إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الرحيم الطحان
  3. مقدمة في علم التوحيد - السعادة الأبدية في توحيد رب البرية [1]

مقدمة في علم التوحيد - السعادة الأبدية في توحيد رب البرية [1]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تشتد حاجة الإنسان إلى علم التوحيد، فهو مما لا يستغني عنه المكلف بحال، فسعادته في الحياة متوقفة على توحيده لربه جل وعلا، وسعادته في أخراه متوقفة كذلك على توحيده لمولاه، وإذا عرف ذلك فلن يكون مستغرباً أن تدور نصوص الشرع جميعها على التوحيد، فهذه النصوص إما أن تكون عبارة عن أخبار عن ذات الله وإثبات ربوبيته وأسماء وصفاته، وإما أن تكون دعوة للعباد إلى إخلاص العبودية لربهم وخالقهم، وإما أن تكون أمر بواجب ودعوة إلى حلال، أو نهي عن حرام.

    1.   

    علم التوحيد والسعادة في الحياة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، يا أرحم الراحمين.

    اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخوتي الكرام! كنا نتدارس الأمر الرابع من المقدمة في توحيد ربنا جل وعلا، الأمر الأول كان في بيان معنى علم التوحيد، والأمر الثاني كان في موضوع علم التوحيد، والأمر الثالث كان في ثمرات علم التوحيد، والأمر الرابع في منزلة علم التوحيد ومكانته، وقلت: إن علم التوحيد هو أفضل العلوم وأعلاها مكانة وأرفعها منزلة، يدل على هذا خمسة أمور، هي:

    ميزان بيان مقدار العلم، فإذا أردنا أن نعرف مقدار علم من العلوم ومنزلته، فلنعرضه على هذه الأمور الخمسة التي هي ميزان دقيق يبين منزلة هذه العلوم، وهذه الأمور الخمسة ذكرتها -إخوتي الكرام- وشرحتها، وبقي في الموضوع جزء يسير من باب التتمة والإيضاح، أذكره لنربط الأمر الرابع بالمبحث الخامس الذي سنتدارسه في هذه الموعظة المباركة إن شاء الله، هذه الأمور الخمسة قلت التي نعرض عليها كل علم لنعرف قدره:

    أولاً: ننظر في موضوع ذلك العلم، وتقدم معنا أن علم التوحيد هو أشرف العلوم موضوعاً؛ لأنه يبحث في ثلاثة أمور مر الكلام فيها.

    والأمر الثاني: معلومه، وقلنا هو أشرف العلوم معلوماً، كيف لا وهو مراد الله الشرعي الذي دل عليه وحيه وكلامه، وهو الجامع للعقائد الحقة.

    والأمر الثالث: وثاقة دليله.

    والأمر الرابع: غاية العلم الذي نبحث فيه، وعلم التوحيد غايته هي أشرف الغايات، وهي تحصيل السعادة الأبدية.

    وخامس الأمور: الحاجة إلى ذلك العلم، وقلت: إن الحاجة إلى علم التوحيد ضرورية ماسة لا يستغني عنه مكلف، فسعادته في الآخرة متوقفة على توحيد ربه جل وعلا، وهكذا سعادته في الدنيا متوقفة على توحيد الله جل وعلا.

    وقلت: إنما اشتدت حاجة العباد إلى توحيد الله في هذه الحياة؛ لأنهم لا يهدءون ولا يستريحون ولا يطمئنون إلا بتوحيد الحي القيوم: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، فمن أعرض عن توحيد علام الغيوب فهو ميت في صورة حي، وسيأتينا أن توحيد الله للإنسان كالماء للسمك، وكما أن الأسماك لا تحيا بدون ماء، فهؤلاء المكلفين لا يحيون بدون توحيد رب العالمين، ولا يسعدون في هذه الحياة.

