إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في علم التوحيد - شروط التكليف بالتوحيد [3]

مقدمة في علم التوحيد - شروط التكليف بالتوحيد [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شروط التكليف بالتوحيد بلوغ الحجة ووصول الدعوة إلى المكلفين، وبدون ذلك لا تكليف، وفي هذا رد على القائلين بأنه لا حاجة إلى البلاغ ما دام أن توحيد الله عز وجل ثابت في عقول الناس ومرتكز في فطرهم، ومثل هذا القول مدفوع بأن كل ذلك وإن أدركه العقل إجمالاً إلا أنه بحاجة إلى تفصيل، والتفصيل لا يكون إلا عن طريق رسل الله الذين يبينون صفات الكمال لله، والحقوق اللازمة على عباده تجاهه.

    1.   

    بلوغ الدعوة ووصول الحجة هو الشرط الثالث للتكليف بالتوحيد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، يا أرحم الراحمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    نواصل ذكر شروط التكلف بالتوحيد فنقول:

    الشرط الثالث: بلوغ الدعوة ووصول الحجة إليه، وهذا الشرط الثالث لتكليف الإنسان بتوحيد ذي الجلال والإكرام، والله جل وعلا جعل ثلاث حجج لتكليف الإنسان بتوحيد الله جل وعلا:

    الحجة الأولى: أخذت على الإنسان عندما خلق الله أباه آدم، واستخرج الذرية من ظهره، بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172]، إلى آخر الآيات، وهذا الذي يسمى بعالم الذَّر أخذ علينا العهد فيه، وسيأتينا تفصيل هذا وتفسيره والكلام عليه عند الميثاق الذي أخذ علينا في عالم الذر إن شاء الله، عند مباحث التوحيد، فأقرر الكلام عليه وعلى ما تحتمله الآية من معانٍ إن شاء الله، هذا العهد الأول والحجة الأولى أُقيمت علينا، وكلمنا الله كفاحاً، وأشهدنا على أنفسنا، أنه خالقنا وربنا فشهدنا.

    عهد ثانٍ أخذه الله علينا: وهو ما ركزه في فطرنا، من الإقرار بربوبيته وألوهيته وحده لا شريك له: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30] ، (وكل مولود يُولد على الفطرة)، أي: على الدين الحق والحنيفية السمحة.

    دليل ثالث: ليذكركم بما رُكز في فطركم، وليذكركم بما أخذ عليكم في عالم الذر، وهو: بلوغ الدعوة بواسطة رسول يرسله الله على نبينا وعلى جميع رسل الله صلوات الله وسلامه، فيبين للناس دعوة الله.

    إذاً: بلوغ الدعوة هذه هي الحجة الثالثة من الحجج التي أقامها الله لتكليف الناس بتوحيده:

    الحجة الأولى: العهد عليهم في عالم الذر.

    الحجة الثانية: الفطر المستقيمة التي تقر بربوبية الله وألوهيته.

    الحجة الثالثة ظاهرة واضحة بينة: كتاب ينزل ورسول يوضح: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

    1.   

    ذكر الدلالات القرآنية على اشتراط بلوغ الدعوة وقيام الحجة للتكليف بالتوحيد

    إخوتي الكرام! دلت آيات كثيرة وأحاديث متواترة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، بأنه يشترط بلوغ الدعوة للتكليف بتوحيد ذي الجلال والإكرام، سأذكر عشر آيات من الآيات الكثيرة التي تقرر هذا الشرط، وأقسم هذه العشر الآيات إلى ست دِلالات تدل على أنه يُشترط للتكليف بتوحيد الله جل وعلا بلوغ الدعوة إلى المكلفين على أتم وجه وأظهره.

    الدلالة الأولى على اشتراط بلوغ الدعوة وقيام الحجة للتكليف بالتوحيد

    الدلالة الأولى: أشار إليها ربنا في سورة الإسراء، في آية خمس عشرة، أنه لا يعذب العباد إلا بعد إرسال الرسل إليهم وإقامة الحجة عليهم، يقول الله جل وعلا: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:13-15] .

    فقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] أي: حتى نرسل رسولاً إلى البشر من جنسهم ليبلغهم دعوة ربهم، وليقطع عذرهم، ويزيل شبههم، والرسول هو الذي يُرسل إليهم من جنسهم، وأما ما ذهب إليه علماء الكلام من المعتزلة وأصحاب الهذيان، بأن المراد من الرسول العقل، فهذه سفاهة في الاستدلال، ووضع كلام الله في غير موضعه.

    فليس المراد من الرسول العقل البشرى، وليس معنى قوله: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، أي: حتى نوجد عقلاً في الإنسان، فعقله ينبغي أن يهدى إلى توحيد الرحمن، هذا كلام باطل، الرسول: هو الذي يرسله الله من جنس البشر: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [يوسف:109]، وما قال: عقولاً في أجناس الناس يكلفون بسببها، وسيأتينا بعد ذلك من جملة الآيات (رسلاً) بعد أن قص الله أخبار الأنبياء: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

    فالرسول هو الذي يُرسل من جنسنا، وهو من خصوص البشر، ويرسل للإنس والجن، فالجن تبع والإنس أصالة، ولا يكون الرسل إلا من البشر، لقول الله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [يوسف:109] ، فهم رجال، وهم من البشر، وهم ذكور، وهذه الوظيفة -النبوة والرسالة- لا تكون في الجن، إنما فيهم نذر يبلغون عن الرسل، ولا تكون في النساء، فغاية ما في النساء الصديقات، ولا يصلن إلى درجة النبوة.

    فقد شذ ابن حزم فقال: يوجد في النساء نبيات، كما يوجد في الرجال أنبياء، وبنى وهمه على قول الله جل وعلا: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:42]، وبنى وهمه على قول الله جل وعلا: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص:7] ، وقال: هذا الإيحاء دليل على أن الوحي نزل على النساء، وهذا دليل على نبوتهن، نقول: لا يلزم من نزول الملَك على إنسان أن يكون نبياً، لا رجلاً ولا أنثى، ينبغي أن ينزل عليه بتكليفه بالنبوة والرسالة، لا ينزل عليه فقط.

