إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في علم التوحيد - الأقوال المرجوحة في مصير غير أولاد المسلمين [1]

مقدمة في علم التوحيد - الأقوال المرجوحة في مصير غير أولاد المسلمين [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أهل العلم من يرى التوقف في مصير أولاد المسلمين ممن مات دون أن تتحقق فيه شروط التكليف بالتوحيد، وهم كذلك يتوقفون في مصير غير أولاد المسلمين فلا يحكمون على أحدهم بجنة ولا نار، وإنما يفوضون أمرهم إلى الله، وكان معتمد هؤلاء في هذا القول ما ثبت عن النبي من قول فيهم في بعض الأحاديث، كما أن مثل هذا لا يرتبط به حكم دنيوي، ومثل هذا السكوت عنه أولى.

    1.   

    مجمل ما جاء في القول الراجح في مصير من لم تتوافر فيه شروط التكليف من غير أولاد المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا رب العالمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك, سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس شروط التكليف بتوحيد ذي الجلال والإكرام، وتقدم معنا أن شروط التكليف بالتوحيد أربعة:

    العقل، والبلوغ، وبلوغ الدعوة ووصولها إلى المكلفين، وسلامة إحدى حاستي السمع والبصر، وهذه الأمور الأربعة إخوتي الكرام مر الكلام على تقريرها وذكر أدلتها فيما سبق مفصلاً موضحاً, وتدارسنا في الموعظة الماضية حكم من لم توجد فيه بعض شروط التكليف بالتوحيد، وقلت: إن هذه المسألة تنقسم إلى قسمين اثنين ولها حالتان:

    الحالة الأولى: إذا تخلفت بعض شروط التكليف بالتوحيد في صنف معين، وهم أولاد المسلمين، فالمعتمد في أمرهم أنهم من أهل الجنة بفضل الله ورحمته، ومر هذا أيضاً مقرراً بأدلته ومفصلاً فيما سبق.

    والقسم الثاني: من لم توجد فيه بعض شروط التكليف بالتوحيد من غير أولاد المسلمين، كأولاد الكافرين إذا ماتوا صغاراً، وكمن هلك في الفترة ومات قبل وصول الدعوة والرسالة إليه، وكمن أدركته دعوة الإسلام وهو خَرِف لا يعرف شيئاً، وكمن وُلد أكمه أعمى أصم وبلغ وهو على ذلك ثم أدركه الموت بعد البلوغ، فهؤلاء الذين تخلفت فيهم شروط التكليف بتوحيد ربنا اللطيف, ما حكمهم؟

    قررت -إخوتي الكرام- في الموعظة الماضية أن المعتمد عند أهل الحق أن هؤلاء يكلفون يوم القيامة، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار، وقلت: إن هذا القول هو المعتمد عند المهتدين لأمور كثيرة أبرزها ثلاثة:

    أولها: أن هذا هو الثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم ثبوت صحة، فقد استفاضت الأحاديث بذلك، وذكرت فيما مضى حديث الأسود بن سريع وحديث أبي هريرة وحديث ثوبان وحديث أنس وحديث أبي سعيد الخدري وحديث معاذ بن جبل رضي الله عنهم أجمعين، وتكلمت على طرق هذه الأحاديث وبينت درجتها، وأنها أحاديث صحيحة ثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

    والقول الثاني والحجة الثانية التي تقوي هذا القول وتوجب المصير إليه: أن هذا هو قول أهل السنة والجماعة كما حكى ذلك عدد من أئمتنا.

    والأمر الثالث: أنه بهذا القول يجتمع شمل الأدلة الواردة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ويزول التعارض بينها، وإذا أمكن إعمال الأدلة جميعها فهذا خير من إهمال بعضها، وهذا القول يتحقق به إعمال الأدلة بأسرها كما وضحت هذا، ثم ختمت الكلام بالإجابة على إشكالين يترتبان على هذا القول المعتمد عند أهل السنة الكرام:

    الإشكال الأول: إن قال قائل: كيف يحصل التكليف يوم القيامة والآخرة دار جزاء وليست بدار تكليف؟ فبينت أن التكليف لا ينقطع حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وذكرت أن العباد كما كُلفوا في هذه الحياة يكلفون في البرزخ ويكلفون في عرصات الموقف، كما دل على ذلك آيات القرآن، والأحاديث الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    والإشكال الثاني: ذكرته وأجبت عنه أيضاً، وهو أن هؤلاء كيف سيكلفون بإلقاء أنفسهم في النار، وذلك على حسب الظاهر تكليف شديد, قلت: نعم، إنه شديد، وهو مع شدته مما يطاق ويتحمله الإنسان، وشريعة الله لا تأتي بما لا يتحمله الإنسان, إنما تأتي بما فيه كلفة ومشقة عليه ليظهر الطائع من العاصي، وليظهر المؤمن من الكافر.

