إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في علم التوحيد - من لم تجتمع فيه شروط التكليف بالتوحيد [2]

مقدمة في علم التوحيد - من لم تجتمع فيه شروط التكليف بالتوحيد [2]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شروط التكليف بالتوحيد البلوغ، وغير البالغين إما أطفال المسلمين أو أطفال المشركين، والمقرر عند أهل السنة أن أطفال المسلمين من أهل الجنة جزماً، أما من عداهم من أطفال المشركين، أو من ولد أعمى وأكمه، أو ولد مجنوناً أو طرأ عليه قبل البلوغ فإنهم.

    1.   

    إجمال ما جاء في قوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان...) ودلالتها على أن المقصود بالذرية هم أطفال المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس شروط التكليف بتوحيد ذي الجلال والإكرام، وقلت إن شروط التكليف بتوحيد ربنا الرحمن أربعة: أولها: العقل. وثانيها: البلوغ. وثالثها: بلوغ الدعوة ووصولها إلى المكلفين. ورابعها: سلامة إحدى حاستي السمع أو البصر في المكلف، وهذه الشروط الأربعة تقدم الكلام عليها مفصلاً مقرراً بأدلته وبراهينه، ثم تعرضنا إلى مسألة ترتبط بشروط التكليف بالتوحيد وهي: من لم توجد فيه شروط التكليف بالتوحيد عند الله المجيد ما حكمه في الآخرة؟ هل هو من أهل النار أو يفوز ويدخل الجنة مع الأبرار؟

    قلت: هذه المسألة لها شقان ولها حالتان:

    الشق الأول منها والجانب الأول والحالة الأولى منها: أن يكون من لم تكتمل فيه شروط التكليف بالتوحيد ومات قبل أن يكلف من أولاد المسلمين، والشق الثاني: أن يكون من غيرهم كأولاد الكفار أو الذين ماتوا في الفترة.

    أما الشق الأول والجانب الأول من هذه المسألة وهم أولاد المسلمين: فقلت لعلمائنا فيهم قولان:

    القول الأول: مرجوح وما استدلوا به عليه لا يدل عليه، والثاني: راجح وهو المعتبر.

    أما القول الأول فهو: أننا نتوقف فيهم، ولا نجزم لهم بجنة ولا نار، ونفوض أمرهم إلى العليم الغفار سبحانه وتعالى، وقلت: قال بهذا عدد من أئمتنا الأبرار، وذكرت دليلهم وبينت أنه لا دلالة فيه على هذا القول.

    والقول الثاني: أننا نجزم لهم بالجنة كرماً من الله وفضلاً، وهذا القول هو المعتمد عند أهل السنة الكرام، ودل عليه آيتان من القرآن، وقررته سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، أما الآيتان فقد مضى الكلام عليهما: الآية الأولى من سورة المدثر: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر:38-42] إلى آخر الآيات.

    قلت: ويدخل دخولاً أولياً في أصحاب اليمين ولدان المسلمين، الذين ماتوا قبل أن يبلغوا ويحتلموا، وقلت: هذا التفسير نُقل عن صحابيين مباركين، أولهما علي رضي الله عنه، والثاني ابن عمر ، وقلت: إن التفسير ثابت عنهما بذلك: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ [المدثر:38-39]: أي: إلا أولاد المسلمين، وقلت: هذا التفسير يدل عليه أمران في الآية الكريمة، مر إيضاحهما وبيانهما.

    والآية الثانية من سورة الطور، وفيها يقول العزيز الغفور: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21]، وحاصل ما ذكرته حول هذه الآية الكريمة: أن لفظ الذرية شامل للأولاد الكبار وللأولاد الصغار، وإذا كان المراد من الذرية هنا الأولاد الكبار فلا دلالة في هذا التفسير على أن أولاد المسلمين الصغار في الجنة، ويصبح معنى الآية: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ [الطور:21]، وقلنا: (بإيمان) حال من فاعل اتَّبَعَتْهُمْ [الطور:21] أي: اتبعتهم ذريتهم حال كونهم مؤمنين كما آمن الأبوان، فقد آمن الأبوان وتبعتهم الذرية على الإيمان، فبلغوا واحتلموا وآمنوا بالله واهتدوا، لكن درجة الآباء أعلى من درجة الأبناء، ويرفع الله الأبناء إلى درجة الآباء يوم القيامة كرماً منه وفضلاً.

    ولذلك قلت إخوتي الكرام: إن الجار والمجرور حال من الفاعل في: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ [الطور:21] ، الحال من الذرية، اتبعتهم ذريتهم حال كونهم مؤمنين كما آمن الأبوان، وقلت: هذا التفسير ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً ومرفوعاً، والمرفوع ضعيف.

    وقلت: يتقوى بهذا التفسير الثابت عن الصحابي وبتعدد طرق الرواية الضعيفة التي ذكرتها، وفيها يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرفع ذرية المؤمن إليه في الجنة وإن كانوا دونه في العمل، ثم قرأ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21])، وهذا التفسير -كما قلت- ثابت عن هذا الصحابي، ومروي عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    إخوتي الكرام! هذا التفسير الذي تحتمله الآية وتدل عليه رجحه الإمام الطبري كما تقدم معنا، ولم ينفِ القول الثاني، وأنا أعجب غاية العجب للإمام القاسمي في محاسن التأويل عندما تعرض لهذا القول ورده، وقال: وأما ما قيل بأن المراد بالذرية هنا الذرية الكبار الذين لم يبلغ عملهم مبلغ أبويهم في الدرجة، والله يرفع الكبار إلى درجة الآباء، يقول: فهذا التفسير لا تقتضيه الآية تصريحاً ولا تلويحاً.

    وأنا أقول: إن الآية تقتضيه تصريحاً وتلويحاً؟ لا تقتضيه تصريحاً ولا تلويحاً لمَ؟ أوليس لفظ الذرية يشمل الأولاد الكبار؟ أوليس هذا التفسير منقولاً عن صحابي جليل؟ أوليس هو أيضاً مروياً عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه؟ الآية تقتضيه، ونُقل عن صحابي، ورُوى عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وإذا لم تصرح به الآية فلا أقل من التلويح، لكن فيها دلالة التصريح بأن المراد من الذرية هنا الكبار، هذا مأثور في الشرع من القول بهذا التفسير، هذا التفسير الأول، وعليه (بإيمان) في محل نصب حال من فاعل وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ [الطور:21] .

    وقلت: يصح أن نقول: إن الجار والمجرور أيضاً متعلقان بقول الله: (وَاتَّبَعَتْهُمْ)، ولا يكون في محل نصب حال على أن المعنى كما قال الإمام الألوسي : (اتبعتهم بإيمان) في الجملة قاصر عن إيمان الآباء، فالإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجَنان، وعمل بالأركان، فهؤلاء عندهم إيمان في الجملة، لكن فيه شيء من التقصير عن إيمان الأبوين، الله يرفع الذرية إلى درجة الأبوين كرماً منه وفضلاً.