    وقد كانت الملائكة قبل هذه الأمة تكلم الناس عياناً وتقابلهم، وحديث الأعمى والأبرص والأقرع مشهور متواتر، وحديث الذي قتل تسعة وتسعين ثم أكمل المائة، وأنزل الله ملائكة بعد ذلك يختصمون في أمره، هذا كله كان يقع في العصر الأول والناس يشاهدونه، وقد كان جبريل يأتي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام في صورة رجل والصحابة يرونه، فما حصلت لهم النبوة في رؤيته، وقد كانت الملائكة تنزل على عمران بن حصين ، وهذا ثابت صحيح، فلما اكتوى رضي الله عنه وأرضاه نفرت منه الملائكة، ولذلك كان يقول: عندما اكتوينا ما أفلحنا ولا نجحنا! كانت الملائكة تنزل عليه تسليه وتثبته، أي حرج في ذلك إذا نزلت الملائكة على إنسان، وهل صار نبينا؟! لا. فلا يلزم من نزول الملائكة على مريم وعلى أم موسى أن يحصل لهما النبوة بذلك النزول.

    ولذلك قيل لـابن حزم : لو أردت أن تستدل بهذه الآية على نبوة مريم وأم موسى بحصول الإيحاء لهن، فينبغي أن تقول: إن النحل أنبياء؛ لأن الله يقول: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل:68] ، وهل تقول بنبوة النحل؟! قطعاً لا، فلا يلزم من الإيحاء حصول النبوة لمن أوحى إليه، إنما عندما يوحى إليه بتكليفه بالنبوة، بتبليغ دعوة الله، عند ذلك تحصل له مرتبة النبوة.

    إذاً: إخوتي الكرام! وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، الرسل من جنس بني آدم، وهذا خاص بالذكور، فليس في النساء نبية، وليس في الجن أنبياء، إنما هذا في بني آدم من البشر من الذكور، وعندما قال الله: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، فالرسول: هو رجل من البشر حر ذكر بالغ عاقل أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه، وأما أن يقال: الرسول هو العقل، فهذا كما قلت وضع لكلام الله في غير مواضعه.

    وهذا الفهم لا يفهمه نساء البادية، فكيف استنبطه عقول المعتزلة؟ لا أعلم، يعني: لو قلت للنساء: ما معنى الرسول؟ تقول: الرسول يا ولدي هو من البشر الذي كلفه الله بتبليغ الدعوة، والمعتزلة يقولون: الرسول هو العقل البشري، فهذا تلاعب -كما قلت- ووضع لكلام الله في غير موضعه.

    إذاً: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] الدلالة الأولى: لا تعذيب إلا بعد إرسال الرسل، وقطع العذر، وإقامة الحجة على أتم وجه.

    الدلالة الثانية على اشتراط بلوغ الدعوة وقيام الحجة للتكليف بالتوحيد

    الدلالة الثانية: يخبرنا الله فيها أنه ما عاقب أمة من الأمم بسبب كفرهم وعتوهم وعدم توحيدهم إلا بعد أن أقام الحجة عليهم، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وبلغتهم الدعوة على أتم وجه، فلما أصروا على طغيانهم عُوقبوا واستُأصلوا، هذه الدلالة الثانية، يقول الله جل وعلا مشيراً إليها في سورة الشعراء، في آية مائتين وثمانية: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:208-209] .

    وقرية: نكرة في سياق نفي تفيد العموم، فكل قرية عُذبت لكفرها كان بعد إرسال نذير إليها: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:208-209]، حصلت لهم التذكرة، والموعظة، وقيام الحجة على أتم وجه، والرسل قطعوا العذر، فعندما عاقبناهم ما ظلمناهم، بل ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن توحيد ربهم.

    وقال الله جل وعلا في سورة القصص، في آية تسع وخمسين: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:59].

    إذاً: جاءهم الرسول، وتلا عليهم الآيات، وأقام عليهم الحجة، وبلغهم دعوة الله على أتم وجه، إذاً عندما عوقبوا بسبب ظلمهم: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:59] ، هذه دلالة ثانية يقررها الله جل وعلا في كتابه.

    الدلالة الثالثة على اشتراط بلوغ الدعوة وقيام الحجة للتكليف بالتوحيد

    الدلالة الثالثة: يشير الله فيها إلى أنه لو عذب الكفار لعدم توحيدهم لربهم قبل إرسال الرسل إليهم لاعترضوا وقالوا: ربنا كيف عاقبتنا قبل أن تبلغنا دعوتك، وقبل أن ترسل إلينا رسولك؟ فإذا أرسلت إلينا كنا نهتدي ونؤمن ونوحد.

    يقول الله جل وعلا مشيراً إلى هذا في سورة طه في آخرها، في آية أربع وثلاثين ومائة: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه:134].

    وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ [طه:134] أي: قبل إرسال الرسول إليهم، وإقامة الحجة عليهم، لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا [طه:134] ، أي: هلا أرسلت إلينا رسولاً لنؤمن ونوحد، كيف عاقبتنا ولم ترسل إلينا رسولاً؟ كأن عذرهم لا يُقطع إلا بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقيام الحجة على أتم وجه، وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى [طه:134-135] .

    ويقول الله جل وعلا مقرراً هذه الدلالة الثالثة أيضاً في سورة القصص في آية سبع وأربعين: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ [القصص:47-48].

    تحدث الله جل وعلا عن هذه الأمة وعن أحوالها، فيقول جل وعلا: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:47]، طيب، لما جاءهم الرسول ماذا كان حالهم؟ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى [القصص:48] ، أي: هلا جاء هذا النبي بما جاء به موسى من الآيات الواضحة البارزة البينة، كانفلاق البحر وغير ذلك: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا [القصص:48] أي: أهل الكتاب، بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ [القصص:48] ، كفروا بذلك: قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا [القصص:48]، يعني: هذا القرآن وما أتى به موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا [القصص:48]، وفي قراءة متواترة: (ساحران تظاهرا)، أي محمد وموسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، كل واحد ينصر الآخر ويعضده ويقويه، لكن ساحران: قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا [القصص:48] (قالوا ساحران تظاهرا) وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ [القصص:48]، إذاً: لو عوقبوا قبل إرسال الرسول إليهم لقالوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً، هذه الدلالة الثالثة.

