحابة: وأولاد المشركين يا رسول الله؟! قال: وأولاد المشركين)، هؤلاء كلهم حول خليل الرحمن إبراهيم في هذه الروضة المعتمة، وتقدم معنا أن أولاد المؤمنين الذين يموتون وهم صغار يكفلهم إبراهيم وسارَّة في جنة النعيم في روضة معتمة، تقدم هذا في أولاد المسلمين، وهنا يعمم هذا لأولاد المشركين.

    قال الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين (ص:513): هذا نص صريح يدل على أن هؤلاء في الجنة، ولا يقولن قائل: هذه رؤيا منام، فرؤيا الأنبياء وحي.

    هذا حديث يدل على أن أولاد المشركين في الجنة، ويُلحق بهم من له حكمهم ممن لم توجد فيه شروط التكليف بالتوحيد.

    وهذا الحديث الذي هو رؤيا وهو في صحيح البخاري والمسند، وردت أحاديث كثيرة في معناه وهي أيضاً ثابتة صحيحة، منها ما رواه أبو يعلى ، والحديث قال عنه الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء السابع في المكان المتقدم الذي أشرته إليه مراراً، والحديث نص الإمام ابن حجر في الفتح في (3/246) على إن إسناده حسن، والحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: (سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر ألا يعذبهم فأعطانيهم عامة)، قال الإمام الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن المتوكل وهو ثقة، وكما قلت لكم نص الحافظ في الفتح على أن الحديث في درجة الحسن، والمراد من اللاهين: كل من مات وهو صغير من أولاد المسلمين وأولاد المشركين.

    وقد ثبت في مسند البزار ومعجم الطبراني الكبير ومعجم الطبراني الأوسط، والحديث أورده الحافظ في الفتح وهو على شرطه في درجة الحسن، عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض مغازيه، فسأله رجل من الصحابة عن اللاهين؟ -أي عن أولاد المشركين- فسكت النبي صلى الله عليه وسلم عنه ولم يجبه بكلمة، ثم بعد أن انتهى نبينا عليه الصلاة والسلام من الغزوة وطاف -أي: في ساحة المعركة والغزوة- وجد صبياً يبحث -أي: يبحث في الأرض- وبه أثر جراح يريد أن يموت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أين السائل عن اللاهين؟ قال: ها أنا ذا يا رسول الله، قال: هذا من اللاهين، ثم نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قتل أولاد المشركين في الغزوات وفي الحروب والقتال).

    فاللاهون إذاً: من ماتوا وهم صغار، (سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر ألا يعذبهم فأعطانيهم)، والحديث كما قلت في درجة الحسن وهو صحيح.

    وثبت في مسند البزار وإسناد الحديث صحيح قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح غير محمد بن معاوية وهو ثقة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له: من في الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: النبي في الجنة)، يعني: من أهلها وممن يدخلها؛ ولم يرد لفظ الصديق في الحديث، بل قال: (النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة)، النبي والشهيد والمولود يعني: لفظ مطلق يشمل أولاد المسلمين وأولاد المشركين ومن تخلف فيه شروط التكليف بالتوحيد له هذا الحكم.

    إذاً: النبي والشهيد والمولود والموءودة التي وُئدت في الجاهلية قبل بعثة خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، هؤلاء في الجنة.

    والحديث -كما قلت- رجاله أئمة ثقات من رجال الصحيح غير محمد بن معاوية وهو ثقة، قال الهيثمي في المجمع؛ وقد رواه البزار عن أنس رضي الله عنه لكن اقتصر على الصنفين الأخيرين: وهما المولود والموءودة، وفيهما دلالة على من نريد، (من في الجنة؟ قال: المولود في الجنة، والموءودة في الجنة).

    والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير عن الأسود بن سريع ، لكن حذف الصنف الرابع، فاقتصر على ثلاثة أصناف، على النبي والشهيد والمولود ولم يذكر الموءودة، وأما في الحديث المتقدم فذكر الصنف الثالث والرابع، والأصناف الأربعة ثابتة في الرواية الأولى في البزار بسند رجاله أئمة ثقات: النبي والشهيد والمولود والموءودة هؤلاء كلهم في الجنة، وهذا جواب النبي صلى الله عليه وسلم، وكما ترون الدليل الثاني نص صريح صحيح.

