إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في علم التوحيد - من لم تجتمع فيه شروط التكليف بالتوحيد [5]

مقدمة في علم التوحيد - من لم تجتمع فيه شروط التكليف بالتوحيد [5]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف العلماء في حكم من لم توجد فيه شروط التكليف بالتوحيد إلى ثمانية أقوال، أرجحها أنهم يمتحنون يوم القيامة، وهذا القول هو الذي صححه أئمة أهل السنة والجماعة، وبه يجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، وقد أورد على هذا القول إشكالات، حاصلها أن الآخرة دار جزاء لا دار تكليف، فلا يمتحنون، وأن هذا الامتحان تكليف بما لا يطاق فلا يصح القول به، وهذان الإشكالان قد أجاب عنهما أهل السنة بما يبين أنهما باطلان.

    1.   

    تصحيح أئمة السنة للقول الراجح في مصير أطفال المشركين وأهل الفترة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحليم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، يا أرحم الراحمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    نواصل الحديث عن القول الراجح في مصير من انحرفت فيه شروط التكليف بالتوحيد، وسيكون الكلام على رد الإشكالات المطروحة حول هذا القول.

    يقول الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين عند كلامه عن الأحاديث الواردة في امتحان من لم تبلغهم الدعوة في العرصات: هذه أحاديث متعددة يشد بعضها بعضاً، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو الذي قال به السلف الكرام وأهل السنة والجماعة.

    ثم قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله مقرراً هذا بدفع إشكالات عن هذا القول، سأذكر الإشكالين وأتبعهما في نهاية الكلام إن شاء الله، وهكذا الإمام ابن حجر بعد الإمام ابن القيم حكم بأن هذه الأحاديث ثابتة صحيحة يؤخذ بها ويعول عليها، يقول الحافظ في الفتح (3/246): قد صحَّت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في كتاب الاعتقاد أنه هو المذهب الصحيح، أي أنهم يمتحنون، وهذا قول أهل السنة الكرام.

    وقال الحافظ في الإصابة (4/118): ورد الحديث من عدة طرق في حق الشيخ الهرم، ومن مات في الفترة، ومن وُلد أكمه أعمى أصم، ومن وُلد مجنوناً أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ، ونحو ذلك، وأن كلاً منهم يدلي بحجة يوم القيامة، ويقول: لو عقلت أو ذُكِّرت لآمنت، فترفع لهم نار ويقال لهم: ادخلوها، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن امتنع أُدخلها كَرها، قال الحافظ ابن حجر : هذا معنى ما ورد في ذلك، وقد جمعتُ طرق الأحاديث في جزء مفرد.

    وكنت أشرت إلى هذا الجزء في المحاضرات السابقة وقلت: لم أقف عليه ولا عندي خبر عنه، إنما يقول: امتحان هؤلاء جمعتها في جزء مفرد، وتتبعت طرق الأحاديث في ذلك.

    إذاً: صحت مسألة امتحان هؤلاء، وهكذا الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله يقول في كتابه درء تعارض العقل والنقل (8/437) بعد أن ذكر أن الحكم في هؤلاء الامتحان في عرصات الموقف، يقول: هذا القول منقول عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم، وقد رُوي به آثار متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسان يصدق بعضها بعضاً.

    وهو الذي حكاه الإمام الأشعري عليه رحمة الله في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين عن أهل السنة والجماعة والحديث، وذكر أنه يذهب إلى هذا القول، وعلى هذا القول تدل الأصول المعلومة بالكتاب والسنة، هذا كلام الإمام ابن تيمية.

    1.   

    الرد على من ضعف أدلة القول الراجح في مصير أهل الفترة وأطفال المشركين

    إخوتي الكرام! وهذا القول الذي اعتمده أهل السنة الكرام خالف فيه بعض أئمتنا وخلافهم مردود، فكونوا على علم بذلك وبصيرة به، الإمام الحليمي الذي توفي سنة (403هـ) في غالب ظني، وهو صاحب كتاب المنهاج في شعب الإيمان، وكنت ذكرت الكتاب سابقاً، وقلت: وذكر فيه شعب الإيمان التي أشار نبينا عليه الصلاة والسلام إلى أنها بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، وهو قبل الإمام البيهقي، وكتابه قبل كتاب الإمام شعب الإيمان للإمام البيهقي ، وهو شيخ الإمام البيهقي، والإمام البيهقي متأخر عنه توفي سنة (458هـ) أيضاً في غالب ظني.

    الإمام الحليمي في كتابه المنهاج (1/159) يقول: حديث امتحان هؤلاء في عرصات الموقف ليس بثابت.

    سبحان الله! وقد بينا أنه مروي في المسند والمستدرك وفي كتب أخرى ذكرتها.

    يقول: وهو مخالف لأصول المسلمين! أي أصول خالف؟ يعني: إذا كان الإمام ابن القيم وابن تيمية وابن حجر وإمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري عليهم جميعاً رحمة الله يقولون: الأصول المعلومة من الكتاب والسنة تدل على هذا القول، وهذا الذي قال به السلف، وهو قول أهل السنة، تأتي أنت تقول: الحديث ليس بثابت! فكلامك ليس بثابت، والحديث ثابت قطعاً وجزماً، كيف ليس بثابت!

    أمر ثان: الحديث تقول: مخالف لأصول المسلمين! أي أصل خالفه هذا الحديث، أما قال الله في كتابه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، ماذا ستقول في هؤلاء: تدخلهم الجنة وما وحدوا الله، تدخلهم النار وما كفروا بالله بعد إرسال رسول وإقامة حجة! ما بقي إلا أن تقول: العدل الإلهي أن يمتحنوا كما امتحنا، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، فلمَ يخالف أصول المسلمين؟

    وهذا القول نقله عنه الإمام القرطبي في كتابه التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص:611) وأقره عليه، وآفة العلم التقليد، نقل عن الحليمي أن الحديث ليس بثابت، وأن القول بامتحان هؤلاء يخالف أصول المسلمين، والقرطبي يقر الحليمي ، وكما قلت آفة العلم التقليد، ولابد من بصيرة وبحث في الأدلة.