    الدلالة الرابعة على اشتراط بلوغ الدعوة وقيام الحجة للتكليف بالتوحيد

    الدلالة الرابعة: أخبر الله في كتابه بأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب مبشرين ومنذرين؛ ليقطع كلام الناس، وليزيل شبههم، ولئلا يتعلل متعلل إذا عُذب لعدم توحيده بربه جل وعلا.

    يقول الله جل وعلا مشيراً إلى هذا في سورة النساء، آية ثلاث وستين ومائة: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:163-165].

    إذاً: هؤلاء الرسل أُرسلوا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:165] .

    وقال جل وعلا مشيراً إلى هذه الدلالة في سورة الأنعام، آية خمس وخمسين ومائة: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [الأنعام:155-157] .

    وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا [البقرة:168-169]، أي: لئلا تقولوا: إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا [الأنعام:156]، أي: الإنجيل على النصارى، والتوراة على اليهود، وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام:156]، أي لا نفقه ما فيهما ولا نعرف ما فيهما، فهذا بالسريانية وذلك بالعبرية، أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ [الأنعام:157]، لو نزل علينا كتاب لكنا أهدى من اليهود والنصارى فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [الأنعام:157] .

    إذاً: أُرسل الرسل ليقعطوا كلام الناس وأعذارهم، كما دلت هذه الدلالة الرابعة.

    الدلالة الخامسة على اشتراط بلوغ الدعوة وقيام الحجة للتكليف بالتوحيد

    الدلالة الخامسة: بين الله فيها أن إقامة الحجة وقعت على التمام، وعلى حسب ما يرام ويريد الإنسان، فوُضحت وبُينت وجاءهم الرسول وعاينوه، وأتى عليهم بكتاب من عند الله يدرسونه ويتلونه، وفيه حجج وبينات ظاهرة على أن الله رب كل شيء ومليكه سبحانه وتعالى، فينبغي أن يُفرد بالعبادة وحده لا شريك له.

    يقول الله جل وعلا مشيراً إلى هذا في سورة الزمر، في آية أربع وخمسين وما بعدها: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:53-58] انتبه، بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر:59] .

    إذاً: البيان وقع على أتم وجه، على التمام والكمال: بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي [الزمر:59] فيوم القيامة يتمنى الكافر الإيمان، والله يقول: أنيبوا في هذه الحياة حتى لا تتمنوا الإيمان بعد الممات؛ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:56-58]، أنبيوا إلى الله لئلا تقولوا هذا، فإذا قلتموه وسيقوله كل من لم يوحد الله جل وعلا، فسيأتيه الجواب: بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر:59].

    الدلالة السادسة على اشتراط بلوغ الدعوة وقيام الحجة للتكليف بالتوحيد

    الدلالة السادسة: وهي آخر الدلالات في الآيات العشر التي تلوتها، يخبرنا الله جل وعلا عن إقرار الكفار بأنفسهم عندما يلقون في النار، أنهم يقرون أن رسل الله جاءت إليهم وبلغتهم، لكنهم أعرضوا وجحدوا.

    يقول الله جل وعلا في سورة الزمر في آخرها: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:71-72] .

    والآية الثانية في سورة الملك، يقول الله جل وعلا: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ [الملك:6-9]، والنتيجة؟! وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10-11] .

    فكل من يُلقى في النار يقر على نفسه في دار القرار، بأن الرسل وصلوه وبلغوه، وأقاموا الحجة عليه، لكنه أعرض وجحد وكفر وألحد، فلا يلومن إلا نفسه.

    ولذلك يقول إبليس في أهل النار، عندما يجتمع بهم بعد أن يلقوا في جهنم وبئس المصير: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ [إبراهيم:22]، أي: بمخلصكم ومنقذكم ومفيدكم، وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22].

    1.   

    ذكر بعض الدلالات من السنة على اشتراط بلوغ الدعوة وقيام الحجة للتكليف بالتوحيد

    إذاً: هذه دلالات متنوعة، يُؤخذ من هذه الآيات المتعددة على أنه لابد من إرسال الرسل لتكليف الناس بتوحيد الله جل وعلا، وهذا الشرط دلت عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الكثيرة المتواترة:

    ما ثبت من شهادة هذه الأئمة وبنيها على سائر الأنبياء بالبلاغ

    منها: ما ثبت في المسند، وصحيح البخاري ، وسنن الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، والحديث كما قلت إذا كان في أحد الصحيحين فهو صحيح، فهو في صحيح البخاري من حديث أبي سيعد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يجيء يوم القيامة نوح وأمته، فيقول الله لنوح: هل بلغت؟ فيقول: نعم ربي، فيقول لقومه: هل بلغكم نبيكم؟ يقولون: ما جاءنا من نبي، لا نعرفه ولا بلغنا، فيقول الله لنوح: من يشهد لك؟ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: فنشهد له)، وذلك قول الله جل وعلا، وهو في سورة البقرة آية ثلاث وأربعين ومائة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، خياراً عدولاً: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، فنشهد لنوح بأنه بلغ، وأن قومه بلغتهم الدعوة على أتم وجه، فنحن نشهد على الأمم السابقة، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    كيف نشهد على شيء لم نعلمه؟

    وضحته الرواية الثانية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يجيء يوم القيامة النبي ومعه الرجلان، ويجيء يوم القيامة النبي ومعه الثلاثة، وأكثر وأقل)، يعني: نبي ومعه رجلان مؤمنان من أمته، ما تبعه إلا رجلان، ويجيء نبي ومعه ثلاثة، ونبي معه أكثر ونبي معه أقل، يأتي بعض الأنبياء لم يتبعهم أحد.

    فعليك بذر الحب لا قطف الجنى فالله للساعين خير ضمين

    أنت عليك أن تبلغ، أما شُرحت الصدور لاتباعك أم لا، وأذن الله بهدايتهم أم لا؟ هذا ليس من اختصاصك ولا من فعلك، عليك فقط أن تسلك الطريق الذي أمرك ربك بسلوكه.