    لكن نقول: لابد من الجمع بينه وبين النصوص الأخرى، والجمع ممكن سهل ميسور فنقول: المولود الذي يمتحن فيطيع في الجنة، والمولود الذي يمتحن فيعصي في النار، نعم، (سألت ألا يعذبهم فأعطانيهم)، أي: لن يعذبهم بمجرد تخلف شروط التكليف فيهم، يعني: مات وهو صغير لم يوحد فلن يعذب، إنما سيمتحن، وشتان بين نفي العذاب وبين دخوله الجنة من غير حساب، فالحديث يدل على أنه لا يعذب، ونحن على هذا القول، لكن ليس فيه دلالة على أنه في الجنة مطلقاً.

    إن قيل: الحديث الثاني: (المولود والموءودة في الجنة) نقول: لا نرد كلام النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة وفي النار، الله أعلم بما كانوا عاملين، يمتحنون، اجمع بين النصوص ولا تهمل بعضها، فهو في الجنة بعد امتحانه إن آمن وأطاع، حقيقة تستقيم نصوص الشرع ولا يُهمل شيء منها.

    الدليل الثالث على القول بأن الجنة هي مصير غير أولاد المسلمين

    الدليل الثالث الذي استدلوا به على أن هؤلاء في الجنة قالوا: المعقول المستمد من الثابت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، عندنا أدلة معقولة دلت عليها نصوص الشرع المطهرة على أن هؤلاء في الجنة.

    ما وجه المعقول الذي دل عليه المنقول؟ قالوا: من أربعة أوجه -هذا في الطريق الثالث-:

    أولها: الجنة دار فضل والنار دار عدل، وهؤلاء ما عندهم ما يستوجبون به العذاب فلن يدخلوا النار، فالله سيتكرم عليهم ويدخلهم الجنة فضلاً وكرماً وهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

    نقول: نعم، لا يدخلون النار لكن قامت الأدلة على أنهم يمتحنون، ويختلفون عن أولاد المسلمين.

    الدليل الثاني: قالوا: يستحيل تعذيب أولاد المشركين ومن مات في فترة ومن أدركه الإسلام وهو خرف، لأمرين معتبرين كل منهما مقطوع به في شريعة الله:

    الأول: إن عُذب هؤلاء مع تكليفهم بالإيمان فهو مستحيل لأنهم لم يكلفوا، مات وهو صغير فلم يكلف بتوحيد ربنا الجليل، مات في فترة، أدركه الإسلام وهو خرف، إن قلت يعذب مع تكليفه نقول: ما كُلِّف، وإن قلت يُعذب من غير تكليف نقول: نفى هذا شرعنا الشريف، فتواترت النصوص من كتاب وسنة على أن من لم توجد فيه شروط التكليف بالتوحيد لا يعذب، فإذا قلت: سيعذبون من غير تكليف هذا باطل، وإذا سيعذبون مع التكليف ما ثبت تكليفهم، مات وعمره لحظة أو ساعة، كيف سيكلف ولا عقل ولا بلوغ ولم تصل إليه الدعوة ولم يعِ شيئاً، إذاً: يستحيل تعذيب هؤلاء.

    نحن نقول: معكم، نعم يستحيل تعذيبهم لعدم توحيدهم لربهم، لكن ليس معنى هذا أنهم من أهل الجنة، فلابد من أن نقول: إنهم يمتحنون، فإن عصوا عُذبوا وإن أطاعوا نُعموا.

