إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في علم التوحيد - شروط التكليف بالتوحيد [4]

مقدمة في علم التوحيد - شروط التكليف بالتوحيد [4]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بلوغ الدعوة ووصول الحجة شرط للتكليف بتوحيد الله تعالى، ويرتبط بهذا الشرط شرط آخر يتعلق بالمخاطب وهو سلامة حاستي السمع والبصر عنده، فإذا لم تكونا سليمتين لم يكلف الإنسان بالتوحيد؛ لأنهما مفتاح باب العقل، وإذا وجدت هاتان الحاستان ينظر أثر فقد إحداهما على المتلقي، وحاسة السمع عند جل المتقدمين والمتأخرين أهم من حاسة الإبصار في أمور الدين؛ لأن السامع الأعمى يعقل ما لا يعقله المبصر الذي لا يسمع.

    1.   

    سبب توقف التكليف بالتوحيد على بلوغ الدعوة والرسالة مع دلالة العقل على الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    كنا نتدارس -إخوتي الكرام- في موعظتين سابقتين، شروط التكليف بتوحيد ربنا اللطيف، وقلت: إن شروط التكليف بتوحيد الله جل وعلا أربعة شروط:

    أولها: العقل.

    وثانيها: البلوغ.

    وثالثها: بلوغ الدعوة ووصولها إلى المكلفين، وقد مضى الكلام على هذه الشروط الثلاثة مفصلاً مقرراً بأدلته.

    ورابع الشروط: سلامة إحدى حاستي السمع والبصر.

    إخوتي الكرام! مر معنا في الموعظة السابقة مدارسة الشرط الثالث الذي دار حول بلوغ الدعوة ووصولها إلى المكلفين، وقررت هذا بأدلته وفصلت الكلام عليه، وختمت الكلام على هذا الشرط بدفع إشكال قد يقع عند بعض الناس، وهو: إذا كان توحيد الله جل وعلا ثابتاً في عقول الناس وفي فطرهم، فعلام توقف التكليف بتوحيد ربهم على بلوغ الدعوة إليهم، وإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، وإقامة الحجة عليهم؟

    ودفعت هذا الإشكال بأمرين معتبرين، أريد أن أذكرهما على سبيل الاختصار لأربط الشروط ببعضها إن شاء الله.

    أولهما: إن العقل وإن دل على وجود الله ووجوب تعظيمه فهذه الدلالة دلالة مجملة، فلابد إذاً من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ليكون الناس على بينة من أمرهم، فماذا يثبت لله من صفات الكمال، وما لله من حق على عباده، كل هذا لا يستطيع أن يحدده العقل على سبيل التفصيل والتحديد، فلابد إذاً من رسول ليوضح لهم ما يتصف به ربنا، وما ينبغي أن يعظموا به ربنا.

    ولذلك قلت: إن الأصل في العبادات الاتباع لا الابتداع، والأصل فيها الحظر إلا أن تقيم دليلاً على هذه العبادة أنها مشروعة، فالله يحب أن نعبده بها، وهكذا أسماء الله وصفاته توقيفية لا مدخل فيها للعقول البشرية، وهذا كله لا يمكن أن يُعلم إلا عن طريق الرسول، ولذلك توقف التكليف بتوحيد الله جل وعلا على مجيء الرسل، وإنزال الكتب لهذا الأمر.

    الأمر الثاني: قلت: إن العقل يدل على وجود الله ووجوب تعظيمه، وهذا ثابت في العقل ومركوز في الفطر، وتلك الدلالة كما هي إجمالية، مع ذلك أخبرنا الله جل وعلا أن العقل وإن دل على وجوده ووجوب تعظيمه، وإذا قام الفاعل بذلك حسبما في وسعه فهو محسن وإلا فهو ظالم مسيء، مع ذلك جاء الشرع وأخبرنا أن العقاب مرفوع عنا إذا لم تبلغنا دعوة ربنا، فالناس عند عدم وصول الرسول إليهم وتبليغهم دعوة ربهم، إذا لم يوحدوا الله حسبما في وسعهم توحيداً إجمالياً ظالمون، فإذا عبدوا غيره وأشركوا به غيره ظالمون، لكن مع ذلك العذاب مرتفع عنهم كرماً من الله وفضلاً ورحمة.

    وكنت أشرت إلى هذا بآية تقرر هذه الدلالة، كما وضح هذا الإمام ابن القيم عليه رحمة الله بآية محكمة في سورة الأنعام، وهي الآية الحادية والثلاثون بعد المائة، وفيها يقول ذو الجلال والإكرام: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:130-131] .