    والتفسير الثاني -إخوتي الكرام- وهو محل الشاهد، وهذا التفسير الثاني رجحه الإمام الشافعي وقاضي القضاة في زمنه الإمام منذر بن سعيد البلوطي ، أن المراد من الذرية هنا الأولاد الصغار الذين لم يبلغوا الحنث ولم يحتلموا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21]، وهذا التفسير منقول أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً عليه، ورُوي في زوائد المسند عن علي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، ثم تلا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21]).

    وعليه إخوتي الكرام فالجار والمجرور إما أن يتعلق بـ(ألحقنا)، ويصبح المعنى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21] بسبب إيمانهم أي: إيمان الآباء، (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ألحقنا بهم ذريتهم بسبب إيمانهم) كرماً منا وفضلاً، فعندما آمنوا وماتت ذريتهم وهم صغار نلحق الذرية بالكبار، وإن لم يجرِ من الذرية إيمان وعمل صالح كرماً منا وفضلاً، بسبب إيمان الآباء.

    والتقدير الثاني: أن يتعلق بـ(وَاتَّبَعَتْهُمْ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ [الطور:21]، أي بوصف الإيمان، كيف هذا؟ على المعنى المتقدم في القول الماضي قلنا (بإيمانهم) في الجملة، وهناك كبار صدر منهم إيمان، وأما هنا فلم يصدر منهم إيمان وماتوا وهم في المهد، كيف هذا؟ قلنا: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ [الطور:21]، أي في الحكم لا في الفعل، فما صدر منهم إيمان فعلي حقيقة، لكن لهم حكم الإيمان؛ لأن المولود يتبع خير أبويه دينا.

    والقول الثالث وهو الذي ارتضاه الإمام القرطبي : أن الجار والمجرور في محل نصب حال من المفعولين لا من الفاعلين وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ [الطور:21]، ضمير اتبعتهم الذي هو الهاء، فـ(ذريتهم) فاعل، وَاتَّبَعَتْهُمْ [الطور:21]: ضمير المفعول يعود على المؤمنين، أي: على الأبوين، إذاً: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ [الطور:21] حال كون الأبوين مؤمنين، يلحق الله الذرية بالأبوين المؤمنين كرماً منه وفضلاً.

    هذه ثلاثة تقادير على أن المراد من الذرية الأولاد الصغار، قلت: وهذا التفسير كما أنه نُقل عن صحابي نُقل عن النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً، والحديث في زوائد مسند الإمام أحمد ، وإسناده لا كلام على واحد من رجاله إلا على رجل واحد وهو محمد بن عثمان ، وتقدم معنا أن الإمام الهيثمي في المجمع يقول: لم أعرفه، ويقول عنه الإمام الذهبي في الميزان: إن هذا الخبر منكر ومحمد بن عثمان لا يُدرى حاله، فتشت عنه في الكتب فلم أره.

    وقلت: إن الإمام ابن حجر تعقب الحافظ الذهبي فقال: محمد بن عثمان هو الواسطي الذي تقدم، وقد أورد ترجمته الإمام ابن حبان في الثقات، ونقل الحافظ ابن حجر هذا عن شيخه الهيثمي في تعجيل المنفعة، وقلت: بناء على هذا قول الهيثمي في الزوائد: لم أعرفه، لعله فعل هذا إما قبل أن يطلع على ثقات ابن حبان أو وَهِم، فعنده علم بثقات ابن حبان لكن عندما قيد هذا في مجمع الزوائد وهم، ونسي ما اطلع عليه وأخبر به تلميذه الحافظ ابن حجر ؛ لأن الحافظ ابن حجر يقول: أخبرني شيخنا الهيثمي أن محمد بن عثمان الواسطي مترجم في ثقات ابن حبان .

    وقلت: إن محمد بن عثمان ذكره الإمام ابن حبان في الثقات، والحافظ ابن حجر مال إلى تحسين الحديث، وقال هذا أصح ما رُوي في تفسير الآية، وتقدم معنا أن الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند، رحم الله مؤلف المسند ومن علَّق عليه، ومن له فيه رواية، قال: إن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن بحال، وتضعيف الأزدي محمد بن عثمان الواسطي هذا من غلوه في التضعيف، فلا يعول على كلامه، وتجهيل الإمام الذهبي لـمحمد بن عثمان الواسطي لا عبرة فيه بعد معرفة حاله، واستنكار الإمام الذهبي للخبر ليس فيه ما يدل على أنه منكر، ولا على نكارة فيه، فقواعد الشرع تشهد له، وليس فيه نكارة، وعليه فالحديث مقبول، وهذا التفسير هو الذي رجحه الإمام الشافعي كما تقدم معنا وغيره.

    إخوتي الكرام! كنت ذكرت كلاماً للإمام ابن القيم نسيت أن أكمله، وما ذكرني أحد منكم بإكماله، وأرجو ثم أرجو لو ذكرت شيئاً وذَهِلت عن آخره أن يذكرني الإخوان بذلك، فلا زلتم شباباً، وما وصل واحد منكم إلى حد الكهولة، وإذا دخل شيخكم في حد الكهولة واقترب من الشيخوخة وفي ذهنه ما فيه، فإذا ذهل عن شيء فذكروه، قلت: إن الإمام ابن القيم ضعَّف هذا الخبر، الذي رُوي في زوائد المسند عن علي رضي الله عنه لأمرين اثنين:

    الأول: من أجل محمد بن عثمان الواسطي ، وقلت: هذا ذكره في طريق الهجرتين.

    والثاني: يقول الإمام ابن القيم : إن زاذان الراوي عن علي هذا الخبر، عن نبينا عليه الصلاة والسلام: (إن المسلمين وأولادهم في الجنة ثم تلا الآية)، يقول: إن زاذان التابعي الراوي عن علي لم يدرك علياً فهو منقطع.

    وقد وهِم الإمام ابن القيم في هذا، فـزاذان من رجال مسلم ، وأخرج حديثه أهل السنن الأربعة، وقد أدرك علياً وروى عنه، ولذلك لا يصح تضعيف الأثر بعلة الانقطاع بين زاذان وعلي كما ادعى الإمام ابن القيم عليه رحمة الله.

    بقيت العلة الأولى التي ذكرها محمد بن عثمان الواسطي أجبت عنها، والحديث إن شاء الله لا ينزل عن درجة الحسن، وهذا ثابت عن نبينا المكرم عليه الصلاة والسلام؛ لأن ذرية المؤمنين الصغار في الجنة مع الأبرار كرماً من العزيز الغفار.

    هذا تقدم معنا إخوتي الكرام، وأحببت أن أشير إليه على وجه الإيجاز، لأتدارك أيضاً ما فاتني في المحاضرة الماضية.