    1.   

    القول الأول: التوقف في مصير غير أولاد المسلمين ممن لم تتحقق فيه شروط التكليف

    إخوتي الكرام! بعد أن انتهيت من هذا القول وآثرته على الأقوال الأخرى, قلت: ليرسخ عندنا الاعتقاد الحق في هذه المسألة، يحسن بنا في هذه الليلة المباركة أن نتدارس الأقوال الأخرى التي قيلت في هذه المسألة، وهي سبعة أقوال سأذكرها وأبين ما يدخل في هذه الأقوال من أقوال أخرى، فقد أوصلها بعض أئمتنا إلى عشرة أقوال كما فعل الحافظ في الفتح، وهي تدخل في هذه السبعة مع القول الثامن، ولا تخرج الأقوال عن ثمانية أقوال بارزة، سأستعرض الأقوال المردودة وأنسب كل قول إلى من قال به، وما يمكن اعتباره أبين وجه اعتباره، وأنه يتفق مع الدليل الذي مع القول الحق الذي تدارسنا أدلته والبراهين عليه فيما سبق.

    إخوتي الكرام! وهذه الأقوال التي سأذكرها وأدلل عليها بعضها قيل في صنف معين من الأصناف التي لم توجد فيهم شروط التكليف بالتوحيد، لكن جميع هذه الأصناف من غير أولاد المسلمين، فبعضها قيل في أولاد المشركين، وبعضها قيل في أهل الفترة، وبعضها قيل في جميعهم، وسأجمعها مع بعضها لأن جميع هذه الأقوال تدخل فيما سأذكره، وهو أن بعض شروط التكليف بالتوحيد تخلفت في هؤلاء الأصناف، فالحكم في هذا الصنف كالحكم في هذا الصنف، وشريعة الله تقتضي التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين.

    القول الأول من هذه الأقوال السبعة التي قيلت في المسألة: أننا نقف فيمن لم توجد فيه شروط التكليف بالتوحيد من غير أولاد المسلمين، فلا نقول إنهم في جنة ولا في نار، ولا نتكلم في شأنهم، إنما نفوض أمرهم إلى ربهم جل وعلا.

    وهذا القول -إخوتي الكرام تقدم معنا- هو أحد قولين قيلا في أولاد المسلمين، وقلت: إنه لا دليل عليه وهو مردود، وذكرت ما استدل به أصحابه، وبينت أن ذلك الدليل لا يدل على ما قالوه.

    ذكر من قال بالتوقف في مصير غير أولاد المسلمين من الأئمة

    هذا القول قال به أربعة من أئمتنا الأبرار، وهم: الحمادان وإسحاق بن راهوية وعبد الله بن المبارك شيخ الإسلام، وقلت إنهم احتجوا على هذا بحديث ثابت في صحيح مسلم والمسند وغيره في قصة أمنا عائشة رضي الله عنها عندما (مات صبى من صبيان الأنصار، فقالت: هنيئاً له الجنة، فقال: وما يدريك يا عائشة ! إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)، تقدم معنا أن هذا الحديث لا يدل على هذا القول، وبينت ذلك مفصلاً.

    أصحاب هذا القول في أولاد المسلمين هم قالوا بهذا القول في أولاد الكافرين وفي أهل الفترة وفي غيرهم ممن لم توجد فيهم شروط التكليف بتوحيد الله عز وجل، فقالوا: نقف في أمرهم ولا نتكلم في شأنهم، ونفوض أمرهم إلى ربهم جل وعلا، لكن انضم إلى هؤلاء الأربعة الكرام آخرون من أهل السنة وأئمة الإسلام.