    ينبغي أن يعي المسلمون القضية في هذه الأيام، وينبغي أن نسير على الطريق الذي شرعه الرحمن، وليس كل واحد يخترع طريقاً لإقامة الدولة الإسلامية كما يريد، بل طريق شرعي، فإذا قيل: هذا طريق طويل، نقول له باختصار: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:6-7]، هذا الطريق هو الذي سار عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلابد من السير عليه.

    أما بعد ذلك عمليات انتحارية لإيجاد الدولة الإسلامية، هذا في الحقيقة يجرنا إلى الوراء، ونوقع الأمة في عناء وبلاء، فلابد من وعي قضيتنا، والأمر كما قال الله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] .

    لابد من تربية القلوب على الخشية من علام الغيوب، ونشر العلم الحق الصحيح، وسلوك الطريق السوي في هذه الحياة، ثم بعد ذلك الاتصال بمن له شوكة وعنده قوة ليمكن لدين الله في الأرض، دون أن يحدث بعد ذلك ما يحدث في هذه الأيام من مضاربات ومشادات.

    فإن قيل: كيف هذا؟ نقول: كيف حصل للنبي عليه الصلاة والسلام؟ يعني: العصر المكي بكامله، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [النساء:77].

    يدك لا تحركها، طيب ماذا نفعل؟ رب القلوب على الخشية من علام الغيوب، قيام الليل يُفرض في مكة قبل أن تُفرض الصلوات الخمس، ما نزلت فريضة صلاة من الصلوات الخمس إلا بعد فرضية قيام الليل في سورة المزمل، وسورة المزمل من أوائل ما نزل، وما كان هناك فريضة ظهر ولا عصر ولا فجر، لكن هذا الليل لابد من أن يخلو الحبيب بحبيبه، وأن تُؤسس هذه القلوب على هذا، وأما قلوب عكفت بالليالي على التلفاز، هذه لن تقيم دولة إسلامية! هذه ستقيم دولة ردية وليست دولة إسلامية.

    والتلفاز الآن -يعني لا أعلم ماذا أقول- هل يسلم منه بيت من ألف بيت؟ النسبة كثيرة، حقيقة ليس بيتاً من ألف بيت، بل بيت من مائة ألف بيت، بل الواقع أقل من هذا.

    طيب أمة عشعشت الشياطين في أدمغتها، وفي قلوبها، وفي بيوتها، وألعن ما عُمل للمسلمين، وأخبث ما فُعل لهم في هذا الحين هذا الجهاز، والله إن اقتناءه أعظم من جريمة الزنى وشرب الخمر، وليرضى من يرضى وليغضب من يغضب، ولنعي أمرنا، إن الإنسان عندما يزني يسود وجهه، وتضيق عليه نفسه، ويعلم أنه قد عصى الله، وهذا بداية الخير والتوبة، وعندما يقتني التلفاز يجلس يلعب بلحيته ينظر إليه، وكأنه يستنشق الهواء في حديقة، كأنه ما عليه حرج ولا عار، إن اقتناء هذا الجهاز دياثة أشنع من الزنى، ومن الذي سلم منه.

    أمَا حُرِّم الغناء في العصر المكي، والخمر متى حُرم؟ بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام بإحدى وعشرين سنة، يُحرم الخمر قبل وفاته بسنتين فقط؛ لأن هذا مسكر حسي، والغناء مسكر معنوي -كما تقدم معنا-، والمسكر المعنوي أشنع من المسكر الحسي، إذا سطلك الغناء، وأعمى قلبك، وعشعش الشيطان فيه، لا يدخل فيه نور الله، لا يجتمع قرآن الرحمن مع قرآن الشيطان في قلب إنسان.

    إذاً: لابد من تطهير القلب من هذا، ثم نسير في طريقنا إلى أهل الشوكة وأهل القوة، ونعرض عليهم دعوة الله، فإذا هيأ الله لنا صاحب قوة لقبول دعوتنا، وعلم الله أننا أهل للقيام بشريعته في أرضه، فتح الله صدر هذا المسئول الكبير لهذه الدعوة، وقال: يتم التمكين لهذه الدعوة ما بين عشية وضحاها، من الذي كان يتوقع أن الأنصار سيبايعون نبينا المختار عليه الصلاة والسلام؟

    عندما كان يعرض النبي عليه الصلاة والسلام نفسه على القبائل، ليمنعوه وينصروه ليبلغ دعوة الله، هل كان يدور في خلَده وذهنه أو ذهن أحد من أصحابه أنه سيهاجر إلى المدينة؟ وأن دولة الإسلام ستؤسس هناك؟ لا، ثم لا، لكن لما وُجد في المسلمين ثلة تُبنى عليها الدولة، ولا تنكث، ولا ترتد، ولا ترجع القهقرى، ولا تسيء للإسلام باسم الإسلام، كما يحصل في هذه الأيام، كمثل من يدعون تطبيق الإسلام، شوهوا الإسلام بانتسابهم إليه.

    فلابد إذاً من وعي هذه القضية، لما وُجد هؤلاء، الله بيده مقاليد الأمور، وقلوب العباد بين أُصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ألقى في قلب الأنصار قبول هذه الدعوة، وقالوا: نمنعك مما نمنع منه نساءنا وأنفسنا وأولادنا، وأنت تأتي عزيزاً عندنا وأنت الزعيم المطاع، من كان يخطر على باله؟ وعندما تقول للناس هذا، يقول: يا شيخ! هذا حلُم يقظة، نقول: إنكم ترونه بعيداً ونراه قريباً، هذا هو الطريق السديد، وإذا أردتم أن تنصروا الله بجهدكم فلا فائدة منكم، نحن نطلب النصر من الله جل وعلا، ونسلك ما أمرنا، فإن حصل ما نريد، فهذا فضل من الله ونعمة علينا.