    1.   

    من أدلة السنة على أن أطفال المسلمين في الجنة

    وأما السنة المطهرة فدلت على أن أولاد المسلمين إذا ماتوا قبل البلوغ فهم مع البررة، وهم في الجنة في الآخرة، دلت السنة على هذا من وجهين معتبرين، فعندنا آيتان في القرآن تدل على أن أولاد المسلمين الصغار في غرف الجنان، والسنة قررت هذا من وجهين معتبرين:

    الوجه الأول: ثبتت السنة الصحيحة الصريحة بأن الأولاد إذا ماتوا وهم صغار قبل أن يكلفوا بتوحيد العزيز الغفار، يكونون سبباً في نجاة أبويهم من النار، وسبباً في دخولهم الجنة مع الأبرار، وإذا تسبب الأولاد في نجاة أبويهم من النار، وفي إدخالهم الجنة مع الأبرار، فهم أولى بحصول هذا الوصف لهم، لأن من كان سبباً في نجاة غيره من النار، وسبباً في دخول غيره الجنة، ينجو من النار ويدخل الجنة من باب الأولى، فاستمعوا لدلالة السنة المطهرة على هذه القضية.

    شفاعة الأولاد للآباء يوم القيامة دل على أنهم من أهل الجنة

    هذه الدلالة الأولى: ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري ، والحديث رواه البخاري أيضاً في الأدب المفرد، وهو في سنن النسائي وابن ماجه ، ورواه الإمام البغوي في شرح السنة، وإذا كان الحديث في أحد الصحيحين فهو في أعلى درجات الصحة كما تقدم معنا التنبيه على هذا مراراً، فإذاً هو في صحيح البخاري وغيره عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)، الحنث: هو التكليف، يعني: ما جرى عليهم القلم، ولا كُتبت أعمالهم لأنهم لم يكلفوا ولم يبلغوا، ماتوا وهم صغار.

    الضمير في (رحمته) يعود إلى الله، ولا يعود إلى المسلم، كما هو أحد الاحتمالين، فقد يقال: المعنى: بفضل رحمة المسلم لأولاده؛ لأنه يرحم أولاده فالله يرحمه ويدخله الجنة، هذا احتمال مرجوح.

    والاحتمال الراجح وهو الذي دلت عليه الأحاديث الكثيرة وسأذكرها: بفضل رحمة الله إياهم.

    إياهم: تعود للأولاد الثلاثة الذين ماتوا قبل الحنث.

    إذاً: لرحمة الله بالأولاد رحمة عظيمة فائضة تسعهم وتسع أبويهم، فهم في الجنة، ثم الرحمة زائدة تفضُل بحيث يدخل أبواهم الجنة، من عظيم الرحمة التي يرحم بها أولاد المسلمين الصغار إذا ماتوا قبل الحنث.

    فمن رُحم أصالة، وتسبب هو في حصول الرحمة لغيره، فالمرحوم أصالة سيدخل الجنة قطعاً وجزماً قبل أبويه، هذه الدلالة الأولى، وكما قلت إخوتي الكرام: (بفضل رحمته)، أي: بفضل رحمة الله للأولاد، فالأبوان يدخلان الجنة من جراء ومن أثر رحمة الله لأولاد المسلمين الصغار إذا ماتوا قبل الحنث، كرماً منه وفضلاً؛ وقد قررت هذا التفسير ودللته روايات السنة المطهرة الكثيرة منها:

    ما في سنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمين يُتوفى لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمة الله إياهم)، إذاً: (رحمته) الضمير صُرح به هنا ووضع مكانه اسم ظاهر، بفضل رحمة الله إياهم، أي أدخل الله الأبوين الجنة بفضل رحمته للأولاد الصغار الذين ماتوا قبل التكليف.

    وثبت في رواية للحديث المتقدم في المسند من رواية أنس رضي الله عنه: (إلا أدخل الله أبويه الجنة بفضل رحمته إياهم)، فهنا صرح بالأبوين، وهناك يقول: (إلا أدخله الله الجنة) أي: الأب، والأب شامل لكل من الأم والأب، فما ينطبق على الأب الذكر ينتقل حكمه إلى الأم الأنثى بجامع الأبوة والولادة في كل، فهذا أب وتلك أب لكن تلك أم ولدت وهذا أب خرج أيضاً الولد من صلبه.

    وهذا المعنى كما قلت ورد في أحاديث كثيرة، ومنها: ما في المسند وسنن النسائي وصحيح ابن حبان من رواية أبي ذر يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم)، وفي رواية من حديث أبي ذر : (إلا غفر الله لهما -أي للمسلمين- بفضل رحمته إياهم) أي: للأولاد، أي: بفضل رحمته للأولاد.

    وثبت في المسند وسنن النسائي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من الولد، إلا أدخلهما الله وإياهم -أي والأولاد- الجنة بفضل رحمته إياهم)، تكملة الحديث: (يقال للأولاد: ادخلوا الجنة، فيقولون: يا رب! حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، فيقول الله: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم وأمهاتكم)، إذاً: إلا أدخلهما الله وإياهم -أي: الأولاد- الجنة بفضل رحمته للأولاد، كرماً منه وفضلاً.

    تعدد الروايات في أن من مات له ثلاثة من الولد أدخله الله الجنة

    وثبت في المسند عن أم سليم رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من امرأين مسلمين يُتوفى بينهما ثلاثة من الولد، إلا أدخلهما الله الجنة، بفضل الله ورحمته إياهم)، وفي رواية: (إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمة الله إياهم، إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمة الله إياهم، إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمة الله إياهم).

    هذه روايات متعددة، تدل على أن رحمة الله للأولاد الصغار إذا ماتوا قبل بلوغهم وتكليفهم يترتب عليها حصول رحمة للأبوين، فيدخل الأبوان الجنة برحمة الله للأولاد الصغار إذا ماتوا قبل البلوغ.

    وهذا المعنى -إخوتي الكرام- ثابت في روايات كثيرة، وقد صرحت روايات السنة المطهرة، أن من مات له ثلاثة من الولد يكونون سبباً في إدخاله الجنة، ودلت السنة على أن من مات له اثنان من الولد يكونون سبباً أيضاً في إدخاله الجنة، بل دلت السنة على أن من مات له ولد واحد -كما سيأتينا- يشفع في أبويه ويكون سبباً في دخولهما الجنة، ودلت السنة على دلالة رابعة أخرى سأذكرها وهي: من لم يكن له ولد، فهل يُحرم الشفاعة العظمى، ولا يكون من أهل الجنة؟ لا ثم لا، هناك بشارة عظيمة تأتينا في موضعها إن شاء الله، فاسمعوا لهذه الدلالات في الأحاديث الصحيحة:

    ثبت في المسند والصحيحين، والحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة ورواه الإمام مالك في الموطأ والحميدي في مسند والإمام الطيالسي في المسند أيضاً، وهو في الصحيحين؛ ففي أعلى مراتب الصحة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار، إلا تحلة القسم)، وتحلة القسم هي قول الله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم:71] ، يعني: إذا مات لمسلم ثلاثة من الولد فلن تمسه النار ولن يدخل فيها إلا تحلة.