    ولذلك -إخوتي الكرام- قلت: إن أعظم عقدة ومشكلة يقابلها الإنسان في حياته هي: التساؤل الذي يدور في ذهن كل إنسان عند بلوغه: من أوجدني؟ ولمَ وجدت؟ وإلى أي شيء سأصير؟ وما هي صلتي بهذا الكون؟ ومن أوجد هذا الكون؟ وماذا كان قبله؟ وإلى أي شيء سينتهي هذا العالم بأسره؟ هذه التساؤلات لابد لها من إجابة، والموحد -كما تقدم معنا- يحصل إجابة مقنعة لعقله، مريحة لضميره، مسايرة لفطرته، فهو على بينة من ربه في هذه الحياة، والذين يعرضون عن توحيد الله يشقون في الحياة قبل الممات، وذكرنا كلام بعض الضائعين في هذه الحياة، كما نقلت لكم عن كلام المهلوس الضائع الشقي العاتي إيليا أبو ماضي عندما يقول:

    أتيت لا أدري من أين أتيت ووجدت قدامي طريقاً فمشيت

    من أين جئت وأين أمضي لست أدري ولماذا لست أدري لست أدري

    وكان تعليقنا عليه: أنه ليس يدري لأنه حمار أهلي، بل هو أحط من الحمار الأهلي، ولو كان عنده أدنى مُسكة من عقل لعلم أن الله أوجده، فالله خالق كل شيء سبحانه وتعالى، ووُجد لغاية نبيلة، ليحكم شرع الله في جميع شئون حياته، فيسعد في العاجل قبل الآجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] .

    وهذا كله -كما تقدم معنا إخوتي الكرام- مر الكلام عليه موضحاً مقرراً، بأدلته وبراهينه، وآخر شيء ذكرناه حديث صهيب رضي الله عنه، وستبدأ هذه الموعظة من بعد حديث صهيب ، فقد مر الكلام على حديث صهيب الثابت في المسند وصحيح مسلم ، عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).

    فهذه السعادة العاجلة لا يحصلها في هذه الحياة الفانية إلا من آمن بالله ووحده، فهو في حالة الرخاء يشكر رب الأرض والسماء، وفي حالة الضراء يصبر ويلجأ إلى ربه ويجأر إليه، وليس حاله كحال الشقي العاتي الذي: إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:20-21]، ولا يتنزه عن هذا الوصف إلا من وحد الله وأطاعه: إِلَّا الْمُصَلِّينَ [المعارج:22] كما قال رب العالمين سبحانه وتعالى.

    (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره له كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).

    وتقدم معنا -إخوتي الكرام- أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص ، ورواه الإمام أحمد وأبو يعلى أيضاً من حديث أنس بن مالك ، وأسانيد الحديث صحيحة، أما الأول فهو في صحيح مسلم ، وهكذا إسناد المسند عن سعد ، وإسناد المسند وأبي يعلى عن أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين، وحديث سعد وأنس في مجمع الزوائد (7/209).

    1.   

    حال من لا يوحد الرحمن شقاوة وضنك وعناء

    إخوتي الكرام! هذه السعادة لا يحصلها في هذه الحياة إلا من وحد الرحمن، ولذلك في هذه الحياة جنة عاجلة، تؤدى إلى جنة الله الآجلة في الدار الآخرة، وهذه الجنة العاجلة في الدنيا هي توحيد الله، هي عبادة الله، هي الأنس بالله، ووالله ما طابت الدنيا إلا بمحبة الله وتوحيده، وما طابت الآخرة إلا بجنته والنظر إلى نور وجهه الكريم سبحانه وتعالى.

    حكم الله على من لم يوحده في هذه الحياة بأنه من الموتى وإن كان في صورة حي، يقول الله جل وعلا في سورة الأنعام: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122].

    (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا) والمراد من الموت هنا موت القلب، وانقطاعه عن الرب، وهو تلبسه بالشرك والكفر، (فَأَحْيَيْنَاهُ) بنور التوحيد والإيمان، وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122] ، فكل من لم يوحد الله في هذه الحياة، فهو ميت في صورة حي.

    إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا حياة لمن لم يحي دينا

    ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا

    إن الذي لا يوحد الله جل وعلا ميت، وقد قرر الله هذا في آيات كثيرة، يقول جل وعلا في سورة النمل: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [النمل:76-81].

    إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80] ما المراد بالموتى هنا؟

    من ماتت قلوبهم، وفسدت ضمائرهم، وأظلمت صدورهم، وانتكست عقولهم، وخبُثت نفوسهم؛ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80]، والذي يدل على هذا قول الله في الآيات التي بعدها: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [النمل:81]، فمقابلة الموتى بالمسلمين يدل على أن المراد بالموتى الكافرون، هؤلاء كافرون لا يسمعون، وأولئك مؤمنون مهتدون.

    فالمراد من الموتى: موتى القلوب، فالذي لا يوحد علام الغيوب ميت لكنه في صورة حي، بدنه حي يأكل ويشرب كحال الأنعام وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد:12]، أما هذه القلوب فخربة فاسدة، مظلمة منتنة: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80]، وهذا التفسير هو أظهر القولين في تفسير الآية، وهو المنقول عن جمهور السلف.

    ونُقل قول آخر عن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، وهو منقول عن بعض السف الكرام ومآله إلى التفسير الأول، يقول: المراد بالموتى هنا موتى الأبدان؛ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80] ، أي: من مات بدنه لا يسمع منك إذا ناديته، والمراد نفي السماع الذي يترتب عليه الاهتداء، فكأن الله يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: إذا تلوت هذا القرآن على ميت في القبر يسمع ولا ينتفع، فحال هؤلاء الكفار يشبه من مات بدنه إذا تلوت عليهم القرآن يسمعون ولا ينتفعون، فعاد هذا التفسير إلى التفسير الأول؛ لكن هل المراد أصالة ميت القلب أو ميت البدن؟

    فعلى القول الأول: المراد من الموتى موتى القلوب، وعلى القول الثاني: موتى الأبدان، وسيقت هذه الآية لتشبيه حال الكافر عندما يسمع ولا ينتفع بحال ميت البدن عند سماعه وعدم انتفاعه، كما قال الله جل وعلا في سورة البقرة: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ [البقرة:171] أي: يصيح وينادى، بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [البقرة:171] ، فالكافر عندما تتلو عليه آيات القرآن يسمعها لكن لا ينتفع بها، والميت في قبره يسمعك، وسماع الميت أدق بكثير من سماع الحي وأقوى، وأنت إذا ذهبت إلى مقبرة ودخلت بابها وناديت في أهلها: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، أنتم سلفنا ونحن بالأثر، نسأل الله لنا ولكم العافية.

    كل ميت في تلك المقبرة يسمعك، ولو كانوا أحياء لما سمعوك، لا يسمعك إلا من كان قريباً منك، إن سماع الميت أقوى وأدق من سماع الحي، لكن هل يترتب على ذلك السماع أثر؟ إذا فهل سمع يجيب؟ لا، إذا سمع فهل ينتفع؟ فإذا كان كافراً يؤمن؟ لا، انقطع التكليف، وهو الآن في دار الجزاء وفي دار البرزخ، لكن يسمع، وسماعه أدق من سماعنا، ولو كان السلام على الموتى بمثابة السلام على الجماد لكان هذا لغواً.

    يسلم على من يسمع ويعي، ويدرك ويشعر شعوراً أدق من شعور الحي، لكن في حياة برزخية تناسب حالهم.

    وهذا سيأتينا تفصيله -إخوتي الكرام- عند مباحث توحيد ذي الجلال والإكرام، عندما نتكلم على حال الروح، وتعلقها في بدن الإنسان، ومن جملة متعلقاتها الخمسة: تعلقها في بدن الإنسان عندما يكون في البرزخ، فنتكلم على الحياة البرزخية عند ذلك المبحث إن شاء الله.

    إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80] من ماتت قلوبهم.. إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80] من ماتت أبدانهم، وهذا لتشبيه الكفار الذين ماتت قلوبهم عندما يسمعون ولا ينتفعون، بحال من ماتت أبدانهم عندما يسمعون ولا ينتفعون.

    ولله در الإمام ابن القيم عليه رحمة الله عندما يقول في إظهار هذا التشبيه:

    وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأبدانهم قبل القبور قبور

    وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور

    قوله: (وفي الجهل قبل الموت)، وأشنع أنواع الجهل الجهل بتوحيد الله جل وعلا، وتضييع الغاية التي من أجلها خُلق الإنس والجن، وفي الجهل قبل الموت موت لأهله، يعني: قبل أن يموت البدن يتصف صاحب البدن بالموت، لكن موت الروح لا موت البدن.

    وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأبدانهم قبل القبور قبور

    أي: هذا البدن يصبح مقبرة للقلب وللروح، كما أن القبر في بطن الأرض يصبح مقبرة للبدن، وأبدانهم قبل القبور قبور.

    وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور

    لا ينشرون ولا يبعثون ولا يستيقظون إلا عند نشرهم وبعثهم، عندما يقال لهم: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22] .

    وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور

    إخوتي الكرام! فمن لم يوحد ذا الجلال والإكرام يشقى في هذه الحياة قبل الممات، كما سيشقى بعد الممات، ولذلك هو ميت القلب وعليه غضب الرب، يقول الله جل وعلا مخبراً عن هذا الصنف في صورة الأعراف: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا [الأعراف:179] أي: أعددنا وهيأنا وجعلنا، وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179]، كما قلنا عن ذلك العاتي: إنه أحط من الحمار الأهلي، أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    1.   

    حال الكافرين من الذل والضنك في الحياة

    ويجعل الله للكافرين ذلة في هذه الحياة، ولهم ذلة أعظم وأفظع بعد الممات، وكل من أعرض عن توحيد الله جل وعلا سيناله ذل، وضنك، وشدة، وعناء في هذه الحياة، شاء أم أبى، وصدق الله عندما يقرر هذا في كتابه في سورة الأعراف أيضاً فيقول: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف:152] هذه خاصة بمن عبد العجل، أو عامة لكل من لم يوحد الله عز وجل؟ عامة، أكمل الآية: سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [الأعراف:152] ، كل من افترى على رب العالمين، سيناله غضب من ربه وذلة في هذه الحياة وشقاء بعد الممات: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [الأعراف:152] .

    فسنة الله بين عباده ثابتة، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب:62]، كما قال في حق المؤمنين: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ [الأنبياء:87-88] هذا خاص به؟ لا: وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88] ، وهكذا في حق العقوبة: سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [الأعراف:152] .

    ورحمة الله على سيد المسلمين في زمانه أبي سعيد الحسن البصري ، عندما يتحدث عن هؤلاء الصنف فيقول: إنهم وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، إن أثر ذل المعصية في جباههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه!

    الهملجة: نوع من السير كما قال عنه علماء اللغة، سرعة في تبختر.

    والبراذين: جمع برذون، وهي الخيول التركية، وهو عظيم الخلقة، إذا مشى له وقع عظيم، ويقال له: البغل، ويقال له: الكِبيش في بلاد الشام.

    إنهم وإن همَّلجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، البغال عندما يركبها الراكب تضرب حوافرها على الأرض، فتجعل لمشيها صوتاً وطقطقة.

    إن هملجت: أي مشت مسرعة متبخترة، وهذا كما يحصل لحال العتاة في هذه الأوقات، عندما يخرجون ومعهم حرسهم، البراذين تهملج بهم، والبغال تطقطق، وخدم وحشم، انظر إليهم؛ ذل في جباههم، وقتر في وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.

    إنهم وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، إن أثر الذل لفي جباههم، إن أثر المعصية لفي جباههم، وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [الأعراف:152]، وذلة في الحياة الدنيا، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.

    1.   

    توحيد الله هو الفقه الأكبر

    إذاً: إخوتي الكرام! الحاجة إلى توحيد ذي الجلال والإكرام، حاجة ضرورية لا يستغني عنها مكلف في وقت من الأوقات، ولذلك تحصل السعادة للمكلف في جميع الأطوار، إذا وحد العزيز الغفار، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، وهي توحيد الله جل وعلا، ومعرفته، وعبادته، والأنس به سبحانه وتعالى.

    وهذا المعنى -إخوتي الكرام- وضحه الإمام ابن القيم في كتابه الوابل الصيب (ص:62) فما بعدها، وتحدث عنه مفصلاً في مقدمة كتابه إغاثة اللهفان، فانظروا هذين الكتابين ففيهما خير عظيم، لا سيما الكتاب الأول الوابل الصيب، فذكر في المكان المشار إليه أخباراً سارة طيبة عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير هذا الأصل، وأن جنة الله العاجلة في هذه الحياة، هي توحيد رب الأرض والسماء.