    لو قُدر أن دولة الإسلام ما قامت في هذه الأيام، بعد أن قضى عليها المشركون اللئام، وسلكنا الطريق السديد لإعادتها، لو قُدر ومتنا وما قامت، هل علينا لوم عند ربنا؟ كم من صحابي مات في العصر المكي ولم ير دولة الإسلام بالمدينة المنورة، فهل مات وهو عاص؟ لأنه ما قامت الخلافة الإسلامية ولا الدولة الإسلامية، بذلت ما في وسعك.

    لذلك يأتي النبي -اسمع لهذا الحديث الصحيح- معه الرجلان والثلاثة، وأقل وأكثر، يأتي بعض الأنبياء ليس معهم أحد، سبحانك ربي! بلغ طول عمره ما استجاب له واحد من قومه، إذا كان الله يقول عن نبيه نوح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40]، بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، فهل عليه مضرة؟ لا، وهو من الخمسة أولي العزم.

    أنت عليك أن تقوم بالطريق الشرعي، أما هذه الدعوة فهي لله وليست لك، فإن شاء يكتب لها الظفر والتمكين لحكمة يعلمها مكَّن، وإذا لم يشأ هذا فنحن أدينا ما علينا، المقصود أن تكون أنت على صراط الله المستقيم، وأما أن تقول: لابد من أن أفعل وأفعل وأغير وأعمل من أجل أن تقوم، فنقول: لا يمحو الله الخبيث بالخبيث، إنما يمحو الخبيث بالطيب، ونحن نأخذ النصر من الله، والله جل وعلا يقول: وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4]، ابتُلينا بهذا فلنسلك الطريق الشرعي، والله جل وعلا يحقق بعد ذلك ما يحبه وما يريده على أيدينا بفضله وكرمه، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    إذاً: النبي يأتي معه رجلان، ثلاثة، وأكثر وأقل، ويأتي النبي معنا وليس معه أحد، فيؤتى بالنبي وأمته، فيقول الله للنبي: (هل بلغت؟ -وفي رواية ثانية للحديث- يقول: نعم ربي، فيقول لأمته وقومه: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول الله للنبي -كما في الرواية الثانية-: فمن يشهد لك أنك بلغت؟ فيقول: أمة محمد عليه الصلاة والسلام -يشهدون لي بالبلاغ- فيستشهدنا الله فنشهد لأنبياء بالبلاغ، فيقول الله: وما علمكم؟)، كيف تشهدون على أمر ما رأيتموه؟! لا رأيتم نبي الله نوحاً ولا غيره، كيف تشهدون على ما لم تروه؟ (فنقول: ربنا أخبرنا نبينا، أن الأنبياء بلغوا أقوامهم)، فذلك قول الله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، خياراً عدولاً: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    إذاً: هذا الحديث يدل على أن كل نبي يأتي ويأتي بقومه، وكل قوم يقال لهم: هل بلغكم؟ فإذا أنكروا أُقيمت عليهم الحجة في ذلك الوقت، وهذا دليل على اشتراط بلوغ الدعوة للتكليف بتوحيد الله جل وعلا.

    ما ثبت من أن الله يخاطب العبد من عباده يوم القيامة ويسأله عن رسوله إليه

    ثبت في صحيح البخاري وصحيح ابن خزيمة ، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليلقين أحدكم ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجُمان يترجم له، فيقول له: ألم أرسل إليك رسولاً فيبلغْكَ؟ فيقول: بلى)، كل واحد منا سيلقي ربه يوم القيامة، وليس بينه وبينه ترجُمان يترجم له، فيقول الله له: ألم أرسل إليك رسولاً فيبلغْكَ، وأوصل إليك توحيدي، وكلفك به؟ فيقول: بلى، جاءني الرسول وأقام عليَّ الحجة.

    إذاً: لابد إخوتي الكرام من بلوغ دعوة الرحمن، للتكليف بتوحيد ذي الجلال والإكرام.

    1.   

    إشكال يقتضي عدم الحاجة إلى بلوغ الدعوة للتكليف بالتوحيد والجواب عنه

    وهنا يرد إشكال في ذهن الإنسان: قد يقول إنسان: إن وجود الله، ووجوب تعظيمه مركوز في فطر بني آدم وعقولهم، فلماذا توقف التكليف بالتوحيد على بلوغ الدعوة ووصول الحجة؟

    لأن دلالة فطرة الإنسان وعقله على وجود الله ووجوب تعظيمه أقوى من كل دلالة، وهي أقوى من دلالة الشمس على النهار في وسط النهار، وإذا كان النهار واضحاً لا يحتاج إلى دليل لظهوره ووجوده، فوجود الله في فطرنا وعقولنا أظهر من وجود النهار وظهوره.

    وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

    وجود الله مركوز في الفطر مقرر في العقول، وتقدم معنا الإشارة إلى شيء من هذا، وقلت سيأتينا إيضاح هذا وتفصيله في المقدمة عند أقسام التوحيد، وسأقرر هذا إن شاء الله عند توحيد الربوبية، فإذا كانت البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وبحار ذات أمواج، وسماء ذات أبراج، إن ذلك يدل على اللطيف الخبير، لا شك، فلابد لهذا الخلق من خالق، وهو اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16].

    وإذا ثبت أن الله هو خالقنا، وربنا، ومالكنا، ومليكنا، فيجب أن نفرده بالعبادة وحده لا شريك له، هذا مركوز في الفطر، مقرر في العقول، وهذا دلالته كدلالة زيادة العشرة على الواحد، وزيادة المائة على الواحد، وزيادة الألف على الواحد، لو قلت لإنسان: الواحد أكبر أم الألف؟ فلا يحتاج إلى سؤال؛ يقول: هذا واضح، الألف أكبر وأكثر، إن وجود الله ووجوب تعظيمه مركوزان في الفطر والعقول، أظهر وأقوى من كون الألف أكثر من الواحد.