    فانتبهوا لهاتين الدلالتين الواضحتين المعتبرتين، أثبت الله للناس الظلم عند شركهم مع عدم وصول الرسول إليهم، وأثبت لهم الغفلة، فإذاً غافلون وهم ظالمون إذا لم يوحدوا الحي القيوم، فهم في حال غفلتهم وعدم وصول الرسول إليهم إذا لم يوحدوا الله ظالمون، لكن هل يعذبون؟ ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:131] .

    إذاً: في حال غفلتهم عن مجيء الرسل إليهم، إذا لم يوحدوا الله فهم ظالمون، لكن لا عذاب عليهم، كرماً من الله وفضلاً.

    فالعقل كما قلت يقرر وجود الله ووجوب تعظيمه، والسمع يوافق العقل ويقرر وجود الله ووجوب تعظيمه، لكن العقل يقول: إن الإنسان إذا وحد الله وقام بذلك فهو محسن، وإذا لم يوحد الله ولم يقم بذلك فهو مسيء، جاء الشرع ليزيد على هذا، قال: إذا لم يوحد الإنسان ربه عند عدم وصول الرسل إليه فهو مسيء وظالم، لكن لا عقاب عليه، فقضية الثواب والعقاب جاء بها الشرع، وأخبرنا أنه إذا لم يأتِ رسول فلا عقاب على من لم يوحد الله جل وعلا.

    وكنت قررت هذا -إخوتي الكرام- بعشر آيات من القرآن، وقسمتها إلى دلالات ست، لعلها كما قلت لم تغب عن أذهانكم، فالعقل يدل على وجود الله ووجوب تعظيمه، ولذلك يضرب الله جل وعلا الأمثال التي تدركها عقول البشر على صحة التوحيد وسلامته، وعلى فساد الشرك ووخامته.

    يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:73-74] .

    إن العقل يدرك هذا، وأن المخلوق لا ينبغي أن يُعبد، فهو فقير، وأخص وصف في المخلوق فيما عدا الخالق الفقر، والفقر هذا وصف مشترك بين سائر المخلوقات لا يتنزه عنه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا كبير ولا صغير، كل من عدا الله فهو فقير، وإذا كان كذلك لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره ضراً ولا نفعاً، فكيف يُعبد؟! إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:73-74].

    1.   

    بيان المراد ببلوغ الدعوة كشرط للتكليف بالتوحيد

    إخوتي الكرام! قبل أن أنتقل إلى الشرط الرابع سأذكر شيئاً جديداً على الشرط الثالث لم يُذكر فيما سبق، وكل ما ذكرته هذا إعادة لبعض ما سبق.

    قد يقول قائل: ما المراد ببلوغ الدعوة إلى المكلفين؟ وضِّح المراد تماماً، هل المراد من بلوغ الدعوة إلى المكلفين بلوغها إلى كل مكلف بنفسه، في قعر بيته، وأن يفهم الحجة؟ أم ما هو المراد من بلوغ الدعوة ووصول الرسالة؟

    إخوتي الكرام! المراد من ذلك: أن الرسالة جاءت من الله، والرسول بلغ الناس دعوة الله، وصار في إمكان العاقل البالغ إذا أراد الهدى أن يهتدي، وأما أن يصل الرسول إلى باب كل واحد منا ليبلغه حجة الله، فهذا لا يشترط للتكليف بتوحيد الله.

    إذاً: الذي يُشترط هو إمكان حصول العلم لمن يريده، الرسالة قائمة، والحجة بينة، فإذا طلبت الهدى حصلته، وإن أعرضت عنه عميت عنه، فأنت المعرض، لكن الحجة قائمة، فالذي يُشترط إمكان العلم بذلك، لا وصول العلم بذلك إلى كل مكلف بنفسه في قعر بيته.

    ولذلك إذا بلغت -كما تقدم معنا- وليس في عقلك خلل، أي: عندك العقل الطبيعي، قلنا: عند البلوغ تكتمل قوى الإنسان التفكيرية، ويعرف قضاياه المصيرية، وهذا يدعوه بعد ذلك للبحث في القضية الكبرى، لمَ خُلق؟ ومن خلقه؟ ومن خلق ما حوله؟ وماذا كان قبل هذا العالم؟ وإلى أي شيء يصير؟ العاقل البالغ سيفكر بهذا ولابد، فهناك دعوة إسلامية بلغ الخبر عنها للناس، فينبغي أن يتحرى الناس حال هذه الدعوة، وأن يبحثوا عنها، وأن يستفسروا عنها ليقفوا على الهدى الذي فيها، وأما كل واحد أعرض ثم تعلل بعد ذلك فقال: ما بلغتني رسالة الله ودعوة الله، ولا وصل إلي نبي الله! فهذا تعلل مردود.