    وهكذا فعل الإمام الأزدي في شرحه لصحيح مسلم (1/370)، فقال: الحديث من جميع طرقه ضعيف لا يعول عليه.

    قال الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين: وقد ضعف الحديث حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر ، ثم عقَّب الإمام ابن القيم على كلام ابن عبد البر ومن ضعف الحديث فقال: إسناد حديث الأسود بن سريع صحيح، وهو أجود من كثير من الأحاديث التي يُحتج بها في الأحكام والحلال والحرام، فكيف نقول: الحديث ليس بثابت!

    هذا الكلام مردود، والأحاديث بذلك ثابتة مستفيضة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، والقول بمضمونها هو قول أهل السنة الكرام، وقد حكى القول عنهم وعن أهل الحديث وعن السلف الصالح أبو الحسن الأشعري والبيهقي في كتاب الاعتقاد، وأقر ذلك الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، ولذلك هذا القول هو المعتمد في هذه المسألة، وهذا هو الذي يتناسب مع عدل ربنا جل وعلا.

    إخوتي الكرام! الأحاديث كما قلت صحيحة متعددة يصدق بعضها بعضاً، وهي مستفيضة، وإذا صح الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام فيُؤخذ به

    دعوا كل قول عند قول محمد فما آمنٌ في دينه كمخاطر

    1.   

    بيان أن القول الراجح في مصير أهل الفترة ونحوهم جامع لشمل الأحاديث الواردة في حكمهم

    هذا القول يؤخذ به لثبوته في السنة الصحيحة الصريحة، ويؤخذ به لأمر آخر: لأجل أن نجمع شمل السنة ونؤلف بين الأحاديث الواردة في هذا، وسيأتينا عند سرد الأقوال السبعة الأخرى، كيف أئمتنا خلَصوا إلى هذا القول الراجح، وجمعوا به بين أقوال متعددة.

    ورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام والحديث صحيح كما سيأتينا: (سئل عن أولاد المشركين؟ قال: هم مع آبائهم)، و(سئل عن أولاد المسلمين؟ قال: هم في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة) كما تقدم معنا، (قالوا: وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين)، يعني: أولاد المسلمين يكفلهم إبراهيم وسارة وأولاد المشركين، إذاً: هم في الجنة وهم في النار، و(سئل عنهم؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)، طيب في الجنة، وفي النار الله أعلم بما كانوا عاملين!

    قال أئمتنا: القول الذي قلنا نجمع به بين تلك الأحاديث الثلاثة إلى هذا الحديث الرابع، الله أعلم بما كانوا عاملين، فنرد حكمهم إلى علم الله فيهم، ومعلوم الله فيهم سيظهر عندما يمتحنون في عرصات الموقف، فإذا امتحنوا كان بعضهم في الجنة وبعضهم في النار.

    إذاً: الله أعلم بما كانوا عاملين حق، بعضهم في الجنة حق، وبعضهم في النار حق، فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأحاديث أشار إلى أننا لا نجزم للكل بالنار ولا للكل بالجنة، إنما نفوض أمرهم إلى علم الله، فبعد امتحانهم يظهر معلوم الله فيهم، فنرد الخبر عنهم إلى علم الله، ونرد الحكم فيهم إلى معلوم الله، فإذا امتُحنوا في عرصات الموقف صار بعضهم في الجنة، بعضهم في النار، وظهر معلوم الله فيهم، وهذا هو الذي تحققه أحاديث الامتحان، فنحن أمام أربعة أحاديث.

    إذا قلنا في الجنة ألغينا ثلاث دلالات في أحاديث متعددة.

    وإذا قلنا في النار ألغينا ثلاث دلالات في أحاديث متعددة.

    وإذا وقفنا ألغينا ثلاث دلالات في أحاديث متعددة.

    وإذا قلنا: يمتحنون ولا نجزم لواحد بجنة أو نار، وعلم الله سيظهر فيهم بعد امتحانهم فيظهر معلوم الله، ثم ينقسمون إلى جنة أو نار، فنقول: هذا القول جمع بين الأحاديث الثلاثة وحقق دلالتها، بل أعملنا الأحاديث الأربعة وما أهملنا واحداً منها، وإعمال الأدلة خير من إهمال بعضها، ولا خلاف بين أئمتنا أنه إذا تعارضت النصوص من حيث الظاهر فأول ما نلجأ إليه الجمع بينها، وإذا أمكن الجمع لا نعدوه إلى نسخ ولا إلى ترجيح، والطرق التي نسلكها عند تعارض الأدلة: جمع ثم نسخ ثم ترجيح ثم توقف، لو لم يمكن الجمع ولا النسخ ولا الترجيح بمرجح من المرجحات التي ذكرها الإمام الحازمي في كتابه الاعتبار، وقد زادت على الخمسين، ثم أوصلها الإمام السخاوي في الفتح المبين إلى مائة وعشرين طريقاً من طرق الترجيح.

    1.   

    شبهتان واردتان على القول الراجح في حكم أهل الفترة والرد عليهما

    قد يقول قائل: إذا قررت هذا، وهو حق كما ذكرت، يرد على هذا شبهتان لابد من الكلام عليهما، لعلني إن شاء الله فيما بقي من الوقت أنهي الكلام عليهما ولابد من الكلام عليهما، من أجل أن نحيط بهذا القول من جميع أطرافه: ‏

    الشبهة الأولى: أنه لا تكليف في الآخرة

    الشبهة الأولى: قد يقول قائل: أنتم تقولون وتنسبون هذا إلى السلف وإلى أهل السنة، تقولون: إن الأحاديث صرحت به، أن هؤلاء يمتحنون في عرصات الموقف، والآخرة ليست بدار تكليف، التكليف يكون في الدنيا لا في الآخرة!!