    أما في المسألة الأولى فقد انفرد هؤلاء بهذا القول، أما هنا فمعهم غيرهم، فالوقف في غير أولاد المسلمين نُقل عن صحابي كريم وهو ابن عباس رضي الله عنه، ونُقل عن محمد بن الحنفية ولد علي رضي الله عنهم أجمعين، وقال به القاسم بن محمد من أئمة التابعين، ومال إليه الإمام البغوي في شرح السنة (1/155) ونسبه الإمام ابن تيمية في كتابه درء تعارض العقل والنقل -وهو المسمى: بموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول- في (8/397) إلى الإمام المبجل أحمد بن حنبل عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه، فقال الإمام ابن تيمية : كان الإمام أحمد بن حنبل يقف فيهم تارة عن الجواب، وتارة كان يرد حكمهم إلى علم الله فيهم، وهذا أحسن جوابيه، وهو جواب النبي صلى الله عليه وسلم في شأنهم، عندما سئل عنهم فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).

    وهذا القول -وهو الوقف فيهم- يدخل فيه أقوال أخرى، نُسبت في الفتح على أنها أقوال مستقلة وقال بها بعض هؤلاء؛ لكنها تدخل في هذا القول، فلذلك أجملتها في قول واحد، فيدخل في هذا ما قيل إننا نقول فيهم إنهم تحت مشيئة ربهم، هذا هو والوقف بمعنى واحد، يعني إذا وقفنا في شأنهم وقلنا: إن الله أعلم بهم، فالقولان بمعنى واحد، ويدخل فيه ما قاله بعض أئمتنا: نمسك عن الكلام في شأنهم، ويدخل في هذا القول ما نُسب إلى بعض أئمتنا أنه كره الكلام في هذه المسألة، ورأى السكوت والإحجام.

    فإذاً: نتوقف، نكره الكلام، هم تحت المشيئة، نمسك عن الكلام في هذه المسألة، أقوال كلها بمعنى واحد.

    هذا القول الذي قال به عدد من أئمتنا الكرام يمكن أن يُستدل له بأربعة أمور حسان، أذكرها -إخوتي الكرام- ثم أبين قيمة كل دليل، وهل يصلح أن يستدل به على هذا القول أم لا.

    الدليل الأول لمن قال بالتوقف في مصير غير أولاد المسلمين

    الدليل الأول: الذي دعا هؤلاء إلى القول بالوقف في أولاد المشركين ومن مات في الفترة ومن أدركه الإسلام وهو خرف إلى غير ذلك، الذي دعاهم إلى الوقف قالوا: هذا هو جواب النبي صلى الله عليه وسلم في هؤلاء، فلنُجب بما أجاب به خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه، ولنقف كما وقف، ولنسكت كما سكت، ولنفوض الأمر إلى الله كما فوض نبينا صلى الله عليه وسلم أمرهم إلى الله.

    ثبت في المسند والصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، والحديث مروى في سنن النسائي وأبي داود أيضاً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أطفال المشركين من يموت منهم صغيراً؟ فقال عليه صلوات الله وسلامه: الله أعلم بما كانوا عاملين)، فقال أئمتنا الأبرار الذين قالوا بهذا القول: هذا يشير إلى الوقف، فلنقف كما وقف النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

    والذي يظهر والعلم عند الله: أن الحديث لا يشير إلى الوقف في حكمهم وفي شأنهم، إنما رد نبينا صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى علم الله جل وعلا، ومعلوم الله جل وعلا سيظهر يوم القيامة، ويظهر بعد أن يمتحنوا، فلا تتعارض أحاديث الامتحان مع رد علمهم إلى ربنا الرحمن لا تتعارض.

    (الله أعلم بما كانوا عاملين)، معنى الحديث: لو عاشوا يعلم الله القابل منهم للهدى والذي سيطيع، ويعلم القابل منهم للكفر والذي سيؤثر الكفر على الإيمان، لكن هل في الحديث دلالة من قريب أو من بعيد على أن الله سيجازيهم يوم القيامة على حسب علمه فيهم فقط؟ لا، إنما سيجازيهم على حسب ما سيظهر منهم بما علمه الله فيهم جل وعلا، وهذا سيظهر بامتحانهم، فلا تعارض بين أحاديث امتحانهم وقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، لن يجازى هؤلاء على حسب علم الله فيهم فقط، فالله يعلم منا هل سنؤمن أو سنكفر قبل أن يخلقنا، وما جازانا على مجرد علمه فينا، إنما حصل الجزاء بعد ما ظهر منا ما ظهر، من إيمان وكفران وطاعة وعصيان، وهكذا هو الحال في أولاد المشركين، وفي أهل الفترة وفي غيرهم.