    إذاً: إمكان العلم حاصل، فلابد -إخوتي الكرام- من بيان هذا، هناك إمكان العلم حاصل بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ولذلك شتان بين فهم الحجة وبين قيام الحجة، المطلوب قيام الحجة بإرسال رسول وإنزال كتاب، وأما أن يفهم هذه الحجة كل أحد وأن تصل إليه في بيته فهذا لا يُشترط، فالإنسان إذا عاند وجحد لا يمكن أن يعي، ولا أن يفقه، كما تقدم معنا: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44] ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5] ، فإذا هم أعرضوا وجحدوا فالذنب عليهم.

    ولذلك لابد من أن نفرق بين عجز الطالب وعجز المعرض، الإنسان في حال الفترة يطلب الهدى، لكن لا يمكن أن يصل إليه لعدم وجود نبي يبلغه الهدى على وجه التمام، إذاً: عجز وهو طالب، لكن الصنف الثاني عجز لأنه معرض، فإذا أعرض كان هو الذي تولى عن ذكر الله، واتبع هواه، وكان أمره فرطاً.

    فإذاً: المقصود من بلوغ الدعوة أن تصل الدعوة إلى الناس، فمن أرادها حصلها، ومن أعرض عنها حُرمها، وهو الذي حرم نفسه من نورها، ومن خيرها، ومن بركتها.

    وعلى هذا فالعالم الإنساني في هذه الأيام سمع برسولنا محمد عليه الصلاة والسلام، وسمع بالقرآن لكنه جحد وأعرض، وبلغ من حال جحوده وعتوه وظلامه ما يفعله المبشرون المبطلون الحقيرون، الذين همهم أن يخرجوا الناس من الإسلام لا إلى النصرانية، إنما إلى الإلحاد، يخرج المسلم من توحيد الله إلى الإلحاد، ولا يريد أن يدخل في نصرانيته، وهذا لا يمكن أن يفعله مسلم على وجه الأرض، لا يخرج نصرانياً ليلحد، ولا نخرج يهودياً ليلحد، نعم، نخرج نصرانياً ليوحد، ونخرج يهودياً ليكون عبداً لله حقاً، أما أن نضلل النصارى ليلحدوا، فهذا لا يمكن أن يتصف به مسلم، فعندما أعرضوا فجحدوا، كانوا هم الذين حرموا أنفسهم هدى الله ونور الله، ووصل الخبث بهم كما قلت أنهم يسعون لإفساد المسلمين وإخراجهم من دين الله العظيم، لا ليدخلوا في النصرانية، إنما ليلحدوا، ولو قالوا: لا إله والحياة مادة، ولو قالوا: الدين خرافة، يكفي أنهم أخرجوهم من دين الله الإسلام، وحصلوا رغبتهم في ذلك، نعوذ بالله من هذا الضلال، نعوذ بالله من هذا العار وهذا الوبال!

    فإذاً: الإسلام، وخبر نبينا عليه الصلاة والسلام، وحديث القرآن، بلغ لجميع بني الإنسان في هذه الأيام، أما كونهم أعرضوا عنه فالحجة قائمة، ومن أرادها فهي مبذولة له، أما هو أعرض عنها، فعند ربه: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117].

    لابد -إخوتي الكرام- من وعي هذه القضية، من فهم الحجة وقيام الحجة، ومن وصول الدعوة، وإمكان تحصيلها، ومن اشتراط وصولها إلى كل واحد بعينه، لا يشترط أن تصل إلى كل واحد بعينه، إنما بلغه خبر هذه الدعوة، فينبغي أن يتحقق منها وأن يقف عليها: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42].

    إذاً: المراد من بلوغ الدعوة أن تصل الدعوة إلى الناس، وصار في إمكان الناس الاهتداء بنورها إذا أرادوا، وإذا أعرضوا فلهم ذلك، ثم سيئول الفريقان إلى ربهم لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31].

    1.   

    سلامة إحدى حاستي السمع والبصر هو الشرط الرابع للتكليف بالتوحيد

    إخوتي الكرام! بعد الانتهاء من الكلام على الشرط الثالث ننتقل إلى الشرط الرابع، وهو: سلامة إحدى حاستي السمع أو البصر:

    ينبغي أن يكون الإنسان مبصراً أو سميعاً، فإذا فقد البصر وكان أعمى ينبغي أن يسمع بأذنيه، وإذا فقد السمع وكان أصم ينبغي أن يرى بعينيه، أما إذا فقد الحاستين -لا سمع ولا بصر- هذا بمثابة المجنون فاقد العقل فلا تكليف عليه، فلابد من سلامة إحدى حاستي السمع أو البصر، لتفهمه إما بالعبارة بواسطة الأذنين، أو بالإشارة بواسطة العينين، فيشترط سلامة أحد هذين العضوين للتكليف بتوحيد رب الكونين.