    نقول: ومن قال لك إن الآخرة ليست بدار تكليف، هل عندك نص بذلك؟ التكليف في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، لا ينقطع التكليف عن العباد حتى يستقر الناس في الجنة أو في النار، قبل هذا التكليف لا زال مستمراً.

    يكلفون في الدنيا، يكلفون في البرزخ، يكلفون في الآخرة، فمن أطاع في الدينا أو علم الله منه أنه عندما يكلف في البرزخ يطيع، وعندما يكلف في الآخرة يطيع، ومن عصى في الدنيا، أو علم الله منه أنه سيعصي لو وُجد، عندما يكلف في البرزخ سيعصي، وعندما يكلف في الآخرة سيعصي، وهل العباد يكلفون في البرزخ وفي الآخرة؟

    نعم، دلت على هذا نصوص الشرع من كتاب وسنة، سأذكر تكليفاً في البرزخ، ومرت الإشارة إليه، وتكليفاً في الآخرة لم نذكره فيما سبق فكونوا على علم به.

    أما التكليف الذي في البرزخ فتقدم معنا عند مبحث العقل، وأنه شرط للتكليف بالتوحيد، وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وقلت إنه حديث صحيح ثابت في المسند، وصحيح ابن حبان ، ومعجم الطبراني الكبير، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر فتَّان القبور، ماذا قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: (يا رسول الله! أترد علينا عقولنا؟) معنا عقولنا عندما نمتحن: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ ماذا تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟

    هذا تكليف أم لا؟ سؤال أم لا؟ هذا تكليف ولابد من الجواب، قال عمر: (يا رسول الله! أترد علينا عقولنا؟ قال: كهيئتكم اليوم)، أي: كحالكم في هذه الحياة، كل واحد معه عقله، فلا تكليف بدون عقل، لأنه إذا رفع العقل رفع التكليف في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، فكان جواب عمر رضي الله عنه: في فيه الحجر!

    يعني: ليت فتان القبور يأتي، تأتي ملائكة السماء بأسرها، وعلى رأسهم جبريل ومكائيل، ألقمهم حجراً وأخرسهم وأسكتهم.

    في فيه الحجر، هذا تقوله لمن تسكته، وتجيبه ولا تتلعثم ولا تتردد، وذلك إذا كنت على بينة.

    في فيه الحجر، أي: لا نبالي به ولا نخاف ولا نفزع.

    ويدل على مِنقبة كبيرة لهذا العبد الصالح عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقره ولا غرو في ذلك، فإذا رآه الشيطان سالكاً فجاً سلك فجاً غير فجه، كما ثبت في الصحيحين.

    والشاهد قول عمر بن الخطاب : (أترد علينا عقولنا؟ قال: كهيئتكم اليوم)، هذا امتحان أم لا؟ وفي ذلك الوقت يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    هذا امتحان في البرزخ، كل واحد سيقال له: ماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ أما المؤمن المصدق يقول: هو رسول الله آمنا به واتبعناه، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: ها ها لا أدري! سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.

    فهذا امتحان، ولا امتحان إلا بوجود عقل، وهذا هو التكليف، نعم لا تكلف بوضوء وصلاة؛ لأن تكليف كل دار بحسبها، لكن هذا تكليف نكلف به في البرزخ، هذا التكليف الذي في البرزخ مترتب على التكليف الذي في الدنيا، فإذا أطعت هنا تطيع هناك، وإذا علم الله منك أنك تطيع إن أدركت العمل فتطيع في البرزخ عندما تكلف.

    وأما التكليف في عرصات الموقف فهذا ثابت بنص القرآن: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:42] ، أوليس هذا تكليفاً؟ يكلف العباد بأسرهم بالسجود لربهم، والسجود تكليف.

    وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً)، أي: كأنه جدار من أسمنت مسلح بالحديد، لا يميل ولا يتحرك، هذا من كان يسجد رياء وسمعة، وكل مؤمن ومؤمنة يسجد: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:42] ، يكشف الله عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ومن كان يسجد رياء وسمعة يصبح ظهره طبقاً لا يستطيع أن ينحني ولا يميل، الطبق جدار مستو مستقيم لا يحصل فيه ميلان أبداً.

    وقد ثبت في كتاب التوحيد والرد على الجهمية لـابن منده عن أبي هريرة وابن مسعود، قالا: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ثم من كان يسجد رياء وسمعة فيصبح ظهره طبقاً واحداً)، لكن هنا من رواية أبي هريرة وابن مسعود موقوفاً عليهما، ولذلك حكم الرفع، والرواية المتقدمة في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري.

    الكلام على صفة الكشف عن الساق بما يرد على الشبهة الأولى

    إخوتي الكرام! وهذه الصفة لربنا الرحمن طريقتنا فيها كسائر صفات ذي الجلال والإكرام، أشرت مراراً إلى أن الإيمان بصفات ربنا يقوم على ركنين ودِعامتين هما: إقرار وإمرار، نقر بالصفة كما ثبتت، ونمرها فلا نقف عندها ولا نبحث في كنهها وكيفيتها، يكشف ربنا عن ساقه، إن قال: ما معنى الساق؟ نقول: معنى ساق، كما قال الله: يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42]، وتفسير النص قراءته، فلا تبحث في الكيفية ولا تتصور كيفية، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.