    (الله أعلم بما كانوا عاملين) أي: لو عاشوا من منهم سيقبل الهدى ويعمل به، ومن منهم يقبل الكفر ويختاره ويؤثره، الله يعلم، لكن لن يحكم فيهم على حسب علمه فقط، إنما معلوم الله فيهم سيظهر بعد امتحانهم كما ظهر معلوم الله فينا بعد امتحانه لنا، فمنا من آمن ومنا من كفر، وهم كذلك يوم القيامة، فليس في الحديث دلالة على الوقف، إنما نرد الخبر عنهم إلى علم الله فيهم، ونرد الحكم فيهم إلى معلوم الله في شأنهم، ولا يتعارض هذا مع أحاديث الامتحان، بل هذا وأحاديث الامتحان يتآخيان، فنجمع بينهما ولا داعي أن نهمل واحداً منهما.

    إذاً: هذا الحديث الأول لا دلالة فيه على هذا القول.

    الدليل الثاني لمن قال بالتوقف في مصير غير أولاد المسلمين

    دليل ثان استدل به هؤلاء الأئمة الكرام قالوا: هذه المسألة لا يرتبط بها حكم دنيوي، وما لا يرتبط به حكم دنيوي في العاجل فالسكوت عنه أولى، وإذا كان الكلام من فضة في مثل هذا المجال فالسكوت من ذهب، أمر مغيَّب ولا يتعلق به حلال وحرام وهو يرد إلى حكم الرحمن، لماذا نحن نتدخل فيه ونتكلم في هذه الحياة، فلنفوض أمرهم إلى ربهم، ولا داعي أن نتكلم في شأنهم.

    وأنا أقول رداً على هذا الأمر: إن معرفة أحكام الشريعة المطهرة ما يتعلق منها بالعاجل والآجل حسب النصوص الشرعية المطهرة مطلوب، وكون هذه المسألة لا يتعلق بها حكم دنيوي لا يدل على استحباب الوقف في شأنهم وعدم الكلام في أمرهم فضلاً عن إيجاب الوقف في هذه المسألة، فكثير من المغيبات نتكلم فيها ولا يرتبط بها حكم دنيوي على حسب ما ورد عن رسولنا النبي عليه الصلاة والسلام، فنحن نتكلم بهذا ضمن هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا مما أُمرنا بتعلمه ونشره.

    ولو كانت هذه المسألة سنتكلم فيها على حسب عقولنا وتخميننا وظننا واستنباطنا لقلنا: لا تدخل عقلك في فِعل ربك، أما أننا نتكلم على حسب ما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا أحاديث مستفيضة ثم نقول: لا نتكلم في شأن هؤلاء ونسكت!! فلا ثم لا، بل نتكلم على حسب ما بين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم، وكونه لا يتعلق بهذه المسألة حكم دنيوي لا يدل على استحباب الوقف في شأنهم فضلاً عن إيجاب الوقف في أمرهم، والعلم عند الله جل وعلا.

    الدليل الثالث لمن قال بالتوقف في مصير غير أولاد المسلمين

    الدليل الثالث: قالوا: إن الأدلة تعارضت في هؤلاء، ففي بعض الأدلة أنهم يمتحنون، وفي بعض الأدلة الله أعلم بما كانوا عاملين، وبعض الأدلة في الجنة، وبعض الأدلة في النار كما سيأتينا، وهذه الأقوال أربعة معتبرة وعليها أدلة شهيرة حسنة ثابتة، لكن نجمع بينها ومآلها إلى شيء واحد كما قلت: (الله أعلم بما كانوا عاملين) نرد الخبر عنهم إلى علم الله فيهم، ومعلوم الله يظهر بعد امتحانهم، فمنهم من يطيع فيدخل الجنة، ومنهم من يعصي ويدخل النار، هذا الجمع بين النصوص الأربعة، فما ورد أنهم في الجنة هذا إن أطاعوا بعد امتحانهم، وما رود أنهم في النار ليس في كل فرد فيمن يعصي بعد امتحانه، وما ورد من أن الله أعلم بما كانوا عاملين لا نجزم لمعين منهم بجنة ولا نار، فماذا سيكون حال هذا الهالك في الفترة عندما يمتحن في عرصات الموقف؟ لا يعلم هذا إلا الله.