    وهذا النص -إخوتي الكرام- وهذا الورود فُسر بأمرين، كل منهما حق مقبول، ودلت عليه الآثار، وسيأتينا هذا إن شاء الله عند البحث في دار النعيم ودار الجحيم، وأفصل الكلام على هذين القولين، إنما أذكرهما الآن باختصار، وهذا المقرر عندنا في عقيدة أهل السنة الكرام.

    الأول: أن المراد من الورود الدخول حقيقة، فلابد من أن يدخل النار كل أحد، لكن شتان ما بين الدخولين، دخول إذا دخلها تكون عليه برداً وسلاماً، ويُصفق لهيبها فلا يعذب بها، لكن دخل مكانه ودخل بقعته فوردها، ثم اجتازها وسلم منها.

    وقيل: إن الورود هو المرور على الصراط؛ لأنه منصوب على جهنم، فلا يمكن لأحد أن يمر ليدخل الجنة إلا من فوق جهنم بواسطة الصراط الذي هو عليها، فالورود هو المرور على الصراط، فمن مر على الصراط فقد ورد على جهنم، فالمؤمن يمر ولا يسقط، وغيره يمر ويهوي.

    ولا تعارض بين القولين، إذا قلنا: إن الورود هو الدخول، نقول: دخول يختلف عن دخول الكفار، فلا يجد في هذا الدخول ما يجده الكفار من العذاب والنكال.

    إذاً: (إذا مات للمسلم ثلاثة من الأولاد لن تمسه النار) أي: لن يدخل عرصتها وبقعتها والدار الموضوعة لها إلا تحلة للقسم، يعني: إلا الورود الذي أشار إليه ربنا المعبود: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71]، إما أن يكون هو المرور على الصراط، أو أن يكون المراد منه دخول بلا مقاساة عذاب، وشتان ما بين الورودين.

    قصة لطيفة حول تفسر الورود على جهنم

    من القصص اللطيفة حول تفسير الورود بمعنى الدخول، أن قسيساً في بلاد الشام عندنا في حلب، أيام الاستعمار الفرنسي، وبلاد المسلمين بلا استثناء هي في هذه الأيام كما يقال: نالت الاستقلال؛ لكن ما هي فيه من استقلال هو في حقيقته امتداد للاستعمار، نعم تغيرت الأشكال فقط، كان العدو في بلادنا جاثماً على صدرنا، نكرهه ونحاربه، فخرج من بلادنا فصرنا نحبه ونتبعه، أي الاستعمارين أشنع؟

    الاستعمار لنا ولبلادنا في هذه الأيام أشنع من الاستعمار القديم بمراحل ودرجات، خطط الاستعمار تُنفذ في بلادنا، وخيراتنا تُساق إليه وهو على عرشه، ولا يريد أن يدخل معنا في مخاصمات ومضايقات، وأما إذا كان في بلادنا حقيقة فسيضرب ونكرهه، فقال: نبتعد عنهم، يحبوننا وينفذون مخططاتنا.

    فما نحن فيه من استقلال هو امتداد لأشنع صور الاستعمار، هذا لا يستثنى منه بقعة على وجه الأرض.

    انتبهوا إخوتي الكرام! أيام الاستعمار الفرنسي التقى قسيس نصراني بشيخ من المسلمين، وقال له: ما فضلكم علينا معشر الموحدين؟ أنتم تقولون أنكم على توحيد، ونحن على تثليث، ونحن في النار وأنتم في الجنة، كيف يقول الله في كتابكم: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71] ، ستدخلون النار كما ندخلها نحن، فما فضلكم علينا؟ يعني: لمَ أنتم تتميزون، وأنتم أهل إسلام والنصارى كفار، ما فضلكم علينا؟ قال الشيخ للقسيس: اخلع جبتك، والجبة يلبسها هناك المشايخ والقُسس، لكن تتميز بالأشكال، والجبة لباس ساتر كالجلباب للمرأة يلبس فوق الثياب.

    فخلعها القسيس، فوضع الشيخ جبة القسيس داخل جبته، وجبة الشيخ من الخارج وتلك في الداخل، وقال: تعال معي، قال: إلى أين؟ قال: تعال، ثم ذهبا إلى فرن تنور يُخبز عليه الخبز يستعر ناراً، وقال لصاحب الفرن خذ هذه الجبة واطرحها داخل الفرن، قال: علامَ وهي جبة نفيسة جيدة؟ قال: اطرحها داخل الفرن، فطرحها داخل الفرن وهو يتأجج ناراً، بعد دقائق قال: أخرج الجبة، فأخرجها، فإذا جبة الشيخ التي هي في الظاهر لم يحترق منها شيء، وجبة القسيس احترقت وفنيت وصارت رماداً.

    قال: أيها الكافر! كلنا يرد النار، لكن تكون علينا برداً وسلاماً، وتكونون كحال جبتكم التي رأيتها الآن، تحترقون فيها، فقال القسيس: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله!

    (إذا مات للمسلم ثلاثة من الولد لن تمسه النار، إلا تحلة القسم)، أي: إما دخول بدون أذى، وإما مرور على الصراط من غير دخول لبقعتها وعرصتها وللدار التي يعذب فيها الكفار، والقولان معتبران، ويأتينا تقريريهما ومن قال بهما إن شاء الله.

    حديث آخر يقرر أن أطفال المسلمين في الجنة

    حديث آخر يقرر على أنه إذا مات لمسلم ثلاثة من الأولاد فلن يدخل النار، وسيتسبب الأولاد في الشفاعة له وإدخاله الجنة كرماً من الله وفضلاً.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ، وكتاب الأدب المفرد للإمام البخاري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم بصبي لها صغير، وقالت: يا رسول الله! ادع له، فقد دفنت ثلاثة قبله)، لا يعيش لها أولاد، كلما ولد لها مولود مات، ففي الولد الرابع جاءت به وقالت: ادع له، دفنت ثلاثة قبله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (دفنت ثلاثة قبله؟ قالت: نعم، قال: لقد احتظرت بحظار شديد من النار)، احتظرت يعني: امتنعت وتحصنت وحجبت نفسك بحاجز وحصن وساتر عظيم شديد من النار، عندما دفنت ثلاثة من أولادك.