    والعجز عن درَك الإدراك إدراك والبحث في كنه ذات الله إشراك

    لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] إمرار وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ، إقرار، فأقرَّ بالصفة كما ثبتت، وأمرها دون بحث في كنهها وكيفيتها، فنقول: لله ساق عظيم يكشفه يوم القيامة إذا رآه المؤمنون سجدوا له، ولا يستطيع أن يسجد له المنافقون المراءون، هذا ما يفيده النص ونقف عند هذا، أمر مغيَّب يتعلق بمن ليس كمثله شيء، ولا ندخل عقولنا في تكييفه وتصوره وتخيله، وإذا أدخلت العقل في هذا فهذا أساس الضلال ومنبعه، أن تقحم العقل في أمور المغيبات التي ما رأيتها ولا رأيت لها نظيراً.

    إذاً: هذا ما نقوله في ساق ربنا الذي يكشف عنه يوم القيامة، قد يقول قائل: ورد في كتب التفسير وغيرها من كتب السنة أقوال أخرى في تفسير هذه الآية، فماذا تقولون فيها؟ وهي أقوال منقولة عن السلف!

    نقول: كل ما جاء عن السلف على العين والرأس، ونجمع بينه، فكونوا علم بذلك، ولا يلبسن عليكم ملبس ببعض الروايات ونحن ممن نؤمن بجميع ما أنزله الله وما بلغنا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وما قاله سلفنا الكرام، ونجمع بين هذه الأقوال، ولا نرد شيئاً منها، ولا نؤخذ بطرف ونترك طرفاً.

    إن قيل: ورد في كتاب الأسماء والصفات للإمام البيهقي ، والأثر رواه أبو يعلى في مسنده والطبري في تفسيره وابن مردويه في تفسيره، عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال في تفسير قول الله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42]، قال: (يُكشف عن نور عظيم، فيخرون له سجداً)، أي: المؤمنون يسجدون، هذه الرواية ضعفها الإمام البيهقي بعد أن رواها، لكن سأبين طريقتنا فيها على احتمال ثبوتها.

    والرواية الثانية رواها الإمام البيهقي في الأسماء والصفات، والحاكم في المستدرك، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن المنذر في تفسيره، وعبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] : هو يوم كرب وشدة، وفي رواية: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] قال ابن عباس : عن أمر عظيم.

    إذاً: معنا ثلاثة أمور، يكشف الله عن ساقه، يُكشف عن نور عظيم فيسجد المؤمنون لربنا الرحيم، يُكشف عن ساق: عن أمر عظيم هو يوم كرب وشدة، كيف هذا؟

    نقول: جميع هذه الروايات نعملها ولا نرد شيئاً منها، إذا كشف الله عن ساقه ظهر نور عظيم فيسجد له المؤمنون، وذلك الوقت عندما يحصل فيه الكشف وتخليص المؤمنين من المنافقين، تظهر أعظم الشدائد ونهاية التمحيص، فيتميز المنافق المرائي عن المؤمن الصادق، حقيقة يوم كرب وشدة، عندما يكشف الله عن ساقه ويتلألأ ويتجلى ذلك النور العظيم من ربنا الكريم سبحانه وتعالى.

    فالروايات الثلاث المنقولة كلها حق يُعمل بها، ولا داعي بعد ذلك أن نقول ما يقوله بعض أهل البدع: الثابت عن ترجمان القرآن: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42]: يوم كرب وشدة، يُكشف عن أمر عظيم، ولا داعي أن نقول إن الله يكشف عن ساقه، نحن عندنا ساق كُشف عنه بنص القرآن، فلابد من حملِ هذا النص على معنى يدل عليه في لغة العرب، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فعلامَ نلغي هذا أو نرد ذاك؟ عندما يكشف الله عن ساقه يتجلى نور عظيم ويحصل كرب وشدة على المنافقين المرائين، أي تعارض بين هذه الروايات؟! فلا تعارض.

    كلام المؤولة في صفة الكشف عن الساق والجواب عليه

    نعم ما قاله المؤولة، وهذا ذكره كثير من المفسرين الذين نحوا منحى التأويل، كـالإمام النسفي والزمخشري وغيرهما ممن يسلكون هذا في تفسيرهم، فكونوا على علم بذلك.

    وأذكر لكم نموذجاً لهذا لتحذروه إخوتي الكرام: يقول النسفي في مدارك التنزيل (4/298)، وتفسيره مطبوع في هامش تفسير لُباب التأويل للإمام الخازن ، ومطبوع أيضاً على حدة في خمس مجلدات في طبعة حديثة، ومطبوع أيضاً في بعض الطبعات في مجلدين، وفي هذه الطبعة مطبوع على هامش تفسير لباب التأويل للإمام الخازن ، ففي الجزء الرابع صفحة ثمان وتسعين ومائتين مع كتاب لباب التأويل، يقول النسفي : الجمهور -أنا أقول: جمهور أهل التأويل والأباطيل، نعم هم جمهور، لكن ليس جمهور أهل الحق والهدى- الجمهور على أن الكشف عن الساق عبارة عن شدة الأمر وصعوبة الخطب، فمعنى الآية: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] يوم يشتد الأمر ويصعب، ولا كشف ثمة، ولا ساق!

    هذا كلامه في تفسيره، إنما إذاً شدة تظهر، ولا يوجد كشف حقيقي ولا ساق؛ ولكن كُني به -أي بالساق والكشف عنه- عن الشدة؛ لأنهم إذا بُلُوا بشدة كشفوا عن الساق، وأما من شبه -أي من أهل السنة- وقالوا: إن الله يكشف عن ساقه، فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان.

    وأنا أعلق عليه وأقول: ولا تحسدون على هذا الهذيان!

    إذا كان علم البيان سيرد ما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام مما رواه الشيخان، فليس هذا ببيان، هذا تلبيس.

    ثم استدل هو والزمخشري بأبيات من الشعر.

    ونقول: إذا كانت تستعمل في الكشف عن ساق لحصول شدة، هل معنى هذا أنه لا يحصل كشف ساق في الآخرة من قِبل ربنا جل وعلا؟

    يقول: وقد قال العرب:

    سن لنا قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق

    يقول: الحرب ليس لها ساق تقوم عليه، فالمعنى: قامت بنا الحرب على شدة وكرب ومحنة عظيمة.