    وهذان العضوان يعدلان العقل تماماً، السمع مع البصر يعدلان العقل، فإذا فقد الإنسان سمعه وبصره كان كما لو فقد عقله، فلا تكليف عليه، يقول الله جل وعلا في سورة النعم، وهي سورة النحل في آية ثمان وسبعين: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78] .

    (وَالأَفْئِدَةَ) جمع فؤاد، وهو العقل والقلب الذي يعي به الإنسان.

    تقديم الجار والمجرور على المفعول في آية (جعل لكم السمع والأبصار) ودلالة ذلك

    (جَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ) قدم الجار والمجرور وهو المفعول المؤول على المفعول الصريح، ليخبرنا من أول الأمر أن هذا الجعل لنا، ومنفعته عائدة إلينا، وهذا من نعم الله علينا، ولذلك نوه الله بهذا في سورة النعم التي تسمى بسورة النحل، عدَّد الله فيها أصول النعم ومتمماتها في سورة النحل: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ [النحل:78]، والأصل أن يقول: (وجعل السمع والأبصار والأفئدة لكم لعلكم تشكرون) فقدم (لكم) الذي هو مفعول به مؤول على المفعول الصريح؛ ليفيد أن الجعل لنا، وهذه النعمة ننتفع بها وهي من نعم الله علينا.

    وهذا ما يشير إليه المفسرون بعبارتهم الحلوة العذبة يقولون: قدم الجار والمجرور (لكم)، ويقولون في مثل ذلك هذه العبارة: اعتناءً بالمقدَّم وتشويقاً للمؤخر، اعتناء بالمقدَّم يعني: هذا الجعل لكم فاقدروا هذه النعمة قدرها، لك الحمد والشكر على جميع نعمك الظاهرة والباطنة، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

    ثم بعد أن يحصل الاعتناء بالمقدم يحصل التشويق إلى المؤخر، ما الذي جُعل لنا، الأذهان ستنتبه للذي منَّ الله به علينا: السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78]؛ لتشكروا الله جل وعلا على هذه النعم وعلى غيرها من النعم التي أسداها إليكم سبحانه وتعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78] .

    وقول الله: (وَالأَفْئِدَةَ) قال أئمتنا: إنه جمع فؤاد، وهو صيغة جمع القلة، ويستعمل في جمع الكثرة، ولم يرد لجمع الفؤاد عند العرب إلا هذه الصيغة، فؤاد أفئدة فهي صيغة جمع قلة ويُعبر بها عن جمع الكثرة؛ لأن أفئدة الناس وعقولهم وقلوبهم كثيرة، ليست هي أفئدة قليلة، فصيغة الجمع جمع قلة، لكن المراد جمع الكثرة.

    وما قاله الرازي في تفسيره غفر الله لنا وله، من التماس حكمة للتعبير بجمع القلة عن جمع الكثرة في هذه اللفظة، يقول: إنما عبر الله بجمع القلة في الأفئدة؛ لأن أكثر الخلق لا يستعملون فؤادهم وعقلهم وقلبهم فيما ينفعهم، فصار وجود عقولهم وعدمه سواء، صار العقل الموجود وعدمه سواء، فصار إذاً كأنه لا عقول عندهم، والعقول الذكية التي يُنتفع بها قليلة قليلة، ولذلك عُبر عنها بجمع القلة.

    والإمام أبو حيان وبعده الألوسي علق على هذه العبارة بكلام قاسٍ، ولا أريد أن يقسو بعضنا على بعض في العبارات، إنما نقول: هذا لا حقيقة له ولا وجود له عند العرب، فصيغة جمع القلة هنا تستعمل في جمع الكثرة، ولا داعي بعد ذلك لهذه النكتة التي لم تُعرف عن العرب، وإذا قيل: هي من باب الُملح واللطائف، فلا داعي للقسوة على قائلها إذا لم يرتكب محذوراً في الشرع، إذاً: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78].

    إفراد السمع وجمع البصر في القرآن

    ومما يلفت الذهن في هذه الآية أن الله أفرد السمع، والسمع إذا ذُكر في القرآن يفرد والأبصار تُجمع، ما الحكمة من ذلك مع أن الأسماع كثيرة كما أن الأبصار وفيرة؟ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ [النحل:78]، لم يقل: الأسماع وَالأَبْصَارَ [يونس:31] ، ففي حق البصر جمع، وفي حق السمع أفرد، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78] .