    الدليل الثالث -المعقول الذي دل عليه المنقول-: قالوا: لا يصح القول بأن هؤلاء من أهل النار لأنهم لم يؤمنوا بالعزيز الغفار، لأنهم لم يؤمنوا، فلا يصح أن نقول إنهم من أهل النار لانتفاء الإيمان عن أولاد المسلمين، فأولاد المسلمين يشاركون أولاد الكافرين ويشاركون من مات في الفترة ولم يوحد رب العالمين، جميع هؤلاء ما صدر منهم إيمان، فلا يجوز أن نقول إن دخولهم النار لعدم إيمانهم، فأولاد المسلمين كذلك، فإن قيل: إن أولاد المسلمين دخلوا الجنة تبعاً لأبويهم وكرامة لهم، فنحن نقول: لا يجوز أن يدخل هؤلاء النار تبعاً لأبويهم وإهانة لهم؛ لأنه دلت أدلة الشرع على أن كل نفس بما كسبت رهينة، فإذا تفضل الله على أولاد المسلمين يتفضل على هؤلاء، أما أن ولد النصراني يدخله الله النار لأن النصراني سيدخل النار، يقول الله في كتابه: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر:7] سبحانه وتعالى!

    فدلت أدلة الشرع على أن هؤلاء لا يتحملون وزر غيرهم، يقول الله في سورة الزمر: إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرَى [الزمر:7] فلا يتحمل المولود وزر أبويه، ويقرر الله هذا في كتابه في آيات كثيرة، فيقول في سورة يس: فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:54] فلا يصح أن نقول إن هؤلاء من أهل النار لانتفاء الإيمان عنهم، إذاً سيدخلون الجنة.

    نقول: لا يلزم إذا لم يدخلوا النار لعدم الإيمان منهم أن يدخلوا الجنة؛ إذاً: هم سيمتحنون، فاجمعوا بين الأدلة.

    الدليل الرابع -المعقول الذي دل عليه المنقول- قالوا: نحن نجزم ضرورة أن حكم هؤلاء كحكم أولاد المسلمين.

    قلنا: لمَ؟

    قال: الكل ولد على الفطرة، والكل قابل للإسلام ولتوحيد ذي الجلال والإكرام، وقد صرحت نصوص الشرع بذلك، فإذاً هو على الفطرة، إذاً هو على الإيمان، إذاً هو على الإسلام، وما طرأ شيء يغير ذلك فما بلغ وكفر، إذاً: هو مؤمن فإذا مات ففي الجنة، مولود على الفطرة فينبغي أن نقول إنه من أهل الجنة، وقد صرحت نصوص الشرع المطهر؛ لأن: (كل مولود يولد على الفطرة).

    ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة)، وفي رواية: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) ثم تلا أبو هريرة رضي الله عنه: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم:30].

    المراد بالفطرة كما سيأتينا: على الإسلام والدين الحق، وهذه الفطرة هي التي نُسبت إلى الله فيها إضافة مدح، وهي الدين السوي الذي رضيه الله لعباده، وكل مولود لو خُلي وفطرته لوحَّد ربه سبحانه وتعالى، كل مولود يولد على الفطرة، أفي الله شك؟! سبحانه وتعالى، فأبواه يهودانه ينصرانه يمجسانه، أي: يغيران فطرته على حسب ضلالهم، فإن كانا يهوديين هودا الولد، أو نصرانيين نصراه، أو مجوسيين مجساه.

    كان بعض شيوخنا إذا روى الحديث يقول: أو يرذلانه، أي: إذا كانا مسلمين رذيلين فاسقين يرذلانه، يعني ينشأ الولد على التلفاز، هذا ولد بار أو شقي، طائع أو عاص، قلبه منور أو قلبه فاسد، أولاد المسلمين أرذال في هذه الأيام من نشأتهم، يعني: وهو في المهد ينظر إلى ما حرم الله، من هذه الصور التي عشعشت في بيوت المسلمين، فكان الشيخ إذا روى الحديث يقول: يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أو يرذلانه، أي يجعلانه رذيلاً، أي: فاسقاً عاصياً على حسب حالهما، ثم ضرب النبي عليه الصلاة والسلام مثالاً حسيا يبين به هذا التغيير المعنوي، تغيير الفطرة تغيير حسي أو معنوي؟