    ويقول بعضهم في الشطر الأول:

    والخيل تغدو عند وقت الإشراق وقامت الحرب بنا على ساق

    وقال آخر:

    قد كشفت عن ساقها فجدوا وجدَّت الحرب بكم فجدوا

    فقوله: قد كشفت عن ساقها فجدوا، أي: كشفت الحرب عن ساقها، يعني: عن شدتها.

    نقول: إذا كان يستعمل هذا استعمالا مجازياً في اللغة، ويُعبر به عن ذلك، فهل معنى هذا أنه في ذلك الاستعمال في حق ذي العزة والجلال كذلك؟

    هل استحال حمل اللفظ على حقيقته؟ لا، وإذا لم يستحل حمل اللفظ على حقيقته فلا داعي للتأويل ولا للأباطيل.

    على أنني أقول: (قد كشفت عن ساقها فجدوا) أي: كشفت الحرب، والكشف قد يكون حسياً وقد يكون معنوياً، فبما أن الحرب حرب في الأصل معنوية، فالكشف هنا معنوي يناسبها، إذاً: يراد عن شدة معلومة فيها، والوطيس اشتد فيها.

    وأما هناك فشيء آخر، فعلامَ نحمل المعنى هنا على المعنى هناك؟ يعني: أنا عندما أقول: رأيت أسداً في الغابة، هل هذا المعنى الذي يدل عليه هذا اللفظ هو في القول: رأيت أسداً يقاتل في سبيل الله؟ يحمل سيفاً بيده ويضرب به رقاب الكفار، هل يصح أن نقول الأسد هنا هو الأسد هناك؟ لا، فإذاً الأسد هنا شجاع قوي يشبه بالأسد لقوته وفي افتراسه لأعداء الله، ذاك يفترس حيوانات الغابة، وهذا يقضي على أعداء الله في المعركة والسيف بيده، يعني: كون الأسد يأتي بمعنى في لفظ لا يشترط أن يكون هذا المعنى يلازمه في كل لفظ، وإذا لم يستحل حمل اللفظ على حقيقته فمن التلاعب به ونفي دلالته أن نحمله ما لا يدل عليه، والله هنا يقول: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] ، كشف وساق، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (يكشف ربنا عن ساقه)، ويأتي هؤلاء يقولون: لا كشف ثمة ولا ساق.

    يا عباد الله! استحوا من الله، الله يقول: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] ، وأنتم تقولون: لا ساق ولا كشف.

    الزمخشري في تفسيره الكشاف عن عيون الأقاويل في حقائق التنزيل ابتدع نوعاً من أنواع التأويل في تفسيره ما سبقه إليه جن ولا إنس، يأتي بالآيات التي يتحدث بها الله عن عظمته وعن صفاته أو عن أمور الغيب، في قوله جل وعلا في سورة الزمر: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، وقد ثبت في الصحيحين وفي رواية مسلم : (أن الله يطوي السموات بيمينه، ويقبض الأرضين بشماله)، وفي رواية الصحيحين: (يطوي السموات بيمينه، ويقبض الأرضين بالأخرى)، على كل حال طي السموات بيمينه: وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، وقبض للأرضين بالشمال، كما هو في رواية صحيح مسلم .

    يقول الإمام الزمخشري في تفسيره: وهذه الآية لا داعي أن نفسرها بحقيقة ولا مجاز، إنما هي تخييل حسي لإثبات عظمة الرب، فليس هناك طي ولا قبض، لا يوجد شيء من هذا الأمر، إنما أراد الله أن يخيل لأذهاننا عظمته، فشبه حاله لأذهاننا بمن يطوي السموات بيمينه ويقبض الأرضين بشماله، تشبيه لكن لا يوجد هناك طي ولا قبض في الحقيقة على الإطلاق، بل تخييل حسي، يعني: يخيل لنا شيئاً في الحس كأننا نحسه بهذه الصورة اللفظية، لكن لا وجود له!

    طيب! لكن مؤداه أن الله يكذب علينا بما لا حقيقة له!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122] ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87].

    هذا الزعم وهذا الافتراء من المنكرات الباطلة، وهنا كذلك قالوا: ليس هناك كشف ولا ساق، وهذا كلام باطل فاحذروه، يكشف الله عن ساقه فيتلألأ نور عظيم، وإذا حصل هذا يحصل كرب وشدة، حقيقة عظيمة، فهذا يوم يتميز فيه المؤمنون عن المنافقين المرائين، فلذلك يحصل أعظم أنواع الكرب والشدة يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42]، وهذا تكليف أم لا؟ تكليف في عرصات الموقف، وعليه فلا مانع أن يكلف هؤلاء في عرصات الموقف، وبذلك رددنا على الشبهة الأولى!

    الإمام الشوكاني في تفسيره، ومع تعقله في آيات الصفات أجاد في هذه الصفة، وبعد أن حكى أقوالاً من التأويل في هذه الآية ولوَّث فيها تفسيره، وليته ما ذكر شيئاً من ذلك، ختم الكلام على هذه الأقوال بعد أن أفرد صفحة في حكاية أقوال وأشعار في تفسير الآية بما هو منقول عند المؤولة، بعد ذلك ختمها بسطر نسأل الله أن يثيبه، وأن يغفر لنا وله وللمسلمين أجمعين، يقول: وقد أغنانا الله عن تفسير هذه الآية بما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً، فالله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

    وما أحلى هذا الكلام وأصفاه! لكن ليته ما حكى تلك الأقوال القذرة في تفسير كلام الله جل وعلا.