    فنقول: الأدلة تعارضت نعم، لكننا ينبغي أن نصون كلام نبينا عليه الصلاة والسلام عن المعارضة وعن الإهمال، فخير من أن نهمل هذه الأدلة وأن نقف أمامها مكتوفي الأيدي وألا نتكلم فيها؛ نجمع بينها.

    وتقدم معنا -إخوتي الكرام- أن نصوص الشرع المطهر إذا تعارضت في الظاهر لا في حقيقة الأمر، فلا يوجد في حقيقة الأمر تعارض بين كلام من لا ينطق عن الهوى عليه صلوات الله وسلامه، إنما إذا تعارضت في الظاهر فقلنا: أول ما نفعله هو الجمع، وإذا أمكن فلا نعدل عنه إلى غيره، وإعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، ولا يصار إلى النسخ ولا إلى الترجيح عند إمكان الجمع، فبهذا تُعمل الأدلة بكاملها وتصونوا كلام الشارع عن الإلغاء والإهمال.

    وإذا لم يمكن فنلجأ إلى النسخ، وقلنا: إننا نقدم النسخ على الترجيح، وعلة ذلك: أن النسخ لا دخل للاجتهاد فيه، فالنسخ لا يكون إلا بنص شرعي أو بكلام صحابي ينزل منزلة النص الشرعي، أو بتاريخ يدل على أن هذا متقدم وهذا متأخر، أو بالإجماع الذي يكشف عن وجود نص ناسخ، والإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ، هذه هي أدلة النسخ ولا يمكن أن ننسخ نصاً بغير هذه الأدلة الأربعة: نصاً بنص، نصاً بقول صحابي يقول: هذا منسوخ، فدل على أنه وقف على ناسخ، وكلام الصحابي في ذلك له حكم الرفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أو عرفنا التاريخ فالمتأخر نسخ المتقدم، أو إجماع بيَّن لنا أن هذا الحديث لا يُعمل به، أي كشف عن وجود أدلة ناسخة، أما الإجماع بنفسه فلا ينسخ، ولا أريد أن أمثِّل لكل حالة من هذه الأحوال الأربعة، فهذا موجود في كتب المصطلح وأصول الفقه، والتمثيل يأخذ منا وقتاً طويلاً على ذلك.

    لكن الذي أريد أن أقوله: نفعل أول ما نفعل إذا تعارضت النصوص الجمع ما أمكن، ثم النسخ ونقدمه على الترجيح، فإن لم يمكن النسخ نرجح، وقلت: الترجيح يأتي في المرتبة الثالثة؛ لأن الترجيح يكون بناء على أدلة ظنية عقلية اجتهادية، قد يخطئ الإنسان وقد يصيب، فعندما يرجح خبراً في الصحيحين على خبر في الترمذي لقوة خبر الصحيحين؛ ليس كل خبر في الصحيحين أقوى من كل خبر في الترمذي، إنما مجموع ما في الصحيحين أقوى من مجموع ما في سنن الترمذي ، وقد يكون إسناد في سنن الترمذي وإسناد في صحيح البخاري دونه، فهذا الفرد أعلى من هذا الفرد، فعندما نرجح ما ورد في الصحيحين على ما في الترمذي لهذه القرينة أنه في الصحيحين، ولتلقي الأمة لما فيهما بالقبول وو وفهل هذا قطعي؟ قطعاً لا، بل ظني، ولعل ذاك أقوى من هذا، فعندما رجحنا خبراً في الصحيحين عارضه خبر في الترمذي ، هذا ليس بقطعي، فلذلك نؤخره عن النسخ.

    قلنا: والصورة الرابعة: نظرية في الواقع، وهي إذا لم يمكن الجمع ولا النسخ ولا الترجيح ماذا نعمل؟

    نتوقف عن العمل بجميع الأدلة، ونلجأ إلى الأدلة العامة وعمومات نصوص الشرع، ولا وجود لهذه الصورة في الحقيقة، إنما تُذكر لاستكمال القسمة العقلية فيما يجب أن يفعله الإنسان إذا وجد نصوصاً متعارضة.

    الشاهد إخوتي الكرام: قول أئمتنا الكرام الذين قالوا بهذا القول إن النصوص متعارضة فلنمسك ولا نتكلم، نقول: إذا تعارضت فالواجب أن نبذل ما في وسعنا لنجمع بين كلام نبينا عليه الصلاة والسلام، لا أن نقف أمام هذه النصوص مكتوفي الأيدي، ونقول نفوض أمرهم إلى ربهم جل وعلا.