    فإذا كان الأولاد الثلاثة سيمنعون أمهم وأباهم من دخول النار، فهل يليق برحمة الله أن يدخل الأولاد النار بعد ذلك؟! لا، هم تسببوا في منع أبويهم من دخول النار، فلن يدخلوها إذاً هم من باب أولى؛ لأن رحمة الله للأولاد فاضت على الأبوين، فنجا الأبوان من أثر رحمة الله للأولاد، فالأولاد إذاً من باب الأولى سينجون ولن يعذبوا في النار يوم القيامة، وفي بعض الروايات يقول لها النبي عليه الصلاة والسلام: (لقد اتخذت جُنة حصينة من النار).

    رواية ثالثة تقرر هذا ثبتت في المسند وسنن ابن ماجة ، والحديث نص الإمام المنذري في الترغيب والترهيب (3/75) على تحسينه، ونص على تحسينه الحافظ ابن حجر في الفتح (2/221)، عن عتبة السلمي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا تلقوه يوم القيامة من أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء).

    إذا كان الأولاد سيتلقون أبويهم عند أبواب الجنة فهم من أهلها قطعاً وجزماً، فأولاد المسلمين إذا ماتوا وهم صغار في الجنة مع الأبرار.

    إخوتي الكرام! الأحاديث في دلالتها على هذا المعنى، وأنه إذا مات للإنسان ثلاثة من الولد يكونون حاجزاً بينه وبين النار، وسبباً في دخول الجنة مع الأبرار مستفيضة، بل متواترة، أجزم بذلك وأقطع به، وأُسأل أمام رب العالمين وأحكم الحاكمين.

    ذكر أحاديث في بشارة من مات له ثلاثة أو اثنان من الولد

    وقد ثبت في المسند بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قدم ثلاثة من الولد، حجبوه من النار)، هذه دلالة أخرى.

    وإذا قدم ولدين له هذه البشارة أيضاً كرماً من الله وفضلاً، ثبت في المسند والصحيحين، والحديث رواه البغوي في شرح السنة، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن النساء قلن للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الرجال قد غلبونا عليك، فاجعل لنا يوماً تعظنا فيه على حدة)، الرجال غلبونا عليك واستأثروا بك، وأنت نبي الرجال ونبي النساء، فللنساء منك حظ كما للرجال، فاجعل لنا يوماً، (فوعدهن يوماً لقيهن فيه فوعظهن، فقال عليه صلوات الله وسلامه في وعظه: أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد، كانوا لها حجابا من النار, فقالت امرأة: واثنان يا رسول الله؟! قال: واثنان)، أي: يكونان لها حجابا من النار.

    ثبت في المسند وصحيح مسلم ومسند الحميدي وكتاب الأدب المفرد للإمام البخاري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من امرأة تقدم ثلاثة من الولد تحتسبهم، إلا دخلت الجنة)، والرواية المتقدمة (كانوا لها حجاباً من النار)، معنى الروايتين واحد، من دخل الجنة نجا من النار، ومن نجا من النار دخل الجنة.

    وثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة، فقالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان، فقالت بعد ذلك: يا ليتني قلت: وواحد)، لكن ما قالت، لكن أنا أقول غيرها قال.

    ومثل هذا المعنى ورد في المسند، وصحيح ابن حبان ، وكتاب الأدب المفرد للإمام البخاري ، والحديث صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: (أنه من قدم ثلاثة من أولاده واحتسبهم يكونون سبباً في دخوله الجنة، فقال رجل: واثنان؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: واثنان)، فقال محمود بن لبيد الراوي عن جابر : أراكم لو قلتم وواحداً، -يعني من قدم واحداً- لقال النبي عليه الصلاة والسلام: وواحداً، فقال جابر : وأنا والله أظن ذلك، يعني: لو قلنا من قدم واحداً يحجبه من النار ويدخله الجنة لقال النبي عليه الصلاة والسلام هذا.

    وأنا أقول لـجابر ولتلك المرأة: أبشرا فقد كفاكما غيركما السؤال، وقد سأل عن هذا أمنا عائشة رضي الله عنها، صاحبة البركة والخيرات، فسألت نبينا عليه الصلاة والسلام عن الولد الواحد، فأجابها بأن تلك الفضيلة تحصل أيضاً لصاحب الولد، كما تحدث لصاحب الولدين ولصاحب الأولاد الثلاثة.

    إخوتي الكرام! دلالة السنة أيضاً على أن من مات له ولدان حجباه من النار وأدخلاه الجنة، دلالة مستفيضة بل متواترة، كما هو الحال في الأولاد الثلاثة، وقد ثبت في المسند ومعجم الطبراني بسند رجاله ثقات، كما قال الهيثمي في المجمع والمنذري في الترغيب والترهيب، عن أبي ثعلبة الأشجعي ، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! إنه قد مات ابنان في الإسلام، -يعني منذ أن أسلمت مات لي ولدان- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة، بفضل رحمته إياهما).

    يقول أبو ثعلبة الأشجعي : فلقيني أبو هريرة رضي الله عنه فقال: يا أبا ثعلبة ! أنت الذي قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة، بفضل رحمته إياهما) قلت: بلى، أنا الذي قال لي ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال لي ذلك، أحب إلي من ملكي فلسطين وحمصا، وفي رواية: أحب إلى مما غُلِّقت فلسطين وحمص، يعني: لأن أكون صاحب هذه البشارة أحب إلي من أن أملك فلسطين، وحمص -وهي بلدة عظيمة في بلاد الشام- والأمر كما قال الله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] .

    حقيقة: إذا أخذ الإنسان بشارة وأنه من أهل الجنة، فهذا أعظم مما لو ملك حمص وفلسطين، وأعظم مما لو ملك الدنيا بأسرها: مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96]، والأمر كما قال سلفنا: لو كانت الدنيا دراً يفنى، والآخرة خزفاً يبقى -والخزف هو الفخار الذي يصنع منه القُلة التي يُبرد فيها الماء ويُشرب، يعني: من طين متجمد-، لو كانت الدنيا دراً يفنى، والآخرة خزفاً يبقى، لأثر العاقل الخزف على الدر؛ لأن الخزف باق والدر فان، فكيف والآخرة در يبقى والدنيا خزف يفنى.

    وليتها خزف، والله إنها دون الخزف، ولا تعدل عند الله جناح بعوضة، يعني: لو كانت الدنيا دراً أي: ذهباً لكن يفنى، والآخرة طيناً يبقى، لآثر العاقل الطين على الذهب، فكيف والآخرة ذهب باق، والدنيا طين فانٍ، فكيف إذاً ينبغي أن نفعل؟ نسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يبصرنا بعواقب أمورنا.

    ولذلك قال أبو هريرة : لأن أكون نلت هذه البشارة أحب إلي من ملكي حمص وفلسطين، أحب إلي مما غُلِّقت فلسطين وحمص.