    تغيير معنوي -إخوتي الكرام- تغيير عقيدة في القلب، يعني: لا يوجد خلقة قلبناها في الإنسان، يعني: كانت يده اليمنى هنا غرزناها في ظهره، هذا تغيير حسي، لكن يهوادنه هذا تغيير معنوي، هذا التغيير المعنوي لإيضاحه وُضح بتغيير حسي يفعله البشر ونحن نرى ذلك التغيير بأعيننا، يقول: (كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء) أي: كما تخرج البهيمة من بطن أمها الشاة السخلة عندما تولد جمعاء، أي: تامة كاملة الخلق مستوية الأطراف، هل تحسون فيها من جدعاء؟ هل يوجد شاة تلد مولوداً أذناه مشقوقتان أو مقطوعتان؟ من الذي يشق الآذان في الأنعام؟ من الذي يقطعها؟ بنو آدم يفعلون هذا لوسمها ولتعليمها، لئلا تختلط بغيرها، أو يقطعها أو يجعل عليها كيّا، أحياناً يقصها بكيفية معينة كمثلث أو مدور لتتميز، والذين عندهم شياه يعلمون هذا، فعندما يجدعها، أي: يقطع شيئاً من الشاة غيَّر تغييراً حسياً أو معنوياً؟ حسياً، فالتغيير المعنوي الذي يفعله الأبوان بولدهما كالتغيير الحسي الذي يفعله صاحب الماشية بغنمه، فالغنم تولد سليمة تامة الخلق، لكن البشر يعتدون عليها فيغيرون خلقها، كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء سوية مكتملة الخلق، هل تحسون فيها من جدعاء، أي: من قطع وشق وكيّ وغير ذلك، هل تحسون فيها من تشويه؟ لا، فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30].

    قد اعتبر نبينا عليه الصلاة والسلام تغيير الخُلق كتغيير الخَلق، والخُلق معنوي والخَلق حسي.

    ثبت في كتاب السنة لـابن أبي عاصم وإسناد الحديث ضعيف، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مُغير الخُلق كمغير الخَلق)، يعني: كما لا يجوز للإنسان أن يحلق لحيته، ولا أن ينتف حاجبه وهو النمص، كما لا يجوز هذا، لا يجوز أيضاً أن يغير فطرته، لأن تغيير الخُلق كتغيير الخَلق، وأنت عندما توقع إنساناً في معصية كأنك قلعت عينه وجدعت أنفه وقطعت أذنيه وأطرافه، تغيير الخُلق كتغيير الخَلق، أي: نهينا عن هذا ونهينا عن هذا، والشيطان هو الذي يوسوس للناس بالأمرين.

    ولذلك أخبر الله عنه بقوله أنه قال: وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأمرنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلأمرنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ [النساء:119]، يغيرون خلق الله في أبدانهم وفطرهم ويعتدون على هذه البهائم، فيجدعونها ويغيرون خِلقتها وهيأتها التي وُلدت عليها، إذاً كل مولود يولد على الفطرة.

    وهذا الحديث -إخوتي الكرام- ثابت في الصحيحين والمسند رواه الإمام أحمد من رواية الأسود بن سريع ، والرواية المتقدمة من رواية أبي هريرة ورواه البزار عن سمرة بن جندب وابن عباس ، ورواه الإمام أحمد أيضاً في المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهو حديث مروي من طرق كثيرة: (كل مولود يولد على الفطرة) والمراد من الفطرة: الملة الحنيفية السمحة، وهي الدين الحق الذي رضيه الله لعباده، دل على هذا ما ثبت في المسند وصحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي قال: (قام نبي الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خطيباً فقال: إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم في يومي هذا، قال الله تعالى: كل مال نحلته عبداً فهو له حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم)، أي: على الفطرة السوية السليمة، (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً) وآخر الحديث سيأتينا الاستشهاد به: (وإن الله نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال الله: إني بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان)، عليه صلوات الله وسلامه.

    إذاً: خلقت عبادي حنفاء كلهم، فهؤلاء إذا ماتوا قبل وجود شروط التكليف فيهم فهم على الفطرة، وهم بذلك من أهل الجنة.