    قال علماء اللغة: السمع أصله مصدر، وإذا ثُني بالمصدر ينبغي أن يُفرد ويُذكر، وكما قال الإمام ابن مالك عليه رحمة الله:

    ونعتوا بمصدرٍ كثيراً فالتزموا الإفراد والتذكير

    فإذا ثنيت بالمصدر ونعت به تفرده وتذكره، وهنا كذلك، إذاً مصدر سُمي به حاسة السمع فليزم الإفراد والتذكير، فيشمل القليل والكثير: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ [النحل:78] بمعنى الأسماع تماماً، لكن الصيغة لما كانت صيغة مصدر أُفردت وذُكرت.

    وهناك تعليل ثانٍ يذكره المفسرون لإفراد السمع وجمع الأبصار، وهو من باب اللطائف التي تُذكر ولا تُناقش، وهذه اللطائف كحجج النُّحاة، ولذلك يقول عنها أئمتنا: اسمع واسكت، يعني: لا تعترض، فليست هذه التعليلات مستندة إلى حجج راسخة، فإذا أردت أن تناقشها احفظها ورونقها يعني: حالها كحال الوردة تُشم ولا تُلمس، ومن باب الأولى لا تفرك، الوردة تشمها وإذا دعكتها وفركتها ذبلت وذهب جمالها وبهاؤها ومنظرها، وهنا كذلك.

    يقول علماؤنا المفسرون: إنما أفرد السمع لأن مُدركات السمع نوع واحد، وجمع الأبصار لأن مدركات البصر كثيرة متنوعة، فالأبصار تتعلق بالألوان، وهي ما بين أخضر وأحمر وأصفر وأسود، ألوان كثيرة، فجمع الآلة التي ترى هذه الألوان المتعددة، وأما السمع فمدركاته نوع واحد، وهو: ذبذبات هوائية تأتي إلى أذنك فتسمع بها الصوت، وهذه الذبذبات واحدة ليس لها ألون مختلفة، سواء كانت صوتاً من إنسان، أو صوتاً من بهيمة، أو قرعاً على خشبة، أو جهازاً يتكلم بهذا التسجيل، أو صوت رعد، كلها انتقالها إلى الأذن بواسطة الذبذبات الهوائية التي تُوصل هذا إلى أذنيك، إذاً: المدرك واحد، ذبذبات هوائية، فبما أن المدرك واحد أُفردت الآلة التي تدرك السمع، فقيل: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78] .

    ومما يتعلق بالآية أيضاً لنعلم تفسيرها، ثم بعد ذلك نقرر موضوع اشتراط أحد هذين العضوين سلامته للتكليف بتوحيد الله، وكما قلت لكم في الموعظة الماضية: سنتكلم على لطائف تتعلق بالسمع والبصر في الموعظة الآتية إن شاء الله.

    قدم الله السمع والبصر على الأفئدة، وهي العقول والقلوب التي يعي بها بنو آدم، ما الحكمة من ذلك؟ هلا بدأ بالأفئدة التي هي أعلى شأناً من السمع والبصر؟ فكان ينبغي أن يقول: وجعل لكم الأفئدة والأسماع والأبصار، لكن أخر الأفئدة، ذكر أئمتنا ثلاث حِكم معتبرة، وأضيف إليها حكمة رابعة فمجموع الحكم أربع:

    أولها: نقول: إنما قدم الله السمع والبصر على الفؤاد؛ لأن الفؤاد باطن، العقل والقلب مستور لا يُرى، وأما السمع والبصر فعضوان ظاهران يُريان، وإذا كان الأمر كذلك فهذا فيه إشارة إلى أن الظاهر يُقدم على الباطن، وهذا هو الذي يليق بأحكام الدنيا، لأن أحكام الدنيا تتعلق بالظاهر، فقُدم السمع والبصر للإشارة إلى هذا الأمر.

    اعتبار ثانٍ: قال أئمتنا: السمع والبصر لهما مدخل في إيصال العلوم إلى العقل والقلب، فهما بمثابة الخدم والحرس إلى القلب، فلذلك قُدما من باب تقديم الخادم وتقدمه على سيده من أجل أن يحرسه، وأن يوصل الأمور إليه، لا لأنه أفضل منه، وهنا كذلك، تقدم السمع والبصر لأنهما بمثابة الخادم للعقل، فهما مع سائر الحواس ينقلان المعلومات إلى العقل والفؤاد.

    الأمر الثالث: للترقي، فالنعمة علينا بالسمع وبالبصر أقل من النعمة علينا بالفؤاد والعقل، فترقى من سمع إلى بصر إلى عقل بعد ذلك، كمال وأكمل وأكمل وأعلى وأجل، وهو العقل عند الإنسان.