    الشبهة الثانية: أنه تكليف بما لا يطاق

    الشبهة الثانية: قد يقول قائل: إن هذا القول الذي مؤداه أنهم يكلفون في عرصات الموقف وفي ساحة الحساب بأمر شديد، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، والتكليف بأن يلقوا أنفسهم في النار هذا صعب وعظيم، يا من تكلفه أن يلقي نفسه في النار فهذا تكليف شديد قوي صعب فظيع، كيف تكلف بهذا، شريعة الله تتنزه عن هذا، وعليه لا يصح هذا القول، والأحاديث بذلك مردودة!

    نقول: نعم، إن التكليف شديد وصعب بذلك؛ لكن احترس في عباراتك، لا نسمح لك ولا نقرك أن تقول إن التكليف بذلك تكليف بما لا يطاق، وبما ليس في الوسع، هذا الذي نفته الشريعة: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] ، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7] ، وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة:286]، قال: (قد فعلت)، كما في الصحيحين، لكن ما فيه كلفة، ما فيه شدة، ما فيه عناء، ما فيه صعوبة، هل هذا لا نكلف به؟ لا ثم لا، بنص القرآن: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، كتب الله القتال على الرجال والغيرة على النساء، فمن صبر منهما على ما كُتب عليه دخل الجنة.

    حقيقة غيرة المرأة عندما تصبر إذا تزوج زوجها زوجة ثانية وثالثة ورابعة، لا يعدل صبر المجاهد في سبيل الله عندما يضحي بنفسه، هناك صبر، لكن هذا فيه مشقة عليها، وهنا مشقة عليه، نفسه تُقتل، ماله بعد ذلك يُؤخذ، أسرته تضيع، هذا حقيقة صعب شديد، ومع ذلك يضحي بنفسه في سبيل ربه وهو فرح مسرور، ففيه كلفة وشدة، لكن لابد من ذلك.

    إخراج المال في سبيل الله من زكاة وصدقة فيه شدة؛ لأن المال محبوب للنفس، وهو شقيق الروح كما يقول الطماعون:

    قالوا شقيق الروح مالك فاحتفظ به فقلت المال أغلى من الروح

    ما رضي أن يجعله شقيق الروح، بل جعله أغلى من الروح.

    أرى حفظه يفضي لتحسين حالتي وتضييعه يفضي لتسآل مقبوح

    يعني هو أحسن من روحي، فإذا ضاع مني أخشى أن أسأل مقبوحاً، فالموت أحسن من سؤال هذا المقبوح.

    ورضي الله عن سفيان الثوري عندما كان يقلب الدراهم بيده ويقول: هذه الدراهم أغنتني عن الذهاب إلى أبواب الأمراء والسلاطين، يعني: صانت وجهي ومنَّ الله بها عليّ.

    إذاً: عندما تخرج المال ففي ذلك كُره، وفي ذلك صعوبة، والتكليف جاء بذلك، لكن ليس مما لا طاقة لك به، بل شدة تتحملها، وهؤلاء هل بإمكانهم أن يلقوا بأنفسهم في النار أم لا؟ بإمكانهم، قلنا: وقد استجاب فريق وألقوا أنفسهم فيها فنقلهم الله إلى الجنة، كما ثبت في الأحاديث المتقدمة، لكن التكليف بذلك فيه شدة، يعني: لو أخذ واحد منا وقيل له: إما أن تكفر وإما أن تحرق بالنار، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيحين: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، وذكر منها: وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار) يقول: والله الإلقاء في النار أهون عليّ من الكفر بالعزيز القهار، وقد أُلقي خليل الرحمن في النار، لكن في ذلك شدة، في ذلك عناء.

    أمثلة حية دالة على أن امتحان أهل الفترة في العرصات ليس من التكليف بما لا يطاق

    كم يقاسي إخواننا في هذه الأيام من شدة وعناء في سجون الطغاة في البلاد التي تدعي أنها بلاد إسلامية، يصب عليهم من العذاب ما لو وُضع على الجبال لفتتها، وأخذ مرة بعض الشباب ليعذب من قبل المسئولين في أجهزة الغدر والخيانة التي تسمى بأجهزة الأمن والأمانة، فهو عندما يعذبونه يقول: لا إله إلا الله، فيغتاظون ويزيدون في ضربه، الذين معه يسكتون فكفوا عن ضربهم، فقالوا له: اسكت كما سكتنا ليرفعوا الضرب عنك، ماذا قال في هذا العصر وفي هذا الزمن قال: ليعلم الله أنه يوجد في هذا العصر كـبلال مولى أبي بكر رضي الله عنه، أي: كما أن بلالاً كان يعذب فيقول: أحد أحد، ليعلم الله أنه في هذا الوقت يوجد من يخلف ذاك الصحابي الطاهر الصالح، ونحن نقول لا إله إلا الله ونعذب عندما نقولها، ونقولها لنعذب، ونصبر على ذلك، يعني: وإذا قُتلنا ماذا جرى؛ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]، يعني: ماذا وراءك أكثر من هذا؟ حقيقة عندما يهدد الإنسان بقتل وصلب وتحريق ويصبر، فهذا فيه شدة وصعوبة، كالإلقاء في النار تماماً؛ لكن في سبيل الله يهون كل شيء، أنت عبد وعليك أن تنفذ أوامر السيد!

    أنا أقول لمن يعترض على هذه الأحاديث: إن الجنود عبيد الحكام في هذه الأيام يهدمون الكعبة، ويقتلون أولياء الله تنفيذاً للأمير، أوليس كذلك؟ تأتيهم أوامر عسكرية أن اضربوا البلدة بكاملها، فتضرب من قبل الجيش ولا يتوقفون، يقولون: هذه أوامر، يقال: اضربوا المسجد فيضربونه، اقتلوا من في المسجد فيقتلونه، لمَ؟ يقولون: أوامر ونحن منفذون

    وقال لي كثير من عبيد الحكام: يا شيخ! أنا عبد مأمور!