    الدليل الرابع لمن قال بالتوقف في مصير غير أولاد المسلمين

    الدليل الرابع الذي استدلوا به، قالوا: ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام نهي عن الكلام في هذه المسألة، فنهانا نبينا عليه الصلاة والسلام أن نتكلم عن الولدان الذين ماتوا وهم صغار قبل وجود شروط التكليف بالتوحيد بهم، والمراد من الولدان أولاد المشركين كما نهانا عن الكلام في القدر، وإذا ثبت النهي فلنمسك عن الكلام ولنقف في هذه المسألة لئلا نعصي نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ثبت في صحيح ابن حبان والحديث رواه الحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين، وأقره عليه الإمام الذهبي ، ورواه البزار والطبراني في معجمه الكبير والأوسط بسند رجاله رجال الصحيح، كما نص على ذلك الإمام الهيثمي في المجمع (7/202) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يزال أمر هذه الأمة -وفي رواية- لا يزال أمر الناس مواتياً مقارباً، ما لم يتكلموا في الولدان والقدر)، أي: أمر الناس أمر هذه الأمة لا يزال على استقامة وائتلاف وسداد وهدى ونور ما لم يتكلموا في هاتين المسألتين: القدر والولدان، والمراد من الولدان أولاد المشركين، والكلام في مصيرهم وإلى أي شيء يئولون.

    والجواب: أن مراد نبينا عليه الصلاة والسلام من هذا الحديث كما بينه الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين ودار السعادتين عليه رحمة الله، أن المراد من ذلك الكلام في القدر وفي الولدان عن طريق الرأي، والظن، والتخمين، وضرب النصوص ببعضها، وإلغاء بعضها، والحكم فيها عن طريق الهوى والتشهي والغرر، أما من تكلم في القدر على حسب نصوص الشرع فلا حرج.

    ومن تكلم في الولدان على حسب نصوص الشرع فلا حرج، والإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة، ونحن نتكلم في قدر الرحمن جل وعلا، لكن لا نتكلم في ذلك على حسب عقولنا، إنما نتكلم على حسب ما بين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم، وهنا الأمر كذلك، فنحن عندما نتكلم في الولدان وفي أمر مغيَّب لا نتكلم فيه عن طريق عقولنا فلا ندخل تحت الذم، إنما نتكلم فيه عن طريق ما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فلنا في ذلك أجر وهدى، أما من تكلم في هذه المسألة أو في القدر عن طريق رأيه فهو ضال مضل.

    فالمعتزلة الذين تكلموا في قدر الله عن طريق عقولهم وهذيانهم وأوهامهم، دون التعويل على نصوص الشرع التي ثبتت عن ربهم وعن نبيهم عليه الصلاة والسلام، يدخلون في هذا النهي وهذا الذم قطعاً وجزماً.

    عندما جاء القدرية المعتزلة الذين نعتهم نبينا صلى الله عليه وسلم بأنهم مجوس هذه الأمة، والحديث -إخوتي الكرام- صحيح ورُوي من عدة طرق عن ابن عمر وغيره رضي الله عنهم أجمعين، (القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وهم الذين يقولون: إن الله ما شاء كل شيء ولا قدره)، إنما أمر بالطاعة ونهى عن المعصية، وإذا فعل العبد ما لا يحبه الله ولا يرضاه فقد فعل هذا بدون تقدير الله لذلك، وبدون مشيئته وإرادته، ففعل العبد ما لا يشاؤه الله، وفعل العبد ما لا يريده الله، إذاً: العبد هو الرب الحقيقي وليس الله جل وعلا، إذا كان العبد يفعل ما لا يريده الله ويغلب العبد ربه، فإذاً: هو الرب الحقيقي!

    ولذلك لما جاء رجل للمؤسس الثاني في مذهب الاعتزال أبي عثمان عمرو بن عبيد بن باب وقال له: يا أبا عثمان إن حمارتي قد سُرقت، فادعُ الله أن يردها عليَّ، فرفع أبو عثمان عمرو بن باب الذي كان من تلاميذ الحسن البصري ثم طرده، رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إن حمارة هذا الأعرابي سُرقت وأنت لم ترد سرقتها فردها عليه.