    والذي يظهر لي أيضاً، وهو قول رابع يُضاف إلى ما تقدم: السمع والبصر أسبق في الاكتمال عند الإنسان من العقل، وتقدم معنا أن العقل عند الإنسان لا يكتمل إلى عند البلوغ، إذا لم يبلغ فما اكتمل العقل عنده، أما السمع والبصر فيكتملان عندك ويوجدان منذ ولادتك، بل إن السمع على وجه الخصوص يوجد عند الإنسان وهو جنين في بطن أمه، يسمع ويتأثر بما حوله، وإذا وُلد يسمع، وشُرع لنا أن نؤذن في أذنيه عندما يولد، ويسمع هذا ويعيه، ويتأخر البصر بعد ذلك ثم يأتي، وعلى هذا فهو من باب تقديم هذه الأعضاء حسب وجودها: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ [النحل:78] الذي وُجد أولاً، وَالأَبْصَارَ [النحل:78] التي تلته ثانياً، وَالأَفْئِدَةَ [النحل:78] التي اكتملت عند البلوغ ثالثاً، فهذا على حسب الترتيب الزمني لهذه الجوارح والأعضاء في بني آدم.

    1.   

    المفاضلة بين السمع والبصر

    وأما الذي وعدت بالكلام عليه في هذه الموعظة، فأي العضوين أفضل السمع أو البصر؟ ويشترط أحدهما للتكليف بتوحيد ربنا ولابد، وإذا اجتمعا فلا مجال للبحث في هذه القضية، لكن إذا فقد واحداً منهما فلا زال مكلفاً بتوحيد الله، وإذا فقدهما صار حاله كما لو فقد عقله يرتفع التكليف عنه، لكن أي العضوين أعظم، وأثره في الإنسان أتم وأمكن؟

    لعلمائنا في ذلك قولان، ثم توسط الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله فذكر قولاً ثالثاً، وأُدلي بدلوي في هذا المقام فأذكر قولاً رابعاً إن شاء الله.

    القول الأول: ذهب إليه الإمام ابن قتيبة ، وهو خطيب أهل السنة وفصيحهم ولسانهم، الإمام ابن قتيبة صاحب كتاب تأويل مختلِف الحديث، وتأويل مُشكل القرآن، يقول: إن السمع أعظم أثراً من البصر في الإنسان، ونعمة الله علينا بالسمع أعظم من نعمته علينا بالبصر، وقرر هذا بعدة أمور أذكرها عند القول الثاني لـابن قتيبة ، لننظر ماذا ذكر هذا وبأي شيء أجابه ذاك.

    وخالفه ابن الأنباري فقال: إن نعمة الله علينا بالبصر أعظم من نعمته علينا بالسمع، وكل منهما نعمة عظيمة عظيمة جليلة فخيمة: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [النحل:18] .

    حُجج الإمام ابن قتيبة : يقول: إن الله قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، وما قرن بذهاب البصر إلا ذهاب الإبصار والرؤية، وشتان بين ذهاب الإبصار وعدم الرؤية، وبين ذهاب التعقل وانعدام العقل، أين هذا؟

    يقول: ذكره الله جل وعلا في كتابه فقال جل وعلا: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ [يونس:42-43] .

    فقرن الله بذهاب السمع ذهاب التعقل وضياع العقل، ولم يقرن بذهاب البصر إلا ذهاب الإبصار وعدم الرؤية، وشتان بين انعدام الرؤية وانعدام التعقل.

    وهذا الأمر الذي ذكره ابن قتيبة ليدلل على أن عضو السمع أعظم من عضو البصر في الإنسان، أجاب عنه الإمام ابن الأنباري عليه رحمة الله فقال: إن الإبصار المنفي في الآية ليس هو إبصار العينين، إنما هو إبصار القلوب الذي يعدل نفي التعقل تماماً، فكما أنه قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ [يونس:42-43] ، يقصد أن قلوبهم لا تبصر ولا تعي ولا تدرك ولا ترى الحق، ولا يقصد من نفي الإبصار نفي إبصار ورؤية العينين، وعليه: ما نفاه في حق عدم الرؤية هو المنفي في حق عدم السمع.

    الدليل الثاني الذي أورده الإمام ابن قتيبة، يقول: إن الله قدمه في الذكر، كما في آية النحل: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78]، والتقديم هذا يدل على تقدم الرتبة والمنزلة وعظم النعمة علينا في هذا العضو، واتبعه بالبصر؛ ليشير إلى أن السمع والبصر يعدلان العقل فينا.