    ذكر حديث ابن عباس في بشارة من مات له ولد واحد بدخول الجنة

    إخوتي الكرام! وهذه البشارة تحصل لمن قدم ولداً واحداً، وقد أكرمني الله بذلك، وأسأل الله أن يكرمكم بزوجة صالحة وبتقديم ولد على أقل تقدير قبل وفاتكم؛ ليكون لكم صك في ذلك عند الله، والله لا يخلف الميعاد، أول ولد جاءني أخذه رب العالمين مالكه، وأسأل الله أن يجعله فرَطاً وذخراً شافعاً مشفَّعاً، هذه البشارة لمن جاءه أيضاً ولد واحد، فاستمعوا لسؤال المباركة زوجة نبينا المبارك، على نبينا وآله صلوات الله وسلامه.

    ثبت في المسند وسنن الترمذي وقال عنه: حسن، والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند، ورواه البغوي في شرح السنة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة)، والفرطان: ولدان صغيران يموتان قبل البلوغ، والفرط هو الشيء المتقدم، أي: ماتا قبلك وتقدما عليك، فقالت أمنا عائشة رضي الله عنها: (ومن كان له فرط واحد يا رسول الله؟! فقال: ومن كان له فرط يا موفقة)، أي: يدخله الله أيضاً بهذا الفرط الجنة، لم تتركه حتى تأخذ البشارة منه لجميع أمته، فقالت: (فمن لم يكن له فرط من أمتك) أي: تزوج وما رزق أولاداً، أو رزق بأولاد وما ماتوا قبله، أو لم يرزق بزوجة، تعني: هل له بشارة في هذه الحياة؟

    حقيقة هي مفتاح الخيرات والبركات، وإذا كان الأمور الكريهة التي تنزل بها يجعل الله منها للأمة توسعة وبركة، وآية التيمم نزلت ببركة أمنا المباركة رضي الله عنها وأرضاها، وبعد ذلك آيات تُتلى في تبرئتها، وهنا كذلك، فإذا كان في حال الكره يجعل الله لها وللأمة بركة، فكيف في حال الرخاء؟ انظر لهذه القريحة، ولهذا الذكاء، ولهذه الطهارة عند أمنا رضي الله عنها، التي يتقرب الشيعة إلى الشيطان بلعنها، ويقولون: إن عائشة رضي الله عنها ليست من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، كيف هذا، وهل في ذلك شك؟ قالوا: نعم، إن علياً طلَّق عائشة من النبي بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام! ما شاء الله! يعني: هذا الخبر الذي ما عرفه الجن فضلاً عن الإنس، امرأة تُطلق من زوجها بعد موت زوجها! هذا في قاموس من؟ يعني: لو سألنا الجن لقالوا: هذا لا يوجد عندنا ولا يعرف، والإنس من باب الأولى، امرأة تُطلق من زوجها بعد موت زوجها، قالوا: لأن علياً له صلاحية، وهو خليفة النبي عليه الصلاة والسلام في أهله، فرأى أن يفصل عائشة من نسائه ففصلها، فـعائشة ليست من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام.

    وأنا أقول لهم: الحديث في المسند بإسناد حسن، وهذا أعظم حب لحبيب، وأول حب وُجد في الإسلام حب نبينا لأمنا عائشة عليه وعليها صلوات الله وسلامه، عندما احتُضر نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: (يا عائشة ! إنه ليهون عليَّ الموت أنك زوجتي في الجنة)، يعني: عندما أعلم أنك ستكونين معي في الآخرة يخف عليَّ الفراق في الدنيا، لكن لو أعلم أنه سيحال بيني وبينك وأنا أحبك لما فيكِ من طهارة، حقيقة كان في قلبي تنغيص.

    يعني: لا أبالي بما سيطرأ علي من مصيبة الموت؛ لأنني أعلم أن الانقطاع بيننا ليس دائماً، وعما قريب سنلتقي أنا وأنت في الجنة! هذا أعظم حب لحبيب، وهو الذي فعله حبيبنا نحو أمنا عليه وعليها صلوات الله وسلامه، وعلى جميع آل بيته الطيبين الطاهرين.

    والشيعة يقولون: عائشة مفصولة، ليست من أزواجه، ولن ترى الجنة، ومن باب أولى لن تدخلها إنما هي خالدة مخلدة في نار جهنم! ويُتقرب إلى الشيطان بلعنها، نعوذ بالله من هذا، والله إن من أعظم ما ندخره عند ربنا بعد إيماننا به حبنا لأمهاتنا أزواج نبينا عليه صلوات الله وسلامه، أمَا سماها الله أماً لنا في القرآن؟! وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، وما هذا العقوق يا معشر الشيعة نحو أعلى الأمهات وأفضلهن؟!

    إذا عق الإنسان أمه التي ولدته، فهو مغضوب عليه ولا يدخل الجنة، فكيف بمن يعق أمه زوجة نبيه التي هي أفضل من أمه التي ولدته بكثير، ما هذا العقوق يا معشر الشيعة؟! أشنع عقوق تتصفون به نحو أفضل الأمهات وأعلاهن منزلة في الحياة وبعد الممات، (وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، وما نزل عليه الوحي عليه صلوات الله وسلامه في لحاف امرأة من نسائه إلا في لحاف عائشة رضي الله عنها وأرضاها، لما فيها من طهارة وفضيلة، فاسمع لهذه الفضيلة التي جلبتها للأمة، ولذلك من حقها علينا أن ندعو لها، وأن نحبها كثيراً رضي الله عنها وأرضاها.

    قالت: (فمن لم يكن له فرط من أمتك)، يعني: أنت رسول الله، ورءوف رحيم، ولك بالله صلة فاشفع له وأخبرنا ببشارة يستأنس بها، فقال عليه الصلاة والسلام: (أنا فرط من لا فرط له، فإنهم لم يصابوا بمثلي) عليه صلوات الله وسلامه، إي والله إنه أعظم فرط لنا، ومصيبتنا به أعظم من مصيبتنا بولدنا ووالدنا، وبأمهاتنا وأقاربنا، إذا كانت المصيبة بالولد يتسبب عنها النجاة من النار ودخول الجنة مع الأبرار، فكيف بالمصيبة بنبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه، نحتسب هذه المصيبة عند ربنا، ولا نرى شيئاً يكافئها إلا رضوان الله علينا، وإدخالنا الجنة، وأن يجمعنا مع نبينا عليه صلوات الله وسلامه، أي شيء بعد ذلك لا يكافئنا على هذه المصيبة، إنما إذا منّ الله علينا برضوانه، ودخول جنته، والنظر إلى نور وجهه، والاجتماع مع حبيبه عليه صلوات الله وسلامه، يهدأ روعنا في ذلك الوقت، وتسكن قلوبنا، وتنشرح صدورنا.