    وانطلاقاً من هذا المعنى: أطلق أئمتنا على توحيد الله جل وعلا الفقه الأكبر، تمييزاً له عن الفقه الذي يتحدث عن أمور العبادات والمعاملات وعن العقوبات، سموه بالفقه الأكبر ليميزوا بينه وبين الفقه المتعلق بأحكام المكلفين، وقد ألف إمام من أئمتنا الكرام في القرن الثاني كتاباً في هذا الخصوص، سماه الفقه الأكبر، وهو لشيخ الإسلام وإمام الأئمة وفقيه الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت ، الذي توفي (سنة 150هـ) عليه رحمة الله، وهو كتاب يقع في أربع صفحات من القَطع الكبير، وشرحه الشيخ ملا علي القاري ، في سبعين ومائة صفحة من القطع الكبير، لو أُفرد الكتاب لأخذ قرابة أربعمائة صفحة من القطع الصغير في الكتابة المعروفة بيننا في الكتب المتداولة عندنا، شرح الفقه الأكبر، المتن للإمام أبي حنيفة ، وشرحه للشيخ ملا علي القاري، والفقه الأكبر هو توحيد الله عز وجل.

    1.   

    دوران جميع نصوص الشرع حول التوحيد

    لا عجب إخوتي الكرام، فتوحيد ذي الجلال والإكرام جميع نصوص الشرع المطهر تدور عليه وتتحدث عنه، لا يوجد آية من كتاب الله، ولا حديث من رسول الله عليه الصلاة والسلام، في أي موضوع تتحدث الآية عنه، أو الحديث الشريف، إلا وذلك الموضوع يدور حول توحيد الله جل وعلا.

    ووجه ذلك كما قرر هذا الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (3/450) قال: جميع نصوص الشرع المطهرة، من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تدور حول التوحيد، وتتحدث عنه، وترتبط به، كيف هذا؟ قال: لأن ما تحدثت عنه نصوص الشرع المطهر يدور حول أمور خمسة لا سادس لها:

    أولها: إما أن تتحدث نصوص القرآن والسنة عما لله من أسماء وصفات سبحانه وتعالى، خبر عن الله، وعن أسمائه الحسنى، وعن صفاته العلى، وهذا يقال له التوحيد العلمي الخبري النظري، وهذا الذي يسمى بتوحيد الإثبات والمعرفة، ويدخل تحته نوعان من أنواع التوحيد، توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وسيأتينا إيضاح هذا عند الكلام على أقسام التوحيد إن شاء الله.

    إذاً: خبر عن الله وعما له من صفات وأسماء سبحانه وتعالى، هذا توحيد علمي خبري، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] توحيد، هو رب العالمين، الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] توحيد، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] توحيد، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:1-2] توحيد علمي خبري، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:22-24]، توحيد علمي خبري، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] توحيد، هذا النوع الأول، نصوص تتحدث عنه.

    النوع الثاني: دعوة الخلق إلى عبادة خالقهم وحده لا شريك له، ونبذ ما يُعبد من دونه من الأنداد والطواغيت، وهذا هو التوحيد العملي، الذي يقال له: توحيد في القصد والطلب، توحيد العبادة، توحيد الألوهية، عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ ما يعبد من دونه، وهذا هو الذي من أجله خلق الله المكلفين: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وكل رسول كان يقول لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، آيات كثيرة تتحدث عن هذا، ففي أول سورة النحل: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [النحل:1-2].

    آيات كثيرة تتحدث عن دعوة الخلق إلى عبادة خالقهم، وإفراده بالعبادة، ونبذ الأنداد والطواغيت، وهذا كما قلنا: توحيد طلبي، كما أن ذاك توحيد خبري، هذا توحيد عملي، كما أن ذاك توحيد علمي، وسيأتينا هذا موضحاً بأمثلته الكثيرة وأدلته -كما قلت- عند أقسام التوحيد إن شاء الله.

    النوع الثالث: الذي تتحدث عنه نصوص القرآن والسنة، موضوعات علم الفقه من أولها لآخرها، أمر ونهي، افعلوا واتركوا، هذا حلال وهذا حرام؛ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97]، وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90].