    فإذا كان الأمر كذلك قد يقول إنسان: إن وجود الله ووجوب تعظيمه ثابتان في عقولنا، فعلام توقف التكليف بتوحيد ربنا على بلوغ الدعوة، ووصول الرسالة، ومجيء الرسول؟ أي: ينبغي أن نقول: إذا كان الإنسان عاقلاً بالغاً فقط، فهو مكلف بتوحيد الله؛ لأن فطرته تشهد بذلك، ولأن عقله يقرر ذلك، وإذا دل العقل على هذه القضية وشهدت به الفطرة فعلام يتوقف التكليف بذلك على إرسال الرسل، وإنزال الكتب؟

    والجواب عن هذا من وجهين معتبرين:

    الوجه الأول في الجواب عن الإشكال

    الوجه الأول: لا شك إن فطرة الإنسان وعقله الصريح يشهدان بوجود الله ويقرران وجوب تعظيمه، لكن تلك الشهادة إجمالية ليست تفصيلية، فالعقل لا يهتدي لكمالات رب البرية، ولا يستطيع أن يحدد حقوق الله علينا التي يجب أن نقوم بها ويرضي الله عنها.

    العقل يقول: الله موجود، ويجب أن يُعبد وحده لا شريك له، لكن كيف نعبده؟

    العقل يقول: إن الله موجود متصف بكل كمال منزه عن كل نقصان، لكن ما هي الكمالات التي تليق برب الأرض والسموات؟ هل صفة الضحك منها؟ هل صفة الغضب منها؟ هل صفة البكاء منها؟

    لابد إذاً من دليل يوضح هذا، وسيأتينا أن البكاء نقص يتنزه عنه الله، والضحك والرضا والغضب كمال يتصف به ربنا جل وعلا.

    لذلك قرر أئمتنا أن أسماء الله وصفاته توقيفية لا دخل فيها للعقول البشرية، وقرروا: أن الأصل في العبادة الاتباع لا الابتداع، فلا يستطيع العقل أن يحدد شكل العبادة التي يُعظم بها الرب، فإذا جاء إنسان وقال: أنا أريد أن أركع على جنب لأعظم الله بهذا الركوع، نقول: ركوعك على جنب كفر بالله واستهزاء به، الركوع شرعه رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا يحصل إلا إذا ركعت إلى الأمام، وجعلت ظهرك مستقيماً، ولو ركع على أحد جنبيه في الصلاة لكان أخف لوزره، فالعبادات توقيفية، والأصل فيها الاتباع لا الابتداع، وأسماء الله وصفاته توقيفية يُقتصر فيها على الوارد، لا دخل فيها للعقول البشرية، فالعقل يدل على أن الله موجود، ويجب أن يُعبد وحده لا شريك له، لكن ماذا يتصف هذا الله الذي شك في وجوده؟

    يقول العقل: أنا ليس عندي أدلة على تفصيلات الكمال الذي يتصف به ذو العزة والجلال، أنا عندي قاعدة كلية: أنه يتصف بكل كمال يتنزه عن كل نقصان، لكن هل يستطيع عقل بشري أن يقول: إن صفة الضحك نثبتها لو لم يرد بها النص؟ لا نستطيع، نقول: قف عند حدك، لا نصف الله إلا بما رود به النص، ثم نطلق عبارة عامة كما قلت مجملة، نقول: كل كمال فالله أولى به، لكن تفصيلات الكمال لا نثبتها إلا إذا ورد بها نص عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، هل عند العقل قوة على تحديد هذا؟ قطعاً لا، لذلك لابد من إرسال الرسل ليبينوا ما يتصف به ربنا من كمالات، وليبينوا حقوقه على عباده على سبيل التفصيل.

    ولذلك -إخوتي الكرام- عندما حرم ربنا علينا الميتة، المشركون كانوا يتقربون إلى الله بأكل الميتة، ولما نزل تحريم الميتة ضجوا ولجوا، وقالوا: يا محمد! ما ذبحته بشرشير من ذهب تأكله، وما ذبحه الله وخنقه لا نأكله!! يعني: ذبح البشر نأكله وذبح الرب لا يُؤكل! ولذلك قال الله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121].

    يقولون: كيف ما ذبحه الله لا نأكله، وما ذبحته أنت نأكله؟ ينبغي أن نأكل الميتة من باب أولى، فكانوا يظنون أن أكل الميتة تعظيم للحي القيوم، وهذا باطل قطعاً وجزماً، لأنه لابد من تعظيم الله على حسب ما يريد.

    ولذلك تقدم معنا -إخوتي الكرام- في المحاضرة الماضية، أن الدافع لفعلنا ولتركنا الحلال والحرام، فهما مقياس أعمالنا في هذه الحياة، حلال فعلناه وحرام تركناه، ولا يوجد عندنا اعتبار آخر، الحلال والحرام هل يبينهما عقل الإنسان أم شرع الرحمن؟ لابد من رسول ليبين.

    التعبد على مراد الله لا بحسب الهوى

    كنت مرة في بعض البلاد التي تسمى بالبلاد العربية، وكنت أقول ولا أزال: العين المهملة اجعلوها غيناً معجمة لينطبق الاسم على المسمى، بلاد عربية لكن في الحقيقة انقطوا العين ليظهر المعنى.

    كنت في بعض البلاد ورأيت اختلاط ذكور ونساء يغنون ويرقصون بجميع آلات اللهو في الشارع العام، فقلت لمن معي وهو من تلك البلاد: ماذا يفعل هؤلاء؟

    قال لي: يا مولانا! يذكرون الله، قلت: سبحان الله! نساء ورجال، وغناء وقلة حياء، وسجاير، وحشيش وبلاء، كل هذا ذكر لله؟! كيف يذكرون الله؟

    قال: يا مولانا! هذا مولد السيدة -يقصد السيدة زينب - والآن يحتفلون بمولدها ويغنون ويرقصون ويذكرون الله!!

    قلت: ذكر الله بالعود والناي والدربكة والطبل؟! فانظر لهذا الأبله من البلاد العربية، لكن في الحقيقة كما قلت غربية!

    يقول: يا مولانا! كل واحد يذكر الله على مِزاجه، يعني: على رغبته، واحد يذكره بالقرآن، واحد يذكره بالصلاة، واحد يذكره بالعود، واحد يذكره بالمزيكا، يذكر الله على مزاجه!!