    وهذه الحجة التي استدل بها الإمام ابن قتيبة ، ردها الإمام ابن الأنباري عليه رحمة الله فقال: قدم الله البصر على السمع في آيات أخرى، فقال في سورة هود في آية أربع وعشرين: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:24] ، فقدم انتفاء السمع في الذم وهو الصمم، وتارة قدم انتفاء عدم الرؤية وهو العمى في الذم، فقال: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:24]، فالأعمى والأصم هذا للكافر، لا يرى ولا يسمع، والبصير والسميع هذا للمؤمن، يسمع ويرى وينتفع، فقدم البصر على السمع، وفي حالة الذم قدم العمى على الصمم، حقيقة حجة تكافئ تلك الحجة.

    الحجة الثالثة التي ذكرها الإمام ابن قتيبة قال: إن أثر السمع فينا أعظم من أثر البصر، كيف هذا؟

    قال: هو الطريق لسماع وحي الله، ثم إن متعلقه أعم وأشمل، فنحن بالسمع يسمع الحاضر والغائب، والمعقول والمحسوس، وأما بالبصر فلا نرى إلا الحاضر، ولا نرى المعقول، لا نرى إلا المحسوس، فالكلام الذي يعقل تسمعه لكن لا تراه، لا ترى إلا شيئاً محسوساً حاضراً، وأما في السمع فترى الحاضر والغائب، المعقول والمحسوس، إذاً: مدركاته أعم وأشمل، ثم هو الطريق لسماع الوحي، وللاهتداء بنور الله جل وعلا.

    والإمام ابن الأنباري قال: إذا كان السمع يمتاز بهذا فانظر ما يمتاز به البصر، إن البصر هو الطريق لرؤية نور الله، والنظر إلى نور وجهه الكريم في جنات النعيم، وهذه أعظم نعمة يحصلها المؤمنون من الحي القيوم، فإذاً أعظم نعمة حصلت لعضو البصر لا بعضو السمع، هذه واحدة، إذا كنت ترى أن مدركات ومتعلقات السمع أعم وأشمل، فنحن نقول: إن مدركات ومتعلقات البصر أصدق وأمكن وأتم وأكمل، السمع قد يخطئ فتشتبه الأصوات، وأما البصر فخطؤه قليل قليل، وليس راءٍ كمن سمعا، وأنت إذا سمعت لا تقنع إلا بأن ترى.

    فإذاً: الرؤية أتم لإزالة اللبس ورفع الغموض من السمع، فنعم مدركات السمع أعم وأشمل، لكن متعلقات البصر أكمل وأضبط وأقل احتماًلا للخطأ، ثم يتميز بعد ذلك البصر عن السمع، فمحله أعجب وأجمل وأبهى وأفخم من محل السمع، البصر محله أعظم بكثير، عينان في وسط الوجه، وهذا أشرف الأعضاء، وأما الأذنان ففي الجانبين، فمكان العينين في الصدارة في أشرف الأعضاء التي في بدن الإنسان، وحقيقة جمال الإنسان بجمال عينيه، ثم بهما يحصل الإقبال والإدبار والاقتراب والابتعاد مما تحب ومما تكره، وإذا فقد الإنسان بصره يهوى.

    إذاً: هذه هي آثار البصر، فهي أعظم من السمع، قولان متكافئان.

    جاء الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله ليحكم بين القولين، فقال: وأقول: للسمع مزية على البصر، وللبصر مزية على السمع، فكل واحد ينفرد بخصلة جليلة كريمة يمتاز بها عن الثاني، أما مزية السمع فعمومه وشموله، وحقيقة هو أشمل متعلقاً كما قلت وإدراكاً من العين، يسمع الحاضر والغائب والمعقول والمحسوس، وأما البصر فلا يرى إلا حاضراً محسوساً، إذاً اختلفت، فمتعلقات السمع أعم وأشمل، فللسمع مزية من حيث العموم والشمول، وللبصر مزية من حيث كمال الإدراك وتمام الرؤية، فإذاً البصر أتم رؤية وإدراكاً، والسمع أعم وأشمل، فكل واحد له مزية.

    والذي يبدو لي والعلم عند الله: أن البحث ينبغي أن يُذكر كما سأذكره في الأمر الرابع، وهذا فيما أستحضر وما رجعت إليه من قريب، لفقري في هذه الأيام لعدم وجود الكتب بين يدي، ويعلم الله أنها لا تطيب نفسي أن ألقي موعظة إلا بعد أن أراجع على أقل تقدير خمسين كتاباً، ولكن في هذه الأيام قد أراجع خمسة كتب وأقتصر عليها من باب الضرورة، ونسأل الله أن يعفو عن تقصيرنا.