    ولذلك مات ولد لبعض الناس وكان اسم الولد محمداً، فجزِع عليه والده كثيراً، فكتب إليه بعض أصحابه يعزوه ويسليه فقال له:

    اصبر لكل مصيبة وتجلدِ واعلم بأن المرء غير مخلدِ

    أوما ترى أن المصائب جنة وترى المنية للعباد بمرصد

    من لم يصب ممن ترى بمصيبة

    هل فينا أحد ما أصيب بمصيبة، إلا بأصوله أو فروعه؟

    فإنك ميت وابن ميت وذو نسب في الميتين عريق

    هل يوجد أحد من أهل الأرض ما أصيب بمصيبة وجد؟

    من لم يصب ممن ترى بمصيبة هذي سبيل لست فيها بأوحد

    فإذا ذكرت محمداً ومصابه

    أي: ولدك محمداً

    فإذا ذكرت محمداً ومصابه فاذكر مصابك بالنبي محمد

    عليه الصلاة والسلام، أي: إذا حزنت على ولدك فأعلم أنك قد أُصبت بما هو أعظم من ولدك، وهو موت نبيك عليه الصلاة والسلام، فهذه الفضيلة يحصلها من قدم ولداً، بل يحصلها من احتسب النبي صلى الله عليه وسلم وطلب الأجر من الله على تلك المصيبة العظمى، وأعظم مصيبة وقعت على المسلمين في الإسلام موت نبيهم عليه الصلاة والسلام، لا يعدل هذه المصيبة مصيبة مهما عظُمت وجلت وكثرت.

    ذكر حديث معاذ في بشارة من مات له ولد واحد بدخول الجنة

    حديث آخر يقرر هذا الأمر: وهو أن من مات له ولد فله هذه البشارة، روى الحديث الإمام أحمد في المسند والطبراني في معجمه الكبير، وفي إسناده يحيى بن عبد الله التيمي ، قال الهيثمي لم أجد من وثقه ولا من جرحه، والحديث -إخوتي الكرام- له شواهد، فيشهد له ما تقدم من الروايات الكثيرة، فلا يخرج معناه عما تقدم، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: إسناد المسند حسن أو قريب من الحسن، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم، فقال بعض الصحابة: واثنان يا رسول الله؟ قال: واثنان، فقال بعض الصحابة: وواحد يا رسول الله؟! قال: وواحد، ثم قال عليه الصلاة والسلام: والذي نفس محمد بيده إن السِقط ليجر أمه بسَرَره إلى الجنة يوم القيامة إذا احتسبته)، والسقط: هو الذي تسقطه المرأة قبل تمام اكتماله، فلا يولد حياً، يعني: أسقطته في الشهر الخامس أو السادس، فالسقط إذا استبان بعض خلقه كأصبع رجل فهذا له حكم الولد.

    (إن السقط ليجر أمه يوم القيامة بسرره) بفتحتين للسين والراء (سَرَر)، وبضمتين (بسُرُره)، وبكسر بعدها فتح (بسِرَره)، وهي حبل السرة الذي يقطع من الإنسان، يعني: هذا الولد عندما فُصل عن أمه في هذه المشيمة التي حصلت منه وخرج وهو ميت ولم يكتمل خلقه، هذا الحبل الذي هو حبل السُّرة، يجر به أمه يوم القيامة إلى الجنة إذا احتسبته.

    إذاً: الواحد أيضاً يدخلها الجنة، والدلالات في ذلك كثيرة مستفيضة، هذه دلالة أولى أن الولد يشفع لأبويه يوم القيامة، فيدخلان الجنة بشفاعته وبسبب رحمة الله له، فهذه الرحمة تفيض عنه بحيث يدخل الأبوان بها الجنة كرماً من الله وفضلاً، فالمولود إذاً أولى بدخول الجنة من أبويه.

    حديث أبي هريرة في التصريح بأن أطفال المسلمين في الجنة

    الدلالة الثانية: تصريح النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديثه الصحيحة بأن أولاد المسلمين في الجنة، وقطعت جهيزة قول كل خطيب!

    فقد ثبت في المسند وصحيح مسلم وكتاب الأدب المفرد للبخاري ، عن أبي حسان وهو من أئمة التابعين، أنه قال لـأبي هريرة رضي الله عنه: إنه قد مات لي ابنان -ولدان ذكران- فما أنت محدثي به بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تطيب به أنفسنا عن موتانا، كأنه يقول: مات لي ولدان فأريد أن تسليني بحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام لتطيب نفسي عن ابني وأحتسبهما عند ربي، فقال أبو هريرة : أجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم يوم القيامة أباه -أو قال: أبويه- فيأخذ بطرف ثوبه، كما آخذ بصنفة ثوبك هذا -وقبض أبو هريرة على صنفة ثوب أبي حسان - فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة)، الحديث في صحيح مسلم .

    والدعاميص جمع دعموص، والدعموص كما قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم وفي تهذيب الأسماء واللغات: دويدة -أي دودة- صغيرة لا تفارق الماء ولا تعيش إلا فيه، وهذا إشارة إلى أن هذا المولود في الجنة ولا يفارقها ولا يخرج عنها، فلا يرى يوم القيامة ما يراه غيره من حساب وميزان ومرور على الصراط وغير ذلك، ولا يحصل له امتحان وسؤال في البرزخ.

    والدعموص يطلق في اللغة أيضاً: على الرجل الزوَّار المكثر الزيارة للملوك، فمن كثرة زيارته يدخل عليهم بغير استئذان، ويسمحون له أن يذهب إلى أي مكان كان في قصورهم ودورهم لائتمانهم له، وعليه فالولد الصغير إذا مات يسرح في الجنة حيث شاء لا يُمنع عن شيء منها، حاله كحال هذا الدعموص الزوار الذي يتجول في أي مكان أراد من مُلك الأمير، وإلى المعنى الثاني ذهب الإمام المنذري في الترغيب والترهيب.

    فالدعموص إذاً: دودة لا تفارق الماء، وهؤلاء لا يفارقون الجنة بعد موتهم، أو من يكثر الزيارة ويتجول حيث شاء في ملك الأمير؛ لأنه ائتمنه وصاحب سره، وهؤلاء يسرحون في الجنة حيث شاءوا ولا يُمنعون من شيء منها.

    (صغارهم دعاميص الجنة، يتلقي أحدهم يوم القيامة أباه أو قال أبويه)، وهذا شامل كما قلت لكل من له ولادة على هذا الابن من أم وأب.

    (فيأخذ بطرف ثوبه كما آخذ بصنفة) يعني: بطرف، والصنفة هي الطرف والجانب.

    (كما أخذ بصنفة ثوبك هذا -وقبض أبو هريرة على طرف ثوب أبي حسان - فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة)؛ أوليس هذا بتصريح على أن أولاد المسلمين في الجنة إذا ماتوا وهم صغار؟ هم دعاميص الجنة، ويدخلون الجنة ويُدخلون أبويهم كرماً من الله.