    فقال هذا الأعرابي بكل بساطة وقلب طاهر وفطرة مستقيمة: يا شيخ السوء! كف عن دعائك الخبيث، إذا لم يرد الله سرقتها وقد سُرقت فقد يريد ردها ولا تُرد.

    يعني: إذا غلب العبد ربه عند السرقة فسرق الحمارة دون إرادة الله وتقديره، فقد يريد الله ردها لكن العبد يغلب ربه مرة أخرى فلا يردها، هذا إله ضعيف!!

    ولذلك قال أبو العباس الشكلي : أمران يُقطع بهما المعتزلي: إذا ابتُليت مع واحد ممن يتكلمون في قدر الله ويسمون أنفسهم بالطائفة العدلية؛ لأنهم على زعمهم نزهوا الله عن الجور، أي: عن تقدير الشر وعن إرادته ومشيئته، وحقيقة عدلهم نفي عموم مشيئة الله وإرادته، لو اجتمعت مع معتزلي فلا تكثر من الكلام، كما تقدم معنا أنا لو اجتمعنا مع شيعي لا نكثر من الكلام، يعني بكلمتين مختصرتين نصل إلى المراد وكفى الله المؤمنين القتال.

    نقول للمعتزلي: أخبرنا، أراد الله إيمان الكافر فلم يقدر على إيمانه وهدايته؟ أو قدر على إيمانه وهدايته فلم يرد إيمانه وهدايته؟ أبو لهب أراد الله له الإيمان فلم يقدر على إيجاد الإيمان في قلبه، أو قدر على إيجاد الإيمان في قلبه وهدايته فلم يرد هدايته، أي: الجوابين نقول؟ تقول للمعتزلي: قل، إذا قال إن الله أراد هداية أبي جهل وعجز عن هدايته! نقول: لا يشك أحد أنك كفرت بالله العظيم، والله يقول في كتابه الكريم: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ [القصص:56] ، وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحدةً [هود:118] ، وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جميعاً [يونس:99] آيات كثيرة.

    إذاً: إذا قال أراد فلم يقدر كفر، وإذا قال: إن الله قدر على هداية الناس لكن مشيئته الكونية القدرية ما تعلقت بذلك ولا أراده، نقول: بطل مذهبك.

    إذاً: لدينا أمران لا ثالث لهما: إما أن تكفر وتخرج من الملة، وإما أن يبطل مذهبك وأن تعود إلى الهدى، فهذان أمران يُقطع بهما المعتزلي: قدر الله على هداية العصاة فلم يرد هدايتهم، أو أراد هدايتهم فلم يقدر، واحد إن قال به كفر، وواحد إن قال به رجع عن ضلاله واهتدى.

    الكلام في القدر على حسب الرأي حقيقة مذموم، ولذلك لما اجتمع شيخ أهل السنة في زمنه الإمام أبو إسحاق الإسفراييني مع إمام المعتزلة في زمنه عبد الجبار المعتزلي الذي كان يقال له قاضي القضاة عبد الجبار صاحب كتاب المغني في عشرين مجلداً في التفسير والتوحيد وأصول الاعتزال والضلال، هذا عدا عن شرح الأصول الخمسة التي قررها فيما يزيد على ألف وخمسمائة صفحة.

    عبد الجبار المعتزلي اجتمع مع شيخ أهل السنة أبي إسحاق الإسفراييني ، فقال عبد الجبار معرِّضاً بمذهب أهل السنة: سبحان من تنزه عن الفحشاء! ويريد بذلك التعريض بمذهب أهل الهدى أن الله ما قدَّر المعاصي، ووقعت من غير تقديره وإرادته؛ لأن نسبة هذا إلى تقدير الله فحش وضلال!

    فقال أبو إسحاق : كلمة حق أُريد بها باطل، ثم أجابه فقال: يا عبد الجبار ! سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء!

    يعني: إذا كنت تقول معسولاً من الكلام فاسمع ما نبطل به كلامك على وزنه وعلى ترتيبه، لكن نعلق على كلامك أنها كلمة حق، فالله تنزه عن الفحشاء لكن ليس تقدير الشر منقصة في حق الله، والشر ليس إليه، والله لا يقضى شراً محضاً سبحانه وتعالى، وما قدره مما لا يحبه له فيه حكمة تامة والحجة البالغة سبحانه وتعالى، كلمة حق أُريد بها باطل، فسبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.