    قلت له: هذه في القرآن أو منقولة عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ يعني: كل واحد يذكر الله كما يريد، إن كانت آية فأكرِم بما استدللت به وسلمنا، وإن كان حديثاً فكذلك، أم هذه من هوس الشياطين؟

    هذا كما يشيع عند الصوفية لما ناقشت بعض الضالين منهم، في تقديسهم لأحفاد من يرون أنه من شيوخ الصوفية، وهو شيوعي ملحد، قلت: هذا شيوعي وتقدسونه!

    قال: يا شيخ! هذا أجداده كانوا أصحاب حال، ومن أهل التصوف من الرجال.

    قلت: طيب، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38]، افرضوا أن أجداده صالحون، وهذا شيوعي ملحد، فكيف تقدسونه وتتبركون به؟

    قال لي: ما سمعت أن الغصن منا ولو مال! يعني: الغصن من الشجرة ولو مالت، وهذا فرع من أصل فله حكم الأصل ولو كان مائلاً.

    قلت: هذه آية أو حديث؟ أعني قوله: الغصن منا ولو مال، وأنه يجوز أن تكرم هذا وتحبه وتحترمه وتقبل يده وتتمسح به، هل هذا آية أو حديث؟!

    نحن عندنا: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123] ، وعندنا: (يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئاً)، اعملي، (سليني من مالي ما شئت)، أما بعد ذلك، ما عندنا الغصن منا ولو مال، عندنا: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46]، عندنا: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:113-114].

    أما الغصن منا ولو مال، هذه ما قداستها وما منزلتها؟ الحجة بالنصوص لا بالفصوص.

    رحمة الله على بعض أئمتنا يقول: النصوص الشرعية تُقدم على الفصوص العربية، ويقصدون فصوص ابن عربي ، لأن له كتاب فصوص الحكم ، وكان يقال له: الشيخ الأكبر، والكبريت الأحمر، والعبارة الأدق فيه: العفريت الأكبر، ابن عربي الطائي صاحب كتاب الفصوص، الحجة في النصوص الشرعية لا في الفتوحات العربية، والحجة في الأحاديث النبوية لا في الفتوحات المكية، وله كتاب أيضاً اسمه الفتوحات المكية، ورحمة الله على أبي حيان في التفسير عندما يقول: هذا قبوحات هلكية، لا فتوحات مكية.

    عندنا أحاديث نبوية يحتج بها، وفتوحات مكية وفصوص عربية، والغصن منا ولو مال، وكل واحد منا يذكر الله على مزاجه، هذا لا يوجد عندنا في شريعة الإسلام، (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد)، (ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد).

    إذاً: كيف سنذكر الله؟ كان المشركون يعظمون الله إذا حجوا، وذبحوا الهدي، ونحروه، أخذوا اللحوم والدماء ولطخوا بها الكعبة، وكانوا يرون أن هذا تعظيم، ولذلك نهانا الله عن هذا على لسان نبينا عليه الصلاة والسلام: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37]، لا داعي إذا نحرتم هديكم وذبحتم أضاحيكم أن تأخذوا اللحم، وتنصبوه، وتقدموه للكعبة، ويسيل الدماء على الكعبة، فهذا ليس بتعظيم!

    إذاً: كيفية التعظيم لا يحددها إلا رب العالمين، هو الذي يقول: هذا أعظم به وهذا لا أعظم به.

    ولذلك إخوتي الكرام! العبادات توقيفية، أسماء الله وصفاته توقيفية، بما أنها توقيفية لابد من إرسال رسول، ونزول كتاب لنكون على بينة من أمرنا.

    الوجه الثاني في الجواب على الإشكال

    الأمر الثاني الذي من أجله لابد من إرسال الرسول وإنزال الكتاب أن نقول:

    إن العقل والفطرة يدلان على وجود الله ووجوب تعظيمه، ويدلان على أن من يقر بذلك ولم يعظم الله فهو مسيء ظالم مقصر، لكن هناك عقاب عليه في الآخرة أم لا؟ وما تفصيل العقاب الذي سيقع عليه إذا لم يقم بذلك؟ هذا لا يمكن للعقل أن يحدده، فجاءنا الشرع بالتكليف بتوحيد الله الذي دل عليه العقل والفطرة، وأخبرنا أننا إذا قمنا بذلك أُثبنا، وإذا تركناه عوقبنا.

    إذاً: توحيد الله يدل عليه فطرة مستقيمة، عقل صريح ونقل ثابت صحيح، العقل والفطرة يدلان على أن الله موجود، ويجب أن يُعبد وحده لا شريك له، ومن لم يقم بذلك على حسب ما في وسعه فهو مقصر ظالم، لكن ما هو العذاب الذي سيقع عليه؟

    جاءنا الشرع فأخبرنا أن من لم يعبد الله قبل مجيء رسول، فقد قصر وظلم، لكن الله تكرم وقال: لا عقوبة عليه إلا بعد إرسال رسول، فقبل إرسال الرسول من لم يوحد الله فهو محسن أو مسيء؟ مسيء، هو عادل أو ظالم؟ ظالم جائر، وضع الشيء في غير موضعه، لكن هذا الظلم لا يُعاقب عليه فضلاً من الله وكرماً.

    وقد أشار الله إلى الدليل الثاني في سورة الأنعام، فانتبهوا لهذه الدلالة في هذه الآية من القرآن، يقول الله جل وعلا في سورة الأنعام، في آية مائة وإحدى وثلاثين وما بعدها: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:128-130] انتبه: يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:130-131] .

    انتبه لهاتين الدلالتين، كل واحدة منهما أصفى من الذهب وأحلى من العسل، في تقرير ما أريده في النقطة الثانية، في الجواب على الإشكال الذي يرد في أذهان بعض الناس: لمَ توقف التكليف بتوحيد الله على مجيء الرسل، مع أن العقل والفطرة يقرران وجود الله ووجوب تعظيمه؟

    الله أثبت للناس قبل إرسال الرسل وصف الظلم، وأثبت لهم وصف الغفلة عن الدعوة: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:131]، إذاً: هم في غفلة، ما جاءهم الرسول، لكن مع غفلتهم ظالمون، ومع ذلك لا عقاب عليهم.