    قلت: أنت عبد للعزيز الغفور يا أخي الكريم، لست بعبد لفلان ولا لفلان، ونحن عبوديتنا لا تكون إلا لذي الجلال والإكرام، وإذا كنت شرطياً أو جندياً عند مسئول فلا يعني أن تفعل ما يريد هذا المسئول، أي: جعلته لله نداً؟ أنت عبد لله، لست عبداً لأحد من خلق الله.

    لكن أريد أن أقول: على المفاهيم البشرية الآن، ويقرر هذا في أنظمة الجيش في العالم بلا استثناء، الأوامر العسكرية تنفذ بلا تردد ولا تذمر، والجهة التي تصدرها مسئولة عنها، أوامر اللواء والفريق تنفذ بلا تردد ولا تذمر، وأوامر الله لا تنفذ! وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [التوبة:62]، فإذا قال: ألقوا أنفسكم في النار، نقول: سمعاً وطاعة، قال الله في كتابه: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء:66].

    إذا كتب الله علينا أن نقتل أنفسنا، هذا شاق أو سهل يسير؟ شاق، وقد كتبه الله على بني إسرائيل، وجعل شرطاً لقبول توبتهم أن يقتلوا أنفسهم، وأن يقتل البريء منهم من أذنب، وألقى الله عليهم الغمام وقتلوا منهم سبعين ألفاً، حتى تاب الله عليهم، والله يشير إلى هذا في سورة البقرة في آية أربع وخمسين: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54]، شُرع لمن عبد العجل أن ينحره، وشُرع لمن لم يعبد العجل أن يقتل من عبد العجل، فقتلوا سبعين ألفاً، هذا فيه مشقة أم لا؟ مشقة، لكن هكذا شاء الله وهو سيد رب، إذا كان البشر يطيعون البشر بلا تردد لأنه سيد مسئول، فكيف بالسيد الأعلى رب العالمين سبحانه وتعالى؟ والله يقول لهذه الأمة: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء:66].

    ثبت في تفسير الطبري وابن أبي حاتم أن الصحابة الكرام قالوا لنبينا عليه الصلاة والسلام عندما نزلت هذه الآية: (والله يا رسول الله لو أمرنا الله بقتل أنفسنا لفعلنا، فقال عليه الصلاة والسلام: صدقت، ثم قال: والله للإيمان أثبت في قلوب المؤمنين من الجبال الراسيات)، وفي رواية: (إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الراسيات)، يقول: الله يأمرنا بقتل أنفسنا، نقتل أنفسنا بلا تردد.

    وثبت في تفسير ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير أن النبي عليه الصلاة والسلام قال عندما نزلت هذه الآية: (لو أنزل الله علينا على هذه الأمة أن يقتلوا أنفسهم، لكان ابن أم عبد منهم) وهو عبد الله بن مسعود ، أي: لكان عبد الله بن مسعود منهم وقتل نفسه.

    وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (لو نزلت هذه الآية وأمرنا بها، لكان ابن رواحة من أولئك القليل)، أي: من قيل فيهم: مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء:66] .

    وقال أبو بكر رضي الله عنه: (لو أمرني ربي بقتل نفسي لقتلت نفسي، قال: صدقت).

    إذاً: هذه مشقة، وهنا يقال: ألقوا أنفسكم في النار، وهي مشقة؛ لكن هذه المشقة ليست خارجة عن الممكن، وليست مما لا يطاق، فلتتحمل طاعة لربك جل وعلا، وأما إذا أردت أن تعبد الله على حسب رأيك، ففي الحقيقة أنت لست بعاقل، لست بعبد، من يريد أن يُكلف على حسب مزاجه فإذا جاءه ما يهواه فعله وما لا يهواه يقول: لا أريد هذا، فهذا ليس بعبد لله، ولذلك لابد من أن تطيع ربك في السراء والضراء فيما تحب وفيما تكره.

    قصة لإبليس توضح أن الأمر إذا دخله العناد فلا حجة لمن امتنع منه

    في أخبار من الكتب السابقة، والله أعلم بصحة القصة لكن لا مانع من ذكرها في مثل هذا الموطن، لنبين حقيقة الكفار الذين لا يمتثلون أمر العزيز الغفار، ويجعلون عقولهم حكماً فيما يريدون، هذا شاق لا نريده وهذا سهل نريده:

    يذكرون أن إبليس جاء إلى كليم الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وقال: يا موسى أنت كليم الله ولك منزلة عند الله، فسل ربك أن يتوب عليَّ، أريد أن أتوب، وقد لعنني وطردني، والآن أريد أن أتوب وهو تواب رحيم، فقال: أشفع لك إلى الله في ذلك وأكلمه بقبول توبتك، ولا يعترض على هذا بأن الله لعنه؛ لأن هذا وعيد، وجميع الوعيدات مقيدة بمشيئة رب الأرض والسموات، يعني: إذا أراد الله أن يبطل وعيده، وأن يعفو ويقبل فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    فطلب موسى من ربه أن يقبل توبة إبليس، يريد أن يتوب وأن يصلح حاله، والقصة -كما قلت- الله أعلم بصحتها، لكن هذه الدلالة التي فيها ينبغي أن نعتبرها.

    فقال الله لموسى وهو أعلم بعباده: أقبل توبته بشرط واحد، إبليس خسيس خبيث، معدن لا يقبل التوبة، يمكن قبول توبته إن تطهر من خبثه والكبر الذي عنده أقبله، أمرته أن يسجد لآدم فامتنع، فليذهب إلى قبر آدم وليسجد له، وإذا سجد لقبره أغفر له وأرحمه وأتوب عليه، وعفا الله عما سلف.

    فجاء نبي الله موسى إلى إبليس وقال: توبتك مقبولة بشرط يسير، أن تسجد لقبر آدم، قال: أنا ما سجدت لآدم وهو حي، أأسجد له ميتاً، والله لا أسجد له!