    فبعد أن كان عبد الجبار معرضاً بمذهبنا قال مصرحاً: يا أبا إسحاق ! أفيريد ربنا أن يُعصى؟ فقال أبو إسحاق : يا عبد الجبار أفيعصى ربنا مكرهاً؟ أي: هل العاصي يعصي الله قسراً عليه وجبراً عنه ويرغم الله على مخالفته؟! نعوذ بالله من هذا القول، ولذلك العاصي ما عصى الله إلا بعد أن خذله الله: وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:46] .

    فقال عبد الجبار : يا أبا إسحاق ، أرأيت إن قضى عليَّ في الردى ومنعني من الهدى، أحسن إلى أم أساء؟

    قال: إن كان الذي منعك ملكاً لك فقد أساء، وإن كان الذي منعك هو ملكٌ له فهو الذي يفعل ما يشاء.

    فبُهت عبد الجبار ! وقال الحاضرون: لا يستطيع أن يناظر، هذا منافق!

    ولذلك يقول أئمتنا عند آيتين ينتهي سعي المخلوقات بأسرها:

    الآية الأولى -لعلني أشرت إلى ذلك ضمن المقدمة السابقة- في سورة الدهر والإنسان: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [الإنسان:30] ، والآية الثانية في سورة التكوير: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]، جميع المخلوقات بأسرها سعيها ينتهي إلى هاتين الآيتين.

    ولذلك قال أئمتنا من نفيس اعتقادنا: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأصح ما ثبت عن الإمام الشافعي ، وهو أحسن ما قيل في الإيمان بالقدر أبيات لعلني ذكرتها سابقاً، نسبها الإمام ابن عبد البر إليه في كتاب الانتقاء في تراجم الأئمة الثلاثة الفقهاء (ص:80)، وقلت: إن الأثر ثابت عن هذا الإمام في كتب كثيرة، في غالب ظني ذكرت هذا في الدروس الماضية، فيها يقول الإمام الشافعي :

    ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن

    خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسن

    إلى آخر الأبيات.

    فالذي يتكلم في القدر على حسب ما ثبت عن ربه وعن نبيه عليه الصلاة والسلام فليس ذلك حرج، والذي يتكلم في الولدان على حسب ما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام لا حرج عليه، وعليه هذا النص: (لا يزال أمر هذه الأمة مواتياً مقارباً) أي: السداد والاستقامة، (ما لم يتكلم في الولدان والقدر)، نقول: هذا نهي عن الكلام في الولدان والقدر إذا كان عن طريق الرأي والظن، وضرب النصوص ببعضها كتحكيم العقل في شأنها، أما من تكلم بما يعلم من ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام فهو محمود وليس بملوم.

    وعليه: هذه الأدلة الأربعة لا تصلح دليلاً لهذا القول، لكن هذا القول لا نهمله، نأخذ به ونقول: هذا وما قرره أئمتنا يتآخيان، فنرد الخبر في هؤلاء إلى علم الله، ونرد الحكم في أمرهم وشأنهم إلى معلوم الله، متى سيظهر معلوم الله فيهم؟ بعد امتحانهم لما فاتهم الامتحان في هذه الحياة، فهذا القول يتآخى ويتفق مع القول الذي قررته، وبه قال أهل السنة ودلت عليه الأحاديث المستفيضة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن لا يلزمنا أن نقف وأن نلغي امتحانهم وأحاديث أخرى وردت في شأنهم.

    ومسلكنا -إخوتي الكرام- في نصوص الشرع أننا نؤمن بها جميعاً، ولا نضرب بعضها ببعض ولا نأخذ ببعضها دون بعض، ومسلكنا مع جميع الطوائف والجماعات: أننا نوافق كل طائفة وجماعة على ما عندهم من هدى، ونخالفهم فيما هم فيه من باطل، هذه طريقتنا التي نحيا عليها، ونسأل الله أن يميتنا عليها، وأن يبعثنا عليها إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فلا نتحيز لطائفة دون طائفة، ولا نأخذ بنص ونهمل نصوصاً، إنما كل ما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام على العين والرأس، نجمع بينه ونأخذ به كله.

    هذا القول الأول لا أرى بينه وبين القول الذي اعتمده أهل السنة معارضة، لكن إن أردنا أن نقول به ونلغي قول أهل السنة هنا تقع المعارضة، فانتبهوا لهذا وكونوا على علم بهذا.

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، والحمد لله رب العالمين.