    حديث عن بعض الصحابة يصرح بأن أطفال المسلمين في الجنة

    حديث آخر: رواه الإمام أحمد في المسند عن بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام -والجهالة باسم الصحابي لا تضر بعد العلم بأنه صحابي- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يُقال للولدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، فيأبون ويقفون على باب الجنة، -أي: يأبون الدخول- فيقول الله: ما لي أراهم محبنطئين-أي: مغضبين مغتاظين متأثرين منزعجين ممتنعين عن الدخول- فيقولون: يا رب! حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، فيقول: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم وأمهاتكم)، الحديث في المسند ورجاله ثقات، وهذه دلالة صريحة صحيحة على أن أولاد المسلمين في الجنة، بل يُدخلون غيرهم كرماً من الله وفضلاً.

    وتقدم معنا رواية المسند وسنن النسائي عن أبي هريرة ، وفيها أيضاً أن الأولاد أيضاً عندما يقال لهم ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا.

    حديث معاوية بن قرة في التصريح بأن أطفال المسلمين في الجنة

    حديث ثالث يقرر هذا: رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، ورواه الحاكم في المستدرك، والإمام النسائي في السنن الكبرى، والبيهقي في سننه أيضاً، والإمام الطيالسي في مسنده، وإسناد الحديث صحيح كالشمس، عن معاوية بن قرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس يجلس معه نفر من أصحابه، وكان بعض أصحابه إذا جلس مع النبي عليه الصلاة والسلام يأتي ولده من خلفه، فيأخذه ويجلسه بين يديه مع النبي عليه الصلاة والسلام، فتغيب في يوم من الأيام عن مجلس النبي عليه الصلاة والسلام الذي يجلسه مع أصحابه عدة أيام، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عنه، فقالوا: يا رسول الله! بُنيه الذي رأيته هلك، فحزن من أجله، فما عاد يأتي إلى هذا المجلس الذي نجلس فيه معك، فذهب إليه النبي عليه الصلاة والسلام وعزاه في ولده، ثم قال له: (أيهما أحب إليك، أن تُمتع به عمرك، يعني: أن يعيش معك في سعادة مدة حياتك ثم تموت وتخلفه، أو لا تأتي غداً يوم القيامة إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ قال: بل يسبقني إلى أبواب الجنة يفتحها لي، قال: فذلك لك، فقام صحابي وقال: يا رسول الله أله خاصة؟ قال: بل لكلكم)، أي: للمؤمنين عامة.

    أي: ليست هذه البشارة خاصة بهذا الوالد مع ولده، بل لكلكم، يأتي هذا الولد يوم القيامة إلى أبواب الجنة يفتحها من أجل أن يدخل الوالدان، وتقدم أنهم يتلقونه على أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.

    وفي بعض روايات المسند من طريق آخر: (أن رجلاً كان يأتي ولده معه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وولده قد أُدِّب -يعني: ميَّز ودخل في سن التأديب والترويض وبدأ يستوعب ما يقال له- وفي رواية: وولده قد دبَّ -يعني: بدأ يمشي بنشاط وقوة، فلما مات هذا الولد حزن عليه حتى أصابه شيء من الحيرة، وتخلف عن مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، فعلم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فجاء إليه وعزاه، ثم قال له عليه صلوات الله وسلامه: أيهما أحب إليك؟ أن يكون ابنك معك كأنشط الصبيان نشاطاً، وأجرأ الغلمان جرأة، وأن يعيش معك بحيث يصبح كهلاً كأفضل الكهول، أو يقال لك: ادخل الجنة ثواب ما أخذ منك؟ قال: بل يقال لي: ادخل الجنة ثواب ما أخذ منك، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا يحصل له أيضاً).

    وفي بعض روايات الطبراني في معجمه الكبير، نفس رواية الحديث المتقدم لكن من رواية ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه: (أن رجلاً كان يحضر معه ابنه في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الصحابي يلاعب ابنه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أتحبه؟ قال: أحبك الله يا رسول الله كما أحبه، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله يحبني أكثر من محبتك لولدك، ثم هلك هذا الولد، فتغيب والده عن مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، فزاره النبي عليه الصلاة والسلام وعزاه وقال له: أما يسرك أن يكون ولدك مع ولدي إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش؟)، أي: أما ترضى أن يكون ولدك مع ولدى إبراهيم يلعبان؛ لأنه دعموص، والدعموص يسرح حيث شاء، فلا يُمنع عن مكان ولا يُطرد عنه، (أما ترضى أن يكون ولدك مع ولدي إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش؟ قال: بلى)، إذاً: هذه دلالات صريحة والأحاديث بها صحيحة بأن أولاد المسلمين في الجنة.

    وقد ثبت في مسند الإمام أحمد ، ومستدرك الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين، أقره عليه الذهبي ، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أولاد المؤمنين على جبل في الجنة يَكفلُهم إبراهيم وسارة ، حتى يردهم الله إلى آبائهم يوم القيامة).

    أولاد المؤمنين على جبل في الجنة، والمسئول عن تربيتهم والإشراف عليهم في الجنة خليل الرحمن إبراهيم، وزوجه المباركة سارة على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، حتى يردهم الله إلى آبائهم يوم القيامة.

    وهذه الدلالة كما ترون صريحة والأحاديث بها صحيحة، والقول بها هو قول أهل السنة الكرام، وهذا هو المقرر عندنا: أن أولاد المسلمين إذا ماتوا وهم صغار، فهم من أهل الجنة مع الأبرار، كرماً من العزيز الغفار.

    الشق الثاني: كان في نيتي أن أتكلم عليه في هذه الموعظة، وهو: من لم توجد فيه شروط التكليف بالتوحيد من غير أولاد المسلمين، كأولاد اليهود والنصارى، والذين ماتوا في الفترة، ومن كان أصم أعمى، فما حكم هؤلاء؟ لكن الكلام فيهم طويل وطويل، وفي ذلك ثمانية أقوال؛ قول منها معتمد، وسبعة مردودة، والكلام ما أظن أنه ينتهي في أقل من محاضرتين، ولعله قد تتوقف المحاضرات في شهر رمضان المبارك، يعني: إذا لم يكن عندي جزم بما ستئول إليه الأمور في الأسبوع الآتي، لكن إذا توقفت سيقع انقطاع كبير بيننا وبين إكمال الموضوع، يكون تكلمنا عن جانب منه ثم نتكلم على بقيته، فيكون في ذلك شيء من الانفصال، فلذلك رأيت من الحكمة أن أدور حول البحث الذي كنا نبحثه من باب التعليق عليه بما ينفعنا وينشط همتكم، لأمر تحصلون من ورائه مغنماً كثيراً وأجراً كبيراً، وأمر زهِد فيه الناس في هذه الأيام؛ لأجل أن نفرد الكلام بعد ذلك على الشق الثاني في محاضرات متتابعة.