    هذا الذي سأذكره غالب ظني قرأته في كتب الإمام ابن القيم عليه رحمة الله، ولعله في كتاب مفتاح السعادة ومنشور ولايتي أهل العلم والإرادة، لكن ما أستحضر على وجه التمام، فعمل مقارنة بين السمع والبصر وخلاصة مقارنته، هي كلمة الفصل فيما يبدو لي في هذا المقام.

    فقال: ينبغي أن نبحث في المفاضلة بينهما، وأثر كل منهما علينا، فيما يتعلق بالعاجل والآجل ومنفعة الدنيا والدين، ومضرة الدنيا والدين، أما البصر إذا فقده الإنسان فضرره العاجل أكثر مما لو فقد سمعه، لكن ضرره الديني أقل مما لو فقد سمعه بكثير، فإذا فقد بصره يسمع، وليته يسمع فقط، يسمع ويعي ويضبط ما لا يسمع ويضبط المبصر، ولذلك قوة حافظة وذاكرة الأعمى أقوى من قوة البصير.

    فإذاً: فاتته فاته الرؤية، لكن يسمع الهدى ووحي الله، ويضبطه ويهتدي وينتفع به، لكن في الدنيا ضرره كثير كثير، (وإذا ابتلى الله عبده بحبيبتيه عوضه عنهما الجنة إذا صبر)، والحديث في صحيح البخاري وغيره، فلا يستطيع أن يمشي، تأتيه حفرة فيقع فيها، لا يستطيع أن يدفع عنه ما يؤذيه، يأتيه ثعبان يلدغه وهو لا يشعر، فضرره الدنيوي إذا فقد بصره أعظم عليه من الضرر الديني، وإذا فقد السمع فالضرر في حق الدين كما سيأتينا عظيم عظيم.

    ولذلك يقول الإمام ابن القيم : وُجد في الصحابة من أصيب بالعمى، ولم يوجد فيهم من أصيب بالصمم، لكرامتهم على الله جل وعلا، ما وُجد فيهم واحد أصم لا يسمع أبداً؛ لأن هذا لو وُجد فهو مضرة من ناحية الدين عظيمة؛ لأن إفهامه عن طريق الرؤية سيكون بمبادئ أولية، يوحد بها رب البرية ثم لا يتوسع، بينما إذا فقد بصره قد يكون من كبار العلماء الراسخين والجهابذة المحدثين وهو أعمى، والإمام الترمذي وُلد أعمى، وهو إمام أهل الدنيا في زمنه في حديث النبي عليه الصلاة والسلام.

    وكان البخاري يقول له -والترمذي تلميذ للبخاري -: ما انتفعت بي أكثر مما انتفعت بك، يعني: أنا انتفعت بك كما أنت انتفعت بي، وليس انتفاعك بي بأكثر من انتفاعي بك، لا تظن هذا، فلذلك المنافع بيننا متبادلة، نفعتك ونفعتني، واستفدت منك وأخذتني، هذا الإمام البخاري يقوله للترمذي ، ووُلد أعمى، فضرره الدنيوي عليه عظيم، لكن ضرر الدين يسير يسير.

    أما فيما يتعلق بالسمع فعلى العكس، إذا فقد الإنسان سمعه تضرر من ناحية الدين والآخرة ضرراً عظيماً، فلا يسمع نور الله ووحي الله وهدى الله، وما يُعلم إلا عن طريق الإشارة بعد ذلك، بأن الله خلقنا، وهو فوقنا، وينبغي أن يوحد، ويبذل ما في استطاعته ووسعه، لكن لا يستطيع أن يسمع، ولا يتكلم بعد ذلك، ما عنده إلا رؤية وإشارة، ثم إذا لم يحصل ما يسمعه وينتفع به تبقى العينان مفتوحتين، على الشهوات والمغريات والملذات، وما عنده -كما قلنا- ما يقوي به قلبه في جانب الإيمان، فقد ينساق وراء الشهوات بواسطة نظر العينين، وأما الأعمى فقد أكرمه الله في هذه الحياة مع مصيبته؛ لأنه لم يرَ المنكرات التي نراها، وأما آلة السمع فهي قوية عنده، يسمع كما نسمع.

    فإذاً: فقد البصر أضر على الإنسان في الدنيا من فقد السمع، وفقد السمع أضر على الإنسان في الدين من فقد البصر، وكل منهما ضروري للإنسان، ومن نعم الله الجسام، ونسأل الله أن يمتعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وعقولنا، وأن يمتعنا بجميع أعضائنا، وأن يجعل ذلك الوارث منا، إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين!

    والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.