    تأملوا الآيات لتتضح الدلالة على وجه التمام: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ [الأنعام:128]، كم نسبة الكثرة؟ من الألف تسعمائة وتسعة وتسعون، هؤلاء من أتباع الشيطان، وواحد من أتباع الرحمن ورسل الله الكرام، من كل ألف ينجو واحد، ولذلك ليس العجب ممن هلك كيف هلك، فما أكثر الهلكى! إنما العجب ممن نجا كيف نجا، ما أكثر النجاسة، وما أكثر الأرذال: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:100].

    تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل

    والناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وما أكثر معدن الحديد والتنك، وما أقل معدن الذهب والفضة، قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ [الأنعام:128] نسبة كبيرة، ما سلم إلا واحد من الألف، وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ [الأنعام:128] الذين اتبعوا الجن وأغواهم الشياطين: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا [الأنعام:128] ، زينوا لنا المعاصي ونحن تبعناهم، وهذا هو الاستمتاع، هم يزينون لنا ونحن ننفذ، وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأنعام:128] .

    سيأتينا الكلام على هذا الاستثناء إن شاء الله عند أبدية النار وأبدية الجنة، وأقوى الأجوبة من أجوبة ثمانية قيلت، أن خلودكم فيها بمشيئة الله، كقول الله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى:6-7]، للدلالة على أن عدم نسيانك بمشيئة الله لا بجهدك، وهنا خلودهم في النار لا لأن أبدانهم صارت بطبيعة لا تقبل الهلاك والفناء، إنما شاء الله لها البقاء، قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا [الأنعام:128-130] أنه جاءت الرسل: وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:130-131] .

    يعني: أرسل الرسل، وأنزل الكتب، لئلا يهلكهم بظلمهم في حال غفلتهم، فأثبت لهم وصف الظلم في حال غفلتهم قبل مجيء الرسل إليهم، لكن قال: لا أعاقبهم على ظلمهم في حال غفلتهم، كرماً من ربهم جل وعلا: ذَلِكَ [الأنعام:131] يعني: أرسلت الرسل، واعترفوا بأن الرسل بلغوهم، ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ [الأنعام:131] بظلم منهم، وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:131] .

    فالذي لا يوحد الله قبل إرسال الرسل ظالم جائر، لكن لا عقاب عليه، فالله تكرم علينا، قال: ما أردت الظلم للناس قبل مجيء الرسل إليهم؛ لأنهم في غفلة؛ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس:6]، لكن في حال غفلتهم ليسوا مهتدين، إذا أشركوا بالحي القيوم فهم ظالمون، لكن لا عقاب على ظلمهم في حال غفلتهم: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام:131] .

    وقد قرر هذا الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في المدارج تقريراً محكماً قوياً، فانظروه في مدارج السالكين (3/406).

    إذاً: لابد من إرسال الرسل؛ لأجل أن يوضحوا للناس كيفية عبادة الله، وليبينوا ما يتصف به ربنا جل وعلا، ولأجل أن يثبت بعد ذلك بمجيئهم الثواب والعقاب.

    ولذلك يقول الإمام ابن القيم في المدارج في المكان المتقدم، في بيان منزلة الرسل عندما جاءوا، يقول:

    وكان الناس في لبس عظيم فجاءوا بالبيان فأظهروه

    يعني كانوا في لبس، كيف سيعبدون الله؟ كيف سيعظمونه؟

    وكان الناس في جهل عظيم فجاءوا باليقين فأذهبوه

    أي: أذهبوا الجهل

    وكان الناس في كفر عظيم فجاءوا بالرشاد فأبطلوه

    يعني: أبطلوا الكفر وذهب.

    والإمام ابن كثير عليه رحمة الله يقول مثل هذه الأبيات التي سمعها من شيخه الإمام ابن القيم عليه رحمة الله، وابن القيم وشيخه شيخان للإمام ابن كثير الذي توفي سنة (771هـ) أو (774) وتقدم معنا ذكر الإمام ابن كثير ، والإمام ابن القيم توفي سنة (7751هـ)، وابن تيمية سنة (728هـ)، فالإمام ابن تيمية وتلميذه شيخان للإمام ابن كثير، قد أدرك الإمام ابن كثير من حياة الإمام ابن تيمية ثماني وعشرين سنة؛ لأنه وُلد سنة (700هـ) وعاش إحدى وسبعين سنة عليه رحمة الله، فأدرك ثمانية وعشرين، لو قُدِّر أن سبع سنوات في سن التمييز، ثم بعد ذلك التمييز الكبير يلازم الشيخ ويأخذ منه، كما كان عادة سلفنا في طلب العلم من الصغر، لا سيما من كانوا من أسرة علمية كحال الإمام ابن كثير عليه رحمات ربنا الجليل.

    يقول الإمام ابن كثير في البداية والنهاية (12/74) في ترجمة العاتي أبي العلاء المعري ، الذي سيأتينا الإشارة إلى أحواله وأحوال أمثاله عند مصادر الكلام في توحيد ذي الجلال والإكرام، وسيأتينا ما مصادر الكلام في ذلك، سيأتينا ذكر هذا الضال، وماذا قال من أبيات رد عليه الإمام ابن كثير على غرار الأبيات من مدارج السالكين التي سمعها من الإمام ابن القيم ، يقول أبو العلاء المعري:

    فلا تحسب مقال الرسل حقاً ولكن قول زور بلغوه

    وكان الناس في عيش رغيد فجاءوا بالمُحال فكدروه

    هذا كلام من هو ذكي وليس بزكي، الذي هلك سنة (449هـ)، الملحد الزنديق أبو العلاء المعري ، وما يقول عنه الإمام ابن الجوزي إلا أنه خليفة إبليس، ولذلك يسميه الإمام ابن تيمية بـأبي العلاء ولأمثاله يقول: بالقدرية الإبليسية، بعد أن قسم القدرية إلى ثلاثة أقسام: قدرية مشركة، وقدرية مجوسية، وقدرية إبليسية، وهم الذين أقروا بخلق الله وشرعه، لكن قالوا: هناك تعارض بين خلقه وأمره؛ فإذاً: الذي خلق وأمر سفيه لا حكمة عنده، أعطاكم الحكمة ورضي لنفسه بالسفاهة!

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.