    إذاً: ليس مسألة قبول توبة، مسألة تريد أن تعبد الله كما تريد أنت!

    ويقول الله عن الكفار الذين يُعذبون في النار: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]، يقول وهو رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو بكل شيء عليم: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28].

    وهنا تكليف شديد صعب، لكن هو ضمن الوسع، والله كلفنا بما يدخل في وسعنا وإن شق علينا، وعليه لا إشكال في تكليف هؤلاء بما فيه شدة وفيه صعوبة، لكنه تكليف يمكن أن يدخل في وسع الإنسان، فيجب على الإنسان أن يأخذ به وأن يعمله وأن ينفذه.

    1.   

    خلاصة الكلام في مصير من لم توجد فيه شروط التكليف بالتوحيد

    خلاصة الكلام إخوتي الكرام: من لم توجد فيه شروط التكليف بتوحيد ربنا اللطيف من غير أولاد المسلمين يمتحنون يوم الدين، دل على هذا الأحاديث المستفيضة الصحيحة، وبهذا القول تجتمع الأدلة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو قول السلف الكرام وأهل السنة والجماعة، وما اعتُرض به على هذا القول بأن الآخرة ليست بدار تكليف قول مردود، وأثبت التكليف في البرزخ وفي الآخرة بأحاديث وآيات، وأما أن المبطلين يثيرون الشغب على الآيات والأحاديث فهذا موضوع آخر، لكن ثبوت التكليف في البرزخ وفي الآيات ثابت: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:42] .

    وعند هذه القصة وعند هذا الأمر وهذه الشبهة، أحب أن أنبه إلى أمر كنت أريد أن أنبه عليه إخوتي الكرام: أهل البدع عادتهم إذا كان الأمر في القرآن أولوه، وإذا كان في الأحاديث ردوه، أما الأحاديث فيقولون: أخبار آحاد ترد ولا يؤخذ بها، وأما الآيات فيؤولونها: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] تأويل، كما قال: لا كشف ثمة ولا ساق، وأما أحاديث الصحيحين فيقول: هذا حديث آحاد فلا يؤخذ به في الاعتقاد، هذا منهج أهل البدع!

    ولذلك يقول الزمخشري عند رواية الأحاديث الثابتة في الصحيحين، التي تدل على خروج العصاة من النار بعد أن يعذبوا فيها بعد أن رواها، يقول: هذه أحاديث مردودة مما لفقه المجبرة! يعني: أهل السنة والجماعة.

    ذكر هذا في تفسيره عند قول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:36-37] ، بعد أن روى أحاديث في ذلك، منها ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة، فقال يزيد الفقير لـجابر : ألم يقل الله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37] ، فقال جابر : اتل أول الآية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:6]، هذه في الكفار)، أي: ليست في المؤمن، فالكافر إذا دخل لا يخرج، وأما المؤمنون يخرجون.

    وثبت في تفسير الطبري وغيره عن عكرمة قال: جاء نافع بن الأزرق لـابن عباس رضي الله عن الصحابة أجمعين، فقال له: أنت تزعم أن عصاة الموحدين يخرجون من نار الجحيم، والله يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37]؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ويحك! اقرأ ما قبلها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:6] .

    يقول الزمخشري: هذه الأحاديث مما لفقته المجبرة، يعني: يسمي أهل السنة جبرية؛ لأننا نقول بمشيئة الله الكونية القدرية ومشيئته الشرعية الدينية، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، يقول: أنتم جبرية، ويقول: لفقته المجبرة وهي أحاديث موضوعة.

    وكما قال عن أحاديث الرقية: إنها أحاديث مردودة، وكما تبعه على ذلك الإباضية الذين هم فروع للخوارج فقالوا: هذه الأحاديث مردودة، ومفتي الإباضية في هذا الوقت يقول: هذه الأحاديث كلها مردودة، فالآحاد لا يؤخذ بها في الاعتقاد، وهي أحاديث كثر فيها الخبط وإن كانت في الصحيحين.

    يقول الشوكاني معلقاً على كلام الزمخشري : ويالله من عجب من رجل لا يفرق بين أصح الصحيح وبين أكذب الكذب، يتعرض للكلام على ما لا يعرفه ولا يدريه، وقد تواترت الأحاديث بخروج العصاة من النار بعد أن يعذبوا فيها فترة، ومن أنكر هذا فليس بأهل لأن يناظر.

    والأحاديث لو قُدِّر ولم يمكن أن نرجح بعض النصين على آخر، لو قدر ذلك فإننا نتوقف ونلغي النصين ونعمل بعموم الأدلة، وهذه صورة نظرية فرضية لا وجود لها، إنما من باب ما تحتمله القسمة نحو النصوص إذا تعارضت، إنما إذا أمكن الجمع لا نعدوه إلى غيره.

    والمتن إن نافاه متن آخر وأمكن الجمع فلا تنافر

    فنقول: يمتحنون، ولا نجزم لواحد منهم بجنة ولا بنار، نقول: الله أعلم من يدخل الجنة ومن يدخل النار، بعد امتحانهم فريق في الجنة وفريق في النار كما تقدم، فالدلالات الأربع الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام أعملناها وما أهملنا واحداً منها، ومن قال: إنهم في النار كما سيأتينا، وبنى هذا على أحاديث ثابتة، نقول: كيف تفعل بالنصوص الأخرى التي عارضت هذا، ومن قال: إنهم في الجنة نقول: كيف تفعل بالنصوص التي عارضت هذا.

    والطريق السوي أن نجمع بين كلام رسولنا النبي عليه الصلاة والسلام، وألا نهمل شيئاً منه، وهذا ما فعله أئمتنا الحذاق المحققون الراسخون، وهو الذي أشار إليه الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين وغيره.

    إذاً: نحن بهذا القول نجمع شمل الأدلة، والجمع بينها خير من إهمال بعضها.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.