    نقول: نعم، هم على الفطرة، لكن دلت الأحاديث على أن هذه الفطرة من غير اختيارهم، ولا دخل لهم فيها، وأن الله سيمتحنهم يوم القيامة ليثبُت امتحانهم كما ثبت امتحاننا، ولا يُعترض على هذا بأولاد المسلمين، فقلنا: أولئك ثبت فيهم ما يميزهم عن غيرهم فلهم أدلة خاصة استثنتهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

    هذا القول -إخوتي الكرام- حقيقة قول معتبر، والإمام ابن تيمية في كتابه درء تعارض العقل والنقل بحث في الفطرة وأن المراد منها الدين الحق السوي، في مبحث سديد رشيد ما أراكم تعثرون على مثله في كتاب آخر، في مائتي صفحة متتابعة، فارجعوا إليه في الجزء الثامن من صفحة ستين وثلاثمائة إلى مائتي صفحة متتالية، في أن المراد من الفطرة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة) هي الدين الحق وهو الإسلام.

    والإمام ابن القيم ختم كتابه شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل في هذه المسألة، وأن المراد من الفطرة الدين الحق الذي رضيه الله لعباده وهو الإسلام، في خمس وعشرين صفحة.

    وهذا الذي مال إليه الإمام ابن حجر في الفتح، ونقله عن الإمام البخاري وقطع به البخاري في تفسير سورة الروم: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] يقول الإمام البخاري في كتاب التفسير عند تفسير سورة الروم: هي الإسلام، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، أي: لا تبدلوا هذا الخلق ولا تغيروه، ولا تغيروا هذه الفطرة إلى يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو إسلام ناقص فيه معصية ورذالة، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30].

    إخوتي الكرام! هذا القول الثالث قال به أئمة كرام، هذا هو قول الإمام البخاري شيخ المحدثين، يرى أن أولاد المشركين في الجنة، وهذا القول -كما قلت- ينسحب على كل من تخلف فيه شروط التكليف بالتوحيد لجامع الاشتراك في الحكم، وقال به الإمام ابن الجوزي ، نسب إليه ذلك الإمام ابن تيمية في كتابه درء تعارض العقل والنقل، وقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (16/208): هذا هو القول الصحيح الذي ذهب إليه المحققون.

    فإن قيل لنا: ذهب إلى هذا البخاري وابن الجوزي والإمام النووي شيخ الإسلام يقول: هذا هو القول الصحيح الذي ذهب إليه المحققون، وأوردوا دليلاً ودليلاً ودليلاً تفرَّع إلى أربعة أدلة وهو الثابت، كيف تبطلونه وتهملونه ولا تأخذون به؟

    فنقول ما قاله الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في طريق الهجرتين: هذه حُجج كما ترى قوية وكثيرة، ولا سبيل إلى دفعها، وسيأتي بيان عادتنا فيها ووجه الجمع بينها وبين القول الحق الذي دلت عليه نصوص الشرع، وهي أنهم يمتحنون يوم القيامة.

    ثم قال الإمام ابن القيم : وعادتنا في مسائل الدين أننا نجمع بين نصوص الشرع جميعاً دِقها وجِلها، ولا نضرب بعضها ببعض، ونوافق كل طائفة على ما معهم من الحق ونرد عليهم ما معهم من الباطل وخلاف الحق، ولا نتعصب لطائفة دون طائفة، ثم قال: لا نستثني من ذلك أحداً، فهذه ديانتنا التي ندين الله بها، وهذه هي مقالتنا التي نسأل الله أن نبقى عليها، ونرجو أن نحيا عليها وأن نموت عليها وأن نبعث عليها.

    ثم ذكر: أن هذه النصوص غاية ما تفيد أن هؤلاء لا يعذبون لعدم توحيد ربهم، لكن ليس معنى هذا أنهم سيدخلون الجنة من غير امتحان، فيمتحنون، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، هذا القول الثاني لا تدل أدلته عليه، إنما نقول هذا القول نأخذ به ونجمع به وبين القول الذي قرره أهل السنة.